الرئيسية / صفحات مميزة / مقالات لكتاب سوريين تناولت “جنيف 2”

مقالات لكتاب سوريين تناولت “جنيف 2”

الخطاب الفضيحة!/ ميشيل كيلو

لا يمكن إيجاد كلمة أخرى غير كلمة «فضيحة» لوصف خطاب وزير خارجية الأسد وليد المعلم أمام المؤتمر الدولي للسلام في سوريا، الذي انعقد يوم الـ21 من شهر يناير (كانون الثاني) في مدينة مونترو السويسرية. قال المعلم للحاضرين من أربعين دولة بينها الدول الخمس الكبرى: أنتم إرهابيون، والنظام السوري مصمم على محاربتكم حتى النهاية، لذلك عليكم كدول تأييد الحرب التي يشنها عليكم!

لا عجب أن الخطاب صعق الحضور وأصابهم بالذهول، وجعلهم يتساءلون باستهجان إن كان الرجل يقرأ خطابا أملته عليه المخابرات السورية، المعروفة بإجبار مسؤولي النظام على قول ما تمليه عليهم من تصريحات. قال المستمعون: من غير المعقول أن يكون المعلم على قدر من الغباء يدفعه إلى إلقاء خطاب تحدٍّ عبثي ومحبط، بينما يغرق نظامه في بحر من دماء الشعب السوري. وتساءلوا: كيف يمكن لدبلوماسي محترف كالمعلم تقديم هدية مجانية للائتلاف الوطني هي هذا الخطاب الحافل بالأكاذيب؟ في النهاية، حاولت التخمينات تفسير أسباب الخطاب الفضيحة، فقال بعضها:

– إن المعلم يخاطب شبيحة وعسكر الأسد كي يرفع معنوياتهم ويقنعهم بأن خط السلطة مبدئي، وأنه هو الذي يوجه خطاهم، وليس ما يتهمهم الشعب به من فساد وأنانية وإجرام. هذا الرأي أكده قيام الشبيحة بإطلاق النار خلال استماعهم إلى المعلم، مع ما حمله تصرفهم من خطاب موجه بدوره إلى الخارج، يبلغه أن نظامهم يتحداه ولا يأبه بمواقفه حياله، وبالعزلة التي فرضها عليه، وبما شعر به من خيبة، بل وبما شاع حول ما قاله له لافروف، وزير خارجية روسيا، بغضب: إن خطابك لم يخدم أصدقاءك.

– إن المعلم كان يواصل وضع العالم أمام حتمية الاختيار بين نظامه وبين ما يسميه تنظيمات القاعدة، وإنه ركز كلامه لهذه الغاية على أطروحة يحبها الغربيون هي «الحرب ضد الإرهاب»، عندما حاول إقناعهم بجدية نظامه في كل ما يتصل بخوض هذه الحرب، «بالنيابة عن العالم، وللحفاظ على أمنه واستقراره»، كما قال الخطاب، وللمحافظة على الأقليات، وخصوصا منها المسيحية، التي ذكرها بالاسم، وزعم وفده في لقاءات صحافية لاحقة أن الأسد يحميها من الإرهابيين، وأن سياساته وخياراته الأمنية والعنيفة، التي تستقدم الإرهاب إلى سوريا وتدفع شعبها إلى الاقتتال والتفكك، ليست هي الخطر الذي يهدد وجود ووحدة شعب ومجتمع سوريا. كان المعلم يريد إقناع العالم بأن نظامه هو الوحيد الذي يدرك خفايا وأبعاد الحرب ضد الإرهاب، والوحيد الذي يقدم ما يتطلبه الانتصار فيها من تضحيات تصون أمن العالم، الذي كان سيساعده وسيقف إلى جانبه لو كان يعي حقيقة ما يحدث، وشرحه في خطابه.

– إن المعلم أراد إحداث اختراق في علاقات بلاده بالعالم، وخصوصا منه الغربي، فقد سبقت وصوله شائعة تقول إنه عالق في اليونان لأنها رفضت تزويد طائرته بالوقود، تطبيقا لنظام عقوبات دولي يستهدف حكومته، ولأنه تعمد من جانبه ألا يملأ خزان طائرته كي يشتري الوقود من دولة أوروبية، ويحدث اختراقا في هذا النظام. إلى هذا، لفت الأنظار عدد الصحافيين المرافقين للوفد ونوعية نشاطهم اليومي، وتعمدهم التحرش بالجميع، موالين وخصوما، عربا وأجانب، ودعوتهم إلى التحدث مع وسائل الإعلام الأسدية، وقصر أسئلتهم على «همروجة» الإرهاب، واحتلالهم معظم المقاعد في أي مؤتمر صحافي، ونقلهم أنباء مفبركة تقنع الجمهور السوري بقوة موقف النظام وعدالة معركته، المحرجة للآخرين عموما، وللمعارضة على وجه الخصوص. من يراقب سلوك وفد السلطة، وامتناعه عن التفاوض مع المعارضة، ونزول معظم أعضائه يوميا إلى المركز الإعلامي في مبنى الأمم المتحدة، سيقتنع بأن هذا الوفد جاء إلى جنيف كي يخوض معركة إعلامية تعيد تأهيل نظامه لدى الرأي العام الغربي والدولي، وتكسر جدار العزلة السميك المضروب حوله. يفسر هذا قرار تجميد نشاط الوفد السياسي وتعطيل التفاوض، وبقاء أعضائه جميعهم في جنيف، حيث يخوضون معركة تضليل إعلامي شرسة ومدروسة ويديرون ظهورهم لأي حل سياسي يخرج سوريا من ورطتها.

كان العالم يريد إحداث تقدم ما في تطبيق القرار 2118 ووثيقة جنيف الخاصة بحل يلبي تطلعات الشعب السوري ومطالبه ويوقف قتله، فجاء الوفد الأسدي لإقناعه بسخف مسعاه وتهافته، وبضرورة التحالف معه ضد إرهاب يجسده كل من لا ينتمي إليه كوفد المعارضة وشعب سوريا، الذي يقاوم الأسد ويناضل لإسقاط نظامه.

هل نجح؟ لقد قوض جزءا كبيرا من ثقة أصدقائه فيه، وأقنع خصومه بصحة مواقفهم منه، وشجع قطاعات واسعة من جماهير المحايدين في سوريا على تأييد المعارضة، ونفر الأمم المتحدة من عدوانيته وتجبره، ووحد السوريات والسوريين من جديد ضده.

لقد أثبت خطاب المعلم أن النظام الذي أملى عليه كلماته صار خارج العالم، وأن عقله معطل وعنفه بلا حدود، وأنه قادر على إقناع الآخرين بضرورة إسقاطه!

الشرق الأوسط

لماذا البدء بهيئة الحكم الانتقالي/ برهان غليون

    كثير من السوريين الذين يتابعون مفاوضات جنيف التي لم تبدأ حقيقة بعد يسألون مالفرق بين جنيف١ وجنيف ٢، وما قيمة هذا وذاك في المفاوضات.

    جنيف١ يشير اليوم إلى بيان صدر في 30 حزيران/يونيو 2012 عن مؤتمر عقد في جنيف لمجموعة العمل من أجل سورية، رسمت فيه مباديء لحل الازمة السورية، وتعبيد الطريق نحو المصالحة والسلم الأهلي. ومن أهم مبادئه: وقف إطلاق النار وسحب الاسلحة الثقيلة من المدن وإطلاق سراح المعتقلين والسماح بإيصال المساعدات الإنسانية إلى جميع المحتاجين لها وتشكيل هيئة حكم انتقالي تتمتع بكامل السلطات التنفيذية، ويمكن أن تتضمن أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومجموعات أخرى، وينبغي أن تشكّل على أساس من التوافق المتبادل.

    وبعد فشل بعثة المراقبين الدوليين، التي ارسلها المبعوث الدولي كوفي أنان، في تحقيق وقف جدي لإطلاق النار، وعلى اثر استخدام النظام السوري الاسلحة الكيماوية في ريف دمشق، صوت مجلس الامن في ٢٧ ايلول ٢٠١٣ على قرار جدبد طالب فيه، إضافة إلى تدمير السلاح الكيماوي، بالعودة إلى تطبيق بيان جنيف واحد، لكن هذه المرة بدءا من تشكيل هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات.

    سبب البدء بتشكيل الهيئة هو ضمان وجود آلية لتطبيق النقاط الخمس الأخرى.

    هكذا أصبح بيان جنيف١ بنقاطه الست هو خريطة الطريق أو الخريطة التي تدلنا على الطريق، وتحولت هيئة الحكم الانتقالي إلى الحصان الذي نحتاجه للوصول إلى هدفنا في نهاية الطريق.

    من هنا إصرار الائتلاف والمعارضة على أن يعطى هئة الحكم الانتقالية الأولوية، لأنه لايمكن من دونها التوصل إلى اي اتفاق حول البنود الأخرى.

    ولو تأملنا قليلا في الموضوع لوجدنا أن مفهوم الهيئة الانتقالية كما جاء به القرار الدولي هو التوصل إلى اتفاق بين الأطراف، أو اتفاق وطني يخلق بالتأكيد أرضية مشتركة لعمل وطني منظم قادر على مواجهة تحديات الفوضى والخراب وإعادة البناء القانوني والسياسي والانساني.

    فكما أن رسم معالم الطريق لا يكفي للوصول إلى الهدف، وأنه كيما يصل المرء إلى آخر الطريق لا بد له من مركبة تحمله، كذلك يحتاج العمل على نقل سورية من الاستبداد والعنف والخراب إلى الديمقراطية التعددية إلى قوة قادرة على مصالحة الشعب مع نفسه وتوحيده وتامين القوة المتسقة التي تساعده على تحقيق أهدافه.

    هذا هو جوهر الخلاف الذي يعرقل التقدم في جنيف: وفد النظام يريد أن يعيد سيرة وتجربة كوفي أنان التي بدأت بوقف إطلاق النار ولم تصل لنتيجة لأن وقف الحرب يستدعي أن يتفق الطرفان أو الأطراف على شروط السلام، بينما يريد وفد المعارضة التفاهم حول بناء هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات تفوم بالتوافق بين السوريين، وبالتالي تؤسس للسلام وتضمن وضع حد للحرب، والدخول في منطق المصالحة الوطنية واعادة الاعمار على كل الجبهات، الأخلاقية والسياسية والعسكرية.

    لكن حتى يمكن إنشاء مثل هذه الهيئة التي ستحل محل النظام القائم، لابد من التفاهم بين الأطراف على هوية سورية المستقبل وقيمها ومباديء حكمها السياسي، وكل ما يضمن المشاركة المتساوية لجميع السوريين في بناء سورية الجديدة، أي التوافق على مضمون ومعنى الديمقراطية السورية المنشودة.

النتائج الممكنة لمؤتمر جنيف2 والموقف منها/ سلامة كيلة

ماذا يمكن أن ينتج عن مؤتمر جنيف2؟ ربما هذا هو السؤال الأكثر ترددا هذه الأيام. في هذا المجال لا بد من التمييز بين الموقف وسياق الواقع الموضوعي، أي بين ما نريد وبين ما يمكن أن يجري في الواقع.

وبالتالي علينا أن نتلمس هل أن ما يمكن أن يجري سيكون مفيدا في شكل ما أو على العكس من ذلك سيكون ضد الثورة؟

هذه النظرة يمكن أن تساعد في الخروج من منطق حدي يقود إلى اتخاذ مواقف تدعم أو ترفض نتيجة تلمس بعض الزوايا، ولمس بعض النزعات هنا أو هناك. فالمسألة أعقد من أن نكون مع أو ضد جنيف2، حيث لا بد أولا من فهم ما يريد الشعب بدقة، ومن ثم فهم الواقع القائم، وتلمس كل مشكلاته، وبالتالي رؤية الممكن على ضوء ذلك، ومن ثم تحديد هل أنه يخدم الثورة أو يلحق الضرر بها؟

لهذا فإن الأمر لا يتعلق بموقف “ذاتي”، بل لا بد من فهم مجريات الواقع بعيدا عن تحيزاتنا ومواقفنا ومطالبنا، لكي يكون الموقف الممكن مطابقا لممكنات الواقع، لكن في سياق يخدم الثورة ذاتها، وليس من أجل تصفيتها.

من هذا المنظور يمكن التحديد أولا بأن ما يمكن أن يجري في جنيف2، إذا نجح تماما وأطيح ببشار الأسد والفئة “العائلية” المسيطرة على السلطة، لن يحقق المطالب التي ثار الشعب من أجل تحقيقها، لا فيما يخص الدولة المدنية (ولن أقول العلمانية لأن النخب السورية كانت أهزل من أن تطرحها، بل طالبت بدولة ديمقراطية)، ولا بحل مشكلات البطالة (30% من القوى العاملة) والفقر (نسبة مشابهة) والتهميش وانهيار التعليم والصحة.

فالطرف السلطوي المشارك في الحل، والمعارضة السورية كلها ليس لديها بديل عن الاقتصاد الحر والسياسات الليبرالية، ولقد كان الإفقار والتهميش والبطالة كلها نتاج هذه السياسات، وإعادة إنتاجها سوف تزيد من البطالة والفقر والتهميش.

هذا المستوى لا خلاف عليه بين السلطة والمعارضة، ويكمن الخلاف في من يحتكر السيطرة على الاقتصاد، هل آل مخلوف والأسد وشاليش (بالتحالف مع البرجوازية التجارية الشامية الحلبية)، أو ينتهي احتكار هؤلاء لمصلحة احتكاري جديد (ربما البرجوازية ذاتها، مع بعض رجال الأعمال المنخرطين في المعارضة الآن، لأن السيطرة السابقة كانت تهمش دورهم)؟

بالتالي فإن ما يجري هو إعادة إنتاج للسلطة كبنية طبقية، أي كاقتصاد ليبرالي مهيمن عليه من أقلية تحتكر الثروة.

هذا في المستوى المحلي، أما انطلاقا من فاعلية القوى الدولية، التي باتت تحدد مسار الحل، فإن الأمر بات في مصلحة المافيا الروسية التي أصبحت موكّلة باحتكار “السوق السوري”، وبهذا سوف يستمر “النهب الإمبريالي” لكن مع تحوّل المركز المهيمن.

وإذا كان هناك صراع على الهيمنة في السنوات السابقة بين كل من تركيا وفرنسا وقطر، وإيران، في ظل ابتعاد أميركا وميلها لفرض عقوبات على السلطة السورية، وحيث حصلت كل من تركيا وقطر على موقع مميز، فإن المرحلة القادمة سوف تشهد سيطرة روسية كاملة، ربما مع هوامش لإيران وتركيا، وبمشاركة صينية.

وهذا يعني استحكام السيطرة الإمبريالية، وتعميق النهب، خصوصا ونحن نشهد ضرورة إعادة إعمار ما تهدّم بفعل وحشية السلطة، وهذا الأمر سوف يراكم مديونية عالية على الدولة، ويجعلها تخضع أكثر فأكثر للنهب الإمبريالي.

هذا هو جوهر الحل الذي يمكن أن يفرض من قبل كل من أميركا وروسيا، وهو الحل الذي لا يحقق مطالب الشعب، وربما يؤسس ضرورة لقدر من الانفراج “الديمقراطي” نتيجة الحاجة لقبول قوى جديدة في السلطة من أجل “إنهاء الثورة”، وكضرورة فرضتها مطالب الشعب (والنخب خصوصا) بالحرية.

وبالتالي ربما يخلق وضعا مشابها لأوضاع تونس ومصر من حيث “المتنفس الديمقراطي” الذي يختزل بالانتخابات “الحرة”، وبعض الحرية للصحافة والأحزاب والنقابات وأشكال الاحتجاج الأخرى.

وهو الحل الذي سوف يجعل الشعب يستمر في الثورة، ويفرض التأكيد على ضرورة استمرار الصراع من أجل تحقيق مطالب الشعب، ولا بد من ملاحظة هنا هي أن كل الثورات العربية لم تستطع بعد تحقيق هذه المطالب، ولم يتغيّر سوى شكل السلطة.

ولذا فإن الحراكات الشعبية ما زالت مستمرة، رغم أن الثورات أطاحت برؤساء وحاشيتهم، هذا ناهيك عن كل الدمار والقتل الذي حدث في سوريا، ولهذا سيبدو أن ترحيل بشار الأسد مطلب ضروري في كل الأحوال.

انطلاقا من هذه الرؤية لا إمكانية للموافقة على الحل الذي يمكن أن يخرج عن جنيف2، سواء ظل الأسد (وهذا احتمال ير ممكن كما سنوضح) أو رحل. طبعا إلا من قبل الفئات التي سوف تستفيد منه عبر وصولها إلى السلطة.

وهذا الأمر يفرض البحث في وضع الآليات التي يستلزمها تطوير الثورة، وإعادة بنائها بما يجعلها تخرج من عفويتها وفوضويتها وسيطرة “العسكرة” عليها، ويؤسس لها قيادة فعلية.

لكن، لا بد من النظر الموضوعي لما يجري، ليس بالضرورة لتغيير الموقف الآنف الذكر، بل لكي يوضع في السياق الذي تجري فيه الأحداث، فيخرج عن أن يكون “موقفا أخلاقيا” أو “أيديولوجيا” أو دوغمائيا.

فالواقع يحتمل موقفا مركبا يتجاوز القبول أو الرفض (ويتضمن القبول والرفض معا)، لهذا لا بد من فهم الواقع كما هو من أجل الوصول إلى هذا الموقف المركب، فالموقف المبدئي المنطلق من معرفة النتائج سوف يوصل إلى الرفض حتما، لكن هل يتطابق هذا مع الواقع العياني؟ وإذا كان الحل مرفوضا، ما هي “قيمته” في الواقع القائم الآن؟

من هذا المنظور يمكن القول إن استعصاء بات يلف الصراع، وإن المسألة السورية باتت بقبضة القوى الدولية، روسيا وأميركا خصوصا، وإن الوضع الشعبي بات في غاية الصعوبة نتيجة أن عددا كبيرا صار لاجئا في الداخل أو في الدول المجاورة (تقريبا ثلث الشعب).

هذا فضلا عن أن نتيجة الوضع أدت إلى صعوبة شديدة في القدرة على العيش نتيجة انهيار الوضع الاقتصادي، وأسوأ نتيجة الحصار الشديد المفروض على مناطق عديدة، إضافة إلى الوضع الأمني السيئ في كل المناطق.

فالثورة تعسكرت بشكل عشوائي، وهو الأمر الذي أدى إلى “اختراقها” من جهة، وإلى الفشل في ممارسة سياسة عسكرية صحيحة في الصراع نتيجة غياب الخبرة لدى المقاتلين من جهة أخرى، وذلك نتيجة دخول قوى أصولية لا تفعل سوى التخريب والإرباك، وتحولها إلى قوة كبيرة بفعل الدعم المالي من قوى إقليمية.

وبالتالي فقد تشكل جسم عسكري مفكك ومتناقض، وذو طابع محلي، ونمت على هامشه قوى مخترقة أو عصابات عملت على استغلال الفوضى لكي تستفيد ماليا.

هذا الأمر يوضح أن الثورة بالقوى العسكرية التي تكونها، وبالخبرات والسياسات العسكرية، لا تستطيع إسقاط النظام، خصوصا أن الصراع انفتح ضد داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، ويمكن أن ينفتح ضد جبهة النصرة والجبهة الإسلامية نتيجة الأجندات التي تمثلها وتؤدي إلى تخريب الثورة.

كما أن الثورة باتت بلا هدف واضح بعد أن تراجع شعار الحرية، وبدأت تطغى شعارات الدولة الإسلامية، وهو الأمر الذي أربك قطاعا كبيرا من الشعب الذي خاض الثورة وأراد تغيير النظام من أجل الحرية والعدالة.

في المقابل فقد ضعفت السلطة نتيجة تدمير جزء مهم من “بنيتها الصلبة”، وعجزها عن استخدام كل قطاعات الجيش نتيجة الاحتقان الذي تولّد لديها كونها جزءا من الشعب ومن المناطق التي ثارت ووُوجهت بالعنف الشديد. وباتت محمولة من قوى عسكرية خارجية، من إيران وحزب الله والقوى الطائفية العراقية، وبدعم عسكري روسي كبير. وبهذا أصبح صراع الشعب مع “قوى خارجية”، تريد الحفاظ على السلطة، وتعمل على منع سقوطها.

وهذا هو الاستعصاء القائم، الذي لا يبدو أن له حلا الآن، فالثورة ليس من السهولة إعادة بناء قواها بشكل مختلف في ظل سيطرة السلاح، وقوى السلطة بداعميها الإقليميين لم تستطع إنهاء الثورة والانتصار عليها، ولا يبدو أن هذا ممكنا في الفترة القادمة.

وما هو ظاهر هو تزايد القتل والدمار، والوحشية التي تزيد من فضح السلطة، في وضع باتت “المسألة السورية” تنعكس سلبا على “دول الجوار”، بالضبط نتيجة مشاركة قوى طائفية في قتل الشعب السوري دفاعا عن السلطة (لبنان والعراق)، أو نتيجة إرهاق وضع اللاجئين بعد أن تزايد عددهم كثيرا.

ما أشرت إليه يوصل إلى أن الشعب بات يمكن له أن يقبل بحل نتيجة “فقدان الهدف” من جهة، والوضع الشديد الصعوبة الذي يعيشه من جهة أخرى، وربما هذا ما أرادته بعض القوى الدولية (روسيا)، لكنه أيضا يوصل إلى أن استمرار السلطة بات مستحيلا، وأن استمرار الصراع سوف ينعكس سلبا على كل المحيط الإقليمي والوضع العالمي.

هذه المسألة ربما هي التي توحي بأن روسيا وأميركا باتتا معنيتين بفرض حل، فقد حققت أميركا تدمير سوريا (بقوى السلطة وبالسلاح الروسي)، وباتت معنية بإرضاء الروس عبر مساعدتهم على فرض سلطة “تابعة”.

وروسيا باتت مرهقة في المسألة السورية وتريد ترتيب وضع سوريا بما يسمح لها بالتمدد في “الشرق الأوسط”، ولهذا بات مطلوبا “الوصول إلى حل”.

لقد وصلت المسألة السورية إلى حالة من التخثر الذي قد يفضي إلى “الخروج عن السيطرة”، لهذا تقرر عقد جنيف2 بعد أن أصبح الأمر موثقا في قرار من مجلس الأمن الدولي.

والحل هو “خريطة الطريق” المقررة في جنيف1 من قبل مجموعة العمل الخاصة بسوريا، وخصوصا من قبل روسيا وأميركا. وتقوم على تشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحية، لكي تعيد ترتيب وضع السلطة، والتحضير لكتابة دستور جديد وانتخابات رئاسية وبرلمانية، بعد أن يكون قد جرى وقف الصراع المسلح، وإطلاق سراح المعتقلين، وعودة المهجرين، والبدء بإعادة الإعمار.

لكن هذا الأمر يُواجه برفض من طرفين: بشار الأسد والدائرة المحيطة به، بالضبط لأن الحل ينهي سلطته، وبعض أطراف المعارضة التي أخرج بعضها من اللعبة. وتبقى المسألة التي تحتاج إلى حل هي كيفية إخراج بشار الأسد من السلطة لكي يتحقق الحل، وأيضا كيفية إنهاء وجود القوى الأصولية.

إذا تحقق هذا الحل فما هو مفيد فيه هو رحيل بشار الأسد والعائلة والمافيا المحيطة به من جهة، وإنهاء الصراع المسلح من جهة أخرى، وبالتالي وقف وحشية السلطة والانتقال إلى مرحلة ستشهد انفراجا ديمقراطيا.

إضافة إلى محاولة العودة لحياة طبيعية للشعب، المهجّر والمحاصر، وأيضا لباقي الشعب عموما الذي اختنق من توقف عجلة الاقتصاد والضغط الأمني الشديد والتعرّض للقتل اليومي. ومن ثم تهميش دور القوى الأصولية، لينفتح الأفق على إعادة بناء الصراع على أسس جديدة.

وهذا ربما يكون مفيدا لإعادة بناء الثورة عبر إعادة تفعيل المجتمع، وتنظيم الصراع وفق أهداف واضحة ورؤية تسمح بتطوير الصراع من أجل التغيير.

هذه المسائل لا تبدو ممكنة الآن في ظل الوحشية التي تمارسها السلطة، والتي سمحت بأن يصبح السلاح هو الرد الوحيد، ومن ثم توسع دور القوى الأصولية بفعل التأثير الإقليمي.

من هذا المنظور لا أرى أن السلطة الجديدة يمكن أن تحقق مطالب الشعب، إلا أن الحل يمكن أن يوفر فرصة لإعادة بناء الثورة من قبل القوى التي تريد تحقيق تلك المطالب بتحقيق التغيير الجذري في بنية الدولة ككل، لكنها في ذلك ستكون في تصادم مع السلطة الجديدة، وفي وضع أفضل من حالة الاستعصاء القائمة الآن.

الجزيرة نت

لهذه الأسباب رفضت «هـيئة التنسيق» المشاركة في “جنيف 2″/ منذر خدام

لقد بدأ لغزاً لكثيرين، وحتى لأعضاء منها، امتناع «هيئة التنسيق» عن المشاركة في مؤتمر «جنيف 2» لحل الأزمة السورية الذي لطالما أعلنت تأييدها له، واستعدادها للعمل على إنجاحه في حال دعيت للمشاركة فيه. في حقيقة الأمر شكّل موقف الهيئة هذا الذي أعلنته في بيانها الذي وجهته إلى الشعب السوري بتاريخ 15/ 1/ 2014 خيبة أمل لكثير من السوريين، الذين يتطلعون إلى رؤية بصيص ضوء في نهاية النفق الذي وضعهم نظامهم فيه، وعرضهم بالتالي لمحنة لم يحدث مثلها منذ الحرب العالمية الثانية.

ورغم كل الحجج التي ساقتها الهيئة في بيانها، بل ورغم كل تصريحات قادتها الشارحة والمفسرة لأسباب المقاطعة مع ذلك لا تزال لدى كثيرين شكوك بأنّ وراء الأكمة ما وراءها، وأن الأسباب الحقيقية لمقاطعة الهيئة لمؤتمر جنيف هي غير تلك التي ذكرت في البيان.

حقيقة الأمر لا توجد أكمة ولا يوجد بالتالي شيء مخفي وراءها. لتبيان ذلك لا بأس من التذكير بأن «هيئة التنسيق» منذ إنشائها في حزيران عام 2011 كأكبر وأوسع تحالف سياسي لقوى المعارضة السورية في الداخل كانت قد بنت استراتيجيتها السياسية على أساس دعم حق الشعب السوري في التظاهر السلمي لتحقيق مطالبه في الحرية والكرامة والديمقراطية، وكانت تحذر دائماً من مخاطر عسكرة الانتفاضة. غير أنّ الذي حصل بدفع من النظام أولاً، وباستجابة ملهوفة، كانت في وضعية الاستنفار، من دول عربية وأجنبية ثانياً، تم القضاء على الانتفاضة الشعبية السلمية، وصار الصراع في سوريا بين النظام وحلفائه، والمعارضة المسلحة وحلفائها، صراعاً على السلطة كان من نتيجته تدمير البلد والشعب معاً للأسف. في ظل هذا الوضع كانت المطالبة بوقف هذه الحرب العبثية تتقدم ما عداها من مطالب لدى «هيئة التنسيق» في الوقت الذي كان طرفا الصراع المسلح يصران على الحسم العسكري. لذلك ما إن أعلن عن مؤتمر «جنيف 2» لحلّ الأزمة السورية من قبل وزير خارجية روسيا السيد لافروف ووزير خارجية أميركا السيد كيري حتى سارعت «الهيئة» للترحيب به. وبالمناسبة كانت «الهيئة» قبل ذلك بكثير قد وافقت على جميع المبادرات لتحقيق مطالب الشعب السوري بطريقة سلمية، بدءً من مبادرة جامعة الدول العربية الأولى والثانية إلى خطة كوفي أنان ذات النقاط الست الشهيرة، إلى بيان «جنيف 1» لمجموعة العمل الخاصة في سوريا، في حين كان «الائتلافيون» يرفضونها باستمرار. باختصار فإنّ مشروع الحل السياسي للأزمة السورية هو مشروع الهيئة، وهي كانت أول من دعا إلى صيغة المؤتمر الدولي لتنفيذ هذا المشروع في البيان الختامي الذي أصدرته في نهاية أشغال مؤتمر الإنقاذ الوطني الذي عقد في دمشق بتاريخ 23/ 9/ 2012. وهي اليوم رغم عدم مشاركتها في مؤتمر «جنيف 2» لا تزال أشد إصراراً على مواقفها وبأنه لا حل في سوريا إلا الحل السياسي التفاوضي، لكن في إطار شروط ومعطيات تضمن نجاحه. ومن ضمن هذه الشروط، بل في مقدمتها تشكيل وفد معارض يمثل جميع ألوان الطيف المعارض، وبصورة خاصة تشكيلاته الرئيسية: هيئة التنسيق الوطنية، وائتلاف قوى الثورة والمعارضة، والهيئة الكردية العليا، وأن يضم في تشكيلته شخصيات معارضة تتمتع بالمصداقية والكاريزما والقدرة على التفاوض، وان يزود الوفد برؤية سياسية واضحة مبنية على قراءة مشتركة لبيان «جنيف 1»، تتضمن خطة واضحة لأولويات التفاوض. ومن المعلوم أن «هيئة التنسيق» كانت قد أعدت رؤيتها للحل السياسي ودعمتها بمذكرة تنفيذية لها، وكانت في حينه قد حازت على استحسان الجانب الأمريكي والروسي والأخضر الإبراهيمي.

الذي حصل وجعل «الهيئة» تتخذ قراراً بمقاطعة مؤتمر «جنيف 2» جرى على النقيض تماماً مما كانت تطرحه الهيئة وتعلنه وتدافع عنه مراراً وعلناً. فمنذ أن أعلن عن موعد انعقاد مؤتمر «جنيف 2» في 22/ 1/ 2014 كان هناك نحو شهرين لحين ذلك الموعد، وهي مدة، رغم ضيقها، كانت كافية لكي تحضر المعارضة نفسها للمؤتمر، بادرت الهيئة خلالها للاتصال بجميع قوى المعارضة الأساسية وخصوصاً بالائتلاف الوطني والهيئة الكردية العليا تدعوها للتشاور والتحضير لتشكيل الوفد المشترك. وفي هذا السياق التقى وفد «الهيئة» برئاسة المنسق العام مع السيد أحمد الجربا في القاهرة في 16/ 12/ 2013 وتم الاتفاق معه على عقد لقاء تشاوري لنحو أربعين شخصية معارضة من جميع تنظيماتها وأطرها للاتفاق على الرؤية السياسية لعملية التفاوض وتكتيكاتها وتشكيل وفد المعارضة للتفاوض. غير أنّ الائتلاف الوطني ظل يماطل حتى آخر لحظة باتخاذ قرار المشاركة في المؤتمر نتيجة للضغوط والتجاذبات الدولية التي تعرض لها. وعندما اتخذ قراره كان قد فقد جزءاً كبيراً من قاعدته التمثيلية نتيجة انسحاب أكثر من نصف أعضاء الائتلاف منه. وفي آخر لحظة حاول السيد الجربا دعوة المنسق العام الأستاذ حسن عبد العظيم بصفته الشخصية للانضمام إلى وفده، وكان من الطبيعي أن يرفض وهو يرأس أكبر تشكيل للمعارضة في الداخل السوري. بل وتم تجاهل الهيئة الكردية العليا وهي القوة الرئيسة المسيطرة على الأرض في كثير من مناطق شمال وشمال شرق سوريا. إنّ تشكيل وفد «الائتلاف» إلى مؤتمر جنيف بطريقة تخالف بيان «جنيف 1» سوف يعطي لوفد النظام الحق والمشروعية في مخالفة بنود أخرى في بيان «جنيف 2» لا يجدها مناسبة له، وهذا ما حذرنا منه مراراً. في حقيقة الأمر جرت صفقة بين الروس والأميركيين تمّ بموجبها عدم دعوة جميع فصائل المعارضة الوطنية الديمقراطية وفي مقدمتها هيئة التنسيق الوطنية للمشاركة في «جنيف 2»، والاكتفاء بوفدين يمكن السيطرة عليهما وتقبل الاملاءات.

من جانب آخر، فإن الهيئة كانت على علم بأن وفد النظام سوف يركز على محاربة الإرهاب في المؤتمر، في حين سوف يركز «الائتلافيون» على مسألة تنحي الرئيس، وكلا المدخلين لا يناسبان نجاح المؤتمر. كانت الهيئة تفضّل أن يتم الاتفاق على البنود الخمسة الأولى من خطة كوفي أنان، والمتضمنة في بيان «جنيف 1» وفي مقدمتها وقف إطلاق النار على كامل الأراضي السورية بقرار ملزم من مجلس الأمن، وذلك لخلق بيئة ملائمة للتفاوض ومن ثم الانتقال لمناقشة مستقبل سوريا الديمقراطي والعمل على استصدار قرار ملزم بذلك من مجلس الأمن حتى لا يتلاعب به النظام لاحقاً. بعد ذلك يمكن مناقشة القضايا الأكثر تعقيداً ومنها مسألة الحكومة الانتقالية وصلاحياتها. اليوم نشاهد نوعاً من صراع الديوك، وليس تفاوض من أجل إنقاذ ما تبقى من سوريا وشعبها، وهذا ينذر للأسف بفشل مؤكد لمؤتمر «جنيف 2».

* رئيس مكتب الاعلام

في «هيئة التنسيق الوطنية» السورية

خيارات السوريين في جنيف/ وائل السوّاح

 عقد أخيراً مؤتمر “جنيف 2”. ولسوف يدخل هذا الحدث التاريخ إما باعتباره مؤتمر دايتون الذي جمع الفرقاء المتقاتلين في البوسنة والهرسك في قاعدة رايتبيترسن في الولايات المتحدة وأسفر عن توقيع اتفاق دايتون الشهير في باريس 1995، وإما أن يكون كمؤتمر جنيف اللبناني 1984 والذي لم ينتج عنه سوى استمرار القتال بين الطرفين. إما أن يكون المؤتمر الذي أنقذ سوريا من هستيريا النظام وجنون المجموعات الإسلامية الراديكالية وإما أن يكون محطة جديدة من الصراع بين الأسد والسوريين.

ولكن مجرد انعقاد المؤتمر هو انتصار للسوريين ولمستقبل سوريا. فمن جانب هو يحمل اعترافاً ضمنياً من الأسد ونظامه بالمعارضة كطرف مقابل له ومواز له في الأهمية، بعد أن كان يرفض الاعتراف بذلك. ومن جانب آخر يحمل المؤتمر آمالاً بإنهاء القتل في سوريا والتوصّل إلى انتقال سلمي وآمن للسلطة. ليس لدينا بالتأكيد أية أوهام في أن ذلك سيحدث غداً أو بعد غد. ولكن سيكون من المخزي للأمم المتحدة والولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والصين أن يضعوا كل ثقلهم وراء عقد المؤتمر لكيلا ينتج عنه أي شيء.

وكان أداء كل من وزير الخارجية السوري وليد المعلم وفريقه وتصريحات وزير الإعلام عمران الزعبي ومندوب سوريا الدائم بشار الجعفري، في مصلحة السوريين، حيث أسفرت عن صفاقة وصلف أجوف يعبّر أكثر ما يعبّر عن قلق حقيقي لدى النظام السوري في أن الأرض تميد من تحته وأن البساط بدأ يسحب من تحت أقدامه. ولا معنى أبداً لأن يكرّر كل مسؤول سوري على حدة وعشرات المرات أن الحكومة السورية لن توافق على هيئة حكم انتقالية إن لم يكن يشعر النظام أن ذلك بات أمراً واقعاً لا محالة.

في المقابل كان أداء الفريق الذي يمثل السوريين معقولاً. وكانت كلمة رئيس الائتلاف الوطني أحمد الجربا متوازنة ومكتوبة بشكل جيد، وارتكب أخطاءا أقل من المعتاد. بالمقابل كانت تصريحات أعضاء الوفد الإعلامية للصحافيين ووكالات الأنباء ومحطات التلفزة متّزنة وغير استفزازية، وتعبّر عن نضج في التعامل السياسي، سواء في إصرارها على مرجعية “جنيف 1” أو في التعامل الإيجابي مع المواقف الدولية المتغيرة.

هذا الأداء دفع بممثل النظام السوري إلى اتخاذ مواقف انفعالية منها التهديد بالانسحاب من المؤتمر والطلب من الموفد الدولي الأخضر الإبراهيمي الضغط على المعارضة للبدء بحوار جدّي. وتهرّب وزير الإعلام السوري عمران الزعبي من ملاحقة صحافي سوري كرّر سؤاله عمّن يحارب الإرهاب فعلاً ومن يقاتل “داعش” على الأرض، ولماذا لا يقصف النظام مقرّات “داعش”؟ كان واضحاً أن الزعبي لا يملك جواباً أو أنه يعرف أن الذين يقاتل “داعش” ليس النظام بل المعارضة نفسها.

ليست تشكيلة الوفد المعارض أفضل الممكن، فقد كان بالإمكان أن يكون الوفد أكثر تمثيلية وأن يضم مفاوضين على أساس الكفاءة وليس المحاصصة والولاء. ولكننا أمام حقيقة الآن: هذا الوفد هو الذي يمثل السوريين في مواجهة نظام فاشي دموي حاقد. ومن واجب كل السوريين المعارضين تقديم الدعم له سواء سياسياً أو معنوياً. ولا يعني ذلك طبعاً إعفاءه من الانتقاد حين يخطئ ولكن ألا يتحول النقد إلى تجريح وسحب للثقة في هذه الظروف الخاصة جداً.

هنالك تحول سياسي في السياسة الدولية تجاه نظام الأسد. ثمة تغير طفيف في الموقف الروسي، وثمة تقارير بأن الجانب الروسي تدخل لدى الوفد الحكومي كي يعلن قبوله بيان “جنيف 1″. في المقابل يصرّ الجانب الأمريكي على أن أهمية الهيئة الانتقالية للحكم وعلى ألا مستقبل لبشار الأسد ومساعديه المقربين الذين شاركوا في قتل السوريين وتعذيبهم وتدمير ممتلكاتهم في حكم البلاد. وكررت المتحدثة باسم وزارة الخارجية ما قاله وزير الخارجية جون كيري، وقالت: أعتقد أن الرئيس الأسد ونوابه والأشخاص الذين ساعدوه في تنفيذ وحشيته ضد الشعب السوري لا يمكنهم أن يزعموا تمثيل الشعب السوري… لا يمكن إلقاء براميل متفجرة على أطفال، ولا يمكن استخدام أسلحة كيماوية ولايمكن النظر إلى تلك الصور من السجون السورية التي حصلت على أيدي نظام الأسد، والزعم أنهم يمثلون الشعب السوري، لايمكن ذلك بكل بساطة”.

ينبغي التأسيس على ذلك، من دون أن نراكم أوهاماً جديدة فالمجموعة الدولية خذلتنا مراراً، ولكن مقاربة حذرة لمواقفها الجديدة يمكن أن تكون مفيدة.

وفي الوقت نفسه، ينبغي الاستمرار في الجهد المبذور لطرد المقاتلين الإسلاميين المتطفلين على الثورة السورية، والإصرار على الوجه المدني الديمقراطي للثورة في مواجهة الوجه الفاشي الطائفي الدموي للنظام السوري ومن ورائه إيران وحلفائها في المنطقة.

المدن

مؤتمر جنيف .. توازن الضعف وتعدد المطالب/ حسين العودات

 وأخيراً عقد مؤتمر جنيف الخاص بالمعضلة السورية، دون أن يصدر عن أي مشارك فيه أو مهتم أو ذي علاقة، مجرد تلميح عن تفاؤل ولو جزئي أو محدود يشير إلى أن المؤتمر سيضع الأزمة السورية على طريق الحل.

بل يرى عديدون أن المؤتمر سيتحول إلى مجرد حراك سياسي أو دبلوماسي لا يرجى منه شيء جدي يساعد على إنهاء معاناة السوريين، ولن يستطيع وضع خارطة طريق متوازنة وواقعية يوافق عليها الجميع، وصولاً إلى حل عادل وشامل للأزمة.

لأنه ليس لأحد من الفرقاء المشاركين السوريين والعرب والأجانب القدرة على اتخاذ قرار وفرضه على الجميع، وعلى ذلك، من المتعذر، وفق الظروف الحاضرة، إيجاد الشروط الموضوعية للسيطرة على الأزمة ثم توجيهها نحو الحل النهائي.

خاصة وأن الأطراف المشاركة لها أهداف ومصالح متناقضة في كل شيء تقريباً، وهذا ما يجعل المؤتمر ساحة لتصادم المصالح، وميداناً لحوار يشبه حوار الطرشان، دون توافر ظروف واقعية حاسمة، كي “يقتنع الجميع” بضرورة التوافق أو فرضه عليهم.

أعلنت السلطة السورية قبل انعقاد المؤتمر بأيام وبمختلف الوسائل (الدبلوماسية والإعلامية) أنها لا ترى في المؤتمر إلا وسيلة لوضع خطة للتعاون بينها وبين المعارضة والدول الأخرى لمكافحة الإرهاب، دون أن تتعرض إلى أي هدف آخر، سواءً ما يتعلق بإصلاح النظام السياسي ومستقبله، أو بقضايا المعتقلين والمفقودين، والمناطق المحاصرة والمهجرين…

وجاء بعض هذه التصريحات والإشارات على لسان الرئيس بشار الأسد نفسه، وخاصة ما يتعلق منها برفض مهمة تشكيل هيئة حكم لها كامل الصلاحيات، وعدم قبول مشاركة أي من أعضاء المعارضة الخارجية في أي حكومة، وأكد بصيغة ما أنه سيرشح نفسه لولاية ثالثة بعد أربعة أشهر عندما تنتهي ولايته الحالية.

وهذا كله يشير إلى أن النظام السوري في واد آخر لا يلتقي البتة مع أي قرار من قرارات مؤتمر جنيف1.

رغم أنه يشارك بالمؤتمر وهو منهك اقتصادياً وسياسياً، ويواجه مقاطعة عربية ودولية خانقة، ولم يستطع حسم الصراع عسكرياً ضد فصائل المعارضة المسلحة التي تسيطر على مناطق حيوية من البلاد.

رغم استعانته بميليشيات أجنبية لإيقاف تراجعه العسكري دون نجاح، ولولا الدعم الإيراني المتعدد الجوانب، والدعم الروسي السياسي والعسكري، لتراجع هذا النظام، وربما لخسر منذ وقت طويل أمام المعارضة السورية .

شاركت المعارضة السورية في المؤتمر بوفد شكله الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، لا يضم أحداً من فصائل المعارضة الداخلية، وما أكثرها، ولا أحداً من المجلس الوطني الذي انسحب من الائتلاف قبل يومين من انعقاد المؤتمر.

كما رفض المشاركة فيه ثلث أعضاء هيئة الائتلاف، ولم تؤيد معظم فصائل المعارضة المسلحة الذهاب إلى جنيف، وهكذا بقي الائتلاف بكليته يتشكل من الإسلاميين ومن ديمقراطيين وأفراد معارضين كان معظمهم في الخارج قبل اندلاع الثورة، ويصعب الاقتناع أن الوفد المفاوض، بتشكيلته الحالية، يمثل المعارضة السورية أو الشعب السوري تمثيلاً كاملاً.

بل أصبحت مشروعية تمثيله يشوبها بعض الشك، وقد طالب الائتلاف بإعفاء الرئيس من صلاحياته وإسقاط النظام ورموزه، وإخراج المعتقلين، والاعتراف بالمفقودين، وفك الحصار عن المناطق المحاصرة.

هذا فضلاً عن مطالبته بتشكيل هيئة حكم لها صلاحيات كاملة تشريعية وتنفيذية وتحديد مهماتها بوضع دستور جديد وإصدار قوانين للأحزاب والانتخابات وإعادة هيكلة الجيش وقوى الأمن وغير ذلك، وهذه المطالب متناقضة مع رؤية النظام وصعبة التحقيق في الظروف القائمة حالياً، وتحتاج لقوة راجحة (عسكرياً على الأرض وسياسياً على النطاق الدولي لتفرضها عليه.

لا يقتصر الضعف وسعة المطالب على الطرفين السوريين فقط، لأن كلاً من الراعيين الأميركي والروسي لا يملك القدرة على ترجيح رأيه ووجهة نظره، وكل منهما يهادن الآخر ليحصل على موافقته لتحقيق شيء من مصالحه، ولم يعد للدول الأوروبية، وأعني فرنسا وبريطانيا، تلك القدرة أو النفوذ اللذين يؤهلانها لترجيح موقف على آخر، وكذلك الدول العربية.

في المحصلة، هناك توازن ضعف بين الجميع وافتقاد أي منهم القدرة على الحسم، ما سيؤدي إلى إطالة مدة المؤتمر، لا لأشهر فقط، بل ربما لسنوات، يتحول خلالها إلى مبارزات كلامية، وعنتريات وتصريحات ومناورات وغيرها، لا جدوى حقيقية لها.

وربما يكون على الشعب السوري أن ينتظر أشهر وسنوات حتى يرى الضوء في آخر النفق، هذا إن رآه، بعد أن دُمرت دولته ومؤسساتها ونسيجه الاجتماعي واقتصاده وثقافته.

تنبغي الإشارة إلى فائدة واحدة من عقد هذا المؤتمر؛ وهي أن عقده يؤكد قناعة جميع الأطراف السورية والإقليمية والدولية (ما عدا السلطة السورية) بصعوبة الحل العسكري، وبالتالي أصبح الحل السياسي هو الطريق الوحيد المتبقي، أما السلطة السورية فما تزال تعتقد بإمكانية الحسم العسكري.

 قد يكون المؤتمر بالنسبة إلى الدول الكبرى محاولة لإنقاذ ماء الوجه بعد أن بدأت تشعر بتقصيرها اتجاه الشعب السوري، وبأخطائها في مواجهة أزمته ومساهمتها في تأخير حلها، حتى ازدادت تعقيداً وجعلت من سوريا ميداناً لصراع دولي على أرضها.

البيان

ما قاله الجربا وما لم يقله:في افتتاح “جنيف2″/ فايز سارة

اغلب السوريين وربما قطاعات واسعة من المهتمين بالقضية السورية، وقعوا اسرى محتوى وشكل الكلمة التي القاها احمد الجربا رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في افتتاح مؤتمر جنيف2. فالكلمة كانت واضحة وقوية، وقريبة جداً من المعايير الزمنية الموضوعة للمتحدثين امام المؤتمر بخلاف الكلمة التي القاها رئيس وفد النظام وزير الخارجية والمغتربين وليد المعلم، التي جاءت مرتبكة ومحشوة وطويلة، مما استدعى تنبيهات، تكررت له من جانب الامين العام للامم المتحدة.

دخل احمد الجربا الى موضوعه مباشرة، فسرد باختصار قصة طفلة، قتلتها قوات النظام في بداية الثورة، وهي واحدة بين اكثر من عشرة الآف طفل قتلهم النظام من جملة ما قتل من السوريين في نحو الثلاث سنوات الماضية. وانتقل ليشرح انخراط السوريين في تظاهر سلمي قارب العام رغم دموية النظام وجبروته، قبل ان يجبر المتظاهرون على التحول الى السلاح دفاعاً عن النفس في مواجهة عمليات النظام وحلفائه وجماعات التطرف بمن فيها حزب الله اللبناني والدولة الاسلامية في العراق والشام “داعش”، وهو تطور استغله النظام مع تطورات اخرى في حملة دعاوية اعلامية كاذبة ومضللة لوصف الثورة بالارهاب والتطرف، وتبرير كل ما قام به وبينها جرائم حرب، تم ارتكابها بأمر من رأس النظام، اضافة الى جرائم مستمرة وواسعة، اوقعها النظام بالسوريين، ادت الى قتل وتعذيب وتهجير تحت سمع وبصر العالم ووسط تقصير دولي.

ورغم ما اصاب السوريين على ايدي النظام وحلفائه، فقد استمر الطابع السلمي للثورة ولو عند سويات معينة، وهو ما جعل الجربا يشير الى الطابع السلمي والوطني للثورة، والتي لم يتأخر السوريون في تأكيدها في كثير من المحطات التي توالت مؤكداً “نحن نرى السوريين جميعاً ضحايا رجل أدخل البلاد والعباد في دوامة مجنونة من العنف ليبقى متسلطاً على كرسيه، متناسياً أن لا عرش في العالم يساوي حياة إنسان بريء واحد”.

وركز الجربا في كلمته على الافق الذي يفتح عليه مؤتمر جنيف2، فأكد الموافقة بشكل كامل على مقررات جنيف1، داعياً وفد النظام للتوقيع الفوري على وثيقة جنيف1، ونقل صلاحيات الأسد كاملة، بما فيها السلطة على الأمن والجيش والمخابرات، إلى هيئة الحكم الانتقالية التي ستضع اللبنة الأولى في بناء سوريا الجديدة، التي حدد ابرز ملامحها بانها دولة تعددية ديمقراطية، تحترم حقوق الأفراد والجماعات، وتحتكم إلى صناديق الاقتراع والقوانين التي تكفل حماية الحريات والحقوق الفردية والجماعية.

لقد رسمت كلمة الجربا في افتتاح جنيف2 ملامح الوضع السوري، والفارق بين النظام والشعب وتوجهات كل منهما. فركزت على سياسات وممارسات النظام الدموية وما اوقعته من خسائر ومصائب في اوساط الشعب السوري، قبل ان تتناول رؤية المعارضة والائتلاف في موضوع معالجة القضية السورية في اطار حل سياسي يبدأ من بوابة جنيف2.

ورغم اهمية ما احتوته كلمة الجربا، فانها قصرت في ابراز جوانب ضرورية، ما كان ينبغي ان تغيب عن كلمته، والاساس فيها تعرية الوفد الذي جاء الى جنيف2 ليمثل النظام ويتحدث باسمه، وهي جزء من مهمات قذرة، تابعها اعضاء وفد النظام في السنوات الماضية، حيث برروا سياسات وممارسات النظام وجرائمه، ودافعوا عنها. بل انهم كذبوا وضللوا الرأي العام، وساهمت اكاذيبهم في تضليل دول ومسؤولين اممين، كان يمكن ان تكون لهم مواقف اخرى في صف الحقوق السورية لولا سلسلة الاكاذيب التي قدمها اعضاء في وفد النظام وزملاء لهم مثلوا النظام في المحافل الدولية.

لقد اشار الجربا في كلمته الى بعض الكذب والتضليل الذي قام به وليد المعلم، لكنه لم يتناول اكاذيب الآخرين وخاصة بثينة شعبان صاحبة حديث ادلت به لشبكة CNN الاميركية، قالت فيه ان اطفال الكيماوي الذين قتلوا في الغوطة، انما هم اطفال من قرى اللاذقية خطفهم الارهابيون، وقتلوهم بالغازات الكيماوية في الغوطة، وهي كذبة لا تنافس اصغر اكاذيب وزير الاعلام عمران الزعبي، وفيصل المقداد معاون وزير الخارجية، ولا اكاذيب بشار الجعفري عضو الوفد ومندوب النظام لدى الامم المتحدة، والكذب ليس الا صفة واحدة من صفات اخطر في سجلاتهم الشخصية.

ان تقصير الجربا في تعرية اعضاء وفد النظام، وكشف ارتكاباتهم وجرائمهم، قد يكون مبرراً لانشغاله الكثيف في جوانب اخرى، لكن ذلك لا يغفر له تقصيره في ضرورة الطلب الى الامم المتحدة في الكشف عن السجل الجنائي لاعضاء وفد النظام قبل ادخالهم الى قاعة المؤتمر، ليس فقط لانهم ممثلون لنظام ارهابي، بل لان بعضهم له ملف لدى اجهزة امنية اوروبية وبين هؤلاء وليد المعلم، ومن المؤكد ان السجل الجنائي لاعضاء الوفد، سوف يكشف ان بعضهم ملوث اليدين بدم السوريين، وقد لا يكون بعضهم قد غسل يديه بعد.

احمد الجربا شكراً، وقد قلت الكثير في خطابك امام جنيف2، لكن اعذرنا فقد قصرت في قول القليل عن تلك الثلة من مجرمي النظام الذين يدافعون عنه، ويبررون جرائمه، واغلبهم يفعل اكثر من ذلك بكثير!!.

المستقبل

تشريح جنيف السوري: ساعة الحقيقة/ علي العبدالله *

مع انطلاق المؤتمر الدولي حول سورية المسمى بـ «جنيف 2» يكون العالم قد دخل ساعة الحقيقة: المعارضة السورية والدول الداعمة لها لكشف مدى صدقها وإخلاصها للشعب السوري وثورة الحرية والكرامة، والمجتمع الدولي ومدى جاهزيته لإنهاء معاناة السوريين ووقف عمليات البطش والقتل الوحشي الذي ينفذه النظام وحلفاؤه، منذ قرابة ثلاث سنوات، وبكل صنوف الأسلحة بما فيها سلاحا الجوع والبرد.

افتتح المؤتمر وقد تجنبت المعارضة السورية بحضورها تحمل مسؤولية عدم عقد المؤتمر الذي سعى إليه النظام وحلفاؤه الإيرانيون والروس عبر الضغط على المعارضة في مسألة «الشروط المسبقة»، والدعوة إلى تحويل مهمته من حل القضية بتنفيذ بيان «جنيف 1» إلى اتحاد النظام والمعارضة لمواجهة الإرهاب، ونجحت في تسجيل نقاط لصالحها عبر الحضور كند للنظام في هذا المحفل الدولي، وهذا كرس حضورها في المعادلة السورية، وعبر نص خطابها وتركيزه على جوهر مهمة المؤتمر وربط موقفها بقرار مجلس الأمن الرقم 2118، وهو الخطاب الذي عانى من نقص حيث لم يتضمن فقرة، ولو قصيرة، عن سورية التي تدعو إليها فتعرج على دولة المواطنة والحقوق المتساوية للمواطنين بغض النظر عن الدين أو المذهب أو العرق أو الجنس. لكن خطاب المعلم الهجومي والخالي من مضمون إيجابي أعطاه فرصة التميز والتفوق، كما لم تؤثر قراءة الجربا الفاترة على قوة مضمونه.

لم يكن موقف دول أصدقاء الشعب السوري، ما يوصف بـ «النواة الصلبة» المكونة من 11 دولة، بعيداً عن ذات المضمون ما أفشل مساعي حرف المؤتمر عن مهمته الأصلية: تنفيذ بيان جنيف 1، الذي سعى إليه النظام والروس من دون نجاح. فقد ركزت كلمات معظم رؤساء الوفود على وقف حمام الدم وتنفيذ بيان جنيف 1، وزاد البعض فدعا إلى خروج القوات الإيرانية وميليشيا حزب الله والميليشيات الشيعية العراقية من سورية، واستبعاد أي دور لرئيس النظام في المرحلة الانتقالية مع تحميله مسؤولية خلق الإرهاب، ونفي كيري وجود تنسيق بين واشنطن والنظام السوري بخصوص الإرهاب.

لقد برز شبه إجماع على تحديد جدول أعمال المؤتمر في نقطتين: تنفيذ بيان جنيف 1 وإخراج المقاتلين الأجانب من سورية.

غير أن هذا النجاح المبدئي بتكريس المعارضة وتثبيت مرجعية المؤتمر لا يقطع باستمرار عملية التفاوض بسلاسة والتقدم في تذليل العقبات والاتفاق على خطوات عملية على طريق تنفيذ بيان جنيف 1، حيث برزت إلى العلن تباينات بين راعيي المؤتمر الأميركيين والروس. فقد استاء الروس من النبرة العالية والحادة التي طبعت خطاب جون كيري وجزمه بأن لا مكان للأسد والمحيطين به في المرحلة الانتقالية، وهذا ظهّر خلافاً كامناً حول جوهر بيان جنيف 1 استمر بين الطرفين منذ التوقيع عليه في جنيف يوم 30/6/2012، ما ينذر بتعثر المؤتمر عبر عدم قيام الروس بالدور المنوط بهم: الضغط على النظام لتذليل العقبات التي قد تبرز خلال التفاوض، أشارت وسائل الإعلام في تغطيتها للافتتاح إلى مغادرة الطاقم الروسي المختص بالشأن السوري مع لافروف إلى موسكو. وهذا سيفتح مجدداً باب السجال حول قراءة نص بيان جنيف 1 وقد يفتح ثغرات في مرجعية المؤتمر ويخلق تعقيدات إضافية، بخاصة في ضوء غموض الموقف الروسي من بيان جنيف1 ومراهنته على عدم عقد المؤتمر بدفع المعارضة إلى عدم الحضور عبر مهاجمتها واتهامها بالإرهاب ورفض كل مطالبها تحت ذريعة لا شروط مسبقة، والمراهنة على انقساماتها، كما ورفضه البدء بعملية سياسية من نقطة هيئة حاكمة كاملة الصلاحيات تنحي الأسد جانباً، سبق وتحدثت عن كافة الصلاحيات وليس كاملة الصلاحيات، وتحدثت عن قطار المفاوضات والتبدلات التي ستطرأ عليه في المحطات المختلفة، وتهربها من إعطاء جواب محدد حول مصير الأسد.

أما العقبة الثانية فتتمثل في الأولويات، حيث لم ينه الاتفاق على مرجعية المؤتمر الخلاف على نقطة البداية، فالنظام الذي أقر بمرجعية جنيف 1 يتحدث عن تطبيق البيان كرزمة واحدة وأولها وقف تمويل وتسليح الكتائب المسلحة وإغلاق الحدود في وجهها، بينما يتحدث الائتلاف عن بنود كوفي أنان الستة وتشكيل هيئة حاكمة كاملة الصلاحيات.

وهذا ما وضع الإبراهيمي في موقف حرج لأن أي خطوة خاطئة قد تطيح بالعملية التي طال انتظارها، وقد سعى إلى اجتراح مخرج بالطلب من الطرفين تقديم تصوره عن البداية التي يراها وسيحاول إيجاد قاسم مشترك ويطرحه كبداية. وهذا، على وجاهته من الناحية العملية، سيثير خطر تجزئة الملفات والغرق في قضايا صغيرة واللعب على الوقت في انتظار تطورات ميدانية أو تغيرات سياسية إقليمية ودولية.

والعقبة الثالثة، والتي ستعطي وفد النظام فرصاً لاستثمارها، هي عدم شمول وفد المعارضة لأطراف في المعارضة، وقد ألمح وفد النظام إلى ما يسميه معارضة الداخل، وتلميحه إلى تشكيل حكومة موسعة وإشراكها فيها. وهي نقطة لم يحسن الائتلاف التعامل معها. صحيح أنه نجح في احتلال مقعد المعارضة، لكنه قصر في السعي لجذب أطراف معارضة أخرى، وبخاصة هيئة التنسيق، للمشاركة في الوفد.

يبقى الدور الذي ستلعبه إيران في العملية السياسية وهل سيكون إيجابياً ويخدم تسهيل تنفيذ بيان جنيف 1 أم سلبياً يعرقل حصول اتفاق ريثما يتحدد مستقبل اتفاقها النووي. إنها معنية الآن بتحسين صورتها في الغرب، وجذب استثمارات وشركات نفط للعمل في أراضيها علها تطور حقولها وتزيد إنتاجها إلى 4 مليون برميل في اليوم، لذا فإن أولويتها الآن اكتساب سمعة الرجل الطيب، ولهذا لم تبد رد فعل حاداً على استبعادها من جنيف 2 بل دعت، على لسان وزير خارجيتها، إلى خروج القوات الأجنبية من سورية، علماً أن صوت روحاني وظريف ليس صوت إيران الوحيد حيث تحدث رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني عن «تبلور الشرق الأوسط الجديد»، واستبعد حسين عبد اللهيان التخلي عن الأسد ورفض مبدأ الانتقال السياسي في سورية.

لقد أقر الجميع بأن المفاوضات ستكون صعبة وشاقة، وربما طويلة، لكنهم يدركون أيضاً أن استمرار الصراع سيفاقم الأزمة ويعمق دور القوى الأصولية السنية والشيعية، مع خطر تمدد الصراع المذهبي إلى دول الجوار بشكل أوسع، وهذا يفرض العمل الجاد من أجل بلوغ حل سياسي مقبول.

* كاتب سوري

الحياة

تأملات حول مؤتمر “جنيف 2″/ سهى الجندي

يذكرنا مؤتمر جنيف-2 بسيناريوهات مفاوضات الفلسطينيين والإسرائيليين ولا يوجد ضوء في آخر النفق، وبات وضاحا أن بشار لن يترك السلطة ولن توافق روسيا والصين وإيران على ذلك وستبذل روسيا كل ما بوسعها للمحافظة على نظام بشار الأسد. وليس من المبالغة القول أن نظام الأسد استمر بالصمود بفضل الدعم الروسي ولولاه لحسمت الأزمة السورية منذ عام. إذ يتميز الدور الروسي في دعم نظام بشار الأسد بالقوة والفاعلية إلى درجة مكنته من الصمود بشكل غير مسبوق أمام الثورة الشعبية الصامدة منذ ثلاثة أعوام. وكان أبرز ما فعلته بتاريخ 19 يوليو 2012 هو استخدام حق النقض الفيتو بصفتها دولة عظمى بشأن فرض عقوبات ضد سوريا وكانت تلك ثالث مرة تستخدم فيها هذا الحق خلال تسعة أشهر حماية للنظام السوري. وقد شكل هذا الاستخدام درع حماية لنظام الأسد ومكنه من الصمود وسحق المتمردين موقعا آلاف الضحايا من المدنيين. ولا يقتصر الموقف الروسي على استخدام حق الفيتو بل إنه امتنع عن المشاركة في أية ضغوط دولية لإجبار الأسد على اتخاذ إجراءات لإنهاء الأزمة السورية. وقد أوردت الأنباء قول لافروف وزير الخارجية الروسي “إن بشار الأسد يتمتع بشعبية هامة لذا فهو لن يرحل”. وتتضمن العقوبات التي اقترحها مجلس الأمن فرض منطقة حظر حول سوريا منعا لتدفق الأسلحة على نظام الأسد مما يعني مساعدة حقيقية للثوار وتمكينهم من الإطاحة بنظام الأسد.

وعليه، فإنه يمكن القول بأن الدور الروسي فعال غاية الفعالية في دعم نظام الأسد من خلال إحباط أي قرار دولي لإضعافه والامتناع عن المشاركة في أية جهود تبذل لإجبار الأسد على التنحي. ولكن هذا ليس جميع ما قامت به روسيا. فهي تزود النظام السوري بالأسلحة بشكل مستمر وعلى الرغم من تصريحات موسكو أن هذه الأسلحة دفاعية إلا أنه لا يمكن التأكد من طبيعة الأسلحة التي تصل سوريا. وإزاء هذا الوضع فإن روسيا والصين إلى جانبها ساهمتا إسهاما فعليا في استمرار الأزمة وحالتا دون حسمها مبكرا كما حدث في الدول العربية التي تمت الإطاحة بأنظمتها.

في تحليل صادر عن مركز كارنيجي  بقلم ترنين، قدم الكاتب تصويرا للموقف في سوريا على أنه أصبح مأزقا يستحيل الخروج منه في ضوء التعنت الروسي والغربي وأصبح المدنيون فيه بين فكي الكماشة يموتون بالآلاف ويصابون ويشردون دون أن يلوح ضوء في آخر النفق المظلم. ورأى أن روسيا لا يمكن أن تتراجع عن موقفها لاعتبارات سياسية وأمنية واقتصادية وحتى دينية بالنظر إلى أنها تأكدت أن نظام الحكم البديل هو الحكم الإسلامي وهي تخشى على الأقلية المسيحية في هذه البلدان كما تخشى من التشدد الإسلامي أن يمتد إليها ويزيزع أمنها.

لكن ما يجري في سوريا هو صراع بين الغرب وروسيا على الهيمنة على المنطقة وليس صراعا على القيم. إنها حرب يخوضها العرب بالنيابة عن الشرق والغرب. لقد أشعلت هذه القوى الصراع الطائفي في سوريا فقام الغرب والدول الحليفة معه بتسليح المتمردين الذي يمثلون الغالبية السنية ومن خلفهم عناصر جهادية ليقاتلوا الأقلية العلوية. وليس للغرب ولا لروسيا مصلحة في الإسلام السني أو الشيعي إلا أن لهما مصلحة في الهيمنة على المنطقة كل من خلال حليفه الذي يدعمه على حساب الشعب والسيادة والأموال والبنية التحتية في سوريا. وقد حضرت جميع الاعتبارات على ساحة المعركة باستثناء الاعتبارات الأخلاقية فقد غابت غيابا كاملا.

وتنظر روسيا إلى ما بعد الإطاحة بحكم الأسد ورأت بأم عينها ما جرت في الثورات العربية السابقة التي أتت بالتيار الإسلامي إلى أنظمة الحكم في كل من ليبيا وتونس ومصر وجميعها أنظمة أتت بدعم أمريكي وهي تدرك أنه إذا خسرت سوريا فإن البديل هو نظام مشابه للأنظمة التي حلت محل الأنظمة السابقة. وهي تخشى أن يصل المد في الأنظمة الآيدولوجية إلى حدودها الجنوبية وبالتالي إليها. إن الجمهوريات السابقة للاتحاد السوفيتي هي جمهوريات مسلمة وهناك احتمال أن تصل عدوى الثورة إليها وفي حالة قيام حكم إسلامي متشدد على أعتاب روسيا، فإنها لن تكون حليفتها وربما تسبب لها متاعب أمنية. ولا تزال ذاكرة روسيا قوية بشأن صربيا وجورجيا وأوكرانيا حيث أدى التدخل العسكري الغربي إلى نشوء أنظمة حكم مناوئة لروسيا وعلى الرغم من عدم اتخاذها موقفا مشابها في ليبيا فقد بنت الموقف الجديد بناء على نتيجة الثورة الليبية التي أتت بالإسلاميين إلى الحكم وهذا يعني أن روسيا تفقد حلفاءها بالتدريج، وإذا استمرت التداعيات واحدة تلو الأخرى فإن مسلمي وسط آسيا سيحذون حذو الدول التي نشأ فيها حكم إسلامي مما يعني احتمال هجرة غير المسلمين إلى روسيا مما سيخلق مزيدا من الاضطرابات وزعزعة الاستقرار لديها.  ومن جانب آخر، فإن حرص روسيا على النظام الروسي نابع من وجود قاعدة عسكرية لها في طرطوس، وبعد أن فقدت تأثيرها في ليبيا بات يتعين عليها التمسك بهذه القاعدة التي تعول عليها لإقامة تعادل بين النفوذ العسكري الأمريكي وبينها. وتستخدم روسيا هذه القاعدة لتزويدالسفن الروسية العابرة للشرق الأوسط بالوقود. إلا أنها تحمل اهمية كبرى بعد فقدان روسيا الكثير من قواعدها العسكرية.

ومن ناحية أخرى فهناك مصلحة اقتصادية لروسيا في سوريا إذ تقدر الاستثمارات الروسية في سوريا بنحو 20 مليار دولار إذ توجد في سوريا أربع شركات روسية لاستخراج النفط كما أن سوريا مستورد دائم للأسلحة الروسية وقد تعلمت روسيا الدرس من فقدانها العميل المستورد الليبي إذ كان القذافي قد اشترى أسلحة بقيمة 2 مليار دولار لكن النظام الذي جاء بعده أبرم مع فرنسا اتفاقية دفاع قد تؤدي إلى شراء أسلحة فرنسية كمقاتلات جت وصاريخ مضادة للطائرت. فإذا أطيح بنظام بشار ستضيع من روسيا الكثير من عقود الشراء. حتى أن المحللين يرون أن روسيا لا تستطيع الآن التراجع عن دعم بشار بعد كل هذا البطش بشعبه لأن نظام الحكم الجديد لن يغفر لها دعم الأسد ولن يتعامل معها اقتصاديا. وفي دراسة قام بها مركز الجزيرة للدراسات أنه ” تُشكِّل سوريا أحد أهم الشركاء العرب التجاريين لروسيا؛ إذ تشكِّل التجارة الروسية-السورية ما نسبته 20% من إجمالي التجارة العربية-الروسية، كما أنها تشهد تناميًا؛ إذ ارتفعت التجارة الروسية-السورية إلى 1.92 مليار دولار عام 2011 بزيادة تصل إلى 58% عن عام 2010. من ناحية أخرى، تصل الاستثمارات الروسية في سوريا إلى حوالي 20 مليار دولار” هذا على صعيد التجارة المدنية، أما بالنسبة للتجارة العسكرية فتضيف الدراسة ” تُعد سوريا إحدى الدول المهمة كسوق للسلاح الروسي؛ إذ شكّل نصيب سوريا من تجارة روسيا العسكرية حوالي 7% عام 2010، والتي بلغت 700 مليون دولار، كما أن سوريا متعاقدة مع روسيا على صفقات عسكرية بقيمة أربعة مليارات دولار حتى عام 2013، منها 960 مليون دولار عام 2011، وحوالي 550 مليون دولار عام 2012 طبقًا لمركز تحليل الإستراتيجيات والتكنولوجيا في موسكو (كاست)، وهي تقريبًا نفس قيمة المبيعات العسكرية الروسية لسوريا خلال الفترة من 2006-2010؛ مما يجعل قيمة المبيعات العسكرية خلال الفترة من 2006-2013 حوالي ثمانية مليارات دولار.”  وإذا أضفنا أن روسيا خسرت معظم عملائها التجاريين في المنطقة فإن تشبثها بسوريا يوجد ما يبرره من الناحية الاقتصادية ناهيك عن أن وجود قاعدة طرطوس البحرية كلفت روسيا شطب ديون مقدارها 9.8 مليار دولار في عام 2006. وهذه أرقام عالية تدفع روسيا إلى الإصرار على موقفها.

سهى الجندي

ايلاف

استراتيجية النظام التفاوضية/ علي العبد الله

من المعلوم ان ما يطرح على طاولة التفاوض لا يستغرق خطة التفاوض، وانه محاولة لتمرير هدف الخطة التفاوضية عبر تحويلها الى اتفاقات. فما يطرح على الطاولة من مواقف ومطالب مرتبط بما تقوم به مؤسسات ودوائر وأشخاص خارج غرف التفاوض يعملون على تحضير المناخ وتوفير شروط اقناع الطرف الآخر او ارغامه على قبول بما يطرح عليه داخلها. ومن هنا لابد من معرفة طبيعة استراتيجية الخصم التفاوضية، محدداتها، عناصرها، ايقاعها الزمني، للتعامل معها والرد عليها بشكل شامل ومنسق.

ترتكز استراتيجية النظام التفاوضية الى عدد من المحددات اولها رفض مبدأ التغيير، واعتبار الحديث عن التغيير غير منطقي لأنه لا يمتلك لا المبررات ولا فرص النجاح، ولذا فهو غير مقبول. وثانيها اعطاء انطباع انه يتصرف من موقع المنتصر، وان قدرته على الحسم أكيدة. وثالثها اظهار الاستعداد لتقديم بعض التنازلات لإيجاد حل للصراع ليس بسبب جدارة الخصم وشرعية مطالبه بل حرصا على البلاد والعباد.

عمل النظام وحلفاؤه طوال السنوات الماضية لتأكيد هذه المحددات وتثبيتها وتحويلها الى حقائق راسخة. ومع الوصول الى تفاهمات امريكية روسية حول عقد مؤتمر جنيف2 للعمل على تنفيذ بيان جنيف1، سرّع في ايقاع تحركاته السياسية والإعلامية، وبخاصة العسكرية، في سعي محموم لفرض وقائع سياسية وميدانية تجنبه الخضوع للرغبة الدولية بتنفيذ بيان جنيف1 الذي يعني الدخول في شراكة سياسية مع المعارضة بشروط لا تتناسب مع محدداته السابقة لأنها تنطوي على خسارته السلطة.

تحرك النظام لتحقيق خياره على محاور متوازية ومتزامنة فعلى الصعيد السياسي كرر موقفه الرافض للتغيير وللتعامل مع معارضة خارجية لا تمثل الشعب وتنفذ خطط الأعداء، وبدأ بحملة اعلامية كرر فيها بقاء رئيس النظام في منصبه، ورفض أي حديث يتعلق بمستقبله السياسي، وزاد بافتتاح حملة “شعبية” للمطالبة بترشحه للانتخابات الرئاسية، والدعوة الى اجراء انتخابات رئاسية بإشراف دولي كوسيلة لتحديد شرعية النظام ورئيسه ومدى الشعبية التي يتمتع بها، وابرز ممارسات القوى المتشددة باعتبارها تجسيدا للمعارضة والبديل المرشح لنظامه وضرورة مكافحتها باعتبارها قوى ارهابية وتكفيرية (شاركت روسيا وإيران في هذه الحملة وكررت موسكو الدعوة لإعطاء اولوية لمحاربة الارهاب ولاتحاد النظام والمعارضة لمواجهة القوى المتشددة قبل ان تسقط الحملة بالضربة القاضية عندما شنت كتائب الجيش السوري الحر حربها على داعش ونشرت صور ضحايا التعذيب في اقبية مخابرات النظام، غيّر النظام تكتيكه بعد ان خسر ذريعة داعش وأخذ اعلامه يصم الجيش السوري الحر بالإرهاب) وصعد من عملياته العسكرية وزاد في وتيرة القتل والتدمير بالتوسع باستخدام الطائرات والبراميل المتفجرة شديدة التدمير وتشديد الحصار على المناطق المحررة ضمن سياسة القتل بالجوع والبرد، في سياق توجه لتحقيق سيطرة على 80% من الارض السورية قبيل عقد جنيف2، وحصر المعارضة، السياسية والعسكرية، في الزاوية. وقد كرر مواقفه في رده على نص رسالة الدعوة التي وجهها السيد بان كي مون لحضور المؤتمر وخاصة في بند مرجعية بيان جنيف1، ونثر، بالاتفاق مع الروس والإيرانيين، بعض البرسيم ( وقف اطلاق نار في حلب، فتح ممرات آمنة لإدخال المواد الغذائية والأدوية، اطلاق سراح معتقلين) كتعبير عن ايجابيته وعن نمط الملفات التي يقبل بحثها والتنازلات التي سيقدمها.

في مونترو عاد النظام الى الاسطوانة المشروخة: سوريا تتعرض لهجوم ارهابي تغذيه قوى ارهابية من 83 دولة، ومهاجمة دول عربية وإقليمية ودولية لدورها المزعوم فيه، والنظام يتصدى لإنقاذ البلد وحمايته. وعلى الطاولة في جنيف، بادر الى الحديث عن أولوية محاربة الارهاب، في سياق حديث عن أخذ بيان جنيف1 كرزمة واحدة، والى تكتيك تجزئة الملفات والمراحل بحيث يغرق عملية التفاوض في تفاصيل وتعقيدات ترهق الخصم وتدفعه الى الانهاك وتستخدم عجزه او فشله عن مجارات هذه الخطوات وتوفير مستدعيات تنفيذها( مثل التشكيك في قدرته على تأمين طريق آمن لإيصال المساعدات الى المناطق المحاصرة، وعدم قدرته على ضمان اطلاق الكتائب المسلحة للأسرى الذين تحتجزهم من الجنود والشبيحة وعناصر الميليشيات المقاتلة الى جانب النظام، وهذه تؤسس للتشكيك في صدقية تمثيله للمعارضة) الى كشف ضعفه وعدم اهليته وإحراجه امام جمهوره وداعميه. كما عاد الى تكتيك جر المفاوضات الى قضايا وإجراءات خارج مرجعيتها مثل تجديد المطالبة بإجراء انتخابات رئاسية تعددية وتحت اشراف دولي خلال ثلاثة أشهر، او القبول بخروج النساء والأطفال ومن يرغب من الرجال من المناطق المحاصرة في مدينة حمص، كوسيلة لتشتيت الانتباه وكسب الوقت وتأجيل الدخول في جوهر المفاوضات: تشكيل هيئة حكم كاملة الصلاحيات.

يحتاج وفد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة الى خطة مواجهة مدروسة لاحتواء تكتيكات وفد النظام والعمل من اجل انجاح عملية التفاوض وتنفيذ مضمون بيان جنيف1، وهذا يتطلب:

التمسك بمرجعية بيان جنيف1.

التركيز على الخطوات الرئيسة وأولها تشكيل هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات.

مخاطبة الشعب السوري بكل مكوناته ووضعه في صورة مواقف الائتلاف واهدافه: دولة ديمقراطية تساوي بين مواطنيها في الحقوق والواجبات على قاعدة المواطنة، والعمل من اجل اعادة السلم الاهلي وحماية جميع المواطنين بغض النظر عن الدين والمذهب والعرق والجنس.

التواصل مع المعارضة ودعوتها الى المشاركة في الوفد او مشاورتها في تطورات عملية التفاوض وأخذ رأيها. وذلك لترميم تمثيله للمعارضة وقطع الطريق على التشكيك فيها.

التواصل مع الكتائب المقاتلة ووضعها في صورة التفاوض وتطمينها بخصوص الهدف النهائي حتى يضمن تعاونها في تنفيذ أي اتفاق جزئي او شامل.

لن تكون مهمة الائتلاف سهلة ولا طريقه الى تحقيق اهداف الثورة معبدة فنحن امام نظام مراوغ ولديه خبرات في التملص والخداع واستنزاف الخصوم، وهو لن يألو جهدا لتحقيق هدفه في البقاء في السلطة، وتدعمه في الاستمرار في تعنته ورفضه التسليم بمطالب الشعب في الحرية والكرامة، بطريقة مباشرة وغير مباشرة، قوى اقليمية ودولية تستخدم الملف السوري لتحقيق مشاريعها الخاصة، دون مبالاة لا بالدم السوري ولا بالوطن السوري، وهي مثله محتاجة الى مزيد من الوقت علها تحقق اهدافها قبل ترك الملف السوري والكف عن التدخل فيه.

المدن

مؤتمر “جنيف ـ2”: خطأ انسحاب المجلس الوطني السوري/ حواس محمود

الوضع الكارثي للشعب السوري بات معروفا للقاصي والداني، والكل يدرك حجم المعاناة الناتجة عنه، لذلك فالحرب ليست معارك عسكرية فقط، وإنما سياسية، وبالرغم من أخطاء الائتلاف العديدة تجاه الشعب السوري، لكنه هو الواجهة السياسية الوحيدة للشعب السوري والمعارضة السورية في المحافل الدولية، ولعل من إيجابيات موافقة الائتلاف الذهاب إلى مؤتمر جنيف2، كشف الأوراق لجميع الأطراف الدولية والإقليمية ومن أهمها الدعوة التي وجهت من قبل بان كيمون الأمين العام للأمم المتحدة إلى إيران، وتهديد الائتلاف بتعليق مشاركته بالمؤتمر إذا لم يتم سحب الدعوة ورضوخ بان كي مون لتهديد الائتلاف، انه انتصار ديبلوماسي كبير للمعارضة السورية وهو سابقة دولية كبيرة، لقد كانت الدعوة بالأساس محاولة أمريكية – روسية لجس نبض المعارضة والدول الداعمة لها بخاصة السعودية، والسعودية التي أعلنت موقفها سريعا بأن إيران ليست مؤهلة للمشاركة بجنيف2 لأنها مشاركة مع النظام في قتل السوريين، ولا زالت لها قوات في سورية، كما أنها مصرة على رفض أو عدم قبول مقررات جنيف 1 وأهمها الموافقة على تشكيل هيئة حكم انتقالي في سورية كاملة الصلاحيات التنفيذية.

وفي ظل الارتباك الحاصل لوفد النظام السوري ومعه الوفد الروسي بغياب إيران وبعد عدم التزام وليد المعلم وزير خارجية النظام بالوقت المخصص له للحديث بالمؤتمر والمهزلة التي حصلت جراء المشادة الكلامية بينه وبين بان كيمون، ومع امتناع النظام (عبر تصريحات أعضاء وفده) عن تسليم السلطات فإن ما أقدم عليه المجلس الوطني السوري قبل افتتاح المؤتمر بقليل بالانسحاب من الائتلاف يمكن اعتباره خطوة خاطئة في توقيت خاطئ ومرحلة مفصلية من تاريخ سورية، وهي بالرغم من أنها تأتي في إطار الالتزام بوثائق ومقررات مؤسسية أي أن المجلس نفذ قراره السابق بالانسحاب من الائتلاف في حال مشاركة الائتلاف بجنيف2 التزاما بمواثيق المجلس الوطني وثوابته الأساسية، إلا أن الظرف حساس والشعب السوري بحاجة ماسة لمعارضة كبيرة وقوية، ومن المفترض أن يكون الانسحاب عملية مؤقتة، وأن تكون بعيدة عن الحملات الإعلامية المتبادلة، وأن تكون ضمن حرية الرأي واختلاف وجهات النظر، والتركيز على المشترك السياسي العام لخدمة الشعب السوري في معاناته الطويلة، كما أن خطوة الائتلاف بالمشاركة في جنيف2 مساهمة كبيرة باتجاه الحل السياسي في حال التزام كل الأطراف بمقررات جنيف 1، وفي أسوأ الحالات عدم التزام النظام بهذه المقررات سواء ضمن المؤتمر – سياسيا – أو بعده – ميدانيا – وعلى الحالتين لن تكون المعارضة قد خسرت شيئا، وفي الحالة الثانية تكون قد سحبت البساط من حجج النظام والمجتمع الدولي من أن المعارضة هي سبب فشل جنيف2(في حال عدم المشاركة) وبالتالي عليها تحمل مسؤولية فشل المؤتمر، وبدا واضحا أن النظام كان يراهن على ضعف المعارضة واحتمال عدم مشاركتها أو مشاركتها بوفد مشتت، ولكن ذلك كله لم يحدث وبحضور المعارضة متمثلة بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة تم إسقاط كل مراهنات النظام، وكان خطاب المعلم سردا مملا بغير جديد وبغياب رغبة جادة بالتحاور فيما بدت كلمة المعارضة أكثر واقعية وأكثر جدية بالرغبة بالتفاوض على أساس جنيف واحد كما ذهبت في نفس الموقف كل كلمات الدول الأخرى.

إن مشاركة الائتلاف خطوة ذكية وبالاتجاه الصحيح، لكن يتطلب من كل الأطراف المعارضة التنسيق والتوحد السياسي والتعامل مع المستجدات بحنكة وحكمة وسياسة، لا سيما وأنها تدافع عن مظلومية شعب عانى 3 سنوات، ما لم يعانيه أي شعب في العالم من قتل وتدمير واعتقال وتشريد.

من المفترض والمفضل لدى الشعب السوري عموما أن تبقى خطوة المجلس الوطني خطوة إجرائية مؤقتة، وان تستمر العلاقة السياسية مع الائتلاف لصالح الشعب السوري في محنته الكارثية الكبيرة.

المستقبل

جنيف السوري من منظور التحول السياسي/ منير الخطيب

لا أحد ينتظر نتائج ملموسة ومباشرة من “جنيف 2″، تنعكس بصورة جدية على حياة السوريين، وخاصة مع شرط توازن الضعف بين قوى السلطة وميليشيات حزب الله والمليشيات العراقية من جهة، والقوى الإسلامية المعارضة وقوى الجيش الحر من جهة أخرى، وتشابك تعقيدات الوضعين الإقليمي والدولي مع النكبة السورية، إضافة لتخارج السلطة مع الشعب تخارجاً مطلقاً ونهائياً، هذا التخارج الذي لم يعد قابلاً لإنتاج “هيئة حكم انتقالي”، تنقل البلد إلى وضع ديموقراطي، ولاسيما في ظل “الكلبية الميكافلية” التي تسم “السياستين” الإيرانية والروسية، هذه الكلبية المتخارجة، أيضاً، تخارجاً مطلقاً مع الأخلاق ومع النزعة الإنسانوية.

 لكن رمزية مؤتمر جنيف تتجاوز الحرتقات السياسوية، التي تشي فيها سلوكيات المعارضين السوريين، إذا تم النظر إليه كمحطة في سياق التحول السياسي الصعب والمعقد والتاريخي الذي يحتاجه السوريون لبناء وطنيتهم المستلبة استلاباً ناجزاً، كذلك بناء الدولة- الأمة.

إن الناشطين الميدانيين والتنسيقيات و المعارضة السياسية على اختلاف توجهاتها، كذلك النخب السياسية الجذرية التي لم تطفو على السطح الإعلامي،  والنخب الثقافية والعلمية والفئات الوسطى، إضافة للملايين المهجّرة من السوريين في الداخل والخارج، كل هؤلاء هم أدوات السياسة بوصفها سيرورة بناء تاريخية وفاعلية مجتمعية.

 كل هؤلاء تم تهميشهم وإخراجهم من مجال الفعالية، بتأثير قوى وبنى الحرب للتنظيمات الإسلامية، التي احتلت مجال الفعالية الميدانية في مواجهة نواة النظام الأمنية والعسكرية والمليشيات الطائفية القادمة من لبنان والعراق. لذا يجب النظر إلى جنيف كبدوة لمسار طويل لإعادة هذه الكتلة التي جرى تهميشها إلى مجال الفعالية مرة ثانية.

 كذلك، السياسة كفاعلية مجتمعية تبدأ عندما تتوقف الحرب، والحرب لن تتوقف بفعل سوري- سوري، لأنه صار لها قوى وشبكة مصالح على الأرض لها مصلحة في استمرارها، ومع استمرار الحرب تترسخ أكثر فأكثر شبكة المصالح هذه، و تندرج أيضاً في شبكة مصالح إقليمية أوسع. لهذا يحتاج السوريون إلى المجتمع الدولي لإيقاف الحرب، بصرف النظر عن تلكؤه إزاء الهلوكوست السوري حالياً. جنيف يُبقي على هذا التفاعل مع المجتمع الدولي الذي سيصل يوماً إلى اتخاذ قرار بوقف الحرب والبدء بعملية تحول سياسي.

 ولا يجوز النظر إلى مؤتمر جنيف بمنظار التخوين أو الاستهتار أو التجاهل، بل كلحظة في صيرورة تحول سياسي، سيكون للمجتمع الدولي حضور وازن فيها، لأنه الوحيد القادر على فرض حل على الدول الإقليمية، ينزع بموجبه سلاح المليشيات الشيعية والسّنية وفي مقدمتها ميليشيا حزب الله، التي أصبح سلاحها خطراً على أمن المشرق العربي  برمته وليس على إسرائيل.

لحظة جنيف بدأت بكسر صورة الاحتكار المطلق للسياسة الذي مارسه النظام طيلة خمسين عاماً. المعارضة كانت على الدوام في نظر النظام هي عبارة عن أفراد خارجين عن القانون (فرارية)، إذ لأول مرة يشاهد السوريون وفد المعارضة، يقارع وفد النظام ،ويتفوق عليه سياسياً وأخلاقياٌ وإعلامياً، وهذا نسف للصورة النمطية لأحزاب “الجبهة الوطنية التقدمية”، التي اقتصر دورها على المبايعة والتصفيق والتمجيد والتبعية المطلقة للنواة الأمنية للنظام طيلة العقود الماضية.

 جنيف، بهذا المعنى، هو لحظة أيضاً في سياق انهيار مرتكزات “الدولة التسلطية”، التي لن تستطيع إعادة بناء هذه المرتكزات، حتى لو، حسمت عسكرياً في الميدان. كذلك إن الإرادة الدولية التي ظهرت في “جنيف 2″، وأجمعت على أن الحل في سورية هو حل سياسي، وضعت حداً “لكلبية” السياسة الروسية التي أرادت تحويل المؤتمر إلى مؤتمر لمقاومة الإرهاب.

 يحتاج السوريون إلى البناء على هذه الإرادة والتواصل معها، بصرف النظر عن فشل أو نجاح المؤتمر الآني، لأنها : عنصر من عناصر القوة المهمة  للتيار المدني العريض في الثورة السورية، الذي يتطلع إلى تشكيل دولة وطنية أولاً، ولأن السوريين يحتاجون هذه الإرادة الدولية لإعادة العمران وإعادة تأهيل البنى التحتية وقطاعات الصحة والتعليم وغيرها ثانياً، ولمواجهة أطر الحرب التي تشكلت وتعمقت، والتي ستقاوم مستقبلاً عملية التحول السياسي ثالثاً، ولأن الوطنية السورية النافية للمذهبية والطائفية والإثنية  وللخصوصية والمحلوية هي في أهم مضامينها علاقة مع الكونية التي تعبر عنها هذه الإرادة الدولية رابعاً.

و أخيراً إن النظر إلى جنيف بعين ” السياسي- تاريخي”، كلحظة في سيرورة تشكل معقدة، وليس بعين سياسية، تجعلنا نستعير صورة فارس الخوري وهاشم الأتاسي وسعد الله الجابري، عندما ذهبوا إلى باريس عام 1936 للتفاوض على استقلال سوريا، وكانت عيونهم ليس على الاستقلال فقط، بل على الدولة الوطنية التي شرعوا في بناء جنينها، وجاء البعث لاحقاً وأجهض هذا الجنين.

المدن

ماذا ننتظر من وفد المعارضة إلى جنيف؟/ د. عوض السليمان

لا بأس من الإشارة مرة أخرى إلى أننا مع أي حل يجنب الشعب السوري مزيداً من القتل، والتشريد، وتدمير الممتلكات والقرى والمدن والتي يقوم بها النظام بشكل ممنهج بأسلوب لم يشهده التاريخ، وفي ظل تواطؤ دولي مريب.

وإذ نعتقد أن مؤتمر جنيف فرصة هامة، فإننا نقصد أمرين اثنين، أولهما فإنه فرصة لإنقاذ سوريا وشعبها، وإنقاذ البلاد من التحول إلى دولة فاشلة وعالة على المجتمع الدولي ينقسم أهلها جماعات وفرقاً كلٌ يتبع دولة معينة أو أيديولوجية محددة. وثانيهما فجنيف فرصة أخيرة للائتلاف ليثبت للشعب السوري أنه بالفعل قادر على تمثيله والحديث باسمه. فنحن نعلم أن الائتلاف ذهب إلى المؤتمر دون كثير دعم شعبي أو حشد جماهيري، ولا تزال فئة من السوريين تشكك بالسيد الجربا وأعضاء الائتلاف الوطني وذلك بسبب ما ألحق الائتلاف بنفسه من أذى في مرحلة معينة من تشتت وعدم شفافية في الأمور التنظيمية والاقتصادية بل وبالارتباطات التي كانت على الدوام مثار ريبة.

حسمت المسألة طبعا، ووفد الائتلاف في جنيف فعلياً، فعلينا والحالة هذه أن نشد على أيدي المفاوض الذي ذهب- كما هو معلن على الأقل- لمناصرة الشعب السوري ورفع الحيف عنه. ويتوجب علنيا الآن النصح والدعم الإعلامي طالما التزم وفد الائتلاف بثوابت الثورة.

أعتقد أنه من أهم ما على الائتلاف عمله لكسب تأييد الشعب السوري أن يتمسك بأربع نقاط حيوية:

الإصرار على سقف زمني لنهاية التفاوض، مع تحديد جدول زمني لكل نقطة قد يتم التفاوض حولها.

منع وفد نظام الأسد من المراوغة وإطالة أمد المفاوضات إلى أجل غير مسمى، خاصة في ظل تنصل دولي من أي ضغط حقيقي على بشار الأسد، كاستخدام القوة أو التهديد بالفصل السابع على سبيل المثال.

التأكيد بقوة على رحيل الأسد، وأن جنيف 2 يتمحور في الأساس على تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة تستثني الأسد وكل من شارك في قتل الشعب السوري.

الطلب على الفور من الأمم المتحدة والقوى الفاعلة بفتح الممرات الإنسانية وإيقاف القصف الهمجي الذي يمارسه شبيحة الأسد في المدن السورية، ونسجل اعتراضنا على وفد الائتلاف حيث ذهب إلى جنيف قبل تحقيق هذه النقطة.

كما نودّ أن نشير إلى نقاط مساعدة ستكون عوناً لوفد المعارضة، وضغطاً على وفد الأسد، ولا ندري كيف لم يقم الائتلاف بتفعيل مثل هذه النقاط حتى اللحظة:

البدء فوراً ودونما تأخير بحملة إعلامية منظمة ذات زخم شديد لتعرية النظام السوري، وفضح أعضاء الوفد وعلاقاتهم المشبوهة وتصريحاتهم الكاذبة وتعاونهم مع المجموعات الإرهابية في العالم كحزب الله وغيره. وحسب خبرتنا بالمجتمع المدني الأوروبي فإنه يسقط كثيراً من الأشخاص بناء على سيرهم الشخصية وكذبهم ومراوغاتهم، أ فلا يستطيع الائتلاف تذكير العالم بتصريحات بثينة شعبان عن الإرهابيين الذين نقلوا 1400 طفل من اللاذقية إلى غوطة دمشق ثم قتلهم بالسلاح الكيماوي من قبل السعودية وبعض الدول الأخرى.

التعاون الفوري مع شركة رأي عام عالمية للدفاع عن الشعب السوري وصدقية مطالبه ومن يمثلها، مع التركيز على السيرة الذاتية والعلاقات المشبوهة لوفد النظام بشخوصهم وأسمائهم، كعلاقات الأسد مع حاشيته من النساء خاصة، وتعيين أصدقائه في المناصب العليا على خلفيات طائفية، والاستغلال الجنسي في مثل تلك العلاقات.

تنظيم نشاطات يومية فعالة في جنيف طيلة فترة انعقاد المؤتمر تتخللها مظاهرات ضد الأسد وأعوانه، وإقامة معارض صور ومصورات توثق قتل السوريين والهمجية الأسدية.

توسيع طاقم المفاوضات ليشمل ممثلين عن المقاتلين الذين أوصلوا الائتلاف إلى جنيف، فهم أحق بتمثيل الشعب السوري وهم أقدر على شرح معاناته.

الاستعانة بلجان وخبراء في القانون الدولي والإعلام، والسياسية والاقتصاد.

أخيراً فإن على وفد الائتلاف إذا كان صادقاً في مراميه بإنقاذ سوريا وشعبها أن ينسحب فوراً من أي نقاشات مع العدو في حال لم يتم تحقيق البنود السابقة خاصة الموافقة على الجدول الزمني ومسألة رحيل الأسد .

دكتوراه في الإعلام ـ فرنسا

القدس العربي

عن مسارات مؤتمر “جنيف 2” ومفاوضاته…/ لؤي حسين

انتهى مؤتمر «جنيف – 2» بنتيجة واحدة فقط: مفاوضات من دون عنوان واضح بين النظام وبين وفد ضعيف من الائتلاف السوري، لا يملك أي صلاحية أو تأثير في الواقع السوري، إلا ما يمكن أن تمكّنه منه الولايات المتحدة الأميركية، كمسألة الانتصارات الجزئية المحدودة التي حققها، في الأسابيع الأخيرة، بعض المجموعات المسلحة على الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). بهذا، تكون هذه المفاوضات فعلياً قائمة بين وفد الائتلاف نيابة عن واشنطن، وبين وفد النظام الذي يقول ما تريده موسكو.

تحتاج واشنطن، كيما تكون طرفاً رئيساً في شكل غير مباشر في الأزمة السورية، إلى طرف معارض قوي. وظهرت أخيراً أنها لا تمتلك مثل هذا الطرف، حين ثبت الضعف الكبير للحالة التمثيلية للائتلاف السوري، إثر سيطرة مجموعات تصنفها واشنطن ضمن المجموعات الإرهابية، كجبهة النصرة و «داعش»، على الميدان القتالي في سورية، وبعد أن أعلنت مجموعات عدة رفضها أن يكون الائتلاف ممثِّلاً لها. لهذا، اضطرت واشنطن للجوء إلى دعم بعض المجموعات المسلحة وتشجيعه على مقاتلة «داعش»، للتشديد على أن الوجود الأقوى والأوسع في الميدان هو للمجموعات المعتدلة وغير الإرهابية، خلافاً لما يقوله النظام وموسكو، ولتكون شريكاً حقيقياً بمسارات مؤتمر «جنيف – 2» ومفاوضاته. هذا إضافة إلى تمكن الائتلاف، ومن خلفه واشنطن، من التشديد على أنهم ضد الإرهاب الذي يصنعه النظام، وفق تصريحاتهم.

لكن واشنطن تعرف أن هذه المجموعات المسلحة، وفي مقدمها الجبهة الإسلامية، لا يمكنها أن تكون هذا الطرف المعارض القوي الذي يمكّن واشنطن من المشاركة بمفاوضات متوازنة مع موسكو الوصيّة على النظام السوري. إذ إن طبيعة تشارك هذه المجموعات غير متماسكة. كما أنه غير مضمون مدى استعدادها للتضحية بالكثير من مقاتليها إذا ما أرادت فرض سيطرتها بالقوة على المناطق التي تسيطر عليها مجموعات مثل «داعش». هذا فضلاً عن أن هذا الصراع سيجعلها تؤجل صراعها مع النظام، ما يبعدها عن لعب دور المعارضة له. وتعرف واشنطن أيضاً أن مقاتلة «داعش» لن تكون كافية لوحدها للتشديد على عدم تطرف هذه المجموعات.

وهذا يفسر لنا سبب تعطيل واشنطن انعقاد مؤتمر «جنيف – 2» خلال الأشهر الماضية، قبل أن تجد نفسها أخيراً مضطرة لعقد المؤتمر تحت ضغط مرور الوقت والضغط الأممي والدولي، وضغط الجاهزية الروسية لهذا المؤتمر. من هنا، يمكننا فهم توجه السيد جون كيري، وزير الخارجية الأميركية، في خطابه أمام جلسة مؤتمر «جنيف – 2» في مونترو، إلى العودة لنقطة الفراق الرئيسة، التي تكرست منذ أكثر من سنتين، والمطالبة بأن يكون تنحي الرئيس السوري شرطاً لازماً لإطلاق العملية السياسية ولا يكون نتيجة لها. وهذا يفسر أيضاً إعلان واشنطن، خلال المفاوضات، عن تقديمها أسلحة «غير فتاكة» لمجموعات مسلحة غير إرهابية. وكل هذا يشير إلى عدم جاهزية واشنطن لغاية الآن للمضي بحل للأزمة السورية.

قِصر النظر الأميركي للأزمة السورية ليس وليد التحضيرات لمؤتمر «جنيف – 2»، بل إنه قائم منذ بداية تعقّد مسارات الصراع السياسي السوري وتحوله إلى أزمة. قِصر النظر هذا كان وليد الغطرسة التي تسم أداء الخارجية الأميركية، التي اعتبرت دوماً أنه في مقدورها السيطرة على مسارات الصراع، مهما تشتت وتعدد وتعقد، حين تشاء. لهذا، اعتمدت في مساهمتها في صناعة الأزمة على شخصيات «معارِضة» سورية غير مؤهَّلة لتكون مشارِكة في مسارات الحل. ظانة أنه في مقدورها استبدالهم بشخصيات قادرة على أن تلعب دوراً مقبولاً في مسارات الحل متى شاءت ذلك. وبناء على هذه الغطرسة عاد السيد روبرت فورد، سفير الولايات المتحدة في سورية، بعيد زيارة السيد كيري موسكو وإعلان الاتفاق على عقد مؤتمر «جنيف – 2» في أيار (مايو) الماضي، للاجتماع بشخصيات كان قد انقطع عن التواصل معها منذ مغادرته سورية، ليطلب منها أن تكون شريكة في المؤتمر وفق الأجندة الأميركية. لكنه فشل في ذلك، ولم يستوعب أن هؤلاء الأشخاص لا يعتبرون أن معارَضة النظام تعني موالاة الولايات المتحدة.

ومع ذلك لا تتحمل واشنطن لوحدها مسؤولية فشل مؤتمر «جنيف – 2»، والمفاوضات الناجمة عنه، في المساهمة بحل الأزمة السورية. فموسكو تتقاسم معها هذه المسؤولية تماماً. إذ إن موسكو تريد من المؤتمر تكريس بقاء النظام السوري عبر مقولة مواجهة الإرهاب أولاً، ليكون الحديث عن تغيير النظام السياسي عبارة عن إتاحة المجال للعمل الإرهابي. وعبر مقـــولة إن مسألة الخلاف على طبيعة النظام الســـوري واختيار قياداته هي مسألة يحلها الســوريون في ما بينهم ضمن ظروف الواقع الراهن. أي من دون أن يتوقف النظام عن قمعه وتكبيل حريات السوريين. بالتالي، فروسيا غير جاهزة البتة للمساهمة بإطلاق عملية سياسية سورية كفيلة بإنهاء الأزمة.

يمكن أن ينجم عن مفاوضات مؤتمر «جنيف – 2» إيصال بعض المساعدات الإنسانية للنازحين داخل البلاد، أو للمحاصرين في عدد من البلدات والأحياء، ولكنها لن تكون دائمة. وقد يتم الاتفاق على وقف إطلاق نار في بعض المناطق، لكنه سيكون هشاً وسيسقط خلال فترة قصيرة. وممكن أن يتم تبادل عشرات من المعتقلين لدى النظام بمختطفين لدى المجموعات المسلحة، لكن هذا لن يلغي احتجاز آلاف المعتقلين، ولن يوقف عمليات الاعتقال أو يخفف منها.

مؤتمر جنيف فاشل أيضاً في حل الأزمة السورية. فبصرف النظر عن مدى تمثيلية وفد الائتلاف وقدرته، إلا أن الاكتفاء بمفاوضات سورية – سورية، وتجاهل ضرورة التوافق بين عدد من الدول التي أقر الجميع بأنها أطراف رئيسة في الأزمة، كإيران والسعودية على سبيل المثل، لا يمكنه أن يحقق أي تقدم جدي في مسارات الحل للأزمة السورية.

هذا الأفق المسدود لحل الأزمة السورية يحتاج كي يُخرق إلى وجود أطراف دولية ومحلية تعي التبعات الخطرة للأزمة السورية، خصوصاً من ناحية تأثيرها في الإقليم وخارجه. وأن يكون لدى هذه الأطراف الدافع والتصميم لإنهاء هذه الأزمة لا إدارتها. فإن كان هناك صعوبة بالغة في تغيّر مواقف الدول، فقد يكون الأمل برسم تشكّل طرف سوري لا يتحدّد بمواقفه من أطراف الأزمة، بل بمواقفه من الوطن السوري. ولا يختزل الأزمة السورية بمجرد نزاع مسلح متعدد الصور والغايات، ولا يتوه بالمماحكات والمحاججات التي لا تغيّر من واقع الحال شيئاً، بل يعتمد على تحويل وزن رأي الغالبية الساحقة من السوريين إلى ثقل سياسي يمكن أن يغيّر موازين القوى القائمة.

* كاتب سوري ورئيس تيار بناء الدولة السورية

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...