الرئيسية / كتاب الانتفاضة / أكرم البني / مقالات لكتاب سوريين تناولت “داعش”

مقالات لكتاب سوريين تناولت “داعش”

 

 

 

سوريا : وحدة النضالات من أجل الحرية والديمقراطية/ غياث نعيسة

تستمر مدينة كوباني الكردية, التي تقع في شمال سوريا, في مقاومة الهجوم الوحشي الذي يشنه التنظيم الرجعي المسمى بداعش, وذلك منذ أكثر من شهر. وانتقل فيها المقاتلون, الكرد في وحدات حماية الشعب اضافة الى عدد من كتائب الجيش الحر, من وضع دفاعي الى وضع هجومي, مما سمح لهم بطرد قوات داعش من بعض الاحياء التي كانت قد سيطرت عليها الاخيرة خلال معارك الاسبوع الفائت.

واعلنت كلا من قيادة وحدات حماية الشعب الكردية وايضا الادارة الامريكية, قبل يومين , عن القاء اسلحة وذخائر للمقاتلين الكرد في المدينة.

مدينة رمز للمقاومة

لا تمتلك كوباني, هذه المدينة الكردية الصغيرة, اهمية استراتيجية فعلية, لكنها تحولت بفضل شجاعة مقاتليها الى رمز للمقاومة في مواجهة همجية قوات داعش. واصبحت , وقبل اي شيء اخر, مثالا . لانها المدينة الاولى التي لم تسقط وتنهار امام هجوم وارهاب الجهاديين. كما انها تلك المدينة التي تدافع عنها جماهيرها. و تعطي مقاومة كوباني نموذجا حيا عن مدى قدرات الجماهير المسلحة والمنظمة في الدفاع عن حريتها وكرامتها, وتعيد , بالتالي, على جدول اعمال السيرورة الثورية , برنامج الثورة الشعبية الاصيل : ضد النظام الدكتاتوري وضد القوى الرجعية للثورة المضادة.

لقد جاء بيان القيادة العامة لوحدات حماية الشعب الكردية في 19ت1 – اكتوبر ليؤكد هذا الانعطاف والتحول, مؤكدا ان « كوباني تشكل نقطة انعطاف تاريخية والنتيجة سترسم ملامح سوريا المستقبل والنضال الديمقراطي لاجل الحرية والسلام » كما اعاد هذا البيان التشديد على ان هذه « المقاومة ( في كوباني) التي تبديها وحداتنا YPG وفصائل الجيش السوري الحر كفيلة بدحر ارهاب داعش … وبناء سورية ديمقراطية حرة… كان اساسا للاتفاقيات المبرمة مع فصائل الجيش الحر. كما نرى بان نجاح الثورة مرهونة بتطوير هذه العلاقة بين كل الفصائل والقوى الخيرة في هذا الوطن »     مصير كل من الشعب الكردي والسوري مرتبطان

انها المرة الاولى التي تقر فيها, وبهذا الوضوح, وحدات حماية الشعب الكردية بكفاحها المشترك مع الفصائل الديمقراطية من الجيش الحر, التي لا يجب الاستهانة بحجم الاخيرة في المقاومة الشعبية المسلحة.

والحال, فان التجربة قد اثبتت ايضا ان تحرر الشعب الكردي مرتبط بشكل وثيق بتحرر الشعب السوري باكمله من الدكتاتورية ومن الثورة المضادة ومن الهيمنة الامبريالية.

ورغم كل الضجيج الاعلامي والادعاءات , لم تقدم الامبريالية الامريكية وحلفائها للفصائل الديمقراطية في الجيش الحر الا القليل من السلاح, الذي بالكاد قد يسمح بعدم سحقهم تماما من قبل قوات النظام. وبقيت كل طلباتها بالتسلح ولاسيما بمضادات الدبابات والطائرات,تقريبا حرفا ميتا, وبلا جدوى. في المقابل, فان هذه الدول الامبريالية وحلفائها الاقليميين يعملون على بناء جيش جديد من خمسة الاف مقاتل خاضع لها ولأوامرها, مما يسمح لها, عندما يحين الوقت « للانتقال المنظم » مع نظام الاسد, بتحسين شروط مفاوضاتها لزيادة نفوذها في البلاد.

السيرورة الثورية مستمرة

منذ قرابة ثلاثة اسابيع والعيون تحدق على كوباني, في الوقت الذي يتابع فيه النظام السوري حربه التي تزداد وحشيتها ضد السكان ومقاتلي الجيش الحر في المناطق الثائرة : فحصاره لحلب يوشك ان يكتمل, كما ان قواته حققت تقدما واضحا في ريف دمشق ( الغوطة) , وتقوم قوات النظام بقصف وحشي ومجرم ضد حي الوعر في حمص منذ اسبوعين مستخدمة فيها مختلف انواع الاسلحة ومن بينها صواريخ ارض – ارض في ظل صمت اعلامي مطبق.

في مثل هذه الظروف الشديدة القسوة , تتابع الجماهير السورية نضالاتها من أجل تحررها, فقد رفعت في مظاهرات يوم 17 ت1 – اكتوبر , ولا سيما في حلب , شعارا رائعا في تعبيرة عن طبيعة الثورة هو « ثورتنا ثورة شعبية » . وتشهد النقاشات والحوارات التي تجري بين العديد من التنسيقيات الثورية القاعدية تقدما ملحوظا حول برنامج ديمقراطي ومناهض للطائفية, ومن أجل توحيد ومركزة نشاطاتها على الصعيد الوطني.

نشهد . اذن, اعادة اصطفاف جديدة للقوى السياسية والاجتماعية في هذه المرحلة من السيرورة الثورية الجارية, تستند على اهم خبرات ودروس السنوات الاربع الماضية للثورة, ومن اهمها حقيقة ان وحدة نضالات القوى الديمقراطية والتقدمية شرط لازم من أجل انتصار الثورة الشعبية.

 

21 ت1 – اكتوبر 2014

———

المقال نشر بالفرنسية بتاريخ 22 اكتوبر في جريدة انتي كابتاليست, للحزب الجديد المناهض للرأسمالية الفرنسي.

 

 

 

 

تمكين الوحش واستثماره بين مطرقة الحكومة التركية وسندان “داعش”/ مأمون جعبري

المتتبع لمراحل نشوء تنظيم «داعش» يرى بوضوح لا لبس فيه، دور الحكومة التركية في تمكين هذا التنظيم من القوة تدريجياً، فبـــدءاً من تدفق مقاتليه إلى سوريا عبر الأراضي التركية، وهذا ما أكده العديد من الروايات العيانية، بالإضافة إلى التحقيقات الصحافية التي قامت بها بعض الصحف التركية، وصولاً إلى مجموعة من الانتصارات الميدانية التي حققها هذا التنظــــيم على مجموعة من التنظيمات المسلحة في الشمال السوري، على بعد أمتار فقط من الحدود التركية، ومن ثم ضمان مصادر التمويل للتنظيم عبر بيعه النفط في الأراضي التركية وادخال البضائع التركية إلى مناطق سيطرته، طبعاً ولا بد من المرور إلى موقفين رئيسين يؤكدان العلاقة بين قيادات التنظيم والحكومة التركية، الموقف الأول كان وحتى وقت قريب قيام التنظيم بالسماح للقوات التركية بتبديل الحراسة على قبر سليمان الذي يعود لتركيا، وهو موجود ضمن سيطرة التنظيـــم الجغرافية، ومن المعروف عن التنظيم قيامه بتدمـــير كل النصب التذكارية ومقامات الرموز الدينية في مناطق سيطرته ما عدا هذا القبر. والموقف الثاني هو الإفراج عن المحتجزين الأتراك من البعثة الدبلوماسية، على الرغم من أن التنظيم ذبح كل من اعتقله كممثل لأي حكومة ماعدا الحكـــومة التركية، إلى الدرجة التي أنه كان ولم يزل يعدم الأشخاص بناء على جنسايتهم وإن كانوا مدنيين، أو على انتمائهم المذهبي. كل ما سبق يؤكد عمق الترابط بين قيادة التنظيم والحكومة التركية ويبقى السؤال المطروح ماذا تريد الحكومة التركية من هذا التنظيم؟

بدأت الإجابات تتضح بشكل علني وبتصريحات من ممثلي الحكومة التركية، فبعد أن أتاحت الحكومة التركية لهذا التنظيم التمكن العسكري في الشمال السوري، أصبحت القوة الوحيدة، التي لم تستطع في مرحلة سابقة قوات التنظيمات الإسلامية مجتمعة (النصرة ـ أحرار الشام ـ داعش) من استئصالها وبتشجيع من الحكومة التركية هي القوات الكردية، متمثلة بشكل أساسي بما يسمى بقوات الحزب الديمقراطي الكردي ووالده حزب العمال الكردستاني، ومن المعروف تاريخياً أن علاقة التنظيمين بالحكومة التركية ليست علاقة ودية، وفي المراحل السابقة لم تستطع الحكومة التركية بناء اتفاقات مع التنظيمين لأسباب عديدة منها مثلاً، ما يشاع عن قرب التنظيمين من الحكومة السورية هذا ما تدعيه الحكومة التركية، بينما قيادة الحزبين تصرح بانها لم تقدم للأكراد الورقة التي تؤمن مصالحهم داخل سوريا من قبل المعارضة السورية المنضوية تحت جناح الحكومة التركية والمتمثلة بالإئتلاف،

والآن بعد بدء التحالف الدولي بحملته ضد قوات التنظيم، من الملاحظ أن هذا التنظيم لم توجه له ضربات تشل قدرته في مناطق تماسه مع القوات الكردية في سوريا، بل على العكس استمر في سيطرته على المناطق الكردية في الشمال السوري تباعاً، بينما في العراق بمجرد تهديده للمناطق الكردية الرئيسية تم وضع حد فوري له عن طريق ضربات جوية موجهة ومركزة، مما يشير بشكل واضح إلى ترك ملف المنطقة الشمالية في سوريا وتحديداً المنطقة الكردية بيد اللاعب التركي، الذي سيساوم الأكراد، ومنظماتهم على إما الانصياع الكامل للرؤية التركية أو الموت ذبحاً بسكاكين المنظمات الإسلامية الراديكالية المدعومة منه.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

كوباني التي قلبت معادلات راسخة/ بكر صدقي

تتحدث مصادر غربية عن وجود عناصر من شركة بلاك ووتر («أكاديميا» باسمها الجديد) الأمريكية سيئة الصيت، في كوباني التي تدور فيها حرب شوارع بين قوات حماية الشعب ومقاتلين من الجيش الحر من جهة، ومقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من جهة أخرى. وتضيف تلك المعلومات أن تلك العناصر تقوم بتدريب القوات المدافعة عن كوباني على السلاح الأمريكي، وبمهمات استخبارية تتعلق بتزويد المقاتلات الأمريكية بإحداثيات مواقع داعش على الأرض.

يضاف هذا التطور، إذا صحت المعلومات المذكورة، إلى إعلان الإدارة الأمريكية بصراحة عن وجود اتصالات سياسية بينها وبين حزب الاتحاد الديموقراطي (PYD) الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، وعن الاتفاق مع أنقرة على فتح كوريدور لمرور مقاتلي «البيشمركة السوريين» الذين تم تدريبهم، خلال السنوات الماضية، في إقليم كردستان تحت إشراف بيشمركة بارزاني، إلى كوباني عبر الأراضي التركية؛ فضلاً عن وصول أسلحة وذخائر أمريكية، مصدرها اقليم كردستان، إلى كوباني على متن الطائرات الأمريكية التي ألقتها بالمظلات فوق البلدة الكردية.. ليرسم لنا مجموع هذه التطورات مشهداً ما كان يمكن تخيله قبل أيام قليلة.

لقد حقق الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الاختراق الدبلوماسي الصعب الذي طالما حلم به مع الولايات المتحدة، هو الذي كان منبوذاً بوصفه على صلة وثيقة بمنظمة على قائمة الإرهاب الأمريكية والقوائم المماثلة لدى الحكومات الأوروبية، أعني حزب العمال الكردستاني (تركيا) الذي يقبع زعيمه في سجن معزول على جزيرة في عرض البحر.

من جهة أخرى، تكللت اجتماعات مدينة دهوك التي جمعت الخصمين اللدودين، حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي في سوريا المدعوم من بارزاني، تحت رعاية هذا الأخير، باتفاقات تسرب منها تشكيل قوة عسكرية مشتركة من التيارين المتخاصمين في الحركة السياسية الكردية في سوريا. الأمر الذي سيسمح، للمرة الأولى، بإدخال عناصر البيشمركة الكرد السوريين إلى كوباني المحاصرة أولاً، لمساندة قوات حماية الشعب المدافعة عن المدينة. وبهذا الصدد وافقت الحكومة التركية، بعد تمنع طويل، على فتح الكوريدور لدخول التعزيزات الكردية من إقليم كردستان شمال العراق إلى كوباني عبر الأراضي التركية. هذا ما كانه مطلب المحتجين الكرد الذين أطلقوا موجة عنيفة من الاحتجاجات في عدد من المدن التركية، قبل أسبوعين، ولم تستجب الحكومة لمطالبهم، بل واجهتهم بتصعيد في العنف والخطاب المتشدد معاً.

لكن تدخل الرئيس الأمريكي باراك أوباما، من خلال اتصال هاتفي مع الرئيس التركي أردوغان يوم الأحد، دفع هذا الأخير إلى المرونة والقبول بما كان رفضه تحت ضغط الشارع الكردي في الداخل.

ربما للتغطية على هذا التراجع الاضطراري، عاد الرئيس التركي إلى تصعيد انتقاداته للولايات المتحدة حول إيصال السلاح والذخيرة إلى القوات الكردية المدافعة عن كوباني. فهذا النقد المتأخر عن الفعل الأمريكي لن يغير شيئاً.

وفي مواجهة الاحتجاجات الكردية المذكورة أعلاه، كانت الحكومة التركية قد لجأت إلى عبد الله أوجلان الذي وحده يملك سلطة معنوية قوية على الشارع الكردي من شأنها المساهمة في تهدئة الوضع. وهذا ما حدث، بناء على وعود من الحكومة بتسريع الخطوات في مسار مفاوضات الحل السياسي السلمي بين الجانبين الحكومي والكردي. حكومة داوود أوغلو المحاصرة بضغوط أمريكية كبيرة جداً لدفعها إلى المساهمة الفعالة في الحرب على داعش، في إطار التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، ما كان لها أن تتحمل انفجار الشارع الكردي في وجهها بسبب سياستها السلبية تجاه مأساة كوباني. وهكذا جمع رئيس الوزراء داوود أوغلو لجنة الحكماء المشكلة منذ بداية الحل السياسي، في مقره في قصر دولمة بهتشة في اسطنبول، لتبادل الرأي حول التحديات التي تواجه الحكومة والحل السلمي معاً. استمر الاجتماع 11 ساعة كاملة تحدث خلالها كل أعضاء لجنة الحكماء المؤلفة من أكاديميين وكتاب وصحافيين وفنانين ومثقفين من مختلف المشارب. وكان الميل العام، وفقاً لشخصيات شاركت في الاجتماع، هو نحو التهدئة في الداخل وتحكيم العقل بدلاً من العواطف، والتمسك بالحل السلمي. وهذا ما تقاطع أيضاً مع الرسالة الأسبوعية التي يوجهها أوجلان من سجنه إلى الرأي العام.

تبدو الحصائل، إلى الآن، لمصلحة اللاعب الكردي عبر الاقليم، سواء التيار البارزاني في العراق وسوريا أو التيار الأوجالاني في تركيا وسوريا. وربما هذا ما سهَّل الاتفاق بينهما بعد مباحثات طويلة ومضنية في دهوك، شارك فيها مستشارون أمريكيون من مجلس الأمن القومي. حتى نظام الأسد الكيماوي لم يشأ أن يفوت الفرصة، فصرح وزير إعلامه بأن نظامه لم يتخلّ عن عين العرب وزعم أنه قدم لهم مساعدات عسكرية، في محاولة جديدة لمغازلة الأمريكان بالقول إنهما في صف واحد في محاربة داعش.

تبدو تركيا، بالمقابل، الخاسر الأكبر أمام حجم التحديات غير المسبوقة في الداخل والخارج. والحال أنه يمكنها تحويل هذا الوضع إلى فرصة إيجابية إذا مضت قدماً، كما وعد داوود أوغلو لجنة الحكماء، في مسار الحل السلمي, وبدلاً من الضغط على صالح مسلم ليقطع علاقاته بنظام الأسد، يمكنها كسبه إلى جانبها – بمساعدة من أوجالان نفسه – ليصبح التموضع الجديد لحزب الاتحاد الديمقراطي، بعدما بات مقبولاً لدى أمريكا، تحصيل حاصل.

 

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

عن نشأة «داعش» السورية و… مسألة التبرير/ لؤي حسين

الأكيد أن «داعش» ليست صنيعة أي من الأطراف المحلية السورية أو الدولية. ومن المؤكد أنها لم تنشأ بغفلة عن أي من هذه الأطراف. كما أنه كان من الصعب جداً توقّع أو تكهن نشوء تنظيم جائح كـ «داعش»، وأن يتحول إلى حالة أيديولوجية اجتماعية عامة في مناطق واسعة من المنطقة خلال فترة قصيرة. ومع ذلك، لم تكن «داعش» نتاجاً تلقائياً للمجتمع السوري. فالمجتمع السوري لم يكن قبل انطلاق الانتفاضة السورية بيئة منتجة للتطرف الديني أو المذهبي، لكنه كان قابلاً للتحول إلى مثل هذه البيئة لكونه مجتمعاً أقرب إلى حالة التجمع السكاني منه إلى حالة المجتمع المنظّم مدنياً أو سياسياً، مع خواء تام من أي معرفة سياسية.

وبُعيد انطلاق الانتفاضة السورية في آذار (مارس) 2011، أصبح الجمهور السوري، من ساهم منه في هذه الانتفاضة ومن لم يساهم، عرضة لتدخل أطراف خارجية من المفترض أن تكون أكثر دراية منه بقواعد الصراع السياسي. ومع استمرار العنف المفرط من جانب النظام تجاه الجمهور المنتفض، أصبح، هذا الجمهور، لقمة سائغة لهذه الأطراف.

سياسات النظام المكابِرة والارتجالية، ونظرته المتعالية إلى مجريات الأمور، جعلته أسير ممارساته القمعية الشديدة، بحيث ما عاد في مقدوره التخفيف من الإفراط في العنف أو حتى التوقف عن إطلاق النار على معارضيه على رغم إصدار الرئيس السوري، في ذاك الحين، أمرين متتاليين بعدم إطلاق النار على المتظاهرين.

وبعد أن استخدم بعض الأشخاص السلاح في مواجهة النظام، نتيجة استمرار ممارساته القمعية العنفية، ونتيجة تهييج خارجي غير معلن، ارتفعت في حينه الأصوات والدعوات من خارج البلاد لرد عنف النظام بعنف مماثل. ظهرت هذه الأصوات بقوة على القنوات التلفزيونية، بل تم استحضارها وتكريسها كممثلة للثورة السورية أو للإرادة السورية.

هذا السياق، الذي بات معروفاً للجميع، وأمور أخرى تندرج ضمنه، أدت إلى حالة من الانفلات الأمني عمّت الكثير من المناطق السورية، القريبة والبعيدة من مركز العاصمة، التي خرجت عن سيطرة السلطة وسُمّيت بالمناطق المحررة. وكان لا بد لحالة الانفلات الأمني هذه من أن تتحول إلى حالة مطلقة من الفوضى العامة تحت غطاء الصراع الثوري، الذي برّر لها كل شيء طالما هناك إمكانية للادعاء أنها في مواجهة النظام السوري.

هذه الفوضى المطلقة، الخارجة عن أي ضوابط أو نواظم، وعن أي قيم، أخلاقية كانت أو ثورية، تم تعزيزها وتكريسها بمال سياسي ذي طابع ديني إسلامي، من حكومات أو من أفراد. كان هذا المال يُدفع في البداية من دون أي شروط لأي مدّعٍ أنه سيقاتل النظام. وفي ما بعد نشأ معيار التديّن السنّي كشرط لإغداق المال الوفير، إلى أن أضيف معيار تمايزي جديد هو القوة والسطوة. فصارت المجموعات والأشخاص الذين يدّعون الأسلمة في حياتهم وفي «جهادهم»، ويدّعون قيامهم بهجمات ظافرة على النظام هم المحظيين بالدعم المالي والمعنوي.

هذه الفوضى شكّلت البيئة المناسبة لنشوء مجموعات متطرفة عدة، تقوم بإعدام الأسرى والتنكيل بالجثث وقطع الرقاب وخطف النساء والمدنيين وتسليح الأطفال، من دون أن يسمى ذلك جريمة طالما هو ضمن سياق «الثورة السورية ضد بشار الأسد». أي أن هذه المجموعات كانت تقوم تماماً بالأفعال التي تقوم بها «داعش» الآن.

الفوضى لا يمكنها أن تدوم أو تطول. فالاجتماع البشري، كائناً ما كان، يميل في شكل طبيعي إلى الانتظام. وكذلك حال الفوضى السورية… فهي تحمل في كينونتها الحاجة إلى انتهائها والانتقال إلى حالة منظومية. وبسبب عدم وجود متدخل خارجي ينظم تلك المناطق «المحررة»؛ وربما لا توجد أي نية عند الأطراف الخارجية لمثل هذا الانتظام، لكون أي انتظام سيميل إلى الانفلات من التبعية المطلقة إلى استقلال نسبي، لهذا كان لا بد من ظهور إحدى المجموعات التي تحمل على عاتقها هذه المهمة، فكانت «داعش».

تمايزت «داعش» منذ نشوئها عن بقية المجموعات الأخرى الشبيهة بأنها تحررت من تبعيتها للنظام السوري. فلم تنشأ كمجموعة معارضة أو مناوئة للنظام، ولم يكن إسقاط النظام من بين أهدافها الرئيسة. فلم تقبل أن تتحدد به أو تتعرف به، بل أرادت أن تتحدد بذاتها وتتعرف بقوتها ومقدرتها، فحققت الانتصار.

أكتب مقالي هذا استجابة لعبارة «أن أحداً لا يمكنه تفسير ما جرى. حتى الذهاب بفكرة المؤامرة إلى أقصاها لا يسعف في التفسير. فلا السؤال عن الجهات الممولة يكفي، ولا عن دول سهلت وسلحت» الواردة في المقال الرائع للصديق حازم الأمين في هذه الجريدة بعنوان: (رحلة «الجهاد» السهلة إلى سورية… ربما هذه هي، 12-9-2014).

ليس مبرراً لنا في هذا الزمن أن نتفاجأ بمجريات التاريخ البشري، فوسائل الاتصال أتاحت لنا تبادل الخبرات والمعارف والمعلومات التي من المفترض أن تمكّننا من معرفة الخطوط العريضة لمسار التاريخ. فالتجارب البشرية التي تأسست عليها علوم السياسة والاجتماع تفيدنا بأن الفوضى العامة والمطلقة يمكن أن تنتج أي شيء من بين خلاياها الجذعية، فيكون «واقعياً» و «حقيقياً». لكن بالتأكيد، من المستحيل التنبؤ بظهور تنظيم باسم «داعش» وقوته.

الخلايا الجذعية لمساحات الفوضى السورية كانت التطرف العقائدي والتطرف العنفي والتطرف الجرمي. فعشرات الآلاف قُتلوا وسُلبوا وخُطفوا للتمرين أو للهو على أيدي مجموعات جرمية «ثورية»، وتمت تغطية جرائمهم باسم «الثورة» أو تحت اسم الأخطاء الضرورية والطبيعية للثورة. فكانت هذه المساحات عشوائية بكل معنى الكلمة، وكان لا بد لقانون الاصطفاء الطبيعي، وفق نظرية النشوء الداروينية، من أن يبقي على من يمتلك مقومات الحياة ويسيطر على هذه العشوائية، وأن يزيح من تنقصه بعض هذه المقومات، فكان «داعش» هو الكائن الذي استحق الحياة.

ليس مشروعاً لنا أن نتفاجأ بظهور تنظيم مثل «داعش» في بيئة ممنوع فيها الكلام السياسي، والكلام الوطني. ممنوع أن توجد فيها النخب، ممنوع أن يوجد فيها السلمي. بيئة ترفض بالمطلق مفهوم الدولة ومفهوم الاجتماع، بل ترفض مفهوم الإنسان. لكن سيتفاجأ بالتأكيد كل من ثبّت نظره على النظام، وعلى مدى الضرر الذي يلحق به، من دون أن يلتفت ولا مرة إلى موقع الخطوات «الثورية، معتمداً المبدأ الخاطئ: عدو عدوي صديقي. والذي رفض التحفظات على عشوائية استخدام السلاح، بل شرعن كل تسلح بحجة عتي النظام وبطشه. والذي اتهم كل من سمّى ما يجري بغير اسم الثورة بأنه معاد للثورة ومواجه لمسيرة التاريخ. والذي أسهب في التنظير «الثوري» مستنتجاً أن الثورات تكون بهذا الشكل، مستشهداً بحكايات ثورية عالمية.

في أغلب الأحيان يكون تَفاجُئنا بظاهرة ما دليل خطئنا في تقدير الأمور أكثر منه عدم واقعية الظاهرة. من هنا أعتقد أن ظاهرة «داعش» تتطلب منا ليس الاعتراف بخطأ التقدير فحسب، بل بتحملنا مسؤولية ظهورها ولو بشكل نسبي، وأنه لا يمكننا الاعتماد على انفعالاتنا بتبرير مسؤولية ما نقوله. كذلك لا يمكننا الاكتفاء بتحميل النظام السوري كل الآثام، فهذه خاصية للشيطان الذي يوسوس في صدور المؤمنين فيجعلهم ينحرفون عن الصراط المستقيم، ويكفي لعنه أو رجمه لإزالة كل ذنوبهم. لكن في الثقافة والسياسة فلا يكفي اللعن والرجم لإزالة الأخطاء.

هذا المبحث لا يحتمل كل هذا الاختصار الذي قاربته به، فهو مملوء بتفاصيل رئيسة تحتاج الى إسهاب ضروري حتى تتضح صورة نشوء «داعش» في سورية. ولكن يبقى في استطاعتي القول دائماً: كان يمكننا أن نكون الآن من دون «داعش».

* رئيس تيار بناء الدولة السورية

الحياة

 

 

 

الإرهاب صناعة/ سلامة كيلة

خصّني الأستاذ وليد الرجيب بتعليق على مقال لي في “العربي الجديد” عنوانه: “المجاهدون بين الأيديولوجية والواقع، من أفغانستان إلى داعش” (13 أكتوبر/ تشرين الأول 2014)، عنوان التعليق: “هل الإرهاب صناعة غربية فقط؟”، (الرأي الأردنية، 19 أكتوبر 2014)، ويدعو إلى عدم الفصل بين البيئة المحلية والدور الغربي، ويشير إلى “البيئات” الرجعية التي “كرّست استغلال الدين، لتثبيت حكمها، متماهية بذلك والمصالح الغربية التي تتبعها”، ويكمل الإشارة إلى “الأصوليين الأثرياء الذين يموّلون الجهاديين”.

حين أشرتُ إلى “الدور الاستخباري” في صناعة داعش والقاعدة، كنت أشير إلى ظاهرة محددة، وحاولت أن أوصل أن “المالك لها” هي أميركا التي صنّعتها منذ الحرب ضد السوفييت في أفغانستان، وأوصلت إلى الأشكال التي نراها. وكنت أوضّح الفارق بين الممسك بسياساتها والفئات التي تأتي من مناطق مهمّشة، لكي تنخرط فيها، انطلاقاً من مشكلات التهميش التي تنعكس في تصوراتها. وفي حدود هذا الموضوع (هو بحاجة إلى بحث أوفى)، لم أجد ضرورة للإشارة إلى الإطار الأوسع الذي شكّل الظاهرة السلفية الوهابية، وعمل على تعميمها منذ عقود. ولا شك في أن الأمر يحتاج إلى وضوح، كنت كتبت حوله سابقاً مقال (الخلافة الإسلامية وأوهام العودة إلى الوراء، موقع الحوار المتمدن)، وهو أكبر من دور سلفيين أثرياء. الأمر، هنا، يتعلق بما أنتج “الدولار النفطي” بعد سنة 1974 من سياسة لضمان استمرار النُظُم النفطية، بالتبعية للولايات المتحدة.

كان واضحاً أن الهزّة الكبيرة التي نتجت عن الانقلابات في البلدان العربية، وسيطرة “نظم قومية” ومتحالفة مع السوفييت، وتطرح شعار “نفط العرب للعرب”، قد فرضت، خصوصاً بعد الفورة النفطية التي نتجت عن حرب أكتوبر سنة 1973، سياسة تقوم على استتباع الانهيار الذي بدأ في تلك النظم القومية، بتعميم الوهابية، لكي تصبح هي السدّ القوي في مواجهة الفكر الحديث. لكن، أيضاً في تخلّف المجتمعات وسدّ إمكانيات تطورها. لهذا، باتت السعودية كدولة، وكثير من الأمراء السعوديين والخليجيين، وأيضاً، من التجار الأثرياء في الخليج، معنيون جميعاً بنشر الفكر الوهابي، عبر نشر المدارس والجامعات واستقطاب شيوخ جوامع ومؤسسات دينية، كما عبر طباعة كتب ونشريات ومجلات، ومن ثم الفضائيات كثيرة العدد. إضافة إلى دعم تشكيل مجموعات سلفية، ومنها كان الشغل على إرسال “الجهاديين” إلى أفغانستان، وتشكيل ظاهرة الأفغان العرب، ثم دعم تنظيم القاعدة بشكل مباشر أو غير مباشر (بغضّ النظر عن الكلام الإعلامي عن الصراع معه).

بمعنى أن الوهابية كأيديولوجيا، والتنظيمات “الجهادية”، كانت التعبير عن “الرأسمالية النفطية” التي عملت، بالتبعية لـ”الغرب” (وهنا لأميركا) على تعميمها، كأيديولوجية مهيمنة في الوطن العربي (وربما في العالم الإسلامي). ويبدو الهدف واضحاً، وهو منع التطور والحداثة، وتأسيس قوى سلفية متشددة، تدمرّ وتقتل كل ميل تحرري حداثي، ديمقراطياً أو قومياً أو شيوعياً، مع تشكيل فعل تدميري ذاتي في المجتمعات، يدفع إلى تفككها وتشظيها. لأن كل ميل تحرري حداثي سوف يهدد وجود الإمارات والمشيخات والممالك النفطية.

لهذا، جرى دعم تشكيل “المجاهدين” الذين أصبحوا يصاغون وفق السياسات الأميركية، كما لاحظنا مع داعش، وقبلها تنظيم دولة العراق، وقبله تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين. وبالتالي، إذا كان التمويل هو من هذه الأطراف، فإن السياسة ترسمها أميركا في الأخير (على الرغم من أن جبهة النصرة وداعش لعبتا دوراً مضاداً للثورة، وخدمتا مباشرة السلطة السورية، والسلطة في العراق قبل أن تعود أميركا لتستغلّ داعش، من أجل فرض سياساتها).

ما حاولت إيضاحه في المقال ذاك أن الأمر ليس “نبتاً طبيعياً” من مجتمعاتنا، كما يحاول بعضهم القول، بل إن هذا التخلّف والتهميش في بعض المناطق يستغلّ في تشكيل قوى تدمير.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

كيف تلاعب النظام السوري بأكراد سوريا؟/ حوّاس محمود()

تتشابك الأحداث والمجريات الدراماتيكية في الأزمة السورية المستفحلة، وتنتقل الأوضاع من مرحلة لأخرى، منذ أكثر من ثلاث سنوات متتالية، ولكن الآن في المرحلة الراهنة تشتد الحملة العسكرية الميدانية لداعش على أكراد سوريا، إذ هاهي كوباني المدينة الكردية التابعة إدارياً لمحافظة حلب تتعرض لأشرس حملة عنف وقتل ودمار وتشريد من قبل داعش التنظيم الذي تم غض النظر عنه وفتحت له الحدود وتم التسهيل له من كل دول الجوار السوري وبخاصة عراق المالكي.

داعش يحاصر كوباني الآن بعد أن امتلك السلاح النوعي من العراق بعد احتلال الموصل في حزيران الماضي، بعد تواطؤ المالكي وتراخيه عن ضرب داعش وهروب القوات العراقية من ميادين القتال. وبعيدا عن الدخول في التفصيلات الميدانية وسير المعارك، يمكننا دراسة سبب إخفاق الكرد وتحولهم إلى الالتجاء إلى القوى الكبرى وتركيا للتدخل في الشأن الكردي السوري، بعد أن كانت الريبة والشك والغمز واللمز تمر من الخطاب الكردي وبخاصة من ب ي د جناح حزب العمال الكردستاني في سوريا باتجاه تركيا بأنها قوة تعادي الكرد في سوريا وتركيا وحتى في العراق وإيران، ال ب ي د كان قد اتفق مع النظام منذ أكثر من سنتين باستلام المناطق الكردية من النظام واعتبار مناطق الكرد مناطق آمنة، ورغم اعتراض الحراك الثوري الشبابي وبعض الأحزاب الكردية والمثقفين الكرد إلا أن الأمر سار بوتيرة متسارعة، وساند الحزب النظام كثيرا في المناطق الكردية، وهذا اثر سلباً على الثورة السورية وكانت حجة ال ب ي د هي حماية المناطق الكردية من شر النظام وبراميله، لكن مرت الأيام والشهور والسنين لتتغير معادلة الحماية المدعاة من قبل ال ب ي د في غير صالحه، إذ إن النظام قد لعب لعبته الخبيثة في إبعاد الكرد من الثورة السورية، ومن ثم خلق الحساسيات الطائفية والقومية بين مكونات الشعب السوري، لتبرير مقولته انه يحارب تنظيمات إرهابية ويدافع عن الأقليات وأن الثورة السورية غير موجودة، وقد ارتكب ال ب ي د عبر الإدارة الذاتية الكردية أخطاء سياسية عديدة منها التنازع مع القوى الكردية الأخرى، وازدياد حالة الفقر والبطالة وحرمان الطلاب من الجامعات، وممارسة القمع تجاه الشباب الثوري والمثقفين الكرد، مما اضطرتهم هذه الظروف للهجرة إلى الجوار السوري والى أوروبا ودول أخرى، الخطأ الجسيم الذي ارتكبه ال ب يد هو أنه لم يؤمن الجوار الجغرافي تركيا اقليم كردستان العراق، إذ إن الحزب قد ساءت علاقته مع قيادة إقليم كردستان العراق وتم غلق معبر سيمالكا الحدودي مع الإقليم، وحصلت مناوشات سياسية عديدة بين الطرفين، بالرغم من تلبية دعوة الزعيم الكردي مسعود البارزاني لاجتماع مع المجلس الوطني الكردي في دهوك التابعة لإقليم كردستان العراق، وحتى الآن لم يتم التوصل إلى أي اتفاق بسبب تعنت مجلس غربي كردستان الذي غير اسمه إلى ( ت ف دم )، ال ب ي د عوضاً عن توثيق علاقته مع الجوار الجغرافي راح يوثق علاقاته بالنظام ولم يعمل على تشكيل لجان السلم الأهلي بالتوافق مع القوى الكردية الأخرى ومع المكونات الأخرى، ولم يحصل التوافق العسكري المشترك مع كل القوى الموجودة. الآن مع مجيء داعش ربيبة النظام وأداته المربحة له للبقاء بكرسي الحكم، وقع ال ب ي د في حالة لا يحسد عليها إذ إن ادعاءه بحماية الكرد في مناطقهم قد تعرض للاهتزاز الكبير لا بل للسقوط، والنظام أوقعهم في فخه، وتركهم وحيدين يواجهون مصيراً مؤلماً، إذ إن الحزب قدم مقاتلين له في رأس العين في عام 2012 مع اشتداد معارك الجيش الحر مع النظام، وفي تل حميس وتل براك عام 2013، لكن النظام الآن لا يحرك ساكناً تجاه من تحالف معه في كوباني ويترك ال ب ي د والشعب الكردي يواجه المأساة الحقيقية من تنظيم داعش بينما يضرب دمشق وحلب والقنيطرة بالبراميل المتفجرة وغاز الكلور. ومع الوضع المضطرب للحزب ومع معاناة شعب مدينة كوباني بالكامل تم التجاء ب ي د إلى بعض فصائل الجيش الحر وبعض القوى الكردية التي كانت تتهم بأنها أردوغانية عميلة لتركيا، لا بل تم الالتجاء إلى تركيا نفسها للتدخل في كوباني وانقاذها من خطر داعش الداهم، وقد صوت البرلمان التركي بالموافقة على التدخل لضرب داعش في سوريا والعراق رغم عدم تدخل الجيش التركي حتى الآن، ماذا جنى ال ب ي د من تحالفه مع النظام؟، كانت التحليلات المنطقية تقول إن التحالف مع النظام عملية خاطئة، وإن النظام السوري لا يوثق به، وهو خبيث ويسعى للفتنة والتخريب فقط للبقاء على كرسي الحكم، لكن الحزب لم يكن يولي أهمية لمثل هذه الأصوات الحرة النزيهة، إلا أنه في علم السياسة، لا يمكن أن يتم التحالف بدون وثائق ذات طابع قانوني ودولي، لأن الصفقات ذات الطابع الأمني تنتهي بانتهاء مفعولها الظرفي الوقتي، والنظام الآن لم يعد مستعدا لضرب قوة كبيرة داعش- هو ساهم في إنشائها لأجل حماية قوة أخرى ب ي د – كانت مصدر عداء للنظام طيلة السنوات العجاف الماضية قبل انطلاق الثورة السورية في آذار 2011، الآن هناك ثمة ضرورة قصوى لتحرك القوى الكردية لخلق جيش حر كردي من كل القوى الكردية للتحالف مع الجيش الحر السوري والانضمام إلى التحاف الدولي لتغيير المعادلة الميدانية وبالتالي السياسية لدحر داعش أولاً، ومن ثم التجهيز والتحضير لإسقاط النظام في دمشق، وهذا ما قامت به أميركا مؤخرا من إجراء مفاوضات مع ال ب ي د للتحالف معه في معركة كوباني وغيرها من المدن السورية، وكان من المفترض للكرد أن يشتغلوا في هذا المنحى الاستراتيجي السليم منذ انطلاقة الثورة السورية، لا الوقوع في فخاخ النظام الذي هو بمثابة الحبل المهترئ الذي ينتظر انقطاعه للسقوط المريع والمذل بعد أن دمر سوريا أرضاً وشعباً وحضارة وتاريخاً وتراثاً وبيئة.

 

() كاتب من سوريا

 

 

 

 

المقاومة والبيئات المحلّية: كوباني “داعش”- “طالبان”/ ورد كاسوحة

ما انتهت إليه معركة كوباني لا يعدّ نصراً بالمقاييس المتعارف عليها، غير أنّه يؤكّد أهمية العامل المحلّي في أيّ معركة مقبلة، سواء أكانت ضدّ «داعش» أم ضدّ داعميها من الأتراك والخليجيين. يمكن في المقابل أن ننسب تراجع التنظيم إلى ضربات التحالف الإمبريالي، ولكن في هذه الحالة سيصبح صعباً علينا فهم الآلية التي تعمل بموجبها المقاومة المحلّية لهذا النوع من «الإرهاب». في حالة كوباني (أو عين العرب بالعربية) تضافرت عوامل عدّة لتجعل من «هزيمة داعش» أمراً ممكناً، وخلال مدّة لا تتجاوز شهرين.

قبل ذلك، كانت «داعش» هي التي تستخدم هذه العوامل لهزيمة خصومها، إلى درجة بدت معها كأنها بالفعل «البديل الممكن» لنظم المنطقة المتفسّخة والعميلة والهشّة. وهذا في الحقيقة أمر مفزع، لأنّ استخدام هذه «الحركات الإبادية» للمقاومة (هذا إذا اتفقنا على أنها تمارس أفعال المقاومة ضدّ الغرب والنظم العميلة له) لا يعدو كونه قشرة خارجية، وغالباً ما يترافق مع إرغام البيئات المحلّية على العيش في ظلّ «بدائل حياتية» أسوأ بكثير من تلك التي كانت قائمة. لا أحد باستطاعته مثلاً الدفاع عن «البديل» الذي مثّلته طالبان بالنسبة إلى الشعب الأفغاني، وهي التي كانت تقود – كما تفعل داعش الآن صوريّاً – «المقاومة» ضدّ الوجود الأميركي هناك.

طالبان ليست بديلاً

في الحقيقة، يجد الكثيرون صعوبة في الدفاع عن النموذج الذي مثّلته طالبان، فما قدّمته للمجتمع بعد سنوات من العمل في الجبال لا يمكن اعتباره أمراً قابلاً للتكرار، وخصوصاً لجهة اعتماده على تهميش النساء واضطهادهنّ ومنعهنّ كلّياً من الانخراط في المجتمع. البعض يرى أنّ الشيء الوحيد الذي قدّمته الحركة للمجتمع هناك هو تجارة الأفيون، فبسبب البطالة المتزايدة بين الشباب الأفغاني أصبح هذا القطاع المحظور يجذب أعداداً متزايدة منهم، ويوفّر لهم بديلاً ممكناً عن الانخراط في أعمال الحرب. والحال أنّ حركة كطالبان لا تستطيع بحكم تكوينها الرجعي والمناهض لآلية التراكم الاجتماعي أن تترك المجتمع يتقدّم خارج إطار الحرب والصراع مع «الدولة» والأعيان المرتبطين بها على الغنائم ومناطق النفوذ. حتّى الأفيون الذي تجنيه بسواعد أبناء أفغانستان وتوزّع أرباحه كرشىً على السياسيين ورجال القبائل، إنما يعتمد على تصرّفها كعصابة، وبالتالي لا يساعدها على تجاوز المرحلة التي كانت تحتكر فيها أنماط «التبادل الاقتصادي» و»المنفعة الاجتماعية». المقاومة هنا لا تعود ممكنة، وتصبح عالة على المجتمع الذي تنهبه طالبان بمقدار ما يفعل الغرب، إن لم يكن أكثر. هي لا تنهب بالطرق التقليدية، بل تعتمد على أدوات الحرب، فتستخدم مثلاً مصطلح الغنيمة لتشريع مصادرة أموال وممتلكات المختلفين معها سياسياً أو اجتماعياً. تفعل ذلك باسم المقاومة والقصاص من العملاء، وبالتالي تفقد «حصانتها الأخلاقية» وتصبح قوّة نهب خالصة مثلها في ذلك مثل الاحتلال وأعوانه. بفضل هذه الممارسات تتحوّل فكرة قتال القوات الغازية التي تستخدمها طالبان إعلامياً إلى ذريعة لإرغام المجتمع على التنازل عن مكتسباته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية و… إلخ. أيضاً، بسبب ممارساتها يصبح بالإمكان إيجاد شرائح تفضّل الدمى التي نصّبها الاحتلال على «المقاومين» الذين يمنعون «العملية السياسية» بحجّة أنها فاسدة وغير شرعية. كلّ الكلام عن مواجهة الاحتلال يغدو بلا معنى في حال افتقاره إلى آلية لتنظيم المجتمع ودمج جميع شرائحه – وخصوصاً المهمّشة منها – في العملية الانتقالية التي تعقب خروج القوات الغازية، وهذا بالضبط ما تفتقر إليه طالبان، سواء اتفقت مع المجتمع المحلي أو اختلفت معه. وإذا كانت نتيجة الانتخابات الأخيرة في أفغانستان غير ممثّلة لكلّ أطياف المجتمع بحكم وجود الحركة والقوى المتحالفة معها خارجها، فانّ هذا الوجود يُعَدّ سيئاً بدوره. لنقل إنه لا يقلّ سوءاً عن «العملية الانتخابية» ذاتها، لا بل يمكن عدّه أقلّ تمثيلاً منها، بدليل أنه لا يميّز لدى استهدافه رموزها بين المدنيين والعسكريين، وبالتالي يتعامل بعدمية واستهتار شديدين مع المجتمع الذي يدّعي تمثيله.

العنصر المحلّي ينشأ من ضعف الدولة وتهاويها أمام الغزوين الخارجي أو الداخلي

هكذا، لا تعود الحركة التي قاومت الاحتلال الأطلسي بشراسة قلّ نظيرها تعبّر عن كلّ المجتمع، وتغدو في أحسن الأحوال جزءاً من الانقسام الحاصل في تلك البلاد على خلفية خروج القوّات الأطلسية منها. هي بهذا المعنى تعبير عن أزمة البلد، وليست في حال من الأحوال محطّ إجماع الراغبين في انتهاء الاحتلال كما كانت تبدو أثناء سنوات الغزو. وهذا يعني أنها لم تكن يوماً بديلاً للوضع القائم، وإذا كانت بديلاً في نظر البعض، فلأنّ الأفرقاء الآخرين الذين نصّبهم الاحتلال لم يستطيعوا تقديم نموذج أفضل منها. في كلّ الأحوال تبقى تجربتها إشكالية ولا تساعدنا كثيراً على فهم الظروف التي تدفع البيئات المحلّية إلى التوحّد خلف قوّة منظّمة ومقاتلة، تطرد الاحتلال وتحلّ محلّه في إدارة المجتمع الذي كان محتلاً ومحطّماً اجتماعياً.

بدائل «داعش» و… بدائلنا

العنصر المحلّي يقوى في غياب الدولة، وينشأ غالباً من ضعفها وتهاويها أمام الغزوين الخارجي أو الداخلي، ولكنه لا يصبح بديلاً إلا حين يستطيع تلبية احتياجات المجتمع بحيث لا يتهاوى هو الآخر ويبقى محافظاً على تماسكه، ولو شكلياً. إذا حصل ذلك بعد ثورة، فستكون الفرصة متاحة أكثر لتكوين الإجماع وحمل الناس على الوقوف وراء الثورة التي تمثّل طموحاتهم. هذه الأخيرة ليست غزواً، وحين تحلّ بمجتمع ما فإنها تنهكه – وهذا طبيعي في ظروف الثورات – ولكنها لا تحطّمه كما يفعل التدخّل الإمبريالي أو الغزو، وبالتالي تترك له هامشاً أكبر للتماسك وتجميع عناصر القوة التي «بدّدتها الثورة». في أفغانستان والعراق لم يحصل ذلك، حيث نمت العناصر المحلّية الأصولية على حساب المجتمع، مستغلّة غياب الدولة وحلول هياكل الاحتلال المباشر مكانها. في هذه البيئة لا يكون الإجماع ممكناً وتحصل عمليات المقاومة بقيادة عناصر لا يهمّها تلبية احتياجات الناس، فهي لم تقم بثورة في النهاية، بل قاومت واقعاً جزئياً فرضه الاحتلال، وهذه مقاومة جزئية بطبعها تماماً كالواقع الذي تعانده. ولأنها كذلك فهي لا تحتاج إلى برنامج للتغيير محايث لعمليات المقاومة ومساند لقواها، ما يؤدّي بطبيعة الحال إلى استبعاد شرائح اجتماعية عريضة ترغب في المقاومة، لكن بشرط تضمّنها لعناصر التغيير التي تحتاجها هذه الفئات. لا أتحدّث هنا فقط عن المرأة أو العلمانيين بأطيافهم المختلفة، بل أيضاً عن الفئات المهمّشة التي يصعب أن تجد من يمثّلها في «برامج العمل» التي تضعها طالبان أو «داعش» أو سواهما من الحركات الوهابية المقاتلة. كيف يمكن تمثيل هؤلاء في حركات لا تعتمد على توزيع الثروة، وبدلاً من تشغيل العاطلين من العمل تعمد إلى استغلال قوّة عملهم لتحقيق فائض يعينها على مجابهة «الحصار» المفروض عليها من الخارج. تبيع النفط بأسعار بخسة لأثرياء تركيا بعد أن يكون العاملون (وجلّهم من الفقراء والعاطلين من العمل) على استخراجه من حقول دير الزور والرقّة والحسكة قد ماتوا من التسمّم الهوائي الذي تسبّبه عمليات التكرير البدائية. ما مصلحة هذه الفئات التي همّشها الصراع بين النظام و»داعش» في التحوّل إلى وقود لأعمال العصابات التي تتبادل السيطرة على أراضي سوريا وثرواتها؟ ما هي حصّتهم من هذه الثروة أصلاً؟

لا تقع هذه التساؤلات على أجندة تنظيمات مثل «داعش» وطالبان، فهي تزاول أعمال الحرب، ومن ضمن أعمالها استخدام الفقراء بدل خدمتهم وتوفير احتياجاتهم. حتى الفتات الذي يصلهم من الأرباح الطائلة لتجارة النفط (الأرقام التي تتداولها الصحف ووكالات الأنباء عن أرباح «داعش» من تكرير النفط وبيعه لتركيا خيالية بكلّ المقاييس) يصبح جزءاً من آلية التراكم الأوّلي التي تهمّشهم لمصلحة الأثرياء والأعيان الجدد من الدواعش، أي تماماً كما كانت تفعل النظم التي ثاروا عليها صوريّاً باسم التهميش والإقصاء (أصبح لدينا العشرات من رامي مخلوف في ولاية الخير المباركة!). ليست هذه بثورات على الإطلاق، وإذا كانت تعتبر نفسها مقاومات ضدّ الاحتلال والغزو الأجنبي فلتخبرنا عن إنجازاتها بعد إخراج عملاء الاحتلال من الموصل والفلّوجة ونينوى والرقّة و…إلخ! لحسن حظّنا أنها تعثّرت في طريقها إلى تحرير بقية المناطق المحتلّة وواجهت بيئة محلّية عظيمة اسمها كوباني أو عين العرب.

أوّل هزيمة لداعش أمام بيئة محلّية

آخر الأخبار الواردة من كوباني تقول إنّ مسلّحي «داعش» قد أصبحوا «خارج المدينة تماما». في اليومين الأخيرين فقط تراجعوا لمسافة سبعة كيلومترات بعيداً عن الأحياء الجنوبية والشرقية. لم يحصل ذلك بسبب ضربات التحالف الإمبريالي كما يقول الإعلام، فلو كان ذلك صحيحاً لوصلت «داعش» إلى معاقل وحدات حماية الشعب في قلب المدينة. صحيح أنّ الضربات الجوية أخّرت تقدّم الدواعش قليلاً، لكنها لم تمنعهم من تنفيذ عمليات انتحارية على مختلف الجبهات المشتعلة، وبعض هذه العمليات فشلت لأسباب لا علاقة لها بالغارات أصلاً. التقدّم حصل بسبب قدرة المقاتلين والمقاتلات الأكراد على الصمود وإجراء المناورات على مختلف الجبهات، وهذا سلوك جديد بالنسبة إلينا، فنحن لم نعتد منذ أن بدأت «داعش» عملياتها في تموز 2014 أن تصمد بيئة ما في وجهها أكثر من أسبوع.

في العراق اجتاح التنظيم نينوى والموصل ووصل إلى حدود الأنبار في أقلّ من أسبوع، وكذا الأمر بالنسبة إلى الرقة سابقاً، فيما يعجز على جبهة كوباني عن التقدّم بضعة كيلومترات، ويسقط منه العشرات يومياً في مواجهة بضعة مئات من المقاتلين والمقاتلات الكرد. من يومين أورد المرصد السوري لحقوق الإنسان حصيلة أوليّة لقتلى الطرفين خلال المواجهات الدائرة على جبهة كوباني منذ أكثر من شهر. يقول التقرير إنّ إجمالي القتلى بلغ 662 شخصاً بينهم 374 من عناصر داعش، بينما قتل 258 عنصراً من وحدات حماية الشعب وتسعة مقاتلين أكراد آخرين ومتطوّع واحد قاتل إلى جانبهم. ثمّ يستدرك المرصد، فيقول إنّ هذه الحصيلة لا تشمل من قتلوا في غارات التحالف الدولي على كوباني. الأرقام هنا تغنينا عن التحليلات المتضاربة، وتظهر لنا فعالية المقاومة الكردية في قتالها البطولي ضدّ الأوباش الدواعش.

عدد شهداء وحدات الحماية الكردية أقلّ بمئة تقريباً من قتلى داعش التي ترفد يومياً بمئات العناصر من المناطق المجاورة (الرقّة، تل أبيض، ريف حلب… إلخ)، وهذا كما يقول المرصد لا يشمل «المساعدة» الرمزية التي وفّرتها الضربات الجوية، وأوقعت عبرها مزيداً من القتلى في صفوف «داعش». وبناءً عليه، يصبح أيّ كلام على فضل جوهري للتحالف الإمبريالي في الهزيمة التي حلّت بداعش دعاية مبتذلة، الغرض منها إضعاف البيئة المحلّية العظيمة التي يعود إليها الفضل وحدها في هذا «النصر». لم يسبق لأحد أن قاتل ضدّ داعش بهذه الشراسة. الجيش العراقي المدجّج بكلّ أنواع الأسلحة انهار أمامها خلال ساعات، والأرجح أنّ قدرة أيّ جيش آخر على مقاومتها لن تكون أفضل، فهي تعتمد في قتالها على العصبية التي توفّرها البيئة المحلّية المستعدة للتضحية في سبيل هدف ما. «داعش» نفذت إلى بيئة العراق معتمدة على الرابط العشائري المحافظ دينياً، واستطاعت عبر اللعب على واقع التهميش الذي حصل للـ«…» هناك أن تقبض على اللحظة وتتمدّد في مناطق مختلفة على حساب الجيش العراقي الضعيف والهشّ أيديولوجياً. تمدّدها اعتمد أساساً على البيئة الحاضنة التي رفدتها بالعنصر البشري وبفكرة المظلومية، وحين انهارت أمامها كلّ البيئات التي كانت تعوّل على الجيش والشرطة العراقيين شعرت بأنها أصبحت سلطة مطلقة لا يستطيع أحد مواجهتها. بهذه العقلية أتت إلى عين العرب – كوباني، معتقدة أنها ستكرّر تجربة الغزو السّهل مع الأكراد، ومعوّلة على أمرين اثنين: العنصر البشري الذي يفوقهم عدداً بكثير، والتفوّق العسكري الكبير حيث لا يملك الأكراد للدفاع عن أنفسهم إلا أسلحة متوسّطة، فيما تتوافر لداعش أسلحة ثقيلة قوامها دبّابات وراجمات صواريخ وناقلات جند و…إلخ. هنا تحديداً حدثت المفاجأة، وحلّت بداعش أوّل هزيمة عسكرية كبيرة له أثناء تمدّده في سوريا والعراق. لم تتراجع بعدها قدرته العسكرية فحسب، بل فقد المقدرة أيضاً على تجنيد مقاتلين يمكن أن يقتنعوا بصواب ما يفعله في سوريا. ربما تعافى لاحقاً من هذه الهزيمة، ولكنه لن يقدر على تكرار التجربة مع بيئات تملك هذا القدر الهائل من العزيمة والإصرار والاستبسال في مواجهة الخصم. التفوّق العسكري في حالة كهذه يصبح نكتة، ولا يعود قادراً على تأمين خطوط الإمداد حتّى. في المقالة السابقة تحدّثت عن حرب الشوارع التي تفقد السلاح الثقيل أرجحيته وتساوي بينه وبين الكلاشينكوف الذي يقاتل به الأكراد. وحدات حماية الشعب كانت تعرف ذلك، ولذلك بدت قيادتها واثقة من صدّ داعش وردّه على أعقابه.

هي كانت تحتاج فقط إلى خطّ إمداد يوفّر لها مزيداً من السلاح والمال، ويبدو أنه قد توافر بطريقة ما على ما قالت إحدى القياديات في الوحدات أخيراً. هذا البعد العسكري يسير جنباً إلى جنب مع أبعاد أخرى أسهمت أيضاً في حسم المعركة لمصلحة وحدات حماية الشعب وحلفائها. الوحدات تتميّز عن غيرها من المجموعات المسلّحة في سوريا بنمط قتالها التشاركي، وهذا ليس بالأمر الذي يمرّ مرور الكرام. هي منذ التسعينيات من القرن الماضي تُشعر مقاتليها بأنّهم سواسية ولا تميّز بينهم على أساس الجنس أو المعتقد، وحين يستشهد أحد أفرادها في الميدان تكرّمه بحضور عائلته، وترفعه إلى مرتبة الرمز مثلما تفعل كلّ حركات التحرّر في العالم. المسألة لا ترتبط فقط بقيادة امرأة للمقاتلين ولا بحجم المشاركة النسائية العظيمة في القتال، بل بالقرار السياسي الذي يضع إرادة التحرّر والمساواة الفعلية (لا الصورية كما تفعل بعض المقاومات) فوق أيّ إرادة أخرى. هذه الإرادة تملكها عادة البيئات المحلّية التي تقوم بثورة على النظام لكي تحرّر مواطنيها لا لكي تستعبدهم، وهذا بالضبط هو الفارق بين «داعش» ومقاومة كوباني البطلة.

* كاتب سوري

الأخبار

 

 

 

الغرب والأكراد.. أولوية أمنية أم قضية شعب؟/ خورشيد دلي

حتى وقت قريب، كانت الرؤية الغربية، وتحديداً الأميركية، للقضية الكردية، تقوم على معادلة فيها كثير من الازدواجية والتناقض، فهي، بقدر ما حرصت على إظهار الوجه الإنساني والإيجابي لكرد العراق، وسارعت إلى تقديم الحماية والدعم لهم، في العقود القليلة الماضية، بقدر ما تجاهلت وضع الكرد في تركيا وإيران وسورية، بل وضعت حزب العمال الكردستاني الذي يتمتع بنفوذ كبير بين أكراد تركيا وسورية على لائحة الإرهاب، وساعدت، إلى جانب الموساد الإسرائيلي، في اعتقال زعيمه عبدالله أوجلان في كينيا، قبل تسليمه إلى السلطات التركية عام 1999.

اليوم، وأمام الحرب ضد داعش، يبدو أن تغيرات تدريجية بدأت تحصل في نظرة الغرب إلى حزب العمال الكردستاني، وحليفه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، والذي أعلن، قبل أكثر من سنة، عن إقامة إدارة ذاتية في شمال شرق سورية، فقد أظهرت معارك سنجار ضد تنظيم داعش، بعد سيطرته على الموصل، وكذلك معركة كوباني – عين العرب، شمال سورية، الخبرة الكبيرة لمقاتلي الحزبين في الميدان، وبالتالي، أهمية دورهم في هذه الحرب، حليفاً عملياً ومجرباً، يمكن الوثوق به. وعليه، يمكن فهم سبب الانفتاح الأميركي التدريجي على حزب الاتحاد الديمقراطي، واللقاء الذي أجراه المسؤول الأميركي المكلف بالملف السوري، السفير دانيال روبنشتاين، مع مسؤولين من الحزب المذكور في باريس. ومن قبل، اللقاء الذي جرى بين جنرال أميركي وقياديين من الحزب في سنجار، قبل أن تنقل الطائرات الأميركية، أخيراً، أسلحة وذخيرة من إقليم كردستان العراق إلى مقاتلي الحزب في كوباني لمواجهة داعش في معركة متبادلة الأدوار والفوائد.

من دون شك، الكرد الذين يعيشون في محيط إقليمي يفتقر إلى الثقة والإيجابية، ويطمحون إلى نوع من الحماية الدولية، في ظل مخاوفهم الدفينة، بسبب ما تعرضوا لها تاريخياً من حروب على الوجود وإقصاء للهوية، كما يتطلعون إلى الحصول على أسلحةٍ متطورة في إطار الصراعات والحروب الجارية في المنطقة، فضلاً عن طموح قديم في الحصول على اعترافٍ دوليٍّ بحقوقهم القومية، وصولاً إلى تحقيق حلمهم في دولة مستقلة. في المقابل، تدرك واشنطن أهمية تحول الأكراد إلى لاعب إقليمي في المنطقة، وأهمية استثمار دور هذا اللاعب في الأحداث الجارية، ودفعها وفق الاستراتيجية الأميركية، فضلاً عن الأهمية النفطية والمائية لكردستان.

يصدر الاهتمام الأميركي بدور الكرد عن قناعة الولايات المتحدة بأن الحرب ضد داعش تحتاج إلى قوى موجودة على الأرض، لمحاربة التنظيم، وبعد تجربة البشمركة في العراق، تبدو وحدات حماية الشعب الكردية القوى الأكثر تأهيلاً، للقيام بهذا الدور في سورية، بل تكاد تكون القوى الوحيدة التي لها سجل موثوق ضد التنظيم، إذ خاضت، في السنتين الماضيتين، مواجهات شرسة مع مقاتلي داعش في مناطق رأس العين (سري كانيه) وجزعة وتل حميس وتل معروف ومعبر ربيعة المعروف بـ (تل كوجر) على الحدود السورية العراقية، حيث يكتسب التنظيم، يوماً بعد آخر، المزيد من القدرات والنفوذ والقوة والشعبية في المناطق الكردية السورية.

في العمق، يطمح كرد سورية، وتحديداً حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، والقوات العسكرية المنضوية تحت رايته (ي ب ك والأساييش) إلى تكرار سيناريو الدعم الغربي لأكراد العراق، من خلال إثبات جدارتهم في المعارك الجارية، وإبداء الاستعداد للتعامل مع التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، والانفتاح على قوى المعارضة السورية، أملا في الحصول على سلاح متطور، يقوي من دورهم في التطورات الجارية، ويجلب لهم مزيداً من الاعتراف المحلي والإقليمي والدولي، حيث ترى وحدات حماية الشعب الكردية أن ما جرى في كوباني، ومن قبل في سنجار والدور الذي لعبه التنظيم في إجلاء آلاف الإيزيديين، فتح صفحة جديدة في العلاقة مع القوى الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة، ولعل ما شجعتهم على فتح هذه الصفحة التصريحات الأميركية المتتالية بشأن ضرورة دعم القوى المحلية على الأرض المستعدة للعمل ضد داعش.

أبعد من خطوة الحصول على الدعم الغربي، فإن كرد سورية، وتحديداً حزب الاتحاد الديمقراطي، يأمل من العلاقة مع الغرب تحقيق جملة من الأهداف، لعل أهمها:

1- تحسين الحزب صورته في الداخل والخارج، في ظل الاتهامات الكثيرة الموجهة له، بما يعزز مثل هذا الأمر من نفوذه، ويكرسه قوة مهيمنة في المناطق الكردية في سورية.

2 – جلب اعتراف دولي بالحقوق القومية الكردية في سورية، خصوصاً وأن الحزب أعلن، منذ أكثر من سنة، عن مشروع الإدارة الذاتية التي تضمن إقامة ثلاثة كانتوتات في القامشلي وعفرين وكوباني (عين العرب)، شكلاً من أشكال الحكم المحلي، حيث تواجه هذه الإدارة صعوبات وتحديات كثيرة، بسبب الحصار والظروف الحياتية الصعبة، فضلاً عن الوضع الأمني المتفجر.

3 – من شأن هذا الدعم جعل القضية الكردية في سورية على طاولة المشهد السياسي السوري المستقبلي، وضرورة إقرارها في أي حل للأزمة مستقبلاً.

من دون شك، يواجه تطلع الكرد إلى تحقيق هذه الأهداف عقباتٍ كثيرة، على شكل محاذير، تتعلق، أولاً، بالشكوك الغربية الكثيرة لجهة علاقة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بالنظام السوري، والحديث عن وجود تنسيق بين الجانبين، تجلى في إخلاء النظام مواقع ومقار عديدة له في المناطق الكردية، وسيطرة الحزب عليها، من دون صدام أو مواجهة. ومن جهة ثانية، الحزب في الأساس هو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، بقيادة عبدالله أوجلان، المعتقل في تركيا منذ خمسة عشر عاماً، وهو المصنف في قائمة الإرهاب. وعليه، فإن أي دعم غربي لأكراد سورية يواجه برفض تركي، لأسباب تتجاوز الأزمة السورية إلى السياسة التركية، تجاه القضية الكردية في عموم المنطقة، والصراع الجاري مع حزب العمال الكردستاني، والخوف التركي الدفين من ولادة إقليم كردي ثانٍ، على حدودها الجنوبية. ومن جهة ثالثة، له علاقة بالعلاقة المتوترة بين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وباقي فصائل المعارضة السورية، السياسية والعسكرية، بما في ذلك الائتلاف السوري المعارض.

ولكن، على الرغم من هذه المحاذير، من الواضح أن معركة كوباني قرّبت بين الجانبين كثيراً، إلى درجة أن الولايات المتحدة، الحليفة الاستراتيجية والتاريخية لتركيا، دخلت في معركة كسر عظم مع أنقرة، بشأن تسليح المقاتلين الكرد في كوباني، على الرغم من رفض الأخيرة التي اعتبرت المقاتلين الكرد إرهابيين، مثل داعش، كما قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان. ما يعني أن واشنطن باتت تنظر إلى كرد سورية حليفاً موثوقاً، يمكن الاعتماد عليه، كما يمكن أن يلعب دوراً فاعلاً في المرحلة المقبلة، على غرار أكراد العراق، في إطار استراتيجيتها لمحاربة داعش.

الثابت، هنا، أن الانفتاح الغربي على كرد سورية يعكس استراتيجية المصالح والأولويات، وهي استراتيجيةٌ فرضتها ضرورة الحرب الجارية ضد داعش. وعليه، فإن ما سبق يطرح أسئلة استراتيجية بشأن علاقة الغرب بالكرد وقضيتهم، على نحو: هل الانفتاح الأميركي على كرد سورية يأتي من زاوية أولوية الحرب ضد داعش فقط، أم أنها تعكس سياسة جديدة تجاه القضية الكردية، كقضية شعب له حقوق وتطلعات، تتجاوز لحظة الحرب ضد داعش، إلى المستقبل؟ لعل الإجابة عن السؤال أعلاه ستطرح مئات الأسئلة عن استراتيجية الولايات المتحدة تجاه مستقبل منطقة الشرق الأوسط، وعلاقاتها بحلفائها، ولا سيما تركيا التي تعيش حرب أولويات مع واشنطن.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

معركة عين العرب كما يراها السوريون/ أكرم البني

لا يختلف الاهتمام السياسي والإعلامي بمعركة عين العرب (كوباني) عن ما حظيت به معارك القصير أو القلمون مثلاً، لكن الفارق أن مواقف السوريين، عرباً وأكراداً، من هذه المعركة تحفل بتناقضات عجيبة وبمفارقات مذهلة، ربما بسبب خصوصية مكوناتها وربما لأنها الأولى التي تجرى بعد دخول قوات التحالف الدولي على خط الصراع السوري.

والحال، على رغم أن معركة كوباني توسم كمعركة كردية خالصة ضد تنظيم «داعش»، وعلى رغم وضوح التعاطف الشعبي الكردي مع المدافعين عن المدينة وأهلها، تتباين بشدة مواقف السياسيين والمثقفين الكرد نتيجة تباين مصالحهم وحساباتهم الضيقة.

هو أمر مفهوم أن يعمل حزب الاتحاد الديموقراطي ببنيته الأيديولوجية على احتكار ما يجرى واعتباره مسألة تخصه وحده، معولاً على صمود مقاتليه في تعزيز شعبيته وفرض وجوده كمنافح وحيد عن الحقوق القومية الكردية، حتى وإن بدا الأمر أشبه بمقامرة قد تفضي في حال سقوط المدينة إلى خسائر بشرية كبيرة وإلى عكس ما يرجوه، لكن ما ليس مفهوماً أن تسلّم أطراف كردية بهذا التوجه وتنفض يدها من الحدث وتعلن أن ما يجرى هو قضية حزب وليس قضية شعب، مركزة جهودها على كيل الانتقادات للاتحاد الديموقراطي بصفته حزباً استئثارياً اعتمد أساليب التفرد في السيطرة على المناطق الكردية التي انسحب منها النظام وعمل على إقصاء وحتى اغتيال عدد من الكوادر والقادة الكرد المنافسين له، بما في ذلك تحميله مسؤولية التحرش بقوات «داعش» بمنازعتها على بعض مناطق سيطرتها.

الموقف المعلن للسلطة السورية يبدو منسجماً، فوراء الاشادة بصمود مقاتلي كوباني ثمة رهان على انتصار حليفها الكردي، ولو انتصاراً باهتاً، لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، أولها، تحسين صورتها وشحن الروح المعنوية لأنصارها، ثانيها، تسعير العمليات العسكرية للنيل من المعارضة المسلحة بوسائل أشد فتكاً وتدميراً في ظل انشغال العالم بما يجرى في كوباني، ثالثها، محاصرة مطامع السياسة التركية وفتح نافذة للتواصل مع خطة التحالف الدولي المناهضة لـ «داعش»، ما يضع على المحك صحة التسريبات المريبة عن وجود تنسيق أمني من تحت الطاولة بين قوات التحالف الدولي والنظام السوري.

في المقابل، تبدو المعارضة السورية بمواقفها المشتتة والمرتبكة في وضع لا تحسد عليه، فمن كان منها يطالب بتدخل أممي في الصراع السوري، لا يتجرأ اليوم على رفض دور التحالف الدولي لأنه يساند أحد حلفاء النظام، ولعل مخرج هؤلاء لتخفيف حرجهم هو تكرار الاستقواء بالوعود الغربية عن تمكين المعارضة المعتدلة من ملء الفراغ الناجم عن تراجع «داعش»، ما يفسر مسارعة مجموعات من الجيش الحر الى المشاركة في المعركة إلى جانب مقاتلي كوباني. أما من يُحسبون على الاسلام السياسي فيحذون حذو، الحكومة التركية، في ربط المشاركة بإنقاذ كوباني بمنطقة عازلة وبردعٍ موازٍ للنظام السوري الذي فتك بشعبه أكثر مما يفعله «داعش»، بل ويضمرون رغبة بألا يُهزم «داعش» قبل نجاحهم في تسويق أنفسهم كطرف إسلامي معتدل يمثل مصالح الأكثرية السنّية وحقوقها، وقبل أن يلقن الاكراد درساً بليغاً يضع حداً لأوهامهم عن الاستقلال القومي. وهناك مجموعات ليبرالية تنظر الى ما يجرى كمذبحة رابحة بين متشددين دينيين وقوميين، فكلاهما لا علاقة له بمشروع التغيير الديموقراطي ولا مكان له في دولة المواطنة، ويتمنى هؤلاء في سريرتهم استمرار المعركة كي تستنزف هذه الجماعات المتطرفة قواها إلى الحد الأقصى، بينما لا يصعب على أحد تقدير حجم الارتباك والاضطراب لدى المعارضة التي أعلنت موقفاً مبدئياً وحازماً ضد التدخل الخارجي عند عرض موقفها الداعم لحليفها الكردي وقد استند في صموده الى ضربات الأجنبي الجوية…

لماذا كوباني؟ وماذا عن عنف النظام؟ وهل بقيت قوة في هذا العالم لم تستعرض عضلاتها على أرضنا؟ هي أسئلة يكثر سماعها بين الناس على شكل احتجاج أو استهزاء مرير، مرة، لإظهار المفارقة بين هذا الاهتمام العالمي بمصير مدينة كردية يغزوها «داعش»، وبين ذاك الاستهتار المخزي بمعارك أكثر دموية في غير منطقة سورية شارك فيها «حزب الله» وميليشيا عراقية وأُمطرت بالبراميل المتفجرة، وكأن قوات التحالف الدولي لا تتحرك إلا عندما يدوس «داعش» على الطرف الكردي، وكأن العرب هم أبناء الجارية ويجوز قتلهم وإبادتهم، وكأنها حقيقة تلك الفكرة التي تثار عن وجود خطة دشنها الغزو الأميركي للعراق وتستمر الى يومنا هذا غايتها النيل من العرب المسلمين السنّة ليس إلا!

ومرة ثانية، للتحسر على ضياع الوطن وتحوله إلى ساحة صراع إقليمي وعالمي، وتالياً لإظهار كيف أفضى تغييب المعالجة السياسية والتوغل في العنف إلى استباحة البلاد واستجرار أدوار خارجية بدأت تتعاظم طرداً مع الانهاك المتزايد للقوى الداخلية الى أن صارت لها الكلمة الحاسمة، أدوار لم تقف عند روسيا وإيران و «حزب الله» والميليشيا العراقية، أو عند تركيا ودول الجوار، بل وصلت إلى جذب كل أجنبي يؤمن بدولة «الخلافة الاسلامية» ثم استجرار قوات تحالف تضم أكثر من أربعين دولة عربية وعالمية.

ويبقى الأعم أن أخبار معركة كوباني وغيرها من المعارك باتت تمر مرور الكرام في الشارع السوري الذي لم تعد تهمه مجريات الصراع الدموي الدائر أمام تعاظم معاناته المباشرة المتعلقة بالأمن والسكن وتحصيل لقمة العيش، فقطاعات واسعة منه صارت موزعة بين لاجئين ونازحين ومعوزين يشغل بالهم جميعهم كيفية تأمين شروط حياة أقل بؤساً وتردياً، ويتملكهم شعور، أينما وجدوا، بأنهم الطرف الوحيد المُهمل وبأنهم أصبحوا مجرد وقود في صراع لا أفق له ويشي بمزيد من تصاعد العنف واستباحة البلاد، وبأنهم معنيون، على رغم ما يكابدونه، بمواجهة كل ما يهدد نسيجهم الوطني المتعايش منذ مئات السنين.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

رسالة إلى “عين العرب”/ حبيب عيسى

لعل أخطر ما تتعرض له بلادنا في هذه الظروف العاصفة هو ذلك القصف الإعلامي المتواتر الذي يهدف إلى تشويه الانتماء للوطن، بحيث تغيب القضية الوطنية وتثار صراعات مفتعلة لا نعرف كيف تبدأ، ولا نعرف أين تنتهي. ويتم تمرير ذلك عبر غسيل العقول، وتزوير التاريخ، والوقائع، وحتى الأسماء، ويتم إبراز عصبويات عرقية وطائفية ومذهبية ومناطقية وكأن تلك الأعراق والديانات والطوائف والمذاهب لم تكن تمارس الخصوصية الإيجابية في إطار المواطنة الحاضنة والجامعة وعبر مؤسسات وطنية واجتماعية وسياسية في النصف الأول من القرن العشرين المنصرم، عندما بدأ تأسيس المنتديات الوطنية والتكتلات والأحزاب السياسية وفصائل مقاومة التتريك ومن ثم مقاومة الاستعمار الغربي ومشاريعه المدمرة .

لقد تأسست عشرات المنتديات والجمعيات مع بداية القرن، وكان الفرز يومها بالغ الوضوح: مَن مع الوطن والمواطنة ومَن مع قوى الهيمنة الخارجية ومخططاتها المعادية. ولو عدنا للأحزاب والحركات التي تأسست في ذلك الزمان، لوجدنا هذا التنوع في تلك الأحزاب والمنتديات والجمعيات والحركات السياسية، من الجمعية القحطانية العربية إلى الحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي والكتلة الوطنية وحزب الشعب وحزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب والأحزاب والتنظيمات الناصرية الأخرى.

وبرغم كل الأحداث المأساوية والتفاصيل الشديدة التعقيد وتشابك المخططات والمصالح، ما زالت القضية تنطوي على سؤال مَن مع المواطنة والوطن، ومَن مع العصبويات العنصرية والطائفية.

لقد حدّد الشباب في سوريا الطريق منذ البداية فرفعوا شعارَ «واحد واحد واحد الشعب السوري واحد» وأتبعوه بهتاف «الشعب السوري ما بينذل» وكانوا بذلك يقولون إن المواطنة ضرورة للسير على طريق الحرية والكرامة، وإن التفرقة و«الكنتنة» العصبوية تقود إلى طريق المذلة.

في هذا الإطار، تلقيت دعوة في مطلع الشهر التاسع من العام 2012 لحضور «مؤتمر وطني كردي»، وقد اعتذرت عن الحضور عبر رسالة مطولة بتاريخ 23/9/2012 قلت لهم فيها: أرجو أن تتقبلوا الصراحة التي أخاطبكم من خلالها، وأن تقدّروا خطورة اللحظة التاريخية الدقيقة التي لا تحتمل المجاملة والنفاق والتكاذب. نحن بحاجة ماسة للصدق في القول، ولو كان جارحًا، فالصديق مَن صَدَقَكَ لا من صَدَّقَكَ، وأنا أَصْدُقُكُم القول إني كنت آمل أن يكون عنوان مؤتمركم «المؤتمر الأول للقاء الوطني الديموقراطي» ونقطة على السطر. فلماذا تحاصرون أنفسكم، وتحدّون من ساحة نشاطكم، فتقولون: «الوطني الديمقراطي الكردي»؟ ألا تشعرون بالتناقض؟ هل هناك أكثر من وطنية للمواطنين في سوريا؟، ثم، لماذا تستثنون أخوة لكم في الوطن من أمثالي يشاركونكم الحلم بملتقى وطني ديموقراطي؟، ثم هل يمكن التقدم باتجاه وطني ديموقراطي عن طريق ملتقيات لهذه الجماعة العرقية، تقابلها ملتقيات لجماعات أخرى؟ وما هو التعبير الحقيقي للمواطنة؟

إني أيها الأعزاء لا أقول ذلك لأني أستنكر على الأخوة من المواطنين السوريين المنحدرين من أرومات كردية المطالبة بالحقوق الوطنية التي تساوي بين جميع المواطنين في الوطن من دون تمييز أو امتياز، معاذ الله، بل تعرفون اني من أوائل المطالبين بشمولية تلك المطالب، لتكون مطالب وطنية للشعب في سوريا بمجمله، لا مطالب فئة منه. لكن ألا يجب أن يكون الحامل لها من طبيعتها، وليس متناقضاً معها؟ فهل التأسيس لحالة مجتمعية ترتكز على مفاهيم الحداثة وقيم المواطنة وإرساء الوحدة الوطنية على مبدأ المواطنة وسيادة القانون يمكن تحقيقه إلا على يد مؤسسات وطنية لا تفرق بين المواطنين على أساس من العرق أو الدين أو الطائفة؟

وأضفت في تلك الرسالة: إن الشعب في سوريا، كشعب يتطلع إلى الحرية، ويدفع أثمانا باهظة على هذا الطريق، يتجه لبناء مؤسساته الوطنية التي خربّها الاستبداد المديد، ويضع الأسس لتضميد جراحه، ويؤسس لدولة المواطنة والمساواة والعدالة عبر عدالة انتقالية تعيد الحقوق لأصحابها، وتجبر الضرر، وأنتم مكوّن أصيل من هذا الشعب الذي يرفض في الوقت ذاته منطق الثأر والانتقام، ويرفض الأحكام الشمولية على أي مكون من مكوناته بشكل جماعي، فكل جماعة بشرية، بل كل أسرة قد تضم نبلاء وأخيارا وإيجابيين، وفي الوقت ذاته قد تضم مجرمين وقتلة وفاسدين، وبالتالي، فإن ألف باء المواطنة والمساواة يفترض التقييم للفرد، للإنسان، باعتباره قيمة بحد ذاتها، مسؤول عن تصرفاته سلبًا، أو إيجابًا، فلا ُيكرم أحد لما ليس فيه، ولا ُيجرّم أحد بجرم لم يقترفه بالذات، أو يشارك، أو يتدخل، أو يساهم فيه بشكل من الأشكال.

لقد رأيت العودة للتذكير بهذا الموقف وتلك الرسالة بمناسبة ما يجري في «عين العرب» وحولها هذه الأيام، حيث أدى غياب النهج الوطني إلى تهديد شديد للأهل في الجزيرة السورية، وحيث تسفك الدماء وتزهق أرواح المواطنين كما في مختلف أرجاء الوطن .

إن ما يجري في «عين العرب» ما كان يمكن أن يجري إلا نتيجة لغياب النهج الوطني وانتشار الدعوات العصبوية. إنها لحظات تاريخية في سوريا ننتظر فيها سماع أصوات تحمل جينات ابراهيم هنانو وسعيد العاص وسلطان باشا الأطرش وصالح العلي وأحمد مريود وفوزي القاوقجي وعز الدين القسام والأشمر وفارس الخوري ويوسف العظمة وفخري البارودي وآلاف الرموز الوطنية. أما أنتم أيها الأعزاء المواطنون من الأكراد في «عين العرب» وفي سوريا عموماً، فاحذروا الفِخاخ. أنتم في عيون العرب، وفي قلوبهم، فاجعلوا العرب في عيونكم وفي قلوبكم أيضاً. بهذا، بالمواطنة المتساوية تصان الحقوق، وكونوا على ثقة، ان أولئك في الداخل والخارج، الذين يحرضونكم على التقوقع العرقي والعصبوي، أو ينافقونكم على ذلك، إنما يهدفون إلى تحويلكم إلى أدوات تخريب ليس ضد الغير، وإنما ضد أنفسكم. وهذا لا نقوله اليوم لكم، فحسب، وإنما عبركم لجميع مكونات المواطنين في سوريا. يكفي ما أصاب الوطن من تمزيق في النسيج الاجتماعي، فليتداعَ الجميعُ إلى «عقد وطني» يبنى على أسس راسخة من قيم المواطنة والمساواة والعدالة لا امتياز، ولا تمييز، لا اصطفاء، ولا تهميش، ولا إقصاء. فإما مواطنة تحقق التقدم والحرية وتصون الحقوق، وإما عصبويات عصابية تمزق الوطن والمواطنين وتحول الجميع إلى عبيد لقوى الهيمنة المتوحشة خارجيًا، ولقوى الطغيان والتوحش داخليًا.

السفير

 

 

كوباني والعلاقة بين الكرد والعرب/ عمّار ديّوب

أطلق الهجوم البربري لتنظيم «داعش» على المناطق التي تضم أكثرية كردية، نقاشاً واسعاً بين الكرد والعرب. وإذا تجاهلنا النظرة القومية الضيقة من الجانبين، والتي تنطلق من رفض كامل للقومية الثانية، فإن هناك مزاجاً عاماً عربياً رافضاً للهجوم على كوباني، معتبراً إياها بلدة سورية، وتتعرض كما تعرضت كل البلدات السورية لتلك البربرية.

الكرد عامة رفضوا اعتبار كوباني مدينة ككل مدن سورية، وراحوا يؤكدون على كردية المدينة، متجاهلين وجود عرب فيها، ووجود مقاتلين عرب مع الأكراد لوقف تنظيم «داعش» ودحره!.

الحقيقة أن «داعش» لا يمثل العرب كما يقول تيار سياسي عريض من الكرد، فهو طرد من مدن سورية عدة وبلدات، كالدير والرقة وبلدات من حلب وفي إدلب وريف اللاذقية، وكذلك في الغوطة الشرقية وجنوب دمشق، ولكن الدعم الواسع له سمح له بفرض سيطرته على الرقة والدير بصفة خاصة، وفرض نفسه بقوة القتل والبطش.

وأن يقول تيار سياسي كردي عريض أن «داعش» تمثل العرب، فهذا يوضح مدى البون الشاسع بين الكرد والعرب. وفي هذا لا تختلف أحزاب المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديموقراطي. يشذّ عن ذلك تيار محدود من الشباب الكرد، ولكن بتطبيق الإدارة الذاتية بقيادة صالح مسلم، تم إقصاء الشباب نهائياً، وكذلك أحزاب المجلس الوطني الكردي كونه تابعاً لمسعود بارزاني بينما الاتحاد تابع لحزب العمال الكردستاني في تركيا.

الخلاف الكردي العربي في سورية، عميق وقديم، ويتحدد في جملة انتهاكات دأب النظام على ممارستها ضد الأكراد، ودفع بهم ليكونوا خزانَ شبابٍ لمعارك حزب العمال ضد الحكومة التركية منذ منتصف الثمانينات، مانعاً بذلك تشكيل تيار سياسي فاعل على الساحة السورية.

القوى السياسية الكردية تنسق بشكل كبير مع الاستخبارات السورية، ولم يكن هذا يتعارض مع رفعها شعارات عامة كالديموقراطية والحصول على الجنسية، وهي قضايا لم ترفضها كافة القوى السياسية العربية المعارضة، بل الجميع كان يقول بها! الخلاف تعمق وراح يتضخم مع تشكيل حكم في شمال العراق، أو كردستان العراق، والذي تم بمساعدة أميركية مباشرة في عام 1990 وفي عام 2003، وتحققت بذلك للكرد منطقة أقرب للدولة المستقلة.

الكرد السوريون بتحقق ذلك، ولا سيما بعد 2003، بدأوا يشعرون بإمكانية تحقق ما يشبه وضع الكرد في العراق، متجاهلين الفارق البشري بين المنطقتين، والجغرافي كذلك، وغاضين العين عن فشل إنجازات حزب العمال الكردستاني في إحراز أية اتفاقيات لمصلحة الكرد في تركيا على رغم الحرب الطويلة، وهامشية القضية الكردية في إيران.

الكرد السوريون وبدلاً من التعاطي الواقعي مع إمكانياتهم الفعلية في سورية، راحوا يتبنون خطاباً قومياً ضيقاً، ولكن بمطالب كبيرة. وقد توضح ذلك مع الثورة السورية. وإذ نميز بين موقف الشباب الكرد وعامة الشعب، والذين أرادوا البقاء في إطار أهداف الثورة السورية، فإن بقية القوى السياسة الكردية ميزت نفسها في إطار أهداف ساوت فيها بين العرب والكرد في سورية. أي لم تطرح قضايا الأكراد ضمن قضايا الثورة بل بشكل منفصل عنها، وانطلقت بذلك من أن الكرد القومية الثانية ولا بد من إلغاء اسم العربية من اسم الجمهورية وإقرار ذلك في الدستور المقبل، وموضوع الفيديرالية، بل إعطاء ضمانات قبل انتصار الثورة بذلك.

هذا الطرح لا ينتبه إلى أن العرب ليسوا القومية الأولى بل هم القومية الرئيسة، وهم تسعون في المئة من السوريين، وأن كل ميل للقومية سيدفع بالعرب السوريين نحو الطرح القومي وليس العكس. الإشكال الأعمق ليس في الاختلاف فقط، بل في محاولة إدارة الظهر لكل معاناة السوريين أثناء الثورة، وترك العرب السوريين فريسة للنظام تماماً، حيث شكل انسحاب النظام من المناطق التي يشكل فيها الكرد أكثرية، وتسليمها لحزب الاتحاد الديموقراطي كارثة على المناطق التي توجهت إليها تلك القوات.

هنا لم ينتبه هذا الرأي إلى أن الكرد إن كانوا غاضبين من تجاهل العرب للانتفاضة الكردية 2004، فإنهم بموقفهم هذا واستمرار شلال الدماء لثلاثة أعوام متتالية يعززون الميل ضدهم بالكامل.

ما حدث فعلياً أن معظم الناشطين العرب لم يتأثروا كثيراً بهذه القضية ولم يدخلوا في جدال فاسد كهذا، وهذا يشبه موقف الشباب الكرد الرافض لموقف القوى الكردية والمُصر على تحقيق أهداف الثورة في دولة للجميع.

في قضية كوباني، ظهر الميل العربي في سورية رافضاً لداعش وداعماً للمدينة كي لا تسقط، بل شاركت فصائل عربية من الرقة وغيرها مع الكرد ضد ذلك التنظيم. لكن ميل القوى الكردية بقي رافضاً للبحث عن أية مشتركات بين الكرد والعرب سواء في ما يخص كوباني، أو ما يخص العلاقة بين القوميتين بالعموم. معركة كوباني يفترض أنها أوضحت أن إمكانية تشكيل حكم ذاتي مستقل في سورية أمر غير ممكن، عدا أن التداخل العربي الكردي الأشوري والأرمني والتركماني يمنع ذلك، إضافة إلى تواجد تجمع كردي كبير في حلب ودمشق ومدن أخرى. وفكرة الحكم هذه مرفوضة من تركيا بشكل كامل.

ما فعله صالح مسلم بالكرد بإبعادهم عن الثورة، وكذلك ما فعلته القوى السياسية الكردية باشتراطاتها، أيضاً لا يفيد بشيء. فقد ترك العالم بلدة عين العرب ووقفت معها بشكل خاص القوى العربية، وبالتالي الممكن الوحيد كشكل للعلاقة بين الكرد والعرب، هو الانضواء ضمن أهداف الثورة وتحقيق دولة تقوم على أساس المواطنة، والمساواة الكاملة في الحقوق بعيداً عن الأصل القومي أو الديني أو الجنسي، وبما يضمن إعطاء حقوق ثقافية وتعليمية مميزة للقوميات. ويمكن أن يكون ممثلو الإدارات المحلية في المناطق التي فيها أكثرية قومية من نفس القومية، ويمكن إسقاط مفردة عربية من اسم الجمهورية كذلك. أكثر من ذلك لا أعتقد أنه سيتحقق في الأمد القريب.

* كاتب سوري.

الحياة

 

 

 

 

أبعاد الانفتاح الأميركي على كرد سوريا/ خورشيد دلي

دلالات الانفتاح

في التداعيات والعلاقة مع تركيا

أولوية أمنية أم قضية شعب؟

شكلت الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق وسوريا، مدخلا لانفتاح الولايات المتحدة على حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يعد الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني المصنف في لائحة الإرهاب.

فقد أظهرت معارك سنجار ضد تنظيم داعش بعد سيطرته على الموصل، ومن ثم معركة كوباني عين العرب شمالي سوريا الخبرة الكبيرة لمقاتلي وحدات حماية الشعب (الجناح العسكري للحزب) في الميدان، وبالتالي أهمية دور هذه الوحدات في الحرب ضد داعش كحليف عملي ومجرب يمكن الوثوق به.

ويمكن فهم أو تفسير سبب الانفتاح الأميركي التدريجي على حزب الاتحاد الديمقراطي واللقاء الذي أجراه المسؤول الأميركي المكلف بالملف السوري السفير دانيال روبنشتاين مع مسؤولين من الحزب في باريس، ومن قبل اللقاء الذي جرى بين جنرال أميركي وقياديين من الحزب المذكور في سنجار بالعراق، قبل أن تقوم الطائرات الأميركية أخيرا بنقل أسلحة وذخائر من إقليم كردستان إلى المقاتلين الكرد في كوباني في معركة متبادلة الأدوار والفوائد، على الرغم من أن مثل هذه العلاقة ستشكل تحديا للتعاون الأميركي التركي في الحرب ضد داعش، بل ولمستقبل العلاقة المتينة بين البلدين لأسباب لها علاقة بالقضية الكردية والموقف منها.

دلالات الانفتاح

دون شك، الكرد الذين يعيشون في محيط إقليمي يفتقر إلى الثقة والإيجابية، يطمحون إلى نوع من الحماية الدولية في ظل مخاوفهم الدفينة بسبب ما تعرضوا له تاريخيا من حروب على الوجود وإقصاء للهوية، كما يتطلعون إلى الحصول على أسلحة متطورة في إطار الصراعات والحروب الجارية في المنطقة، فضلا عن طموح قديم في الحصول على اعتراف دولي بحقوقهم القومية وصولا إلى تحقيق حلمهم في دولة مستقلة.

في المقابل تدرك واشنطن أهمية تحول الكرد إلى لاعب إقليمي في المنطقة على وقع التطورات العاصفة، وبالتالي أهمية استثمار دور هذا اللاعب في الحرب ضد داعش خاصة لجهة وجود قوى مجربة على الأرض قادرة على المواجهة والقتال.

ولعل ما زاد من أهمية الدور الكردي هنا، هو الجغرافية الكردية المجاورة للدولة الإسلامية، إذ تبدو ملاصقة لها شرقا وشمالا، بما تشكل ضمانة لمنع توسع نفوذها في منطقة جغرافية حساسة متخمة بالنفط والغاز، ولها مكانة خاصة في الإستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة.

وعليه، فان توقيت الانفتاح الأميركي على كرد سوريا يحمل معه طابع الحاجة الأمنية لدورهم أكثر من الانطلاق من موقف مبدئي أخلاقي داعم لحقوق الشعب الكردي وتطلعاته، خاصة وأن الطرف الكردي المقصود بهذا الانفتاح (حزب الاتحاد الديمقراطي بزعامة صالح مسلم) كان حتى وقت قريب موضع شبهة أميركية لجهة علاقته بالنظام السوري وحزب العمال الكردستاني، وبالتالي يمكن القول إن الانفتاح الأميركي يحمل طابع الاختبار لمسار التعاون في الميدان، وهذا في الأساس يشكل الملعب الحقيقي لوحدات حماية الشعب الكردي التي أثبتت جدارتها في معركة كوباني ومن قبل في معارك رأس العين (سريه كانيه) وجزعة وتل حميس ومعبر ربيعة (تل كوجر) على الحدود السورية العراقية.

لكن الثابت أن التطلع الكردي في شأن العلاقة مع الإدارة الأميركية يتجاوز التنسيق والتعاون العسكريين ضد داعش إلى دعم قضيتهم سياسيا، فمشروع الإدارة الذاتية التي أعلنها حزب الاتحاد الديمقراطي قبل أكثر من سنة يحتاج إلى الدعم والاعتراف.

كما أن الحزب ينشد من الانفتاح عليه الاعتراف به ممثلا للحركة الكردية في سوريا في ظل الانقسام والخلافات بينه وبين أحزاب المجلس الوطني الكردستاني التي انضمت إلى الائتلاف الوطني السوري، حيث يتخذ المجلس من أربيل مرجعية له، فيما التنافس بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني وحزب العمال الكردستاني بزعامة عبد الله أوجلان يخيم بظلاله على الساحة الكردية السورية ويمنع حتى الآن تشكيل مرجعية حقيقية لكرد سوريا على الرغم من توقيع الجانبين على أكثر من اتفاق بهذا الخصوص.

لكن بغض النظر عن هذه الإشكاليات فإن الانفتاح الأميركي على حزب الاتحاد الديمقراطي ودعمه بالسلاح يحمل معه عهدا جديدا لهذا الحزب ويفتح الباب على مصراعيه أمام التعاون الغربي معه، وهو ما سيترك تداعيات محلية وإقليمية، خاصة وأن الحزب له امتدادات قوية خارج سوريا.

في التداعيات والعلاقة مع تركيا

إذا كان الهدف الأميركي من وراء الانفتاح والعلاقة مع حزب الاتحاد الديمقراطي هو محاربة داعش، فهذا يعني الدخول في مسار طويل يكتنفه الكثير من الاختبارات والانعطافات، وما يترتب على كل ذلك من متطلبات سياسية وفقا لخصوصية كل مرحلة.

فواشنطن تتطلع إلى تشكيل جبهة واسعة من القوى التي تصفها بالمعتدلة لمحاربة داعش، ومثل هذا الأمر يطرح تحديات كبيرة على الجميع، خاصة وأن العلاقة بين حزب الاتحاد الديمقراطي وقوى المعارضة السورية والمجموعات المسلحة بما في ذلك الجيش الحر ليست على ما يرام على الرغم من التعاون الذي ظهر مع فصائل من الجيش الحر في كوباني بعد تشكيل مجموعة بركان الفرات.

 

وعليه، يمكن القول إن ثمة تداعيات كثيرة تنتظر الانفتاح الأميركي الكردي على شكل إعادة تشكيل لمرجعيات سياسية وتحالفات ومواقف من القضايا المطروحة، لعل أهمها:

على الصعيد الكردي السوري: الاعتراف بتجربة حزب الاتحاد الديمقراطي كتجربة ناجعة قادرة على تحقيق المكاسب، وهذا يعني أن على أحزاب المجلس الوطني -التي ظلت تناكف هذا الحزب وترفض التعاون معه- التفكير بطريقة إيجابية مع تجربته، في مقابل أن يثبت حزب الاتحاد أنه ليس بيدقا بيد أحد.

 

2- فتح باب التعاون واسعا مع القوى والمجموعات التي تصفها واشنطن بالمعتدلة، وصولا إلى تشكيل تحالفات وجبهات مشتركة بين الأكراد وهذه القوى والمجموعات في إطار الحرب ضد داعش وربما استعدادا لمرحلة ما بعد داعش، أي كيفية إيجاد حل نهائي للأزمة السورية، سواء بتسوية سياسية أم بحرب لإسقاط النظام.

3- أن الدعم الأميركي لمعركة كوباني انطلاقا من أربيل أظهر مدى الترابط الكردي. رغم الانقسام والحدود الجغرافية، فثمة شعور قوي في كل من أربيل وديار بكر بأن سقوط كوباني يعني سقوط الجانبين وشرعيتهما السياسية، وعليه رغم الخلاف مع حزب الاتحاد الديمقراطي سارعت أربيل إلى إرسال أسلحة له، فيما ضغطت ديار بكر بكل الاتجاهات وألهبت المدن الكردية والتركية غضبا وضغطا على أردوغان الذي يخوض حرب أولويات مع واشنطن.

في الواقع، ينبغي النظر إلى أن الانفتاح الأميركي على كرد سوريا ودعمهم بالسلاح لم يكن ليحصل لولا وصول الحوار الأميركي التركي بشأن محاربة داعش إلى طريق مسدود، وفشل الولايات المتحدة في إقناع تركيا بالانخراط في تحالفها وفقا للإستراتيجية الأميركية.

وليس غريبا أن توقيت إيصال إمداد الكرد بالسلاح جاء بعد ساعات من إعلان أردوغان رفضه تسليح الكرد في كوباني ووصفه حزب الاتحاد الديمقراطي بالإرهابي.

ولأجل ذلك فإن قضية تسليح كرد سوريا ستترك تداعيات كبيرة على العلاقات التركية الأميركية حيث تحس أنقرة بأن الهدف من وراء ذلك هو قطع الطريق أمام شرط إقامة منطقة عازلة.

وعليه فإن ثمة تحديات ستتفاقم في الأيام المقبلة على جبهة العلاقات بين البلدين، بالنسبة لواشنطن في كيفية التوفيق بين دعمها الكرد والحفاظ على العلاقة المتينة مع تركيا، فيما بالنسبة للأخيرة في كيفية المواءمة بين مصالحها والمشاركة في التحالف الدولي ضد داعش للحفاظ على علاقاتها مع واشنطن من جهة والحد من التداعيات الخطرة على أمنها من جهة ثانية.

وفي جميع الأحوال تجد تركيا نفسها وكأنها بين حدي سكين، إما دعم الصعود الكردي من بوابة محاربة إرهاب داعش أو مواجهة غضبهم الذي يتعاظم في كل مكان، وفي الحالتين تجد نفسها أمام قضية تزحف إلى داخل البيت التركي.

أولوية أمنية أم قضية شعب؟

في التاريخ، ثمة إشكاليات كبيرة في علاقة الغرب بالكرد الذين كانوا في الكثير من المحطات التاريخية ضحية لهذه العلاقة على مذبح المصالح والاعتبارات.

ولعل من أبرز هذه المحطات فشل الثورة الكردية في العراق عام 1974 عقب تخلي شاه إيران وأميركا عن دعم الكرد في مواجهة الجيش العراقي الذي سرعان ما زحف إلى مدنهم وجبالهم، وقتها لم تنفع كل نداءات ومناشدات البارزاني الأب للإدارة الأميركية بالتدخل لإنقاذهم، بل جاء جواب وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كيسنجر صادما وبمثابة خيانة للكرد، عندما رد برسالة مقتضبة على مناشدات البارزاني بالقول “إنهم كانوا يقومون بواجبهم، وعلى الأكراد أن يميزوا بين النشاط الاستخباري والعمل التبشيري”.

ورغم أن المحطات اللاحقة وتحديدا بعد عام 1991 شهدت تحسنا في العلاقة الأميركية مع كرد العراق فإن ما قاله كينسجر يبقى حاضرا في جوهر السياسة الأميركية تجاه الكرد وقضيتهم، ويعود سبب ذلك إلى طريقة التعاطي الأميركي مع هذه القضية.

ففي الوقت الذي كانت تبدي كل التعاطف مع كرد العراق وتقدم الدعم لهم تجاهلت نهائيا أكراد تركيا وإيران وسوريا، بل وضعت حزب العمال الكردستاني على لائحة المنظمات الإرهابية وساعدت مع الموساد على اعتقال زعيمه عبد الله أوجلان في كينيا قبل تسليمه إلى السلطات التركية عام 1999.

ويعني ذلك كله أن النظرة الأميركية للكرد لا تنطلق من قضية شعب حرم من حقوقه التاريخية أسوة بالعرب والترك والفرس بسبب الاتفاقيات الدولية التي عقدت عقب الحرب العالمية الأولى (سايكس بيكو – لوزان) وإنما من أن الكرد يشكلون عنصرا بشريا أمنيا يمكن اللجوء إليه كلما استدعت الحاجة في منطقة حيوية تتجاذبها الصراعات القومية والدينية والنفطية، بمعنى اعتبار الكرد أولوية أمنية يمكن استخدامها في الظرف المناسب ضد هذا الطرف أو ذاك وليس النظر إليهم كقضية شعب وأرض.

وكانت القاعدة الذهبية في هذه المعادلة حتى وقت قريب هي وضع دول المنطقة أمام واقع القضية الكردية بتشابكاتها المعقدة، وعندما تحقق واشنطن مصالحها، فإن الكرد غالبا ما يكونوا ضحية هذه السياسة نفسها. ما سبق لا يقلل من أهمية العلاقة الأميركية بإقليم كردستان والتي وصلت إلى مرحلة من التحالف، لكنه لا ينبغي أيضا التقليل من الدور السلبي للقراءة الأميركية المجتزأة للقضية الكردية، عندما تظهر هذه القراءة الوجه الإنساني للقضية هنا، وتصر على وصفها بالإرهابي هناك، وتتجاهلها بشكل كامل في مكان ثالث.

وفي التوقيت فإن انقلاب الصورة تجاه حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي يحمل الكثير من الدلالة الأمنية المستمدة من الحاجة الأميركية وليس من القراءة السياسية الداعمة لقضية الكرد كقضية شعب وحقوق.

القراءة الأميركية المجتزأة لا تتحمل الولايات المتحدة وحدها السبب فيها، وإنما الكرد أيضا، فهم إما نظروا إليها (أميركا) بصفتها الإمبريالية والاستعمار ويجب تاليا محاربتها حتى لو من ديار بكر كما كان حال حزب العمال الكردستاني، أو النظر إليها والتعامل معها بصفتها قوة ضاربة في كل زمان ومكان ومن دون حساب كما كان حال أربيل، وفي الحالتين كثيرا ما كان الكرد ضحية.

ففي الحالة الأولى تحولوا إلى إرهابيين يمكن قصفهم من الجو في معاقلهم الجبلية، وفي الحالة الثانية تحولوا بنظر الكثير من العروبيين والإسلاميين إلى عملاء للإمبريالية والصهيونية يعملون لتقسيم العراق والمنطقة.

إنها المعضلة الكردية الصعبة على الرغم من أن الحرب ضد داعش أظهرت الكثير من الأهمية الإستراتيجية للكرد وما يترتب على هذه الأهمية من رؤية جديدة للتعاطي مع قضيتهم.

الجزيرة نت

 

 

 

العسكر التركي في الواجهة من جديد/ رستم محمود

تبدو سياسات السلطة المدنية التركية وكأنها تجمع بين مناهضة مجمل السياسات الدولية في منطقتنا، على تناقضاتها. فتحالفها المكين مع قوى الإسلام السياسي بمختلف تنوعاتها، يضعها في مكانة مضادة للتوجهات الأميركية والأوروبية في المنطقة، حيث تبتغي هذه الأخيرة مزيداً من كبح وتنظيم «فوضى الإسلاميين» هؤلاء. كما أن معارضتها للنفوذ الإيراني وشبكة حلفائه الإقليميين، يضع هذه السلطات المدنية التركية في مواجهة السياسات الروسية أيضاً.

بذلك يغدو هذا التموضع التركي الراهن متبايناً تماماً مع ما شغلته تركيا طوال القرن العشرين، حين كانت تركيا وقتها حليفة القوى الغربية، وصمام أمانها لمنع تدفق النزعات الشيوعية نحو مناطق البحار الدافئة في الشرق الأوسط. ولم تكن – في الوقت ذاته – على عداء يذكر مع الاتحاد السوفياتي، لأنها كانت عامل تبريد للنزعات الإسلامية في الجمهوريات السوفياتية الجنوبية (الجمهوريات الإسلامية ذات العرق التركي).

الملاحظ بوضوح، أن السبب الرئيس لـ «انقلاب» الموقع السياسي التركي هذا، ناتج من انحسار دور المؤسسة العسكرية في رسم السياسات الاستراتيجية التركية وتحالفاتها العميقة. هذا الانحسار الذي نتج بالأساس من خسارة تركيا وزنها الاستراتيجي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتراجع مستوى الدعم الغربي للمؤسسة العسكرية التركية ودورها، الشيء الذي أدى بالتقادم، ومنذ ربع قرن، الى صعود «الإسلام السياسي» التركي وهيمنته على القرار الإستراتيجي في البلاد.

من غير المتوقع إن يكون الدعم الغربي للمؤسسة العسكرية التركية تقليدياً، كالتحريض على الانقلاب على السلطة المدنية الحاكمة مثلاً، كما حصل في مرات شهيرة في تاريخ تركيا الحديث. لكن المتوقع أن حزمة من أشكال الضغط ستمارسها هذه القوى الغربية على السلطة المدنية في القريب العاجل، ستصب كلها في مصلحة صعود دور المؤسسة العسكرية التركية. ذاك أن هذه المؤسسة وحدها تستطيع أن تغيّر «الموقف الاستراتيجي» للحكومة المدنية وتحالفها مع التيارات الإسلامية في الإقليم العربي شرق المتوسط. وهو التحالف الذي وصل إلى درجة تجعل الحكومة المدنية التركية تتمهل في لعب دور مؤثر في مناهضة تنظيم «داعش» وبقية التيارات العنفية الراديكالية، وهو ما يتعارض تماماً مع السياسات الغربية الراهنة في الإقليم.

يضاف إلى ذلك عاملان داخليان ضاغطان، فالحكومة المدنية هذه، تواجه لأول مرة كماً كبيراً من الاحتقان الشعبي الكردي، جراء سياسة حزب «العدالة والتنمية» من المعركة المستعرة في بلدة كوباني الكردية السورية، حيث سقط عشرات المنتفضين الأكراد لأول مرة منذ التسعينات، هذه التظاهرات التي كان يمكن لها أن تستمر لولا نداء زعيم حزب العمال الكردستاني ودعوته إلى التهدئة. وهي لو اندلعت من جديد، لأمكن أن تحرّض القاعدة الاجتماعية والسياسية العلوية على التحرك أيضاً، للتعبير عن الاستياء من سياسة حزب «العدالة والتنمية» في عموم المسألة السورية.

مجموع هذه التحركات على أساس الانقسام الاجتماعي الحاد، كان دوماً فاعلاً أساسياً تقليدياً لكي تحسم المؤسسة العسكرية حضورها، تحت يافطة «إنقاذ البلاد من التقسيم والحرب الأهلية».

هل مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي والدستوري الذي وصلت اليه تركيا يشكل حاجزاً أمام أية أحلام للمؤسسة العسكرية بالعودة الى الحياة السياسية العامة، بحيث تغدو تركيا في عصر ما بعد الحياة العسكرية تماماً؟. ليس ذلك دقيقاً تماماً، فانقلابا الستينات والثمانينات جاءا عقب نهضتين اقتصاديتين وسياسيتين واسعتين، قادهما كل من عدنان مندريس وسليمان ديميريل على التوالي، ولم تكونا عوامل رادعة للمؤسسة العسكرية عن اتخاذ تدابيرها الخاصة. كما أن انقلاب أواسط التسعينات على نجم الدين أربكان، لم يكن انقلاباً تقليدياً واضح المعالم. لذا فإن الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد، يمكن أن تكون دافعاً للمؤسسة العسكرية كي تتخذ خطوات استثنائية خارج السياق العام للتطور السياسي والاقتصادي العام، وألاّ تكون تلك الخطوات مجرد انقلاب كلاسيكي محض وواضح الملامح بالضرورة.

الحياة

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...