بكر صدقيحسين جموصبحي حديديصفحات سوريةعلي جازوعمر قدورغازي دحمانلؤي حسينمازن عزيميشيل كيلوهوشنك أوسي

مقالات لكتاب سوريين تناولت ” داعش”

 

 

 

 

 

داعش أوروبا: المنبع قبل المصبّ/ صبحي حديدي

محيرة، بدورها، تلك الحيرة التي تنتاب غالبية ساحقة من المختصين بالحركات الإسلامية المتشددة، والجهادية؛ إذْ يُطرح عليهم، أو يطرحون على أنفسهم السؤال المتكرر: ما الذي يجذب شاباً أوروبياً، ولد وترعرع في أنظمة ديمقراطية، علمانية من حيث قوانينها الوضعية على الأقلّ، إلى اعتناق عقائد متطرفة، ومتزمتة، وعنفية، وتنتمي بمرجعياتها إلى عصور ألفية سالفة، مثل «داعش»؟

هي حيرة محيرة، خاصة حين تصدر عن مراقب غربي يزعم الخبرة، والتبحر العميق، سواء في شؤون بلده أو في شؤون الإسلام الجهادي؛ لأنّ الأسباب التي تتيح انجذاب شباب الغرب إلى منظمات مثل «داعش»، وقبلها «القاعدة»، ليست كثيرة ومتشعبة وآخذة في التراكم، فحسب؛ بل هي، أيضاً، واضحة ومعروفة، ولا يحتاج إدراكها إلى تحليلات عويصة.

ليس هنا المقام المناسب لاستعراض تلك الأسباب، أو حتى أهمها، بالطبع؛ ولكن لعلّ من الواجب، في المقابل، أن يبدأ المرء من منبع الظاهرة، قبل بلوغ روافدها ومصباتها. وبهذا المعنى، وقبل البحث في عوامل جاذبية «داعش»، وسطوة فكرة الخلافة، ورغبة البعض في نصرة المظلوم ضدّ الظالم؛ يتوجب الوقوف على العوامل المحلية المختلفة، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية، التي تنفّر الشابّ الأوروبي من مجتمعه، في فرنسا أو بريطانيا أو هولندا أو الولايات المتحدة، وتدفعه إلى السفر آلاف الأميال بعيداً عن أهله وبلده.

ثمة أزمة الهوية، التي يعيشها المتحدرون من أصول غير أوروبية، حتى عند أولئك الذين ولدوا في أوروبا، ودرسوا فيها، ولم يعرفوا أية تربية أو ثقافة أخرى. وثمة أزمة الاغتراب الروحي، العتيقة والمقيمة، التي يمكن أن تعصف بأبناء الثقافة أنفسهم، لاعتبارات شتى قد تبدأ من رفض القِيَم المكرسة، الثقافية والأخلاقية والدينية؛ وقد لا تنتهي عند التوق إلى بدائل خلاصية. وثمة، غنيّ عن القول، أزمات البطالة والمعيشة والتفكك الاجتماعي ومشكلات الحياة اليومية في ظلّ أنظمة اقتصادية طاحنة وقاسية…

كذلك لا يجوز تناسي تلك الحقيقة الكبرى التي تقول إنّ نقل فكرة الجهاد من منظوماتها الفقهية والنظرية الصرفة، إلى تطبيقاتها الفعلية على الأرض وفي الواقع، كانت أساساً قد بدأت كصناعة استخباراتية غربية، وأمريكية بصفة خاصة. وهنا، يصعب على المرء مقاومة إغراء التفكير في تلك «المؤسسة الجهادية» التي أعطت أسامة بن لادن، والأفغان العرب، والطالبان؛ والتي خطط لها، وأطلقها للمرة الأولى، زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر.

وفي حوار شهير نشرته أسبوعية «لونوفيل أوبزرفاتور» الفرنسية سنة 1998، أعترف بريجنسكي بأنّ البيت الأبيض هو الذي استدرج السوفييت ودفعهم إلى خيار التدخّل العسكري والوقوع في المصيدة الأفغانية، ثمّ تمويل وتسليح الجهاديين ضدهم. ويسأله الصحافي الفرنسي فانسان جوفير، ألا يندم على دعم الأصولية الإسلامية، وما أسفر عنه ذلك من تدريب وتسليح إرهابيي المستقبل؟ يجيب بريجنسكي: «ما هو الأكثر أهمية من وجهة تاريخ العالم، الطالبان أم سقوط الإمبراطورية السوفييتية؟ بعض الغلاة الإسلاميين، أم تحرير أوروبا الشرقية ونهاية الحرب الباردة؟». ويلحّ الصحافي الفرنسي: ألا يُقال إنّ الأصولية الإسلامية تمثّل اليوم خطراً عالمياً؟ فيردّ بريجنسكي: «كلام فارغ!»…

والحال أنّ ذلك الخطر لم يكن البتة كلاماً فارغاً، في أية حقبة؛ فكيف في أيامنا هذه، حين تصبح «داعش» الشغل الشاغل لقوى الغرب العظمى!

 

 

 

 

حين خرجت «الدولة الإسلامية» من ملعبها/ حسين جمّو

كانت طائرات أميركية مقاتلة تقصف مواقع لتنظيم الدولة الإسلامية في شمال العراق لمنع حصول إبادة بحق الأقليات الإيزيدية والطوائف المسيحية في سهل نينوى وسنجار حينما كان جنود أبو بكر البغدادي يطلقون النار على عشرات الرجال والشبان المكبّلين من أبناء عشيرة الشعيطات في ريف دير الزور.

يقودنا هذا المشهد إلى استنتاج تدعمه أدلة كثيرة حول التغاضي الدولي عن عمليات القتل الجماعية التي تقوم بها الدولة الإسلامية في أماكن، وتجريد قوة جوية لإيقافها في أماكن أخرى.

للوهلة الأولى هناك تمايز بين الحالتين: أبناء العشائر السنية مهددون بالقتل الجماعي أسوة بالمسيحيين والإيزيديين، إلا أن خيار خلاصهم من القتل الجماعي يتطلب تغيير الولاء السياسي فقط للغالبية بعد محاسبة من لا يشملهم «العفو- التوبة». أما في حالة المسيحيين والإيزيديين وارتكاب عمليات قتل أو تهجير جماعية بحقهم فلا يكفي تغيير الولاء السياسي للنجاة بأنفسهم. المطلوب تغيير الدين نفسه إلى الإسلام بالنسبة للإيزيديين، ودفع الجزية بالنسبة للمسيحيين كأضعف الايمان. وبالتالي، اقترن التدخل الأميركي ضد الدولة الإسلامية في مناطق الأقليات في العراق – وليس كل العراق – بمصطلح «منع الإبادة»، وهو التعبير الذي كرره مسؤولو الإدارة الأميركية لدى كل حديث عن تبرير تدخلهم.

هذا المصطلح بات يرسم حدود التدخل الأميركي في الشرق الأوسط. منع إبادة من نوع أن يقوم تنظيم الدولة الإسلامية مثلاً بجمع ألف عائلة إيزيدية وقتلها جماعياً. أما غير ذلك فأمر لا يستدعي التدخل.

في الحوار الذي أجراه الصحافي الأميركي توماس فريدمان مع الرئيس باراك أوباما، أمكن تلمس ما هو أكثر من ذلك. كرر الرئيس الأميركي كلمات «سنة، شيعة، أكراد» مراراً في حواره. وحينما تطرق إلى تنظيم الدولة، قال: «لسوء الحظ، لا يزال لدينا داعش… التي أعتقد أنها لا تنال إلا جزءاً صغيراً من رضا السنّة العاديين، غير أنهم يملأون فراغاً، والسؤال لنا يجب ألا يكون عن مجرد كيف يمكننا التصدي لهم عسكرياً، ولكن كيف سنتحدث إلى غالبية سنية في تلك المنطقة».

ما يُفهم من هذا التوصيف أن أوباما يميل إلى اعتماد مفهوم «وحدة الجماعات» في العراق، سواء كانت طائفة (سنة – شيعة) أو قومية (أكراد – عرب)، ليس بمعنى التوصيف، إنما القيادة. ووفق هذه «الفرضية»، فإن التطاحن داخل الطائفة الواحدة من أجل قيادة الطائفة أمر مشروع وفق مبدأ «إمارة المتغلب» الذي يبدو أن أوباما يجده نموذجاً جيداً، له جذور عريقة في التاريخ الإسلامي، وسيرة الزعامات العشائرية حتى وقت قريب.

يكمن قلق الإدارة الأميركية في كيفية توحيد غالبية السنّة بعيداً من «داعش»، لكن في الوقت نفسه فإنها تخاطب الشيعة بالقول إنهم «أهدروا الفرصة»، في إشارة إلى كسب «داعش» قطاعات من السنة إلى جانبه وأن الإدارة الأميركية ليس من شأنها تمكين المالكي بالانتصار على خصومه السنّة المنخرطين في التنظيم المتطرف.

لكن، كيف أهدر الشيعة الفرصة؟ هنا نعثر على كلام أميركي يصاغ بعبارة «إشراك السنة في الحكم»، ولا يوجد في قاموس السياسة العراقية ما يوضح معنى هذه العبارة من دون تعدد الاجتهادات المتناقضة في تفسيرها. الواقع أن جزءاً كبيراً مما يشهده العراق ناتج من تغيير مبدأ الحكم البريطاني فيه: تسليم القيادة المستحدث نهاية الحرب العالمية الأولى إلى الطبقة السياسية السنّية. ويبدو غموض «إشراك السنّة في الحكم» تأففاً غير معلن من إلغاء تلك المعادلة البريطانية التي تطلب تحقيقها ضم الموصل إلى العراق، وأحد الأسباب الرئيسية لهذا الضم تحقيق نوع من التوازن الطائفي. المسكوت عنه سنّياً، وبالإجماع، أن إشراك الطبقة السياسية السنّية المدعومة شعبياً يطمح إلى حكم العراق على مبدأ «الطائفة المتغلبة»، لا أقلية ولا أكثرية. لذا، فإن أي صيغة «مشاركة» للسنّة في الحكم لن تكون كافية، وبالتالي فإن عبارة أوباما أن الشيعة «أهدروا الفرصة» تبدو نهائية: الوضع غير قابل للإصلاح.

هنا «داعش» تلعب لعبة إمارة المتغلب أمام أنظار العالم أجمع، وفي الوقت نفسه تخوض حرباً ضد الجميع، من دون أن يستدعي ذلك تدخلاً دولياً. حتى حربها على بغداد وقتلها جنود الجيش العراقي في عمليات إعدام جماعية لم يستدع ذلك الاستنفار الدولي مقارنة بهجمة «داعش» على سهل نينوى وسنجار.

الضربات الجوية الأميركية خطاب واضح موجه إلى «داعش»، ويتلخص بجملة: «ملعبك ليس هنا». ولا يعني هذا الذهاب في الخيال بعيداً بالقول إن تنظيم الدولة الإسلامية صناعة غربية أو استخباراتية عربية، فالأصح أنها مجموع العداوات بين مكونات البلد وفصائله العسكرية وتياراته السياسية، مضروباً بالتوحش في إدارة عمليات القتل المرافقة للتوسع. لكن المعادلة السابقة يمكن ان تتوافر في مناطق أخرى من العالم بسهولة، وفي بيئات مشابهة، لولا أن ما يسمى «المجتمع الدولي» محذوف في مفردات ما يجري في العراق وسورية. لقد حضر المجتمع الدولي عندما خرجت «الدولة الإسلامية» من الملعب الذي تمارس فيه حريتها المطلقة.

مسموح لـ «داعش» ارتكاب القدر الذي تشاء من المجازر ضد السنة، هذا هو حق الحرية الذي تمارسه بعيداً من التدخل الخارجي في «الشؤون الداخلية للسنّة». هكذا يُساق عصاة الدولة الإسلامية من عشيرة الشعيطات إلى الحُفَر لإعدامهم في حربها الخاصة التي تتفهمها الدول التي ينبغي عليها أن لا تتفهمها، حرب «الولاية على السنّة» التي باتت مناطقها على الخريطة، في جزء كبير منها، مساحات فارغة. لكن عملية ذبح الصحافي الأميركي جيمس فولي، وقبلها إذلال المسيحيين في سهل نينوى، يبدو أمراً غبياً بالمنطق السياسي، لأنها سلوكيات تحرج الولايات المتحدة، تستفزها للتحرك والقصف والبحث عن خيارات أخرى، وهو ما حدث ويحدث. لا غرابة في ذلك، فهي في النهاية اسمها «الدولة الإسلامية» بقيادة «أمير المؤمنين الخليفة إبراهيم»، وهي دولة لا تحتمل هذه الحرية الفارغة التي افترضنا أنها «ممتعة». والهدف التالي الذي بدأ وسيستمر هو «هدم الأسوار» المحيطة بملعبها لإشغال العالم بنفسها.

هي دولة حرب، وبالحرب وحدها تزيد من فرصة بقائها… وقد تتمدد إذا بقيت.

* كاتب سوري كردي

الحياة

 

 

 

مقاولات التصدي لداعش/ عمر قدور

ليس جديداً أن يتحدث الرئيس الأميركي باراك أوباما عن إستراتيجية بعيدة المدى للتصدي لداعش، فقد سبق لإدارة جورج دبليو بوش أن تحدثت عن إستراتيجية مماثلة للقضاء على الإرهاب، وسبق لغالبية حكومات المنطقة أن انهمكت في تعاون استخباراتي مع السي آي إي للتضييق على إرهابيي القاعدة، ووضع الإسلاميين المتشددين عموماً تحت المجهر. بعد مرور أكثر من عقد، وبعد إلقاء اللوم على إدارة بوش بسبب فشلها في حربها على الإرهاب، يتضح أكثر من أي وقت مضى أن الخيارات التي اعتُمدت حتى الآن لم تحقق الغرض المطلوب، وأكثر من ذلك برز تنظيم داعش كلاعب جديد في مواجهة اللاعبين القدامى الفاشلين.

الخيار الفوري الذي لجأ إليه أوباما هو ضرب داعش من الجو، وكما هو معلوم كانت الضربات الجوية هي الخيار الوحيد الذي اعتمده سابقاً في أفغانستان وباكستان، ورُوّج له بصفته الأكثر نجاعة والأقل كلفة على أرواح الأميركيين. الآن أيضاً، يبدو خيار الضربات الجوية هو المفضّل لدى أوباما، وبحيث تكون الإستراتيجية الجديدة استكمالاً له. أي أن الإدارة لا تنوي التورّط في الأرض، الخيار الذي طالما انتقدت بسببه إدارة سلفه جورج بوش. لقد كان أوباما واضحاً في رفض التورط على الأرض العراقية عندما تقدم داعش، وأي تراجع عن حزمه في شأن عدم الزجّ بالجنود الأميركيين على الأرض سيُعَدّ ضربة لأهم الأسس التي نال عليها ثقة ناخبيه، الناقمين أصلاً على سياسة سلفه.

اللاعبون المحليون يدركون نقطة ضعف أوباما، ويتهيأون للمناورة ضمنها. فحاجة الإدارة الأمريكية إلى شركاء على الأرض تدفع مختلف الفرقاء إلى الحصول على مقاولة التصدي لداعش، أو الحصول على نسبة ما من المقاولة. الخوف ليس العامل الأهم هنا، مثلما كان الأمر مع إدارة بوش حيث انخرط البعض في حربها على الإرهاب خوفاً من العقاب. وإذا كان الخوف دافعاً لدى بعض الجهات المحلية، فهذه المرة هو الخوف من داعش لا من أميركا. ذلك ما نلحظه لدى دول خليجية تخشى أن يتهدد استقرارها ببقاء داعش وتمددها، وهذا ما يُفهم أيضاً من تهديدات حسن نصرالله الذي أشار مباشرة إلى المملكة السعودية عندما تحدث عن خطر داعش.

ثمة عروض فوق الطاولة، وأخرى تحتها، للمشاركة في المقاولة. هذا التنافس الإقليمي ينبغي أولاً ألا يخفي حقيقة فشل جميع المتنافسين في التصدي لداعش. فالمحور الإيراني الذي أدار المعركة بدءاً من العراق وصولاً إلى لبنان كانت له يد طولى في بروز داعش، وأغلب التقديرات تشير إلى أن إيران وحلفاءها لم يقدّروا حجم وقوة المارد الذين ساهموا في إطلاقه من القمقم. دول الخليج كانت لها مساهمتها النشطة أيضاً، فقسم منها شجّع وغضّ البصر عن تمويل الإسلاميين المتطرفين في سوريا ومن ثم العراق، على حساب المعتدلين، وقسم آخر بدأ محاربة الإسلاميين من البوابة التي باتت تُعدّ معتدلة نسبياً، أي إخوان مصر وحزب العدالة التركي. الانقسام الخليجي حول مواجهة النفوذ الإيراني ليس بأقل أثراً، فهو كاد قبل وقت قريب أن يطيح مجلس التعاون الخليجي برمته، وعدم الاتفاق على وجود خطر إيراني والتصدي له يستكمل الانقسام حول الإسلاميين في لوحة معقدة لا يندر أن تطغى فيها الثارات البينية على ما عداها.

من جهتها، تبدو الإدارة الأميركية وكأنها تسعى إلى تحالف يضم الفاشلين جميعاً، وفي مقدمهم الإدارة نفسها التي لا تُظهر أدنى رغبة في مراجعة عميقة لمجمل سياساتها في المنطقة. الحق أن الإدارة في ورطة كبيرة، فلا تدخل سابقتها المفرط أوصل إلى نتائج جيدة ولا نأيها بنفسها أعطى مردوداً أفضل، ولا خيارات جاهزة أمامها سوى التحالف مع فاشلين مثلها. فداعش، في جانب مهم منه، هو إثبات لفشل جميع صانعي السياسة في المنطقة، محليين كانوا أو دوليين. وأولئك جميعاً أثبتوا فشلهم الذريع من خلال تعاطيهم البائس مع زلزال التغيير في المنطقة، وأكبر فشل لهم هو عدم انحيازهم إلى التيار الديمقراطي الصاعد قبل ما يقرب من الأربع سنوات. ما لم يفهمه هؤلاء، أو لا يريدون فهمه حتى الآن، أن من طبع حركات التغيير الكبرى استفزاز جميع قوى الماضي لمواجهتها، وحينها يكون دعاة الاستقرار والحفاظ على الأمر الواقع أول الخاسرين. بل لعل ما حدث خلال هذه المدة يذكّرنا باستهلال رواية “تحالف الأغبياء” لجون كينيدي تقول: تعرف العبقري الأصيل لحظة ظهوره في العالم بهذه العلامة: الأغبياء جميعاً يتحالفون ضده.

قد يتمكن تحالف الفاشلين القدامى من الانتصار على داعش، أسوة بما بدا أنه انتصار على القاعدة قبل سنوات، غير أن أولئك لن يقضوا حقاً على داعش، ولن يصنعوا تاريخاً جديداً للمنطقة، لأن الجديد تصنعه في النهاية القوى الناهضة لا تلك التي تستمد شرعيتها من كونها الأقل سوءاً.

المدن

 

 

 

دولة النظام وتنظيم الدولة: في الصفاء المبتغى/ مازن عزي

دولة النظام وتنظيم الدولة: في الصفاء المبتغى الحرب بينهما بدأت تتحول إلى عملية “تشاركية” في استراتيجيات القتال المبنية على إدراة التوحش (أ ف ب)

تقوم حرب العصابات على صراع بين أطراف متحاربة لكسب البيئات المحلية، عبر حماية قطاعاتها وتأمين مكاسب مادية ومعنوية للسكان، ما يضمن تفاعلاً متبادلاً، يعوض أحياناً عدم التكافؤ مع القوة القتالية للخصم. لكن الحروب الجديدة، التي يشهدها المشرق العربي، تختلف في بنيتها عن حروب العصابات، وتقوم أساساً على التهجير، والسعي إلى الحصول على مناطق ذات صفاء طائفي وعرقي، لا بل الإستيلاء على أكبر مساحة من الأرض والثروات، مهما كان حجم التهجير السكاني.

وإن كان النظام السوري سباقاً إلى افتتاح لغة المجازر، في التريمسة والبيضا والغوطة الشرقية، وإلى القتل الجماعي تحت التعذيب في معتقلاته، إلا أنه لم يعد الوحيد في هذا الميدان. وحشية تنظيم “الدولة الإسلامية”، بدأت تنافسه. النظام يقتل السنّة عموماً ومعارضيه من بقية الطوائف، لكن داعش تقتل الجميع؛ الأيزيديين في جبل سنجار، والسنّة من غير المبايعين لدولة الخلافة، وجنود النظام “النصيري”. الحرب بينهما بدأت تتحول إلى عملية “تشاركية” في استراتيجيات القتال المبنية على إدراة التوحش: زرع الرعب ونشره. ولا يتورع الطرفان عن تصوير جرائمهما وتعميمها، لتصبح دروساً للمناطق المجاورة، والأهداف القريبة. في “مطار الطبقة العسكري” بريف الرقة قبل أيام، وبالتزامن مع الذكرى السنوية الأولى لمجزرة الكيمياوي في الغوطة الشرقية، ساقت داعش أرتالاً من جنود قوات النظام، شبه عراة في الصحراء. ساقتهم كما تساق الإبل والماشية. المئات من الجنود بلا عون ولا مساعدة، تركهم النظام ليرددوا مع داعش: الدولة الإسلامية.. باقية.. باقية. وركضوا إلى موتهم المحتوم. رميوا بالرصاص، وتكومت جثثهم العارية، المثقوبة، في تطبيق “شرع الله” للمرتدين، وفق التفسير الداعشي. قبلها بشهر، قتلت داعش المئات من عشيرة الشعيطات السنّية في محافظة دير الزور، ولقنت العشائر درساً في التوحش. من ذا الذي سيقاومها بعد اليوم؟

بنية النظام السوري، شهدت تحولاً واضحاً طيلة السنوات الأربع الماضية: من الاختباء خلف دولة ظاهرة، إلى الاكتفاء العلني بالدولة العميقة – الباطنة شديدة الصلابة. وهذا يصب في شرط النظام التكويني، كأوليغارشيا توظف الدولة في إخضاع المجتمع. في المقابل، فإن لتنظيم “الدولة الإسلامية” بُنية أكثر مرونة، وإن كانت، على خلاف “القاعدة”، لا تستطيع العيش من دون نواة رئيسية، لكنها تختبر التمدد والتقلص دورياً. عملياً يتشارك النظام، مع تنظيم “الدولة”، في الخصائص الشمولية، وفي الرغبة في إرضاخ المجتمعات الواقعة تحت سيطرتهما، لآليات تحكم تخترق الفردي لصالح الجماعة المستلبة، وتطالب بالصفاء – الولاء الكامل. وإن كان النظام السوري في طور الأفول، حتى بالمعنى العقائدي، فإنه لجأ إلى استقدام حزب الله “الشمولي” ليسانده. في حين تشهد داعش صعوداً حقيقياً في دوائر المناصرين والحلفاء والأعضاء، خصوصاً من المهاجرين، في مقابل خسارة هائلة على صعيد المجتمعات المحلية التي تسيطر عليها، ما يجعل الصعود هذا قلقاً، حرجاً، ويحتمل الوصول بسرعة إلى نقطة انعطاف حادة، قد تنعكس نتائجها السلبية في مجمل السلفية الجهادية، وربما في الإسلام السياسي عموماً.

في هذا الصراع المفتوح بين بُنى شمولية، قائمة على التعريف الدلالي للذات عبر نفي الآخر واقصائه، مذهبياً وطائفياً وعرقياً، تبدو الاستعانة بالخارج، تفصيلاً إضافياً، يعزز انعدام امكانية التعايش – الصراع من دون نصر نهائي لأحد الأطراف. وإذا كان التدخل الإقليمي قد ساهم في إيصال الوضع السوري إلى ما هو عليه من استنقاع دموي، في ظل عجز الداخل عن الحسم، فإن التدخل الدولي “القادم” قد لا يحمل تطورات نوعية، من دون انهاء حقيقي لكلا المتطرفين في البربرية: النظام وداعش.

المدن

 

 

 

 

“داعش”: الغول الذي صنعته منظومة إيران يأكلها/ غازي دحمان

على مدار سنتين من انخراطه في عملية قتل السوريين، ظل حسن نصر الله أمين عام حزب الله، يفاخر بأن وراءه بيئة مستعدة لضخ آلاف المقاتلين ليساهموا في الكربلاء السورية ذبحاً وتهجيراً، كان الكثير حينها يظن أن الرجل إنما يرفع سقف التحدي في وجه خصومه في ما يشبه الحرب النفسية بقصد دفعهم للاستسلام والإحباط، وآخرون اعتقدوا أنه يعمل على شحن بيئته وتعبئتها ليضمن منحه شرعية التصرف بأبنائهم خدمة للمشروع الإيراني، غير أن ما أثبتته النتائج أن الرجل إنما كان يؤدي دوره في إكمال تظهير صورة الوحش الذي سيصير داعشاً، من خلال، ليس استفزاز السوريين الى أبعد درجة، بل وفرض خطر وجودي عليهم ودفعهم الى استجابة قصووية متطرفة، وليس بهدف إنقاذ حليفه بشار الأسد وحسب، وإنما ليخبر اللبنانيين بعد ذلك أنهم يواجهون خطراً وجودياً.

ليس بعيداً عنه، انهمك نوري المالكي في العمل بالمشروع ذاته، غير أنه ذهب بعيداً وبطريقة مكشوفة ومفضوحة وعلى عجل، على عكس نصر الله الذي اشتغل بحرفية عالية لكن بالمداورة والالتفاف، قام المالكي بفتح مساحات آمنة لداعش، أمّن لها بنية لوجستية وطرق إمداد، زوّد التنظيم بعدة وعتاد وافرين لم يكن يتوقعها حتى في أحلامه، وكان العالم يراقب تلك الرعونة في التعاطي مع الحدث، لذا لم يكن ممكناً تغطيته والتستر عليه بعد كل ذلك.

في دمشق، لم تنقطع يوماً تلك العاصمة عن صناعة المؤامرات، منذ أن تسلم السلطة فيها نظام الأسد، وفي وقت أبكر، ازدهرت في أقبية أجهزتها الاستخباراتية صناعة السيارات المفخخة، وكان ما يسمى جهاز الأمن العسكري قد أنشأ قسماً مختصاً لهذا النمط من المنتجات، تحت مسمى «شعبة الإلكترونيات»، وكان ضحية أولى تلك المنتجات الرئيس اللبناني رينيه معوض والمفتي حسن خالد في قلب بيروت التي كانت حينها تحت سيطرة نظام دمشق، لكن وفي مرحلة لاحقة، سيتوسع نشاط هذه الصناعة ليجري تصديرها الى بغداد وبيروت بكثافة عالية، حينها كان أبو مصعب الزرقاوي «أمير قاعدة بلاد الرافدين» يتجول بين مباني أجهزة المخابرات السورية ويتفاوض حول الدعم اللوجستي الممكن تقديمه والخدمات الموازية، وكان شاكر العبسي قد جرى إنضاجه للعمل في لبنان، وكل ذلك بهدف إدامة النيران مشتعلة في الإقليم وإبعاد أي امكانية للتدقيق في التشبيك التخريبي الحاصل في المنطقة.

وانطلاقاً من خزان الخبرة ذلك، لم تجد دمشق صعوبة في تظهير الجسد الداعشي حين الحاجة له، المادة الخام كانت متوفرة، مئات من السجناء من الذاهبين والعائدين من بغداد ولبنان بمعرفة وتنسيق أجهزة المخابرات، وأغلبهم شارك في اعتصام سجن صيدنايا الشهير، ويؤكد الكثير منهم أن النظام في تلك الفترة زرع أعداداً كبيرة من أجهزة مخابراته بينهم بصفتهم متطرفين إسلاميين وخبراء في العمل الميداني ولديهم بنك أهداف وخريطة طريق للعمل.

وبعد انطلاق الثورة بأشهر، وعندما أدرك النظام أنه لن ينجو هذه المرة بل وستجري محاسبته على كل إجرامه السابق، بالإضافة الى تحريض إيراني اتخذ طابعاً مذهبياً حاقداً، أساسه أن آل الأسد هم من آل البيت ولا يجوز أن تتم إطاحتهم بمظلومية سنية ذلك من شأنه قلب المعادلة التاريخية في المنطقة، لذا لا بد من تشويه الثورة الى أقصى حد ممكن وبكل الوسائل وإسقاط البعد الأخلاقي عنها، فكان لا بد من التشهير بإرهابها وبنكاح المجاهدة واللصوصية وقطع الرؤوس وتهديد الأقليات وتدمير التماثيل بوصفها رمزاً ثقافياً، وهذا العمل لن يقوم به إلا تنظيم على درجة من التطرف وفي ظل مناخ مناسب ومحفز.

ولضمان تطبيق كل هذا السيناريو أخرج بشار الأسد في خريف 2011 مئات من الإسلاميين المتشددين من سجونه، وكان قد اعتقل كل النشطاء المدنيين أو دفعهم للهرب من سوريا نتيجة تعرضهم للملاحقة وخطر التصفية، اتبع في سبيل ذلك القتل تحت التعذيب بكثافة، وبذلك وضع في ذهن الناشطين أن بقاءهم في سوريا هو بمثابة موت مجاني، فيما ضمن، ومن خلال الاختراق الذي صنعه داخل تلك التنظيمات أن أفرادها سيذهبون مباشرة الى ميادين القتال، والمفارقة أن النظام قام بتصفية بعض الإسلاميين الذين أخرجهم من السجن لأنهم استقروا في بيوتهم ومع عائلاتهم وتركوا العمل الجهادي، فيما بدأ الآخرون يشعرون أنه يراقبهم وأن مصيرهم سيكون الموت أو العودة للسجن، وبذلك ضمن دفعهم الى جبهات القتال التي كانت في حينها تئن تحت ضغط قصف الطيران ولا تفرق بين مقاتل وآخر..

لقد كشفت الرسالة التي أرسلها، قبل أيام، ضباط مطار الطبقة، ونشرتها وسائل الاتصال الاجتماعي الموالية، آلية عمل النظام بصناعة الإرهاب وتدمير سوريا وإفراغها من ناسها، فقد توسل الضباط المحاصرون رئيسهم بشار الأسد بعدم ضرب المدنيين في الرقة، ليس رأفة بهم، ولكن لأن داعش لا يمكن الضغط عليها بذات الأسلوب الذي جرى استخدامه في مواجهة الثوار وهو ضرب ما يعتقده النظام حاضنتهم الشعبية، إذ على مدار أربعة أعوام قتل النظام مئات الآلاف من البشر وجعلهم أهدافاً مشروعة له بحجة أنهم الحاضنة الشعبية للثورة، وقد شمل طيف أهدافه أغلب سكان سوريا، من هنا ليس مستغرباً هذا الحجم الكبير من القتلى والمعاقين والنازحين والمهجرين، فالنظام يطلق النار على كتلة بشرية تزيد عن العشرين مليوناً!

لم يكن العالم ساذجاً بالقدر الذي يسمح بتمرير كل تلك التصرفات من تحت عينيه، لكنه كان يقيس الأمور بمنطق المفاضلة والتكامل، وكان يجري محاكماته وفق حساباته ومصالحه، مرة بطريقة انتهازية وعلى قاعدة ليقتل الأشرار أنفسهم بأنفسهم، ومرة بذريعة أن رأيه العام لم يعيد يطيق التدخل في صراعات الآخرين، غير أن الأمور فاضت عن الكيل وخرجت عن كل الحسابات، وجاء وقت إصلاح الأعطاب الحاصلة في جسد المنطقة، أو على الأقل وقف تأثيراتها وعزل المسببات لها.

واليوم يتشكل في المنطقة تحالف دولي بدأت أميركا بتجميعه للتصدي لحالة الانهيار والفوضى، لكن العالم يدرك، وبناء على تجربته السابقة، أنه من الخطأ أن تصب جهوده لصالح المشروع الإيراني وأدواته في المنطقة تلك هي عدة الخراب التي صار لازماً إعادة ضبطها وإخضاعها، ويبدو أن إيران قد تبلغت عبر بعض الكواليس ما يتم الترتيب له في عواصم القرار الدولية، وأن الأمر جدي جداً هذه المرة، لذا سارعت الى الاستغناء عن نوري المالكي ومهندس مشروعها قاسم سليماني وألمحت عبر سفيرها السابق بدمشق حسين شيخ الإسلام الى براءتها من سلوك بشار الأسد؟، لكنها تدرك أنها وضعت على سكة التنازلات التي قد تطال كل الأدوات التي صنعت هذه الفوضى وأن تنازلاتها ستتدحرج لدرء إمكانية تدحرج الحرب التي يُعد لها الغرب في المنطقة، ربما لم يبقَ أمام منظومة إيران وأذرعها سوى القول إننا أُكلنا يوم صنعنا داعش.

المستقبل

 

 

لماذا لا نعترف بهزمتنا أمامها؟!/ هوشنك أوسي

السياسي والمثقف الشرق أوسطي، الكردي، العربي، التركي والفارسي…، شديد الكبرياء والاعتداد بالنفس، لا يعترف بهزائمه المتكررة. يعلل، يبرر، ولا يعترف بصريح العبارة بأنه انهزم! ولا يتأتى ذلك من جرعة الأمل الزائدة لديه ولا من الإحساس بالمسؤولية التاريخية، بل مرد ذلك هو الغوص في التهويمات والتضليل وإبداء الكثير من «الزعبرات» من جيلٍ لآخر!

يتفنن المثقف والسياسي الشرق أوسطي في تحليل ظروف نشأة «داعش» وأساليبها، ويتجاهل أنها شركة مقاولات، متعددة الجنسية، لإنتاج وتصدير الإرهاب الإسلاموي التكفيري!. ويبهرنا بتحليلاته عن «داعش» وأنها كذا وكذا، عسكرياً وعقائدياً، ويتغاضى عن كونها ذهنية، ونمط تفكير، أكثر من كونها تنظيماً يمتلك أجندة وهوية عقائدية. فهنالك «داعش» العلمانية، القومية واليسارية، و «داعش» الطائفية الشيعية مقابل «داعش» السنية، و «داعش» مسيحية في لبنان ومصر وأماكن أخرى. ناهيكم عن «داعش» الإسرائيلية و «داعش» الخمينية.

إذا كان تراكم الأحقاد والكراهية في الشرق الأوسط وهماً ولا أساس لوجوده، فلماذا كل هذا الحديث المزمن والمترامي عن «الفتنة» وأنها «نائمة» و «لعن الله من أيقظها»؟! ذلك أن المجتمعات المتصالحة التي طوت صفحة الحروب والأحقاد، يُفترض أنها دفنت معها الفتنة أيضاً!؟

وإذا كانت مناهج التربية والتعليم، وكذلك الفقر وانعدام العدالة ساهمت في إنتاج «داعش»، فماذا عن المغاربة والتوانسة والجزائريين والفلسطينيين والسوريين…، والأوروبيين، الذين ولدوا في الغرب، وتلقوا تعليمهم في بلدان متقدمة، ولم يعيشوا الحرمان والقمع والكبت الجنسي…، حتى يلتحقوا بـ «داعش» والانتحار، سعياً وراء الفوز بالجنة؟!

غالب الظن أن كل المهاجرين من بلدان المشرق العربي والإسلامي إلى أوروبا وأميركا، حملوا معهم خيمهم وبيوت العنكبوت المعششة في أدمغتهم، وفائض الأحقاد والكراهية، إلى المهجر، وأورثوها لأبنائهم، فبات هذا الموروث الدموي من القوة والتأثير إلى درجة إفشاله تأثير كل مناهج التربية والتعليم في المدارس والجامعات الأوروبية والأميركية.

فتجفيف منابع «داعش»، لا يقتصر على مكافحة الفقر والفساد والاستبداد، وإنعاش الديموقراطية وحسب، بل في إجراء مراجعة شاملة وجذرية لمناهج التربية والتعليم، والإعلام والقوانين، والكف عن اعتبار الدين أحد مصادر التشريع.

وإذا لم يتحقق ذلك، ستكون هذه الأوطان والمجتمعات، دوماً أمام تهديد «داعش» ومخاطرها وإرهابها الوحشي. ذلك أن «داعش» ليست تنظيماً أو مجموعة أفراد، قتلة وإرهابيين، بل ذهنية ووعي وسلوك، يستمد شرعيته من نصوص دينية، إلى جانب العادات والتقاليد والأحقاد القومية والدينية المتوارثة، فضلاً عن انعدام العدالة والفقر والفساد والاستبداد. وحتى لو تشكل تحالف دولي ضد «داعش»، وتم القضاء عليه كتنظيم، ينبغي الاعتراف بأمرين:

الأول، إننا هُزمنا أمام «داعش»، كعلمانيين، وليبراليين، وإسلاميين وسطيين. وأننا متورطون في وجود واستمرار هذه الذهنية.

والثاني، عجز أوباما، ودعمه المباشر وغير المباشر لنظام الأسد، وصمت الغرب حيال الكارثة الكونية التي يعيشها الشعب السوري، وعدم التدخل العسكري السريع والمباشر في سورية، كل ذلك، ساهم في نجاح مخطط بشار الأسد: «أنا أو القاعدة والإرهابيون التكفيريون». وعليه، إذا كان ثمة من داعشي في الإدارة الأميركية فهو أوباما. أولاً يحق لنا إذاً الترحم على إدارة جورج دبليو بوش؟!

* كاتب كردي

الحياة

 

 

 

إنها قناع البعث؟!…/ علي جازو

لافتٌ أن مدينة الرقة، حتى جزء من ريف حلب، وهي كلها على تخوم تركيا «صديقة الشعب الســوري» التي تمدد داعش تحت نظرها وجرى نقل جرحى التنظيم وإسعافهم على أراضيها، قدمت نوعين من الولاء الغامض، والشديد التناقض. زار بشار الأسد الرقة بعد ستة أشهر من بدء الثورة السورية، كي «يصلّي» مع شيوخها وزعماء عشائرها صلاة عيد الأضحى عام 2011! وسبـــق الزيارة جهد ممـــنون لمفتي النظام حسّون، فأولم لمن لبّى الدعوة من زعماء عشائر ظهروا قبل الصلاة في خيمة مبايعة سبقت بيعة البغدادي ومهّدت لها، كأنها نُصبت في القرداحة لا في الرقة!

وما لبثت أن سقطت المدينة فجأة، فشكلت أول محافظة محررة بالكامل تقريباً، وبدا سقوطها المفاجئ لغزاً إلى اليوم، حيث تَدَعّشَت كلّها لاحقاً! وبعد سنتين من زيارة الأسد تلك، بايع غير قليل من زعماء العشائر في الرقة ودير الزور دولة التنظيم الإسلاميّ وهم أنفسهم من صلوا برفقة الأسد!

ولم تحصل مواجهات بين النظام السوري وداعش، فالأخير تولى ما يقوم به النظام من خطفٍ وقتل ناشطين مدنيين واعتقال أعضاء في مجلس الحكم المحلي (حلت قبل أيام ذكرى مرور سنة على خطف الأب باولو). كانت الرقة معقلاً بعثياً، وميولها الدينية الريفية بدت مزيجاً من النأي عن مواجهة دموية وانتهازية متحينة. لم يحصل الأمر ذاته في مناطق أخرى من سورية سعت داعش إلى ضمّها، وكان من السهل للتنظيم التحرك من الأنبار إلى دير الزور التي بايعت بعض عشائرها جبهة النصرة ثم انضمت الى داعش على نهج عريق في الوقوف مع الأقوى والأغنى، حيث يستقر حاضن اجتماعي بعثي – عشائري، ولا يكفي توافر السلاح والمال كي ينتشر على النحو الواسع من دون صدامات توقفه أو تعيقه.

وليست مصادفة أن تتمكن داعش من السيطرة على مناطق محددة من دون أخرى، ففيما هي تهزم في غير منطقة، تربح في الرقة ودير الزور وجنوبي الحسكة، ثم تربط تلك المناطق بامتدادها العشائري والبعثي في الأنبار وصولاً إلى الموصل. الفراغ الأمني ترافق مع قبول اجتماعي ومع الاستفادة من عائدات السيطرة، أموالاً وذخائر ومبيعات نفط، وتعيين أمراء وقادة (جُباة) وقضاة شرعيين أمّيين، بوصفه جزءاً من إرساء نظام نفعي قمعي مركّب.

تبدو أساليب داعش شبيهة بأساليب البعث والأسد: إما الولاء مقابل التنفع، أو القمع والتصفية الجسدية. تبدأ حدود داعش حينما تنهار حدود الجيش الحر والناشطين المحليين، ويكتفي ائتلاف اسطنبول بالنظر الماورائي الذي لا يقدم على شيء، فيما يقدم الأسد فرصة ثمينة لتقسيم سورية، ويساعده أتباع إيران في العراق بإخلاص يائس دؤوب.

تسمح بيئة العنف والخنوع المزدوجة ها هنا بما يسمح به اعترافٌ مرجأ. الرقة ليست قرينة حمص، ولا حلب توأم الشام، ودير الزور أقرب إلى الأنبار والموصل منها إلى إدلب ودرعا. حقائق كهذه ديموغرافية اجتماعية عشائرية، فيها مزيج من ثراث بعثي مهترئ، لكنْه ملبٍ ومطواع وقادر على التلوّي كيفما هبت الريح.

حينما استلم الأسد الأب دمشق «الفيحاء» في 1970، كان تجار دمشق وأغنياؤها ومعظم رجالات دينها هم من ساندوه ومكّنوه من حكم سوريا طوال ثلاثة عقود، وهنا لا تختلف بيئة المبايعة من حيث الجوهر، فتجار الشام، ممن قالت إحدى سيداتها الثريات يوماً «الحوارنة رح يجيبولنا الحرية!» صورة من زعماء عشائر المبايعات البدوية الجديدة.

أمرٌ شبيهٌ يحدث مع تنظيم داعش وأنصاره المحليين. فهل داعش، والحال هذه، قناع البعث نهباً وقمعاً.

* كاتب سوري.

الحياة

 

 

هل قوضت «داعش» حلم بارزاني بالدولة الكردية المستقلة؟/ بكر صدقي

كما شكلت سيطرة قوات «داعش» على الموصل وإعلان الدولة الإسلامية، ثم الخلافة، إنعاشاً لحلم دولة كردستان المستقلة لدى مسعود بارزاني، يبدو أن التفات داعش نحو الشمال الكردي شكَّلَ ضربة قاصمة لذلك الحلم، لن تخفف منها غارات الطيران الأمريكي على قوات أبي بكر البغدادي ولا الدعم الأمريكي – الأوروبي السخي لقيادة الاقليم، ولا نجاح قوات البيشمركة، بدعم أمريكي، من استعادة السيطرة على سد الموصل.

فالحليف الأمريكي أعلن أكثر من مرة، وعلى لسان أرفع رجالات الإدارة، رفضه فكرة الاستفتاء على استقلال الاقليم الفيدرالي الذي وعد به مسعود بارزاني في زيارته لكركوك بعد سيطرة قوات البيشمركة عليها. كما عبرت الإدارة عن عدم رضاها عن تصدير نفط الاقليم، عبر تركيا، بغير موافقة الحكومة المركزية في بغداد. هجوم قوات «الدولة الإسلامية» على منطقة سنجار، ثم مخمور، قلب كل المعادلات. انهارت قوات البيشمركة في سنجار بصورة مفاجئة وأخلت المنطقة، فيما يذكر بانهيار قوات جيش المالكي التي فرت من الموصل في حزيران، في الوقت الذي واصلت فيه قوات «الدولة» تقدمها باتجاه العاصمة أربيل. هنا جاء القرار الأمريكي بشن غارات على تلك القوات لإنقاذ أربيل من السقوط.

هذا التسلسل الدراماتيكي للأحداث المتسارعة يقول لنا شيئاً مهماً: لولا النجدة الأمريكية لكانت نار الحرب وصلت إلى قلب أربيل وكركوك. هذا يعني، في الوقت نفسه، أن على قيادة الاقليم أن تتخلى، في الشروط القائمة اليوم، عن حلم الدولة المستقلة التي يرفض المنقذ الأمريكي قيامها.

لكن هذه الشروط الجديدة شكلت فرصةً نجاح كبير للاعب آخر لم يكن ليحلم بها، قبل التطورات الأخيرة، مجرد حلم. إنه حزب العمال الكردستاني الذي لم يتردد لحظة واحدة لملء الفراغ الذي تركته قوات البيشمركة في سنجار ومخمور، وأصبحت قوات «الكريللا» التابعة له و»قوات حماية الشعب» التابعة لفرعه السوري، هي الطرف الآخر في الحرب على داعش في الشمال. كانت زيارة مسعود بارزاني لمقر قيادة قوات الكريللا معبرة جداً من حيث انقلاب الموازين في الميدان والسياسة الكرديين، بالنظر إلى العلاقة المتوترة بين الطرفين طيلة السنوات السابقة. هذا التوتر الذي برز على السطح بمناسبة زيارة بارزاني لديار بكر، في شهر آذار الماضي، حيث اجتمع مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وهاجم سياسة حزب الاتحاد الديموقراطي في سوريا بشدة عشية تلك الزيارة.

يقول جميل بايك، الرئيس المشارك لقوات حزب العمال الكردستاني، في تقييمه لانهيار قوات البيشمركة: «لقد انغمست هذه القوات في التجارة ورغد العيش، فلم تعد تملك إرادة القتال. ليس صحيحاً أنها بحاجة إلى السلاح الذي طلبته من أمريكا وأوروبا لمواجهة قوات الدولة الإسلامية. هي تملك السلاح الثقيل، لكنها فقدت الحافز والإرادة اللذين يملكهما مقاتلو حزب العمال الكردستاني» (من حوار أجراه معه روشن تشكر في صحيفة «وطن» التركية).

لم يكتف «الكردستاني»، من خلال استثماره لفرصة قتال قوات «الدولة الإسلامية»، بتسجيل نقطة على قيادة إقليم كردستان، بل كذلك أصبح في وضع أفضل في السياسة الداخلية التركية إزاء شريكه في مسار الحل السلمي: حكومة أنقرة. فقد باتت السياسة الخارجية لهذه الحكومة رهينة في يد «الدولة الإسلامية» التي تحتجز، منذ العاشر من شهر حزيران، 49 تركياً هم طاقم القنصلية التركية في الموصل مع عائلاتهم. فلم تجرؤ على مجرد اتخاذ موقف من خطر الكيان الجديد على حدودها الجنوبية، في الوقت الذي انخرط فيه «الكردستاني» في الحرب طليق اليدين. وهذا في مناخ دولي ناشئ من «الحرب المقدسة» على «الدولة الإسلامية» لا تستبعد حتى تحالف الغرب مع نظام دمشق المنبوذ في إطارها.

الواقع أن اندفاع بارزاني نحو استقلال الاقليم عن العراق ارتبط بالممارسة النابذة للسنة والكرد التي سلكها نوري المالكي طوال السنوات الماضية. ثم جاء اجتياح منظمة «الدولة الإسلامية» للموصل، مستثمرةً في المظلمة السنية، ليمنح بارزاني الفرصة الذهبية بضم كركوك إلى الاقليم والمضي نحو استقلاله التام.

دولة إسلامية للسنة وأخرى كردية في الإقليم الكردي؟ هذا التحدي المزدوج لإيران الغارقة في الحرب الطاحنة في سوريا حتى أذنيها، دفع بها إلى التخلص من نوري المالكي لاستعادة السنة والكرد إلى الدولة المركزية في بغداد. فواضح أن إيران لا تريد دويلة شيعية تابعة لها في جنوب العراق، مقابل مخاطر جسيمة على أمنها القومي تمثلها الدولتان السنية والكردية على تخومها. بل تفضل عراق موحداً يهيمن عليه المكون الشيعي وتحديداً حزب الدعوة.

هذا ما يفضله الأمريكيون أيضاً. فهم يضغطون لتشكيل حكومة توافقية تضم السنة والكرد لمواجهة خطر داعش بدعم أمريكي – إيراني كامل. وقد أعلن وزير الخارجية هوشيار زيباري عن عودة الوزراء الكرد إلى الحكومة بعد تجميد عضويتهم فيها. لكن الأمر ليس بالسهولة ذاتها بالنسبة للمكون السني – الحاضن الاجتماعي المفترض لـ»الدولة الإسلامية». فالمجزرة الطائفية البشعة التي ارتكبتها ميليشيات شيعية مرافقة للجيش العراقي في مسجد مصعب بن عمير في قرية أم ويس بمحافظة ديالى، وراح ضحيتها 73 من المدنيين العزل، من شأنها أن تقوض كل المساعي الأمريكية لإنشاء تحالف شيعي – سني – كردي في مواجهة دولة أبي بكر البغدادي.

إلى ذلك، بات حزب العمال الكردستاني على الضفة نفسها مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية في حربهم المقدسة الجديدة ضد «الدولة الإسلامية»، إلى درجة أن جميل بايك لم يتورع عن طلب السلاح من الدول الغربية، وكأن حزبه المسلح غادر قوائم تلك الدول للمنظمات الإرهابية. لم يكن بايك يمزح، بل كان يتحدث بمنتهى الرصانة.

الحياة

 

 

مواجهة «داعش» وإعادة فتح الملف السوري/ لؤي حسين

لم يأتِ تحرك الولايات المتحدة العسكري الأخير ضد «داعش» في العراق ضمن سياقات حربها ضد الإرهاب، بل لحماية الأكراد ومصالحها المباشرة في الإقليم الكردي، ولحماية الصيغة السياسية للدولة العراقية التي أسستها واشنطن بعد غزوها العراق. فنجاح «داعش» في إسقاط الدولة العراقية، أو تغيير صيغتها، أو حتى تثبيت استقرار «الدولة الإسلامية» التي أعلنت عن تأسيسها في العراق وسورية، سيكون إخفاقاً حقيقياً لغزو الولايات المتحدة العراق وإقامة الدولة «الديموقراطية» فيه.

أما «داعش» في سورية، من وجهة النظر الأميركية الحالية، فليست سوى أحد عناصر الفوضى العنفية التي لا تعتبر واشنطن نفسها مسؤولة عنها أو عن تبعاتها، بل تحيل مسؤوليتها إلى النظام السوري وحلفائه الرئيسيين، روسيا وإيران.

بهذا الشكل يبدو واضحاً التمييز الأميركي، وكذلك الغربي، بين «داعش» في العراق و «داعش» في سورية. لكن «داعش» حالة واحدة ممتدة بين العراق وسورية، ولا تمايز نفسها بين البلدين ولا تعترف أصلاً بوجود حدود بين البلدين، بل قامت في فترة سابقة بإلغاء هذه الحدود. وهذا يعني أنه لا يوجد أي إمكانية أمام الولايات المتحدة، إذا أرادت القضاء على «داعش» وإنهاء خطرها على العراق وعلى مصالح واشنطن فيه وفي إقليم كردستان، أن تحاربها في العراق فقط. وهذا ما صرح به مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان الأميركية، حين قال بإمكانية السيطرة على «داعش» في العراق وإلحاق الهزيمة به، لكن القضاء عليه يتطلب «مهاجمته في سورية وليس في العراق فقط».

غير أن ملاحقة مقاتلي «داعش» من قبل الولايات المتحدة داخل سورية ليس بالأمر البسيط. فالنظام السوري لن يسمح بذلك إطلاقاً. فهو رعى، بشكل أو بآخر، نشوء المجموعات المتطرفة الإرهابية في سورية بهدف استعادة الشرعية الغربية، والدولية عموماً، التي رُفعت عنه جراء إفراطه في مواجهة وقمع الحراك الاحتجاجي المعارض. وبقي يسعى منذ أكثر من ثلاث سنوات للحصول على تكليف غربي بمحاربة الإرهاب، الذي استمر بالتحذير من أنه سيشكل خطراً مستقبلياً على دول الجوار وعلى المجتمع الدولي. لهذا فالنظام السوري لا يحتاج الى ضربات جوية أميركية على قواعد التنظيمات الإرهابية، فهو قادر دوماً على توجيه مثل هذه الضربات بطيرانه، بل يحتاج إلى تكليف علني بمحاربة هذا الإرهاب، الأمر الذي يعيد له الشرعية الدولية ويطوي صفحة وجود معارضة سياسية أو شعبية له، الأمر الذي لا يبدو أن الولايات المتحدة ومِن خلفها الدول الغربية جاهزون له.

النظام السوري ليس سيد قراره في هذه الأمور، بل موسكو وطهران هما مقررتا هذا المستوى في الموضوع السوري. واشنطن تعرف هذا، وتعرف أنهما لن يقبلا منها اختراق الأجواء السورية لضرب «داعش» في سورية من دون اتفاق يشمل كل الأزمة السورية، أي بالنسبة إليهما إعطاء الشرعية للنظام السوري وتكليفه علناً بمحاربة الإرهاب الداعشي وسواه.

إيران، من ناحيتها، قلقة جداً من وجود «داعش» في العراق، ومن اتساع مساحات سيطرته فيه. ولا يمكنها قبول وجود دولة لداعش بحدود طموحة قد تطاول بغداد في لحظة ما. وتدرك طهران أن القضاء على «داعش» في العراق لا يمكن أن يتم من دون القضاء عليها في سورية.

هنا، تتوافق الرؤيتان الأميركية والإيرانية، بل تتقاطع مصالحهما في هذا الموضوع. لكن مجرد وجود مصلحة مشتركة بينهما، في ما يتعلق بداعش، لن يتعدى تلقائياً حدود التعاون والتنسيق في الساحة العراقية ليطاول الساحة السورية. إذ أن ما يجمع أو يفرّق بين هاتين الدولتين، والدول الأخرى – الأطراف في الأزمة السورية، لا يقتصر على الموقف من داعش وكيفية التعامل معها، بل الاشتباك في الموضوع السوري أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.

ربما يكون الموقف من «داعش» وكيفية التعامل معها مناسبة لإعادة فتح الملف السوري بعد أن تم السكوت عنه بُعيد مؤتمر جنيف2 ومحادثاته، لكن لن يعني هذا بالضرورة أي تقدم في مسارات حل الأزمة السورية، كما يأمل البعض. فصحيح أن مفتاح حل الأزمة السورية هو توافقات دولية بين الدول الرئيسية في الأزمة، روسيا والولايات المتحدة وإيران والسعودية، لكن المضي في مسارات الحل يحتاج إلى أطراف سورية جاهزة وقادرة على حمل وتحمل مشروع تسووي لا غالب فيه، يكون في مقدوره حماية البلاد من الأخطار التي يولدها «داعش» وتقويض أسس النظام الاستبدادي الذي كان سبباً رئيساً في نشوء «داعش» وأخواته وفي كل الخراب السوري.

لكن مثل هذه الأطراف السورية غير موجودة الآن، فالنظام مقتنع تماماً بأن الولايات المتحدة، ومن خلفها الدول الغربية والإقليمية، ستكون مضطرة لتفويضه بمحاربة «داعش» تحت ضغط خطر «داعش» عليها في العراق. وهو ليس في وارد أي حل آخر غير ذلك. ومن ناحيتها تتأمل المعارضة السورية أن تضطر إيران، تحت ضغط تمدد «داعش» في العراق، إلى التخلي عن بشار الأسد كما تخلت عن نوري المالكي. وهي ليست في وارد أي حل آخر غير ذلك.

إن غياب أي طرف سياسي سوري فاعل في شكل حقيقي في الساحة السورية، ومدرك للمهمات الوطنية الكبرى التي عليه التصدي لها، سيبقي المستقبل السوري غير واضح الآفاق، وعرضة للتقلبات الحادة وفق مواقع القوى الدولية ورؤيتها لمصالحها.

* رئيس تيار بناء الدولة السورية

الحياة

 

 

 

الأسد خارج معادلات التعاون والبقاء/ غازي دحمان

هل يحتاج الأمر إلى إجراء عملية عصف ذهني لمعرفة ما إذا كان «تحالف الراغبين» الذي تستعد الولايات المتحدة الأميركية لإطلاقه من أجل محاربة تنظيم «داعش» سيشمل التعاون مع رأس النظام السوري؟ الصورة تنطوي على لبس كبير سببه الأساس استمرار حالة التردد لدى إدارة أوباما وتعاملها مع الأزمة بمنطق التقسيط، وهو ما يفسح المجال أمام سيل من الرؤى والتأويلات والتفسيرات، ولعل ما زاد من حالة الإرباك تلك ظهور ملامح إدراك غربي بأن هزيمة «داعش» غير ممكنة في العراق ما لم يتم تدمير القواعد الخلفية للتنظيم في سورية.

وما زاد من حالة اللبس تلك ظهور وجهات نظر، أو حتى فرضيات يجري فحصها والتدقيق فيها، حول ما إذا كان ممكناً اعتبار نظام بشار الأسد أفضل الخيارات السيئة والتعايش مع هذه الحقيقة، ويتزامن ذلك مع قيام النظام بمحاولة تقديم نفسه بوصفه حليفاً محتملاً للغرب في الحرب على «داعش» وإرساله رسائل معينة عبر ضربه بعض مواقع «داعش» في سورية فحواها أنه مع الغرب في خندق واحد في مواجهة «داعش»، علّ ذلك يجعله مقبولاً دولياً، وتلك كانت خطته على المدى البعيد، حتى أن نظام الأسد يذهب أبعد من ذلك عندما يلمح للغرب بأنه سيستفيد من دمج جهوده في الحرب على «داعش» باعتباره يستطيع تقديم خدمات لوجستية أفضل من الأطراف الأخرى فضلاً عن تلميحه بأنه يمتلك داتا معلوماتية كاملة عن عناصر «داعش»!

في الواقع يدرك صناع القرار الغربيون أن مشكلتهم في هذا النوع من الحروب لا تكمن في مدى توفر الخدمات اللوجستية أو المعلومات الاستخبارية، على أهميتها، والتي لا يملك منها نظام الأسد أكثر مما لدى الدول الغربية، التي تبين أنها تعرف أسماء مواطنيها المنضوين تحت لواء «داعش» فرداً فرداً، بل إن المسألة ذات علاقة مباشرة بالأسد ونظامه، حيث لا يزال الرأي الرسمي الأميركي يعتبره جزءاً أساسياً من المشكلة، ولا يمكن أن تؤدي تكتيكاته السياسية ومناوراته إلى إلغاء هذه الحقيقة، كما أن استمراره يعني استمرار تفعيل ديناميات الفوضى والاستقطاب في المنطقة.

وعلى العكس من ذلك، فإن الغرب بات يملك داتا معلومات كاملة عن الخلفيات التي أدت إلى نشوء «داعش» وتوسعه. الرؤية الغربية باتت واضحة وجلية ويجري التعبير عنها بشفافية في المواقف الرسمية، ذلك أن «داعش» في التحليل الغربي هو عبارة عن استجابة سنّية لخطر الإفناء الذي واجهه المكون العربي السنّي على طول خط سير المشروع الإيراني، من بغداد إلى دمشق فبيروت، وهي تمثل أعلى درجات الإنذار وأقصى حالات الاستنفار، بعد أن رأى هذا المكون أن كل الإنذارات السابقة قد جرى إهمالها ووأدها، من الثورة المدنية في العراق وسورية إلى الثورة المسلحة المعتدلة التي مثلها «الجيش الحر» في سورية وثوار العشائر في العراق، وكل تلك التعبيرات جرى تدميرها بعنف طائفي من خلال تشبيك واضح للعنف والقوة امتد من طهران إلى الضاحية الجنوبية.

على ذلك فإن أي تحرك عسكري غربي صار ضرورياً التعامل معه بوصفه تعاطياً مع قضية مركبة ومتشعبة وليس مجرد عملية عسكرية بسيطة، ذلك أن الضغط على «داعش» وتفكيك بنيته وتدمير مكوناته أمر لن يستطيع أحد إنجازه ما لم يكن للبيئة التي يعمل «داعش» في إطارها دور أساسي، وهي البيئة التي تقع ضمن خريطة العشرين مليون سنّي المهمشين التي تحدث عنها رئيس الأركان الأميركي الجنرال ديمبسي، وهي تشكل قوة ارتكاز محلية مهمة، وبالتالي فإن أي تعاون مع نظام بشار الأسد المسؤول الأساسي عن صناعة تلك الإشكالية سيضر بالمجهود والقضية ذاتها بحسب تأكيدات وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند.

يساند هذه القناعة موقف أوروبي رافض بشدة لأي إمكانية للتعاون مع نظام بشار الأسد، تقوده بريطانيا وفرنسا وهولندا، والمعروف أن بريطانيا شريك أساسي في أي تحرك يحصل في المنطقة، بل إن الموقف الأوروبي يذهب أبعد من ذلك بمطالبته بإيجاد حل جذري للأزمة عبر معالجة أسبابها في المقلب السوري، على ما أكد وزير خارجية هولندا مؤخراً، ومطالبة فرنسا بزيادة الدعم العسكري للمعارضة المعتدلة في سورية.

والقياس هنا مع إيران هنا غير صائب بمعنى أنه ما دامت أميركا تعاونت مع إيران، وفق قاعدة «عدو عدوي صديقي»، لا يمكن تطبيقها على نظام الأسد، ذلك أن إيران تبقى طرفاً برانياً، ومهما قيل عن أدوارها التخريبية إلا أنه يبقى بإمكانها التفلت من المسؤولية في ظل قانون دولي فضفاض لا يعاقب تعاملات الدول مع بعضها في أوقات السلم والحرب، ثم أن لديها ملفاً نووياً يجري التفاوض عليه، وأدواراً قد توكل لها في إطار نظام إقليمي قد يصار إلى تشكيله في مرحلة لاحقة. ماذا عند الأسد؟

المنطق يقول أن أميركا العائدة إلى الحرب بعد تردد طويل، لا بد أنها تعود بطريقة وأسلوب مختلفين، طريقة تفكير من خارج صندوق الإدوات القديمة، وثمة مؤشرات عدة أن الغرب هذه المرة متجه لنمط حلول جذري، من نوع إعادة صياغة شكل الدولة في العراق وسورية وتحويلها إلى الشكل الفيديرالي، بما يضمن مشاركة أوسع لمختلف المكونات، والخروج من صيغة غالب ومغلوب، التي أكد عليها الرئيس باراك أوباما في لقائه مع الصحافي توماس فريدمان، وكل هذه الحالات تستلزم تغيير آليات الحكم والإدارة التي كانت سائدة في المرحلة السابقة لعدم فعاليتها، ونظام الأسد واحد من تلك الآليات القديمة.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

كي لا تبقى “داعش” في سورية/ ميشيل كيلو

ما إن أعلنت “داعش” عن هجومها في شمال العراق، حتى خرجت أميركا عن سياساتها الانسحابية المعلنة، وبدأت ردود أفعالٍ تنضوي في ما يمكن اعتباره تدخلاً عسكرياً وسياسياً مباشراً في الوضع العراقي.

في الأيام الأولى، أخذ التدخل صورةً أثارت استغراب مَن سمعوا الناطقة الرسمية باسم واشنطن، وهي تعلن تنسيق الرد الأميركي مع حكومة نوري المالكي وجيشها الذي انهار بسرعة حزيرانية مباغتة. بعد أيام، وقع ابتعاد رسمي عن هذا الخط، اقتربت واشنطن معه من فكرةٍ رفعتها المعارضة العراقية، تقول بتشكيل حكومة وحدة وطنية متوازنة، تلبي رغبات الشعب العراقي ومطالبه، وخصوصاً منه السنّة الذين استبعدهم المالكي من الحكم والسلطة، وعرّضهم لمطاردات وتصفيات أمنية غير مسبوقة في تاريخ العراق، تقوّض ما بين مواطنيه من علاقات وطنية.

أخيراً، ابتعدت أميركا في خطوة ثالثة عن المالكي، وفهمت أن تمسكها به، أو بما أعلن عنه إياد علاوي من تفاهم مع طهران بشأن اتفاق على دعمه، يعني غرقها في مشكلاتٍ تفرض عليها إجراء تغيير جذري في استراتيجيتها الدولية ورفد “الخبراء” الذين أرسلتهم إلى بغداد وأربيل بجيوش محاربة تعود إلى العراق، وربما إلى سورية، مع ما سيعنيه ذلك من نقض لسياسات باراك أوباما، وتخلٍّ عن نظرياته في السياسة الخارجية.

انفكّ الأميركيون عن المالكي، واتخذوا موقفاً قوياً منه، كشف حجم دورهم ونفوذهم في بلد احتلوه، وخرجوا منه بطريقة خُيّل لبعضهم أنها سلّمت بأرجحية الدور الإيراني فيه، لكن سرعة تدخل البيت الأبيض أكدت ما كان يقال عن مسؤولياته الأمنية الوازنة تجاهه، واظهرت أنها مَن سيعيد، من الآن، ترتيب أوضاعه وليس إيران، حتى إن حدث ذلك بالتفاهم معها.

وقع التدخل، إذن، وكان هدفه داعش، التي تتعرض، منذ أسابيع، لغارات جوية أميركية يومية، كبحت هجومه على أربيل ومناطق النفط و”الأقليات” في سهل نينوى وسنجار، وأخرجته من مناطق استراتيجية وحسّاسة، كسد الموصل، ضمن خطة لاحتوائه وقصقصة أجنحته، مفتوحة على تصعيد محتمل سيفضي، إن وقع، إلى تطوير التدخل العسكري وتوسيعه ضده.

تقول المعلومات إن التنظيم يعيد ترتيب أوضاعه، ويعمل لتعويض هزائمه العراقية بانتصاراتٍ يحققها في سورية، حيث امتنعت واشنطن عن إعلان موقفٍ صريحٍ منه، أو أعلنت مواقف تفتقر إلى الانسجام، حرصت فيها على إبقاء ضربٍ من الغموض الخلاق في ما يتعلق بمواقفها المقبلة في بلاد الشام، على الرغم من أنها أبدت خشيتها من أن ينقل التنظيم ثقله الأكبر إليها، ويحولها إلى ركيزته الرئيسة، الأكثر تطرفاً وعنفاً، بينما يغدو العراق ساحة مناوشة وعراك مساعدة أو جانبية.

مهما كانت حسابات أميركا السورية، من الضروري أن يبادر “الائتلاف”، خصوصاً، والمعارضة عموماً، إلى القيام بكل ما من شأنه تشجيع العالم على نقل معركته ضد التنظيم إلى سورية، وذلك لا يكون فقط بعقد مؤتمرات صحافية، تطالب بتدخل عسكري، بل يتحقق في خطوات عملية فورية، عسكرية وسياسية، تبدأ بوضع برنامج عمل وطني مشترك، ومُلزم لقوى المعارضة الفاعلة والرئيسة، تتم بلورته بتعاون وتشارُك أطرافها، هدفه المباشر توحيدها، وفتح طريق الوحدة أمام المقاومة المسلحة، المتمثلة، أساساً، في الجيش الحر والتشكيلات التي تنسب نفسها إليه، مع إيلاء حرصٍ خاص على إحياء الحراك المدني والسلمي، وتوحيد حركة وأنشطة ما يسمونه الخارج والداخل. قد يقول قائل إن هذا الدرب سيكون طويلاً، وهذا صحيح قطعاً، لكن درب الألف ميل يبدأ بخطوةٍ يعني القيام بها البدء بجعله قصيراً، فكيف إن كانت صائبةً ومحكمة، علماً أن طول الطريق لا يعفي أحداً من طرقه، وفعل كل ما هو ضروري لاجتيازه بأقل قدر من الأخطاء والانقسام.

هذا المطلب العملي يُلزم قيادة الائتلاف وكتله إلى التواصل مع جميع أطراف المعارضة، ودعوتها إلى حوار وطني فوري، لوضع مسودة تتضمن ملامح من برنامج عمل وطني، يشارك الجميع في مناقشته واعتماده، تشجع النتائج التي ستترتب عليه، وطنياً، العالَم على الانخراط في الشأن السوري، وفق شروط سورية، وتدفعه إلى رؤية الأمور بأعيننا، ما دمنا سنقيم بفضل إرادتنا الموحدة أوضاعاً توحيدية، تنبذ التشتّت والتمزّق، تؤسس علاقات قوى داخلية محض سورية، تخدم شعبنا وثورته، وتضع حداً للاستقطاب الثنائي المتزايد بين النظام والتنظيمات الأصولية، والذي يخيف العالم من أن يورطه التدخل في قتال معهما، فيتحمل عبء القتال بالنيابة عن معارضةٍ لا تستحق أن يموت من أجلها جنوده، تفتقر إلى الأفكار والخطط والممارسات اللازمة، للوقوف على قدميها، ناهيك عن إغراء العالم بمساعدتها، بالنظر إلى أن أوضاعها الذاتية المتردية تحول دون قيامها، هي نفسها، بجهود مؤثرة ومنظمة، وتحول بين العالم وإمدادها بعونٍ يساعدها على حسم الصراع في سورية لصالح شعبها.

من المستبعد أن تقبل واشنطن انتقال قوة داعش الرئيسة من العراق إلى سورية، إلا إذا كان صحيحاً ما يقال عن نيتها إثارة حرب سنية/ شيعية عامة، سيكون وأشباهه من تنظيمات التطرف والقتل الأعمى رأس حربة السنّة فيها. في هذه الحال، لماذا تسمح أميركا له بالخروج من العراق، إذا كان من الواضح أن خروجه سيقيّد قدرته على خوض حرب كهذه؟ لننسَ، الآن، هذه الفرضية التي تتحدث عن احتمال بعيد التحقُّق اليوم، ولنتذكر أن هناك مَن اتهم أميركا بضرب داعش، لأنها ضد انتشاره في كردستان ومناطق النفط، وتريد إرغامه على البقاء في غرب العراق، المجاور لشرق وشمال شرق سورية، أي لمناطق انتشار قواته قرب بلاد الشام.

ليس مؤكداً بعد أن أميركا ستكرر في سورية ما فعلته في العراق ضد داعش، خصوصاً إن كانت إيران ستتعاون مع واشنطن في بلاد ما بين النهرين، وكان وضع الائتلاف والمعارضة السورية سيبقى على ما هو عليه من تشتّت وعجز وحيرة، وكان التنظيم، السوبر/ قاعدي، سيقبل البقاء غربي العراق، حيث يُراد له أن يرابط، ريثما تتّضح صورة الوضع النهائية مع طهران في الأشهر المقبلة، ويكون في وسع أوباما تقرير خطواته اللاحقة في ضوء التفاهمات التي يجري التفاوض عليها منذ بعض الوقت مع طهران وإسرائيل، فإن حدث ووقع تدخل، فلكي تثبت أميركا للجميع أن دورها المباشر يبدّل أدوارهم، ويحجّم قدراتهم ونفوذهم، وأنها ليست مجرد متفرّج عن بُعد على حدثٍ خطير النتائج على الأوضاع الدولية، بل هي طرف فاعل، لا شبيه لقدراته، يلعب في كل مكان الدور الحاسم الذي يرسمه لنفسه ولغيره.

أما نحن، أهل الصبي، فلا يجوز أن نبقى على الحال الراهنة من الضعف والتمزّق، لأنها تعني انتفاء قدرتنا على التأثير في أي شأن من شؤوننا، بما في ذلك الأخطر والأكثر مصيرية بينها، وعجزنا عن الإفادة من أي موقف، مهما كان مؤيداً لنا، ونجاحنا في جعل الآخرين ينفرون منّا، ويحجمون عن التعامل الجدي معنا، لأننا لن نكون أهلاً للثقة بالنسبة إليهم، لكوننا لسنا أهلاً للثقة في ما بيننا، ولا نعرف ما نريد، ولا كيف نحقّق مصالحنا.

العربي الجديد

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى