الرئيسية / كتاب الانتفاضة / أكرم البني / مقالات لكتاب سوريين تناولت مبادرة رئيس الائتلاف السوري حول استعداد المعارضة للحوار مع النظام

مقالات لكتاب سوريين تناولت مبادرة رئيس الائتلاف السوري حول استعداد المعارضة للحوار مع النظام

عن السياسة كاستمرار للحرب!

أكرم البني *

يبدو كأن العالم قد قال كلمته في شأن الاستعصاء السوري: لا حل عسكرياً، وأن التفاوض السياسي هو الطريق الوحيدة، والمقصود بالعالم مختلف الدول المعنية بالصراع المحتدم في البلاد، إن كانت حليفة للنظام وتمده بأسباب القوة والصمود، أو مؤيدة للثورة وقدمت الدعم السياسي والمادي لها، بينما تعني الطريق الوحيدة بأن لا مكان للحسم بقوة السلاح، وعلى كل عاقل ان ينفض من رأسه وهم التدخل العسكري الخارجي أو مد المعارضة بسلاح متطور يمكنه تحقيق تحول نوعي في مسار المعارك الدائرة.

من مقدمات ودوافع مختلفة وصل الجميع الى هذه النتيجة، غاب تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية وبتَّ تسمع عبارات تبدو متشابهة عن لا جدوى العنف وعن أهمية الحوار وضرورة الاعتراف بالمعارضة ومشاركتها، ولا يغير من قوة النتيجة تفسيرها من قبل البعض على خلفية حصول تفاهم روسي وأميركي مسبق، فرض على مختلف الاطراف موقفاً جديداً وخطاباً جديداً.

الراجح أنه لم يعد من مصلحة روسيا وإيران، الاستمرار في رحلة استنزاف طال أمدها وكأنهما وصلتا وبدرجات متفاوتة، إلى قناعة بأن لا أفق للنظام القائم كي يحكم بعد ما خلفه من تدمير وخراب، وأن ترك الحبل على غاربه سيفضي إلى حرب أهلية واسعة قد تحرق الأخضر واليابس، كما أن خيار الحفاظ على بعض النفوذ في جزء من البلاد عبر مشروع الدويلات أو الكانتونات هو خيار مكلف وغير قابل للحياة سياسياً وعملياً، والأهم أن موسكو تدرك أن رغبة واشنطن جدية في منحها مفاتيح الحل، وتتشاركان الحرص ذاته على الأمن الاستراتيجي الاسرائيلي والخشية ذاتها من تقدم التيارات الجهادية في الثورة ومن نتائج انتصارها، بينما تبدو إيران وربطاً بعجز السلطة عن الحسم مكرهة على التعاطي بأفق سياسي مرن تجاه الصراع السوري، مرة لتعزيز أوراقها في تفاوض مرتقب مع الغرب ترغب أن يكون سلة متكاملة تشمل ملفها النووي ونفوذها في الخليج والمشرق العربيين، ومرة لتهدئة مزاج شعبي بدأ يتصاعد على مشارف الانتخابات القادمة ضد صرف جهود وأموال على نفوذ اقليمي لم يثمر داخلياً، ويتعرض في غير مكان للتراجع والانحسار.

الضغط المرن وعدم التورط يقودان قاطرة السياسة الأميركية والغربية والتي ربما حققت المراد، فالإنهاك او الخراب الذي وصلت اليه البلاد يفي بالغرض لطمأنة اسرائيل واستنزاف الخصوم وتقليم أظافر النظام الاقليمية، وبعيداً عن التصريحات عن أيام معدودة للنظام وتكرار المطالبة برحيله، لم توفر هذه السياسة جهداً في البحث عن تسوية سياسية، ربما لمحاصرة تمدد التيارات الجهادية، وتجنباً ربما للفوضى والحرب الأهلية ولأضرار تفكك المجتمع والدولة إلى مكونات بدائية على استقرار المنطقة، ويكتمل المشهد بغارة إسرائيلية قطفت مزيداً من الثمار بإزاحة بعض أدوات الأذى والخطر التي يملكها النظام، ومنع وصول سلاح متطور الى لبنان يمكنه أن يغيّر قواعد اللعبة الإقليمية القديمة.

حكومات الجوار هي الأكثر حماسة لحل سياسي تحدوهم مصلحة عاجلة بوقف تدفق اللاجئين السوريين وتخفيف تداعيات الصراع على مجتمعاتهم والتي بدأت تتخذ صوراً وأشكالاً تشي بمخاطر متنوعة. مسؤولون أردنيون أشاروا بصورة مباشرة إلى إن استمرار الصراع الأهلي أو حصول تغيير يجلب الاسلاميين إلى سدة السلطة هو خطر على مستقبل المملكة، وتئن السلطة العراقية من وطأة الحدث السوري عبر حراك شعبي معارض ما فتئ يتسع في مناطق تواجد الكتلة السنّية وينذر بما هو أسوأ، في حين تأسر تركيا المخاوف من فكرة تحويل البؤرة السورية المضطربة إلى قاعدة انطلاق لحزب العمال الكردستاني، يخاصة إن فشلت مساعيها في استمالة قيادته لعقد اتفاق سياسي يضع حداً للعمليات العسكرية، وفي تأليب بعض الجماعات السورية المسلحة لضرب أنصاره أو محاصرتهم، بينما لم تخفف سياسة «النأي بالنفس» متاعب لبنان، بل أن الحدث السوري يحفر في خبايا تركيبته ومكوناته عميقاً وينذر بتنامي تفاعلات وتوترات طائفية قد تعيد البلد إلى مناخات غير محمودة، ويندرج هنا همود بقية الحكومات العربية في دعم المعارضة وتأرجح مواقفها بين التأييد المعلن لحل سياسي وبين الانكباب على الاغاثة، ما يفسر سخاء المساعدات التي أقرها مؤتمر الكويت للمانحين وحرصه على إظهار وجهه الانساني أكثر من السياسي وبأن هدفه دعم شعب منكوب وليس تقوية طرف ضد الآخر.

هل التقط بعض قادة الائتلاف الوطني المعارض هذه المستجدات وحاولوا التلاقي معها من خلال إعلان رئيسه المفاجئ عن استعداده للتفاوض مع النظام، أم هي مجرد قفزة احتجاجية في الهواء ضد أصدقاء سورية لخذلانهم الثورة ونكثهم بالوعود؟! وهل أدرك النظام نفاذ المهل، وأنه بات يقف وجهاً لوجه أمام مصالح لا تتعلق به بقدر ما تتعلق بحلفائه ومكره على تخديمها في ظل ازدياد ضعفه العسكري والاقتصادي وشدة حاجته لهم، أم أن للرؤوس الحامية كلاماً آخر تفسره الهجمات المتصاعدة في الآونة الأخيرة ضد مناطق محددة في ريف دمشق وحلب عساها تستعيد زمام المبادرة وتفرض خيارها على الجميع؟!

الزمن القادم أشبه بمخاض يرجح أن يكشف مرحلة جديدة من الصراع الدامي ومن مبادرات وتفاعلات سياسية كاستمرار للحرب وما تقرره المعارك على الأرض، ويحتمل أن يدشن طريقاً شاقة نحو الخلاص من الاستبداد، إما برعاية أممية حازمة تتوسل تدخلاً حاسماً لأهم أطراف المجتمع الدولي يرغم طرفين متصارعين، يعتقد كل منهما بإمكانية الحسم، على السير في سكة المعالجة السياسة، وإما بوصول الطرفين إلى حالة من الضعف والإنهاك ترغمهما على قبول ما يعرض عليهما، أو إلى قناعة بأن استمرار حربهما صار أمراً عبثياً، وإما بأن تغازل وقائع جديدة أحلامنا وآمالنا عن معارضة سورية قادرة على تطهير صفوفها وتفعيل نشاطها السياسي والمدني عبر رؤية للتغيير يمكنها أن تطمئن العالم على مستقبل الثورة وتجذب فئات مهمة من المجتمع لا تزال متخوفة ومترددة.

* كاتب سوري

الحياة

عن مبادرة معاذ الخطيب ونقادها

بكر صدقي

أطلقت مبادرة رئيس الائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة، معاذ الخطيب، ديناميات جديدة في المسار السياسي للثورة السورية، لم تتوقف إلى هذه اللحظة. فقد قوبلت بالرفض الصاخب من قبل زملاء له في الائتلاف ومن معارضين من خارجه. وأصدر المجلس الوطني السوري الذي يتمثل بكتلة وازنة فيه، بياناً يرفض أي حوار مع النظام. وفي حين رحبت كل من روسيا وإيران بالمبادرة، أبدت تركيا ما يقترب من الاستياء العلني منها على لسان وزير الخارجية. ويمكن تلمس موقف مشابه من بعض وسائل الإعلام السعودية. قطر لزمت الصمت، الولايات المتحدة رحبت.

تكشف ردود الفعل المتباينة، تباين مصالح الأطراف المنخرطة في شأن الثورة السورية، وهي مناسبة لنقد إضافي للمعارضة السورية التي انكشفت أمام استحقاقات الثورة انكشافاً يثير الرثاء.

جاء في مبادرة الخطيب التي طرحها على صفحته على «فايسبوك»، أنه مستعد للجلوس إلى طاولة الحوار مع ممثلين عن النظام لم تتلطخ أيديهم بالدم السوري، في مكان محايد، شرط أن يطلق النظام 160 ألف معتقل، وأن يجدد جوازات السفر لمئات آلاف السوريين في منافيهم وبلدان لجوئهم. توقيت المبادرة يتعلق بـ «الحوار الوطني» المزعوم الذي دعا إليه رأس النظام في خطابه الأخير.

اتهم معارضون الخطيب بخرق أحد ثوابت الائتلاف، وهو الذي ينص على رفض أي حوار مع النظام. الواقع أن أطرافاً وازنة في المجلس الوطني كانت رفضت بصخب مبادرة رياض سيف التي انبثق منها الائتلاف بعد مخاض عسير، أصرَّت على وضع هذا اللغم في الوثيقة السياسية له، بعدما استولى المجلس على كتلة معطِّلة في قيادة الائتلاف، تذكّرنا من بعيد بـ «الثلث اللبناني المعطل» الشهير.

هل يجوز لأي كيان سياسي بالمطلق، أن يقوم على رفض الحوار والمفاوضات مع الخصوم أو الأعداء؟ ما مبرر قيام إطار سياسي يدعي تمثيل ثورة شعب، ما لم يشكل ذراعها السياسية المفاوض لتحقيق أهدافها؟ هل تقتصر وظيفة الإطار السياسي على ترديد شعار إسقاط النظام، والاستمرار في عطالة سلبية، في الوقت الذي تواجه الثورة أخطاراً جسيمة، ويتعرض الشعب السوري لمقتلة متواصلة تحصد مئتين من الأرواح البشرية كل يوم؟ ما الفائدة المرجوة من معارضة فشلت في قيادة الثورة وحمايتها من الأخطار، واكتفت بانتظار ما ستسفر عنه لعبة الأمم على الساحة السورية… ما الفائدة، ما لم تقدم على مبادرات سياسية شجاعة تقطع الطريق على الإجهاز على مقومات الدولة والنسيج الاجتماعي؟

اختار المجلس الوطني السوري منذ قيامه، في خريف 2011، أن يمتنع عن قيادة الثورة ليكتفي بدور الصدى السلبي لشعاراتها ومطالبها، بانتظار تدخل العامل الدولي الذي افترضه بداهةً لمصلحة الثورة. تطورت الأمور في اتجاه آخر. نحن اليوم أمام تدخلات كثيفة جداً كادت أن تلغي أي دور فاعل للداخل الوطني. فالعسكرة الاضطرارية للثورة جلبت معها أجندات كل الدول المنخرطة في الشأن السوري. واليوم لا تمون المعارضة السورية المتمركزة في الخارج على أي كتيبة من كتائب «الجيش الحر»، ولا تدير شيئاً من جهود إغاثة ملايين المتضررين على امتداد الجغرافيا الوطنية. القوى الإقليمية والدولية هي التي باتت تمسك بمفاتيح الإغاثة والمال والسلاح، تالياً السياسة.

في الجهة المقابلة، فقد نظام بشار الأسد زمام المبادرة تماماً بعدما رفض أي مقاربة سياسية لأزمته الوجودية، وبات رسنه في يد الروس والإيرانيين الذين يدعمونه بالمال والسلاح والرجال، ويحميه الروس سياسياً في المحافل الدولية. ينطبق الحـــكم ذاته على «معارضته الداخلية الشريفة» التي تبدو كأن همها الأول هو إنقاذ نظام لا يمكن إنقاذه.

بخلاف المظاهر، تمسك الولايات المتحدة بما يكفي من خيوط الصراع على سورية، لتكون اللاعب الأهم على ساحتها من غير أن تبذل أي جهد. خصمها الإيراني ينهك في المستنقع السوري، والروسي في مأزق سياسي وأخلاقي لن يخرج منه إلا خاسراً. فإذا كان سقوط النظام مسألة وقت حقاً، فهذا الوقت ليس أبداً لمصلحة الكيان السوري الذي تلقى أضراراً جسيمة بشرية وعمرانية واجتماعية وثقافية من شأنها، إذا استمر الوضع على ما هو عليه اليوم، أن تقضي على كل مقومات وجوده.

هذه هي الأرضية التي أطلق منها معاذ الخطيب مبادرته التي تعرضت لهجوم مكثف من معارضين، لا يبدو أن مصير سورية والسوريين يعنيهم في شيء، بمقدار ما تعنيهم مكاسب صغيرة يتعيشون منها ما دامت الأزمة بخير.

هذا لا يعني في حال من الأحوال تأييداً للمبادرة، فهي قابلة للنقاش ويمكن رفضها بذاتها جملة وتفصيلاً. ما أدافع عنه هو مبدأ المبادرات السياسية. أي كيان معارض يفقد مبرر وجوده إذا اكتفى بدور الصدى للثورة في الداخل الوطني أو التابع لأجندات إقليمية ودولية. على الإطار السياسي الممثل للثورة أن يكون جديراً بهذا التمثيل. لا أعرف كيف يطمح الائتلاف (ومن ورائه المجلس الوطني) إلى اعتراف دولي به «ممثلاً شرعياً وحيداً» للشعب السوري، وهو بهذا الضعف والشلل وانعدام الشعور بالمسؤولية الوطنية. لقد سعى كل «أصدقاء الشعب السوري» المزعومين إلى إضعاف المجلس ثم الائتلاف، ولم يفعلا شيئاً في مواجهة ذلك. حتى نظام قاتل الأطفال في دمشق طرح «مبادرته السياسية» من وجهة نظره. فأين هي المعارضة السورية وأين تصورها للحل السياسي في ظل توازن قوى على الأرض لا يسمح لأي من الطرفين بالحسم العسكري للصراع؟

بين الاعتراضات الوجيهة على مبادرة الخطيب، أن الطغمة الحاكمة لا يمكن إحراجها بأي مبادرة. هذا صحيح، وربما كان من الصعب حتى إحراج روسيا المتورطة بالدم السوري المباح. لكن الدينامية التي أطلقتها المبادرة أثارت على الأقل نقاشاً مفيداً، انخرط فيه جميع المعنيين، وأطاحت سكرة الغيبوبة التي غرق فيها السوريون، بين نظام مجرم يفتك بهم ومعارضةٍ اختزلت ثورةً عظيمة بشعار إسقاط النظام، وظنت أن تمسكها به يعفيها من أي مسؤولية.

الحياة

هل تبدل المبادرة معطيات الأزمة؟

فايز سارة

قدم معاذ الخطيب رئيس الائتلاف السوري المعارض عرضا لبدء حوار وتفاوض مشروط بين المعارضة والنظام حول حل الأزمة في سوريا، كان من آثارها ردود فعل متفاوتة ومتناقضة من أطراف فاعلة في الأزمة، وآخرين على ضفافها أو مصطفين بالقرب من أطراف الأزمة الأساسيين. وفي حين اتخذت السلطات السورية موقفا سلبيا من مبادرة الخطيب، قابل حلفاء دمشق في موسكو وطهران المبادرة بالترحيب، وهو موقف يقارب الموقف الإجمالي الذي اتخذته الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وقد شجعت الأخيرة الخطيب، وأعلنت دعم مبادرته لإنهاء الأزمة، بينما ذهبت الجامعة العربية إلى الأبعد في موقفها، فدعمت المبادرة، وأبدت استعدادها لمساندة كل ما يقود لتسهيل انعقاد الحوار في إطار الاستفادة من أي فرصة متاحة لكسر دائرة العنف، وحقن دماء الشعب السوري، ووضع الأزمة المستعصية على مسار الحل السياسي.

وانقسمت بالتزامن مع المواقف السابقة مواقف المعارضة إزاء المبادرة في ثلاثة مسارات مختلفة، توزعت بين مؤيد ومتحفظ ومعارض، وكان الأخطر في الانقسام، معارضة المجلس الوطني للمبادرة، وهو مكون رئيسي في الائتلاف الوطني الذي يرأسه معاذ الخطيب.

وتستند أهمية مبادرة الخطيب إلى عدة نقاط، لعل الأهم فيها من الناحية الإجرائية ثلاث نقاط، الأولى، أنها تبدأ من مطلبين شديدي الحساسية بالنسبة للسوريين اليوم، يتمثلان في طلب الإفراج عن مائة وستين ألف معتقل في السجون السورية، وطلب تجديد جوازات سفر السوريين الموجودين في الخارج، والثانية، اعتبار الخطوتين المطلوبتين مقدمة جدية وعملية لفتح بوابة الحوار، والنقطة الثالثة فيما تستند إليه المبادرة من أهمية، أنها تمثل بداية لبحث جدي مباشر في موضوع الأزمة وبغية الوصول إلى خواتمها.

أما من الناحية السياسية، فإن للمبادرة أهمية أساسها، أنها تكسر حالة الجمود والانسداد الذي وصلت إليه الحالة السورية من المراوحة في المكان سياسيا، بينما يستمر حمام الدم والدمار السوري، ومن شأن المبادرة، أن تدفع أطرافا في الأزمة وحولها إلى إحداث تبدلات في مواقفها، أو تغيير تكتيكاتها؛ حيث إنه من الصعب تجاهل المبادرة أو التعامل معها وكأنها غير موجودة.

ولا يقل أهمية مما سبق، قول إن المبادرة تبدل موقع المعارضة في معادلة الصراع السياسي في الأزمة السورية، إذ تنقلها من طور المتلقي والمنفعل بالأحداث إلى دور المبادر واللاعب الحاضر على قدم المساواة مع الآخرين، وهو حدث جديد في مواقف المعارضة، التي اعتاد القسم الرئيسي منها، أن لا يفعل الكثير، وإن عمل فكل عمله يقتصر على رفض مواقف النظام وسياساته، وحتى مبادراته التي لا يتجاوز هدف النظام منها سوى كسب الوقت واللعب على الرأي العام الدولي بمحاولة إقناعه، أن السلطات السورية تسعى إلى حل سياسي للأزمة عبر دعوة المعارضة للحوار، لكن الأخيرة ترفض.

والحق، فإن أثر المبادرة على المعارضة، هو أكبر بكثير من مجرد تغيير موقع المعارضة في الصراع الجاري في سوريا وحولها. ذلك أن المبادرة أحدثت تبدلا جوهريا داخل المعارضة، بين نمطين وسلوكين، يجسد أحدهما المجلس الوطني السوري الذي عجز طوال نحو عام ونصف العام عن القيام بخطوات سياسية من شأنها تجسيد فعل ودور قوي ومؤثر للمعارضة في تطورات الأزمة، واقتصر سلوكه السياسي على الخطابة والشعارات، فيما يسعى الائتلاف نحو سلوك آخر من خلال مبادرة رئيسه، يكرس فيه حضورا فاعلا للمعارضة في معادلة الأزمة وتطوراتها، ولعل ذلك ما يفسر بعض سر الهجمة العنيفة للمجلس الوطني على مبادرة معاذ الخطيب.

إن مبادرة رئيس الائتلاف، لا تلقي حجرا في مياه الأزمة السورية. بل تذهب إلى الأبعد نحو معالجة جوانب مختلفة في الأزمة السورية من شأنها أن تترك أثرا على مواقف وسلوكيات المتصلين بالأزمة من النظام وحلفائه إلى المعارضة والمتعاطفين معها وصولا إلى مواقف المجتمع الدولي بدوله وهيئاته، بحيث تدفع أغلبهم إن لم نقل كلهم نحو مواقف أكثر عملية وجدية في التعامل مع الأزمة السورية، خاصة لجهة المعارضة، وهي المعنية أكثر بما فتحته المبادرة من أبواب أمامها لإعادة ترتيب أوضاع المعارضة السورية خاصة لجهة علاقاتها الخارجية والداخلية أيضا.

وعلى الرغم من ما يمكن أن تفرزه المبادرة من تأثيرات إيجابية على الأزمة وذوي العلاقة معها. فإن ثمة مخاوف من أخطار تحيط بالمبادرة، تتمثل في واحد من احتمالات ثلاثة، أولها أن يهزم خطابيو المجلس الوطني السوري معاذ الخطيب ومبادرته على نحو ما فعلوا العام الماضي، عندما الحقوا الهزيمة بجهود توافق المجلس الوطني مع هيئة التنسيق، وأجبروا الرئيس الأسبق برهان غليون على التراجع عن وثيقة القاهرة 2012، وثاني الاحتمالات أن يمتص النظام وحلفاؤه زخم المبادرة ويحولوها إلى آلية لكسب الوقت كما فعلوا من قبل مع المبادرات العربية والدولية، التي طرحت في العام الماضي، والاحتمال الثالث، أن يعجز المجتمع الدولي عن لعب دور إيجابي ومساند للمبادرة ورعايتها من أجل الوصول إلى غايتها وأهدافها.

الشرق الأوسط

نحو مرحلة جديدة في مسيرة الكفاح الوطني السوري

    برهان غليون

    أثارت بعض التصريحات الخاصة لرئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة زوبعة داخل أوساط الهيئة العامة للائتلاف وداخل صفوف الثورة والمعارضة الشعبية عامة. فقد فتحت بالنسبة للبعض نافذة أمل بعد سنة ونصف من الحرب والمقاومة راح ضيحتها آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين وملايين المهجرين والنازحين عدا عن تدمير أجزاء كبيرة من المدن والقرى والأحياء. وأثارت بالنسبة للبعض الآخر مخاوف كبيرة من احتمال غدر النظام والتفريط بأهداف الثورة الكبرى وما يعنيه ذلك من ضياع هذا الكم الهائل من الاستثمار فيها، من دماء الشباب والأطفال والنساء ومعاناة شعب ذاق الأمرين في الأشهر الماضية للحفاظ على تماسكه وثباته بأمل الفوز والانتصار على العدوان الهمجي والطغيان.

    لا أدري كيف اتخذ معاذ الخطيب رئيس الائتلاف وزعيم المعارضة اليوم قراره باطلاق ما سوف يسمى مبادرة الحوار مع النظام، لكنه بالتأكيد لم يقصد لا الدخول في مفاوضات مع النظام من أجل أي تسوية، وسوف يؤكد ذلك في مابعد، ولا أراد أن يتحرر من دعم أبطال المقاومة المسلحة من الثوار الذين شكلوا حتى الآن الركيزة الرئيسية لاستمرار الثورة وثباتها أمام تصعيد النظام الذي لا ينتهي في سياسة القتل الجماعي وتدمير البيئة الطبيعية لحياة الانسان في سورية الحضارة والسلام.

    على الأغلب أن الدافع الرئيسي للشيخ معاذ كان ارسال رسالة احتجاج لأصدقاء سورية الذين لا يكفون عن الاعلان عن تأييدهم لثورة شعبها ويبخلون بتقديم الوسائل الناجعة لانتصارها. وقد اصبح هذا واضحا منذ أشهر مع ما ظهر من الجمود النسبي لخطوط الجبهة العسكرية في دمشق خاصة. لكن تصريحه كشف أيضا عن حقيقة أن العديد من الدول الصديقة أو التي تدعي الصداقة للشعب السوري، وهي ليست كاذبة في ذلك، كانت تنتظر بادرة من هذا النوع من قبل المعارضة السورية لتعزز خيارها في الحل السياسي وتبرر تقاعسها عن تقديم الدعم العسكري، حتى لا نقول الالتزام بمبدأ حماية المدنيين الذي تفرضه عليها مواثيق الأمم المتحدة. فهي لا تزال مترددة منذ سنتين في اتخاذ أي موقف عملي ينم عن الانخراط العملي مع الثورة السورية، حتى أصبحت تأكيداتها على دعمها مضحكة وغير ذات معنى. وتلقفت هذه الدول بادرة الانتفاح على الحوار التي أطلقها رئيس الائتلاف كما لو كانت خشبة خلاص لها تنقذها من الاحراج، وكذلك فعل وزير خارجية روسيا وايران الذين دخلت سياستهما في مأزق وطريق مسدود مع إصرارهما على رفض أي تدخل دولي غير تدخلهما وتمسكهم بوجود النظام كطرف رئيسي في اي حوار أو حل سياسي.

    ليس المهم اليوم ما حدا بمعاذ الخطيب اتخاذ هذه الخطوة، ولا تقليب النظر فيما إذا كانت متفقة مع وثائق الائتلاف والمعارضة أم لا، فالمطلوب ليس محاكمة نوايا الخطيب، ولا الكشف عن مغزى مواقفه، وهو رجل ثقة من كل النواحي وبامتياز، إنما تقييم الخطوة وتصحيحها إذا كانت تحتاج إلى التصحيح من أجل استخدامها كمنطلق بالفعل لهجوم سياسي منظم من قبل المعارضة لاحراج حماة النظام ووضعهم أمام حقيقتهم العارية باعتبارهم سدنة لنظام القتل المنظم والذي لا يمكن ان يستمر من دون الاستمرار في القتل.

    لا ينبغي أن نسمح أن تستخدم هذه البادرة أيضا من قبل النظام وأنصاره كمنفذ لبث الخلاف والانقسام داخل صفوف الائتلاف والثورة والمعارضة عموما. وبالعكس، ينبغي أن نستفيد منها في سبيل إعادة تعزيز الموقف الوطني وتوحيد الصف داخل قوى الثورة والمعارضة والاعداد لمرحلة جديدة من العمل السياسي والعسكري التي تقربنا أكثر من الهدف.

    والوصول إلى ذلك يقتضي أولا أن نؤكد ثقتنا برئيس الائتلاف وتضامننا معه ووقوفنا وراءه. وهذا أهم عامل في تعزيز موقفنا في أي مفاوضات محتملة بصرف النظر عن هدفها ومآلها. فليس هناك أكثر خطرا علينا في المرحلة القادمة التي ستشهد بالتأكيد تقدما للعمل السياسي على هامش العمل العسكري أو بموازاته، من أن ندخلها مقسمين ومشتتين يشكك واحدنا بالآخر وننزع ثقة بعضنا ببعض. مثل هذا الوضع سيدمر موقفنا التفاوضي ويعطي ورقة تفوق إضافية للنظام .

    وثانيا أن نفهم العمل الثوري على أنه بالضرورة مزيج من العمل السياسي والعمل العسكري. فلا يمكن استثمار نتائج القتال ونجاحاته من دون تعزيز الرؤية السياسية وتطوير العلاقات الدولية للثورة بموازاته. لدى النظام والدول القريبة منه موارد قتالية أكثر منا بكثير. ما يجعل لقتالنا معنى ويعطيه أسبقية وتفوقا على قتال النظام الهمجي وحماته، هو القضية التي نوظفه فيها، قضية الحرية والكرامة والعدالة الانسانية، قضية التحرر من الطغيان والذل والعبودية.

    في هذه الحالة ينبغي أن نكف أيضا، قادة وثوارا عاديين، عن المفاضلة بين حل سياسي وحل عسكري أو عن الفصل بينهما. لا يمكن تحقيق مطالب الثورة السورية بالحوار فحسب، ولو كان ذلك ممكنا لما تورط سوري واحد بحمل السلاح ووضع روحه على كفه والنزول في مواجهة حراب نظام القتل والدمار. وليس هناك ايضا حل عسكري صاف، ولن يستطيع السلاح أن يحسم معركة جوهرها السياسة: أي إعادة ترتيب ميزان القوى الداخلي، وهو يعني نخب وفئات وطبقات اجتماعية واعية وذات مصالح خاصة، وإعادة ترتيب علاقات القوى الإقليمية والدولية. كل تقدم على الأرض وبالسلاح يهز توازن اجتماعي ويفتح باب مفاوضات على إعادة ترتيب المواقع. ولا بد أن يترافق بكلام والتزامات ومواقف واضحة تتجاوز لغة السلاح وقعقعته.

    القصد أن المطلوب الآن ليس أن ننتقل من الحل العسكري إلى الحل السياسي، فلم تكن العسكرة بالنسبة لنا هي الحل أصلا، ولا أن نعتبر الحل السياسي بديلا عن العسكرة واستخدام السلاح. هذا مايريده الخصوم لنا، وأولهم النظام الذي يطالب بتجريدنا من السلاح كي يفرض علينا الاستسلام. وليس الهدف من الدخول في جولة مفاوضات تعيد ترتيب المواقف وتحصد نتائج استخدام السلاح توفير الأرواح، فليس من المؤكد أن لا يرافق الجولة السياسية مزيد من العنف من الطرفين لدعم الموقف وتحسينه، او هكذا كان الحال في ما شهدناه في العالم من حروب سياسية بالاساس.

    ينبغي على السياسة ان ترافق السلاح وهي التي تضمن استخدامه بفاعلية وعقلانية. فالحوار والمفاوضة لا ينبغي أن ينفصلا عن القتال من أجل إضعاف العدو وإجباره على الانصياع لإرادة الشعب. لا انتزاع لتنازلات سياسية من دون ضغط بالقوة ولا قيمة للتوسع في استخدام القوة إن لم تكن هناك صيغة لاستثمار نتائجها في الآن. وخطؤنا في الأشهر الماضية هو أننا، في مواجهة رفض النظام لأي مبادرة سياسية، ومعظمها كان من صنع المجتمع الدولي، أصبحنا نعتقد أنه لا جدوى من أي حوار او مفاوضات، وأن القتال وحده هو الذي سيحسم المعركة.

    وثالثا، بعد سنتين من الثورة العارمة والقتال البطولي والصمود الأسطوري لشعبنا، تضعضع النظام، وهلك سياسيا ونفسيا وعسكريا من حيث السيطرة على الأرض، وهلكت أيضا من الناحية السياسية القوى الإقليمية والدولية التي تدعمه، وصار هناك ضرورة لقطف الثمرة الأولى لهذا الكفاح وتلك التضحيات الغزيرة التي قدمها الشعب السوري. والثمرة هي موقف مختلف من الروس والدول المؤيدة للنظام التي فقدت الثقة بقادته وهي مستعدة للتفاوض على بدائل إذا أمكنها ذلك. من هنا أصبح من الضروي فتح باب الحوار.

    لكن يجب أن يكون واضحا في وعينا أنه غذا كان العالم بما فيه الروس والايرانيين قد قطعوا ورقة كما نقول للأسد وزبانيته، وأصبحوا مستعدين للتفاوض عليه، فإن نظام هذا الأخير لم يعترف بعد بالهزيمة ولن يقبل الاستسلام، ولا يزال مصرا بالعكس على القتال أملا في تعويض كبير مقابل الانسحاب من الميدان. وبالتالي لا ينبغي أن نفكر لحظة أن دخولنا في أي مفاوضات يوفر علينا العمل العسكري والتسليحي. ستكون هذه خطيئتنا الكبرى. بالعكس لن نكون بحاجة إلى ان تكون قوتنا العسكرية فاعلة في الميدان وجاهزة لكل الاحتمالات كما سنتحتاجها عندما ندخل في أي عملية تفاوض سياسي. ودعم المفاوض بتحقيق الانتصارات في الميدان كان دائما قاعدة استراتيجية أولية. شعار البندقية في يد وغصن الزيتون في يد ينبغي أن يكون أيضا شعارنا. فشرط نجاح الحوار وتوفير الضحايا هو استمرار الضغط العسكري وبأقوى وسيلة على النظام، مما يعني أيضا أن تنظيم المقاتلين وزيادة قدرتهم التسليحية ينبغي أن تسبق أو على الأقل تترافق مع الدخول في أي جولة مفاوضات.

    ورابعا، ينبغي أن لاندخل المفاوضات من دون أن نضمن بعض الشروط الضرورية للنجاح فيه. وأولها أن تكون لدينا رؤية واضحة واستراتيجية مدروسة تحدد أهدافنا منه والصعاب التي تواجهنا وأساليب العمل لتجاوزها، وأن نقنع بها ثانيا جميع الأعضاء بحيث يكون الجميع على بينة من الأمر ونتجنب مخاطر تضارب المواقف والتشكيك والانقسام والخوف، وهو كما قلت أكثر ما يمكن أن يسيء لموقفنا التفاوضي . وثالثا أن نبقى على تواصل دائم مع المقاتلين لحثهم على الاستمرار ورفع معنوياتهم وعدم السماح بأن يدخل الشك ولو لحظة إلى أفئدتهم بأنهم أصبحوا مشاركين من الدرجة الثانية أو أن قتالهم لم يعد ضروريا وأن الكرة أصبحت في ملعب السياسيين وكواليس السياسة. وهذا يعني أن على المفاوضين أن يدركوا ان القوة المسلحة القتالية سوف تبقى الركيزة الرئيسية لموقفنا التفاوضي، وأن تعزيزها تعزيز له وليس العكس، وأن نعمل المستحيل حتى نكسب ثقة المقاتلين بعملنا ونشركهم في النقاش حول الخطة السياسية ونبين لهم الدور الحاسم لعملهم في نجاحها أيضا.

    أظهرت بادرة الخطيب بفتح حوار سياسي الحاجة الكبيرة عند السوريين للحوار، على المستوى الوطني والدولي، على أمل استكشاف آفاق التقدم على طريق الحل للصراع الدامي، وفي الوقت نفسه الخوف لدى السوريين أنفسهم على الثورة التي وهبوها أرواحهم وممتلكاتهم خلال السنتين الماضيتين من آلاعيب نظام أصبح مثالا للخديعة والغش والرياء ومناورات مجتمع دولي لا يعبأ بالضحايا البشري ولا تحركه سوى حسابات المصالح. وعلينا أن نستجيب للطلبين معا: استكشاف آفاق الحوار المنتج الذي من المحتمل أن يقدمنا نحو اهدافنا التي لا ينبغي أن تتغير، وأخذ كل الاحتياطات والمحاذير حتى نتجنب الوقوع في فخ التسويق الرخيص الذي درجت عليه الدول الكبرى، التي تكاد لا ترى في أي حوار غير خدمة حساباتها الاستراتيجية،وتعزيز فريق العمل السياسي والتفاوضي، لتطمين أهلنا القلقين على نتائج تضحياتهم الهائلة.

    لا ينبغي أن نجعل من هذه البادرة التي كان لها على الأقل فضل دفعنا إلى التفكير بمراجعة طريقة عملنا ونبهتنا إلى ضرورة تحريك ما هو راكد من قناعاتنا، مصدر ضرر كبير لنا بترك المخاوف والشكوك تغزونا وبفقدنا الثقة ببعضنا وبانفسنا وبالسعي إلى توظيفها لتحقيق مصالح آنية بدل ان نحاصر مفاعليها السلبية ونعزز العناصر الايجابية التي احدثتها، وفي مقدمها تنشيط المجتمع الدولي وحثه على المشاركة في البحث عن حل لبقاء نظام الغدر والقتل، وإخراجه من حالة العطالة المديدة التي عرفناها حتى الآن. وقد عمل الخطيب نفسه على تصحيح الانطباع الأول عنها بإدراجها ضمن رؤية أشمل للمفاوضة على رحيل النظام، وهذا ما ينسجم مع خط الائتلاف والمعارضة والثورة معا. وليس هناك أي ضرر في أن نستمر في اعتبار إطلاق سراح المعتقلين بمثابة بادرة حسن نية وإجراء لبناء الثقة مطلوبين من قبل النظام قبل الحديث في أي تفاوض محتمل مع التأكيد على أن المفاوضات الحقيقية على رحيل النظام ليست ولا يمكن أن تكون مع نظام الاسد في هذه المرحلة وإنما مع الدول التي تحاربنا من وراء النظام.

    في اعتقادي أن من المهم الآن أن نظهر وقوفنا بقوة وراء رئيس المعارضة وأن نستوعب الأزمة ونلملم الآثار السلبية التي تركتها، لنضمن وحدة المعارضة والثورة، ونسقط رهان النظام وأنصاره على تقسيم المعارضة أو إضعافها، ونحول البادرة التي قام بها معاذ الخطيب، لدق ناقوس الخطر وتوجيه تحذيرات في كل الاتجاهات، من مناسبة لإخراج الدول الصديقة من إحراجها بعد صمتها الطويل على حرب الإبادة الجماعية في سورية، إلى فرصة لإحراج النظام وحماته من الدول. وعلينا جميعا تقع مسؤولية الارتقاء إلى مستوى تضحيات شعبنا والحفاظ على ثورة الحرية والكرامة في أقصى درجات اشتعالها وحشد القوى الدولية مع قضيتنا لتقييد أيدي النظام القاتل ومحاصرته. وجوهر هذا كله الحفاظ على وحدة شعب الثورة ووحدة المعارضة والإئتلاف وتجديد الثقة بزعيمه ودعمه في مواجهة كل عمليات التشويش و زعزعة الثقة وشق المعارضة التي برع النظام في تنظيمها منذ عقود.

    ليس هناك أي سبب أو مصلحة لأحد في الاستنفار ودق طبول الحرب داخل صفوف المعارضة كما ينزع البعض. فلا للحوار الذي يراهن عليه البعض بمعزل عن استمرا الثورة حظ في ايصالنا إلى الهدف، ولا الاستمرار في القتال قادر على وضع حد للعنف والقضاء على النظام من دون عمل سياسي مرافق يؤمن له التحالفات والدعم الضروري السياسي والدولي والمادي الذي يحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى. المهم أن ندرك أننا على ابواب مرحلة جديدة من الكفاح علينا تقع مسؤولية أن نعد لها أسلحتها المناسبة، من خطط سياسية ومخططات عسكرية ما زلنا نفتقر كليا إليها.

حذار من الجري وراء سراب اوسلو جديدة

برهان غليون

أثارت مبادرة رئيس الائتلاف السوري حول استعداد المعارضة للحوار مع النظام للتوصل إلى حل سياسي يوقف شل الدم حماس العديد من الأوساط، داخل المعارضة والرأي العام السوري، وفي وسط الدول المعنية بالقضية السورية معا، وإن لم يكن للأسباب ذاتها. فالذي دفع السوريين هو الأمل باحتمال وقف جدار النار المتواصل الذي يواجه به النظام الشعب الذي يعتقد أنه تآمر عليه مع الدول الأجنبية وإسرائيل منذ سنتين متواليتين، أو على الأقل الحصول على تهدئة تسمح بالتقاط الانفاس وتدبير شؤون الأسر التي فقدت أبناءها ومساكنها وموارد رزقها وشردت في أكثر من مكان. أما بالنسبة للدول المختلفة، بما فيها الصديقة، فقد جاءت بادرة حوار المعارضة السورية مع النظام كمنقذ لها من الأحراج الاخلاقي والقانوي والسياسي والعاطفي الذي يضعها فيه استمرار القتل المنظم اليومي لعشرات المدنيين السوريين من دون أن تحرك ساكنا، مع أنها لاتكف عن تأكيدها على ضرورة تنحي الأسد وتصويتها على قرارات دولية تؤكد صراحة مسؤولية النظام الرئيسية في العنف القائم وتطالبه.

من فضائل إطلاق هذه المبادرة أنها حركت المياة الراكدة وأعادت إلى الصفحات الأولى القضية السورية بعد أن كانت قد تراجعت إلى المركز الثاني والثالث، وعززت موقع الائتلاف لدى الدول التي كانت تخشىى تصلب المجلس الوطني، كما أنها أحرجت النظام وأنصاره وأصدقائه الروس الذين طالما رددوا أنهم ليسوا متمسكين بالأسد ولكنهم مع حوار سوري سوري من دون تدخل أجنبي.

في هذه الحدود تبقى المبادرة مفيدة. لكنها يمكن أن تفتح أبوابا غير سارة إذا حملت أكثر مما تحتمل وتحولت إلى مبادرة تقوم على الحوار بين المعارضة والنظام ، بشكل مباشر ومن دون الاستناد إلى أي مرجعية سياسية أو قانونية. وأكثر ما يخيف في الاستمرار في تسويقها من قبل وسائل الإعلام والدول الصديقة وغير الصديقة، الراغبة في التخلي عن مسؤولياتها تجاه حماية الشعب السوري وحقوقه، هو أن تتحول من حوار مع النظام على رحيله كما هو معلن اليوم، وهو ما يستبعد أن يتحقق مع معرفتنا بطبيعة النظام السوري ونوايا أصحابه ونوازعهم الأكثر من شريرة، إلى حوار للمعارضة مع النظام حول ما يسمونه مخرجا من الأزمة، أي في الواقع حول تسوية بين المعارضة والنظام ، لا يمكن إلا أن تكون على حساب الثورة ومن أجل إجهاضها. وسيكون هذا هو الاحتمال الأكبر إذا جرت هذه المفاوضات من دون وسيط دولي ولا مرجعية قانونية ولا ضمانات دولية كتلك التي تقدمها قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة التي صدرت جميعها للتشديد على نهاية النظام وتأكيد حقوق السوريين التي لا تناقش في وقف المجازر والانتقال نحو حكومة ديمقراطية مدنية تعددية منتخبة.

ينبغي من أجل ان نوقف مخاطر الانزلاق السريع إلى ما يشبه خيار أوسلو الفلسطيني الذي لم يستطع الفلسطينيون حتى الآن أن يتخلصوا من عواقبه أن نعيد الكرة إلى مسارها الطبيعي إذا كنا نريد بالفعل جس امكانية المفاوضات. والمسار الطبيعي هو الشرعية الدولية وقراراتها التي تنص على وقف العنف فورا وسحب الأسلحة الثقيلة من المدن وإعادة القوات العسكرية لثكناتها والإفراج عن المعتقلين والتحقيق في جرائم القتل اليومية قبل بدء حوار وطني وتشكيل حكومة انتقالية تحضر لنقل البلاد إلى نظام ديمقراطي يسمح للشعب أن يقرر مصيره فيه بحرية. وهذا يعني أن علينا، بعد أن حركنا الأجواء لصالحنا وأحرجنا الخصم، ينبغي أن نعود بالحوار إذا كانت هناك فرصة حقيقية للحوار، وهي معدومة حتى الآن، إلى أرضيته الطبيعية، وأن ندخله مسلحين أولا بقرارات الشرعية الدولية وبدعم الدول العربية والصديقة وضماناتها. ولا مصلحة لنا أبدا في الدخول في حوار مباشر مع النظام. مفاوضاتنا ينبغي أن تكون أولا من خلال الأطر الدولية وبوجود الدول العربية والصديقة وراءنا ودعمها لنا. وثانيا اعتمادا على مرجعية واضحة هي قرارات الشرعية الدولية وآخرها جنيف مع تعديلاته المطلوبة للتاكد من صيانة حقوق الشعب الأساسية. وثالثا العودة بأسرع وقت إلى نقاش خطواتنا جميعا في حضن الإئتلاف لإنضاج الموقف وتوحيد الصفوف ورصها من جديد، والتشاور مع قواتنا المقاتلة وتطمينهم على خطواتنا، ومع أشقائنا الآخرين في المعارضة، ممن لم يضمهم الإئتلاف أيضا.

وهذا يعني أنه لم يعد من المفيد الاستمرار في التركيز على مبادرة فردية ومحاورة شخصية ومباشرة عبر وسائل الإعلام أو غيرها، وإلا سنجد أنفسنا وحيدين أمام نظام مارق احترف المماطلة والكذب والرياء وكسب الوقت، وربما تعرضنا، إذا لم نكن على مستوى المسؤولية، للعواقب ذاتها التي تعرضت لها الحركة الوطنية الفلسطينية من انقسامات داخلية وتفتت للموقف الوطني وإحباط، نتيجة التخلي عن الإطار القانوني والسياسي الشرعي للمفاوضات المؤطرة عربيا ودوليا تحت إغراء الدروب المتعرجة والصعبة للمسارات السرية والشخصية التي عبر عنها خيار أوسلو السيء الحظ، والذي دفعت إليه الدول التي كانت تعتبر نفسها صديقة للفلسطينيين أيضا، لكن رافضة لمساعدتهم، ومتحمسة إلى أن ترمي مسؤولية وأعباء تعثر الوصول إلى الدولة الفلسطينية الموعودة، على الشعب الفلسطيني وحده.

نعم للمبادرات السياسية التكتيكية، على شرط أن لا تنقلب إلى مسارات جانبية استراتيجية تهدد وحدة العمل الوطني وتؤخر تحقيق الأهداف المنشودة، في الوقت الذي تعتقد فيه أنها تكسب الوقت. احراج الخصوم نعم، لكن الاصرار وتقديم التنازلات لتجاوز الفشل وكسب المزيد من تأييد الدول الفارغ، مع أمل إبليس بالجنة أن تكون هناك نتائج فعلية لمثل هذه المناورات أو المبادرات، لن يكون سوى جري وراء سراب حلول سياسية ليس لها أي أساس في الواقع. فلن يقبل النظام بالرحيل وقادته بالخروج ما لم يشعروا أن قذائف المقاتلين الثوار على بعد قوسين أو أدنى منهم. هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن تبقى راسخة في ذهننا في مواجهة هذا النظام. وإذا بقيت فليس هناك خوف من أي مبادرة تكتيكية، شخصية أو جمعية.

في النظام السوري والمعتقلين والتفاوض والإبراهيمي

طلال المَيْهَني

لم يأتي خِطابُ الرئيس السوري بجديد. فقد عاد ليؤكدَ أنه يتحدث باسم شريحةٍ من السوريين على حساب شرائح أخرى من السوريين المعارضين لحكمه قام بوصفهم، وباتهامٍ تعميميٍ واستعلائيٍ، بأنهم حفنةٌ من المجرمين، وأنه ماضٍ في استخدام العنف كسبيلٍ لإدارة الكارثة التي تعصف بالوطن. ويدلُّ هذا على إفلاس النظام السوري الذي لا يملك عملياً سوى العنف كأداةٍ وحيدةٍ يتقنها، على الرغم من أن تطور الأحداث يُظْهِرُ بَجَلاءٍ أن العنف لم ولن يأتِ إلا بالمزيد من الضحايا والخراب والتفتيت.

ومن ناحيةٍ أخرى يبدو أن الرئيس السوري قد اعترف، بعد 22 شهراً من بدء الحراك، بأن سوريا تعيش كارثةً وأنها ليست ‘بخير’ كما كان يُكَرِّرُ سابقاً. كما ألْمَحَ، ولأول مرةٍ، إلى ما اعتبره خارطةَ طريقٍ لحلٍ يعتمد شكلياً على السياسة، مقترِحاً بعض ‘الإصلاحات’ التي سبق وتم إطلاقها، وواضعاً العملية بِرُمَّتِها تحت إشراف السلطة عِوَضاً عن أن تكون طرفاً كباقي الأطراف. وليس من المُستغرب أن المعارضة بأطرافها في الداخل (كهيئة التنسيق وتيار بناء الدولة) والخارج (كالائتلاف) قد رفضتْ هذه الدعوة لأنها تفتقد المصداقية، وتُوغِل في الإقصاء، ولا تؤسّس ‘لحلٍ جامعٍ’ يخرج البلاد من أزمتها.

وقد تعدّدتِ التحليلات للخطاب من قائلٍ بأنه خطابُ قوةٍ يقدم مبادرةً تستحق النظر فيها (وهذه رؤية مؤيدي النظام)، إلى قائلٍ بأنه خطابُ شخصٍ مهزوزٍ وفاقدٍ للثقة أو منفصلٍ عن الواقع. وفي رأيي فالخطاب لا يعدو كونه دفعةً معنويةً لمؤيدي النظام، مع تمريره لدعوة ‘الحل السياسي’ كمحاولةٍ استباقيةٍ للتهيئة لمناخٍ دولي بدأ بالتشكل. وبكل الأحوال لن يكون التوقف عند تحليل الخطاب مُفِيداً خاصةً وأن دعوة الرئيس السوري ليست مؤسسةً، من وجهة نظري، على أي رؤيةٍ استراتيجية. كما أن سوريا تَمُرُّ حالياً في ‘الوقت المُسْتَقْطَع’، حيث تُعيد أطراف الصراع ترتيب مواقعها ومواقفها، لتقوّي من خياراتها التفاوضية في المرحلة القادمة التي قد تَتَمَخَّضُ عن حراكٍ دوليٍ بدأ ينشط حالياً.

وبعد أيام تناقلتْ وكالاتُ الأنباء خبراً عن صفقةٍ إيرانيةٍ-تركيةٍ تم بموجبها إطلاق سراح ما يزيد عن 2100 سوري من سجون النظام، مقابل 48 إيرانياً مُحْتَجَزاً من قبل إحدى كتائب الجيش الحر في الشمال السوري. يثير هذا الخبر بضع نقاطٍ مهمةٍ يجب الوقوف عندها:

1- غدا المعتقل السوري، في سجون النظام، رهينةً وورقةً يتم التفاوض عليها في صفقات! مع العلم أن معظم المعتقلين موقوفٌ في أقبية المخابرات دون توجيه أي تهمةٍ، ودون العَرْض على القضاء. أما الذين عُرِضوا على القضاء، أو تم توجيه تهمٍ بحقّهم فلا تشملهم هذه الصفقة. ومن الملحوظ أن هناك الآلاف من المعتقلين الذين لم يطلق سراحهم، ونذكر منهم الناشط يحيى الشربجي، والمحامي خليل معتوق، والمعارض عبد العزيز الخيّر، والطبيب محمد عرب، والناشط الحقوقي مازن درويش، وغيرهم كثير.

2- إن تحويل الإنسان السوري إلى ورقةٍ أو رهينةٍ يتم اللعب بها في إطار صفقة، ليس سوى إهانة عميقة لسوريا وسيادتها (المغتصبة بشكلٍ مُخْزٍ)، وللسوريين الذين غَدَتْ إنسانيتهم مستباحةً في وطنهم، و’مشروطةً’ بالتهليل لهذه السلطة الفاشلة التي أمْعَنَتْ بهذه الفِعْلة في اغتصاب السيادة (والأمثلة متعددة آخرها الاختراق السافر للطائرات الإسرائيلية للأجواء السيادية السورية).

3- من الملاحظ أن خطاب الرئيس السوري قد رفض التفاوض مع من سمّاهم ‘بالجماعات الإرهابية والمُجرمة’ من أجل إيجاد ‘حلٍّ’ للكارثة في سوريا. لكن، على خلاف ذلك، يبدو باب التفاوض مع هذه ‘الجماعات’ ‘مفتوحاً’ إذا تعلّقَ الأمر بإطلاق سراح مواطنين إيرانيين (غير سوريين)!

4- وقد أظهر هذا التصرف أن السلطة لا تأبه بأرواح جنود وضباط الجيش النظامي، أو بغيرهم من مقاتلي الجماعات غير الرسمية التابعة لها. فهناك المئات منهم في أيدي الكتائب المعارضة إلا أن النظام آثَرَ، بعد أن رَضَخَ للضغوطات، التخلّي عن سوريين معارضين مقابل 48 إيرانياً لا يحملون الجنسية السورية. ويعكس ذلك تماماً العقلية (أو اللاعقلية) التي تُحْكَمُ بها البلاد، وتُدارُ بها الأزمة التي باتتْ كارثةً جَرّاء السياسات الفاشلة لسلطةٍ فاقدةٍ للأهلية تستخدم السوريين كوقودٍ لحربٍ عَبَثِيةٍ في سبيل بقائها على الكرسي!

ولكن يمكننا استخلاص ثلاث إيجابياتٍ في سياق كل ما سبق. الإيجابية الأولى في تحرير بعض المعتقلين السوريين، وعودتهم إلى أهلهم وأحِبَّتهم. وهذا حقٌ لهم في وطنهم، وليس مَنّـاً أو تكرُمةً من أحد (مع التأكيد مرةً أخرى على أن الآلاف من المعتقلين ما يزالون قابعين في السجون).

وتكْمُنُ الإيجابية الثانية في تساؤل كثيرٍ من الأخوة الموالين السوريين عن أسباب هذا التصرف المُهين الذي أقْدَمَتْ عليه السلطة، سواءً على مستوى انتهاك السيادة، أو على مستوى التخلّي عن جنود وضباط الجيش النظامي وعدم الاكتراث بمصيرهم. حتى أن منهم من بدأ يستشعر بمرارةٍ أن هذه السلطة قد ورّطتهم في حربٍ بغيضةٍ مع أخوتهم المعارضين السوريين دون أن تأبه بهم وبحالهم.

أما الإيجابية الثالثة فهي أن حل المُعْضِلة السورية ممكنٌ عبر التوافق والضغط الدولي (عبر المساعدة في توفير ‘شروط الحل’). فالسلطة السورية استجابتْ، تحت الضغط، إلى صفقةٍ ‘إقليميةٍ’ إيرانية-تركية، فما بالكم بضغطٍ حقيقيٍ روسيٍ-أمريكيٍ على كل الأطراف الفاعلة في الشأن السوري؟ ألا يمكن لذلك أن يؤسس لانفراجٍ حقيقيٍ؟ وتجدر الإشارة هنا إلى أن الموقف الدولي حول سوريا لم يتغير منذ البداية خاصةً على مستوى الممارسة التي بقيتْ سلبيةً على خلاف الفقاعات الإعلامية التي حفل بها الخطاب الدولي. وما طرأ مؤخراً فهو تبدلٌ طفيفٌ في هذا الخطاب الدولي الذي بدأ يستشعر خطورة الاستعصاء في المشهد السوري. مما كشف بشكلٍ جليٍّ بعض القوى السورية التي كانت تبيع الناس أملاً كاذباً، مما قد يساعدها في تَبَنّي مقاربةٍ واقعيةٍ وقابلةٍ للتطبيق لوقف شلال الدم الذي يستبيح البلاد.

وتأتي في هذا السياق الدعوة إلى التفاوض التي أطلقها الشيخ معاذ الخطيب مؤخراً، حيث يبدو أنه قد ضاق ذرعاً بحالة التشدد واللامبالاة لدى بعض الأطراف داخل الائتلاف. وتتلاقى دعوة الخطيب مع ما فتئتْ بعض القوى الديمقراطية تدعو إليه خلال العام الماضي خاصة بعد أن ساد العنف في المشهد السوري. ومع أن دعوة الخطيب تفتقر إلى التفاصيل والآليات إلا أنها قد تؤسس لمرحلةٍ جديدةٍ خاصةً مع تعالي الأصوات الداعمة لها من الداخل السوري، وعلى المستوى الدولي. وقد تُشَكِّل هذه المبادرة جزءاً من مبادرةٍ أشمل يعمل عليها السيد الأخضر الإبراهيمي، حيث تسربتْ أنباءٌ عن طرحه بنوداً عمليةً وجديدةً في تقريره الأخير إلى مجلس الأمن. وعلى الأرجح سيأخذ التفاوض، في حال التوافق عليه كـ ‘حل’، صيغةً غير مباشرة وبرعايةٍ وضماناتٍ دولية.

هذا مع أن جهود الإبراهيمي تُجَابَه بنوعٍ من الاستهتار واللاجِدّية من كثيرٍ من الأطراف السورية التي تؤمن بحلولٍ عسكرية، أو حلولٍ سحرية، ودون أن تكترث إلى الموت البطيء لملايين السوريين الذين باتوا محاصرين في أتون الصراع العنفي، أو نازحين داخلياً وخارجياً. ويزداد تعقيد الصورة بغياب إرادةٍ عاقلةٍ عند السوريين من أصحاب الصوت العالي (سواء في النظام أو المعارضة)، مما يُرَسِّخُ حالةً من عدم الانفراج، حتى الآن، على مستوى آخر المحادثات بين الروس والأمريكان في جنيف، ويُصَعّب من مهمة الإبراهيمي. وبينما نتابع الأخبار المؤلمة القادمة من سوريا، سيبقى المشهد السياسي على الأرجح جامداً على المستوى العملي، مع شيءٍ من التغير على مستوى الخطاب، على الأقل حتى يستلم جون كيري مهامه كوزيرٍ للخارجية الأمريكية (قد يتلو ذلك لقاء جنيف 2 الذي يكثر الحديث عنه).

وفي هذه الأثناء ستستمر الدعوات التي تُوَجّه إلى معاذ الخطيب كي يصمت، أو إلى لإبراهيمي كي يستقيل، دون تقديم أية بدائل، وكأن وجود صوت العقل (الخافت حتى هذه اللحظة) هو السبب في كل ما يجري، وكأن إسكات العقل سيحقق لنا الحل السحري الذي طالَ انتظاره!

‘ كاتب سوري

القدس العربي

مبادرة معاذ الخطيب وعور المعارضات

فواز تللو

 أقول في البداية إنني لن أناقش مبادرة الشيخ معاذ الخطيب، ولن أبدي ملاحظاتي عليها سواء من حيث المضمون أو الصياغة، أو طريقة إعلانها، أو مدى نجاحها كمناورة سياسية، بل سأتناول جانبا آخر يتعلق بالمبادرة أعتقد أنه أكثر أهمية.

النظام الأسدي وأنصاره وحلفاؤه الدوليون اعتبروا المبادرة خطوة كبيرة إلى الوراء، في ما فسروه بحسب ما يتمنون من أنه تنازل عن أهم شرط لبدء أي مفاوضات يتمثل في تنحي رئيس النظام وعدم الحوار معه، وهو مطلب دعمه معظم “أصدقاء سوريا” حتى الآن على الأقل، ويمثل المكسب السياسي الوحيد الذي حصلت وتمسكت به المعارضة حتى اللحظة، ناهيك عن رضى أنصار النظام وحلفائه عن خلو المبادرة من نقاط أخرى سبق أن طرحتها خطة كوفي أنان ذات البنود الستة.

بعض “أصدقاء سوريا” كانت استجابتهم لهذه المفاجأة سعيدة لكونها تمثل خطوة لتقديم تفسير مقبول في نظرهم لاتفاق جنيف الذي وصف الإبراهيمي غموضه بأنه “مبدع”، ويسعى مع حلفاء النظام و”أصدقاء سوريا” للوصول إلى تفسير مشترك بينهم لن يكون حتما في مصلحة الثورة وأهدافها.

بعض آخر من “أصدقاء سوريا” -خاصة الأتراك وبعض العرب الذين كانوا قريبين من أهداف الثورة- ربما وجدوا في المبادرة فرصة لتبرير ما بدأ قبل أشهر من إعادةٍ للنظر في مدى الدعم الممكن تقديمه للثورة السورية وأهدافها، من خلال استمرار وقف الدعم العسكري والمادي والإنساني الشحيح أصلا، وذلك في استجابة للضغوط الكبيرة للأميركيين وحلفائهم الأوروبيين بهذا الخصوص، وهو ما يجري منذ نحو شهر سبق تشكيل الائتلاف الوطني السوري المعارض الجديد.

بعض المعارضين والثوار أيدوا المبادرة لأنهم رأوا فيها ما يتفق مع رؤيتهم السياسية للصراع مع النظام، وبعض آخر من الثوار يكنون احتراما للشيخ معاذ وبالتالي “لا بد أن يكون على حق دائما”، فبحثوا عن إيجابيات المبادرة لإبرازها لتطغى على سلبيات حاول آخرون إبرازها.

بعض المعارضين والثوار انتقدوا المبادرة لكنهم قالوا إن ذلك لا يستدعي التخوين والهجوم الشخصي الشرس الذي تعرض له الشيخ معاذ، والذي وصل أحيانا إلى درجة مريعة من الإسفاف، بل رأوا أن المطلوب هو النصح والتقويم والتصحيح والانتباه إلى عدم استغلال الأمر من قبل البعض لتصفية حسابات شخصية، أو استغلالها من قبل النظام أو من أمثال كثير من أولئك الذين اجتمعوا في جنيف قبل إطلاق المبادرة بيومين وهم من يقترب من النظام في طروحاته ومقاربته للحل.

معارضون أيدوا المبادرة لأنها تتفق مع رؤيتهم السياسية، واستغلها بعض منهم لانتقاد تيارات معارضة أخرى يناصبونها الخصومة أو التنافس السياسي، وبشكل أدق انتقاد كل من الائتلاف والمجلس الوطني.

أما الأكثر لفتا للانتباه فهم أولئك المعارضون من داخل الائتلاف الذي يرأسه معاذ الخطيب، سواء كانوا أفرادا أو تكتلات، وسواء أتوا من داخل المجلس الوطني أو خارجه، فبعض من هؤلاء في الائتلاف الوطني وجدوها مناسبة جيدة لاستكمال الصراع الذي يجري منذ تشكيل الائتلاف الذي تتنازعه صراعات بين أشخاص وتجمعات يعمل كل منها على حدة منشغلا بصراع السيطرة الداخلي بين بعضهم البعض، فجاءت تصريحات الخطيب لتعطيهم الفرصة للتصويب عليه في ذات إطار الصراع.

وأخيرا كانت هذه التصريحات فرصة لكثيرين داخل الائتلاف والمجلس الوطني وخارجهما للتعويض عن “شعبيتهم” المنهارة، وتقصيرهم المريع في تقديم أي إنجاز فعلي يخدم الثورة على مدى عامين تقريبا، فكان النيل من مبادرة الخطيب -ومنه شخصيا أحيانا- فرصة لدى هذا البعض عسى أن يعاد تصويرهم “كمناضلين ممانعين”، بما يذكرنا بإلإنجازات الضخمة للنظام السوري “الممانع المقاوم” في مواضع أخرى.

كثير من الثوار وبعض من المعارضين فضلوا التزام الصمت عن المبادرة بإيجابياتها وسلبياتها وسط كل هذه الفوضى والانتهازية السياسية، وأنا من هؤلاء، حيث مارست هذه السياسة وسط هذه الأجواء منذ تقديمي استقالتي من المجلس الوطني أواخر مايو/أيار 2012.

صمتي كان لسبب أساسي يتمثل في عدم المساهمة أكثر في واحدة من أكبر سلبيات ردود الأفعال على المبادرة، وهو الأمر المتعلق بعدم وحدة الرؤية لهذه المعارضات تجاه الصراع مع النظام، وتلك مصيبة لكنها تبقى أقل أثرا من مصيبة أكبر، ما دامت هذه المعارضات بكل تكتلاتها تتراوح سلطتها السياسية والمعنوية الحقيقية على الثوار بين المعدومة والضعيفة.

فالمصيبة الأكبر تكمن في كشف عور المعارضة الرئيسية متمثلة في الائتلاف الوطني الذي يفترض أن يكون الأقرب إلى الثورة وأهدافها بحكم الدعم الشعبي له. إذن فالمبادرة كشفت عور المعارضة ممثلة بالائتلاف بشكل جلي وواضح، حين أظهرت افتقارها إلى رؤية واضحة تنبثق عنها إستراتيجيات وسياسات وبرامج محددة للصراع مع النظام وأهدافه ومآلاته. فمن انتقدوا معاذ الخطيب لم يقدموا طوال عام من عمر المجلس الوطني كأول ممثل للثورة (سواء كانو داخل المجلس أو خارجه)، أي رؤية أو إستراتيجية واضحة، واستمر الأمر في الائتلاف الذي كان الصراع حوله وقبله وفيه على المحاصصات والنفوذ وغابت معه المهام الأساسية لهذا التجمع.

لقد كان الائتلاف فرصة نادرة ثانية بعد وصول المجلس الوطني إلى طريق مسدود، فرصة أعطاها الثوار لهذه المعارضة لا بسبب “تاريخ أعضائها السياسي” فكثير منهم لا يملكونه، ولا بسبب “العبقرية السياسية” لأفرادها التي ظهر افتقاد معظمهم لها، ولا بسبب “الملكات القيادية والإدارية الفذة” لهؤلاء فمعظمهم يفتقدها بشكل مريع.. وأخيرا ليس لأن الثوار يبحثون عن “معلمين” جدد، فقد سئموا كلمة “معلم” وثاروا عليها..

إنما كان هذا التأييد لهذه المعارضة منذ البداية، فقط بسبب وعي الثوار والشعب السوري الثائر لأهمية عملية توزيع الأدوار والمهام كضرورة لتخفيف ثمن النصر وتقريبه.

لكن ما جرى حتى الآن هو إهدار هذه الفرصة بشكل كبير، وهنا ربما كانت مبادرة الشيخ معاذ الخطيب فرصة لمراجعة هذا العور لدى الائتلاف، لا باعتماد المبادرة بل باعتبارها جرس تنبيه وربما إنذار بضرورة وضع هذه الرؤية والإستراتيجيات والسياسات والبرامج الواضحة والمحددة استنادا إلى الأهداف والاحتياجات الحقيقية للثورة والثوار، وبالاعتماد الحقيقي -وليس الاستخدام والاستغلال الشخصي والحزبي- لأهم مورد ومرتكز للثورة وهو الشعب السوري الثائر والثوار بكل ميادينهم العسكرية والمدنية..

هذا الاعتماد يقتضي مساعدة الداخل على تنظيم نفسه مدنيا وعسكريا لإنتاج قياداته ومجالسه المحلية والعسكرية الحقيقية، وبالتالي يمكن أن ينتج عنها سلطة انتقالية حقيقية مدنية وعسكرية وسياسية يمكن الاعتماد عليها بشكل حقيقي لإدارة هذه المرحلة الانتقالية، وتستطيع لاحقا إنتاج مجلس حكم انتقالي مؤقت منبثق عن هذه القوى في الداخل يعين حكومة انتقالية قوية خاضعة له، بشكل مشابه لما جرى في ليبيا، ليكون دور الائتلاف أو بعض أعضائه في المرحلة الانتقالية دور الشريك الصغير في مجلس حكم وحكومة انتقالية يحظى فيها ثوار الداخل بالأغلبية الكبيرة التي تعطيهم فرصتهم وحقهم في قيادة هذه المرحلة.

الجزيرة نت

الحل السياسي طعم ابتلعته المعارضة السورية

غسان المفلح

أول ملاحظة لي على اداء الشيخ معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني للمعارضة السورية، تتعلق بشبكة ملفوظات يستخدمها بدراية او دون دراية، توحي بالدروشة وغاندية باهتة لم يعد لها موقع بين الوحوش الضارية التي تفترس لحم ودماء شعبنا..هذه الطريقة في الاداء والخطاب اعطت العصابة الأسدية نصرا على حساب الثورة دون أي مقابل..بالطبع ليس المهم لقاءه مع سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي، حيث تصر روسيا على تطبيق اتفاق جنيف بشأن انتقال سياسي تبنته مجموعة الاتصال في يونيو/حزيران 2012، وهو لا يتضمن أي إشارة إلى احتمال تنحي الأسد عن السلطة.

رغم ذلك نقول ان هذا اللقاء ربما يكون مفيدا لسبب ان روسيا دولة عظمى ولها مصالح على مستوى العالم يمكن زحزحتها هنا او هناك، تتقدم هنا وتتراجع هناك..اللقاء بلافروف ليس تنازلا..لكن أن يلتقي بوزير الخارجية الايرانية- في اجتماع استمر 45 دقيقة على هامش مؤتمر موينخ للامن، وصرح الخطيب بعدها لرويترز “اتفقنا على ضرورة إيجاد حل لإنهاء معاناة الشعب السوري”- بلا ثمن ودون اية زحزحة في الموقف الايراني المشارك في قتل شعبنا فهذا تنازل واضح، وانتصار للعصبة الأسدية، مهما حاولنا تغليفه في حسابات السياسية وموازين القوى على الارض، والتي تشير على ان يكون السيد الخطيب اكثر تشددا في مطالبه وحركته ولقاءاته الدولية والاقليمية،وهنا يحضرني سؤال للسيد الخطيب ولقادة الائتلاف المعارض ” بناء على أي معطى تم اللقاء بالوزير الايراني؟

وما الجديد في الموقف الايراني؟ أم أنه بازار الدروشة الدمشقي المفتوح على مصراعيه..وكي لا يبدأ جماعة الحل السياسي بشتمنا نقول لسنا ضد التفاوض ولا ضد الحوار حتى مع اي طرف طالما فيه خدمة للثورة وتقوية لمركزها، والذي يجب أن يكون بناء على معطيات ملموسة وقرارات واضحة، وليس هروبا للامام في بلع طعم مقولة الحل السياسي بناء على اتفاق جنيف ودون قرار دولي واضح وداعم. حتى لانبقى في دائرة الشك، السيد معاذ الخطيب ومعه شلة الائتلاف يرفضون التدخل الدولي كما صرح الشيخ معاذ مرارا وتكرارا، وصرح أيضا انه مع الحل السياسي، حسنا الحل السياسي يتضمن طرفين لا حل سياسي دون الطرف الآخر..والذي هو في المحصلة العصابة الأسدية سواء اعترف مناصري الحل السياسي ام لا..كان اتفاق جنيف طعما للمعارضة من أجل اضفاء الشرعية على حالة الصوملة ورفض التدخل لدعم الثورة السورية..وتم بلع الطعم بسهولة من قبل قيادة الائتلاف، ودون مقابل يذكر ولا حتى تجديد جوزات سفر قيادات الائتلاف!

نكتة- لو كنت ارى ان العصابة الأسدية لديها ادنى قبول بتفاوض أو حوار لكنت اعلنت ذلك على رؤوس الاشهاد ودون لف ودوران.. وقلت لنذهب نحو التفاوض والحوار. لكن الدم والتدمير ماض على قدم وساق، كان الاجدى بالشيخ معاذ ودعاة الحل السلمي أن يطلبوا: وقف القتل من قبل العصابة الأسدية فورا ودون شروط، اطلاق سراح المعتقلين وعودة المهجرين والنازحين لبيوتهم، ويوقف الجيش الحر وقوى الثورة عملياته بالتناسب مع ذلك، وبعدها يجري الحديث عن حل سياسي، ولتكن ايران جزء من الدول الراعية طالما أننا بلعنا طعم اللقاء بمسؤوليها، هذا الحد الادنى لأية مبادرة سياسية، تريد اللقاء برموز النظام” التي لم تتلطخ ايديهم بالدماء” وهذه نكتة ثانية..لا بل نتفاوض مع من تلطخت ايديهم بدماء شعبنا لأنهم هم الطرف صاحب القرار..عندها يكون هنالك تغير ملموس في الارضية التي يتم بناء عليها التفاوض..أما رمي الاحاديث هنا وهناك لارضاء هذا الطرف او ذاك، فهو لا يخدم الثورة في شيئ.

ايلاف

لماذا الحوار مع الطاغية

جمال قارصلي

في بداية كانون الأول (نوفمبر) من عام 2011 كتبت مقالا بعنوان “لنكف عن القتل ونبدأ الحوار من أجل سورية” وذلك بعد أن إستطاعت السلطة الحاكمة أن تجر الثورة السلمية في سورية إلى المواجهة المسلحة وبدأت رقعة هذه المواجهة تزداد يوما بعد يوم. في ذلك التاريخ كانت إمكانيات نجاح الحوار والوصول إلى المصالحة الوطنية أكبر بكثير من يومنا هذا لأن درجة العنف والإجرام من قبل رجالات الطاغية لم تكن قد وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم, مئات من المجازر والكم الهائل من الخراب والدمار وعشرات الآلاف من الشهداء والمعتقلين والملايين من المهجرين.

ما كتبه رئيس الإئتلاف الوطني في صفحته الخاصة على الفيس بوك, الأستاذ أحمد معاذ الخطيب, وما أكده في مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن حول إمكانية إجراء الحوار مع السلطة الحاكمة, يأتي في نفس السياق الذي تطرقت إليه سابقا. معاذ الخطيب وضع شروطا واضحة من أجل بداية هذا الحوار وهي إطلاق سراح 160000 معتقل من سجون السلطة وتمديد جوازات سفر السوريين في الخارج. هو لم يتطرق في مبادرته هذه إلى المواجهة المسلحة التي يقودها الثوار في الداخل ضد الطاغية ورجالاته, بل إعتبر هذا عملا سياسيا موازيا للعمل الميداني الذي يقوم به الثوار. للوهلة الأولى كانت المبادرة فيها شيء من المفاجئة وكانت ردة فعلي الشخصية سلبية بإتجاهها, ولكنني كلما تعمقت في التفكير حولها, كلما زادت قناعتي بأنها تتضمن كثيرا من النقاط الإيجابية وأهمها هو بأنها تشير إلى مرونة المعارضة وإلى النضوج السياسي التي وصلت إليه وتؤكد بأنها قد إكتسبت خبرة في التكتيك والمناورة السياسية. بهذه الخطوة وضعت المعارضة الكرة في ملعب السلطة وأحرجتها وأنهت بذلك تشدقها بأن المعارضة لا تريد الحوار. مبادرة معاذ الخطيب لم تكن جديدة على الساحة السياسية, بل هي نفس الفكرة التي تم تداولها بعد أشهر قليلة من بداية الثورة وكان على فاروق الشرع أن يقودها ولكن قررت السلطة آنذاك أن تأخذ منحا آخرا فعملت كل ما بوسعها إلى أن تعسكر الثورة وتجلبها إلى المربع الأمني يقينا منها بأنها ستخرج منه رابحة, فها نحن نراى الآن بأية ورطة هي وقعت. في الحقيقة السلطة لا تريد الحوار وتخاف من الحوار كما يخاف الشيطان من المعوذات وهي تعلم بأن الحوار سيعريها وسيكشف وجهها الديكتاتوري والإجرامي وأن أية خطوة إصلاحية تقوم بها سيبدأ معها العد التنازلي لإنهيارها لأنها مبنية على هيكل مليء بالظلم والعنف والديكتاتورية والمهازل الدستورية والقانونية.

الأستاذ معاذ الخطيب كان واضحا وصريحا عندما قال بأنه ليس سياسيا, بل هو ثائرا وأنه تصرف حسب ما يمليه عليه ضميره ووجدانه. من الواضح بأنه لم يرجع إلى الهيئة السياسية في الإئتلاف الوطني ويأخذ رأيها بما صرح به ولكن قراره هذا لم يأت من عبث ولم يكن إرتجاليا كما يوحي لنا في الوهلة الأولى, بل جاء بناء على ما عايشه ولمسه بنفسه من ضغوط هائلة وتقلبات سياسية كثيرة تمارسها الأنظمة العالمية على الثورة السورية. هذه الضغوط لها وجوه كثيرة منها الغدر والمكر والخدعة من أطراف يدعون بأنهم أصدقاء للثورة السورية وحتى منها ماوصل إلى حدود التخاذل والخيانة. هذه الضغوط كان يواجهها هو بشكل مباشر بصفته رئيسا للإئتلاف الوطني السوري وبسبب قربه من المطبخ السياسي العربي والإقلامي والعالمي وإطلاعه على بعض ما يدور خلف الكواليس.

إحدى الحجج التي كانت تسوقها القوى العالمية  لتبرير عدم دعمها للثورة السورية هي بأن المعارضة غير موحدة, وبالرغم من أنها تعلم بصعوبة تحقيق ذلك. فعندما تم تأسيس الإئتلاف الوطني في إجتماع الدوحة الأخير والذي إنضم إليه حوالي 90% من المعارضة السورية, رحب به كثير من المعارضين السوريين المستقلين ووجدوا بأن الوقت قد حان للإنخراط في هذا المكون السياسي الجديد لدعم ثورة الحرية والكرامة التي يخوضها الشعب السوري. كل الذين إنضموا إلى الإئتلاف الوطني كان عليهم أن يعلموا منذ البداية بأن هذه الخطوة تتطلب إنضباطا صارما وإلتزاما بالقررات التي يصدرها الإئتلاف والإستعداد لتحمل تبعاتها. فمن البديهي وأضعف الإيمان أن يكون لكل مكونات الإئتلاف صوت واحدا يخاطب العالم الخارجي. هذا لا يعني بأن النقاش الداخلي والتجاذب داخل الإئتلاف يجب إخماده, بل عكس ذلك هو المطلوب وهذا ما يتناسب مع روح الديموقراطية ولكن ما يرشح إلى خارج الإئتلاف يشكل رأي الأغلبية وعلى الأقلية أن تلتزم به. على سبيل المثال عندما كنت في الكتلة البرلمانية في حزب الخضر كانت كتلتنا منقسمة في الداخل إلى ثلاثة مجموعات وكانت تتنافس فيما بينها بقوة أكثر من تنافسها مع الأحزاب الأخرى, ولكن كان رأيها المعلن للخارج هو رأي الأغلبية في داخل الكتلة.

الثورة السورية تتعرض الآن إلى مؤامرة كبيرة وللأسف أعداؤها صاروا أكثر من أصدقائها وهنالك فقط دول قليلة تتمنى النجاح لهذه الثورة ودول إقليمية وعربية تخاف من إنتصارها والمجتمع الدولي أصبح شريكا في مأساة الشعب السوري وكثيرا من الدول أصبحت تغير مواقفها ودول أخرى تمنع وصول المساعدات المالية والعسكرية إلى الثوار. أما السلطة الحاكمة في سورية فهي تحصل على السلاح المتطور وعلى المليارات من دول صديقة لها. المعارضة السورية تعيش حالة إذلال من قبل الدول التي وعدت بدعمها وكثير من الدول الأخرى التزمت الصمت المريب وأخذت دور المتفرج على ما يقوم به سفاح سورية وزبانيته ضد شعب أعزل, فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن هذه الدول تراى من مصلحتها أن تبقى السلطة الطاغية مستعبدة للشعب السوري ولو كلف ذلك موت أكثر من نصف هذا الشعب. مؤتمر باريس كان مليء بالكآبة والإحباط وكذلك مؤتمر الكويت كان ولا زال غامضا وغير معروف لماذا تم عقد هذا المؤتمر, هل هو من أجل جمع التبرعات وتسليمها لمنظمات الإغاثة التابعة للسلطة الحاكمة في سورية أم من أجل دعم ثورة الشعب السوري.

 مبادرة أحمد معاذ الخطيب حركت كثيرا من المياه الراكدة ودفعت القضية السورية إلى واجهة الأحداث العالمية بالرغم من التعتيم الإعلامي المفروض عليها. ما حصل في مؤتمر ميونيخ العالمي للأمن كان واضحا بأن الأستاذ الخطيب كان محط أنظار الإعلام العالمي ومركز إهتمام فعاليات هذا المؤتمر. معروف بأن الشخصية السياسية يتم تقييمها بناء على جرأتها وحسن مبادرتها وعلى المواقف التي تتخذها. ما قام به معاذ الخطيب فيه روح المبادرة والجرأة والمسؤولية وهو يستمد قوته من الدعم الجماهيري له وكما يقول المثل العامي “الطير يطير بريشه”. إذا على كل من يقف في صف الثورة السورية أن يدعم مثل هذه المبادرات الجريئة وأن يبتعد عن تخوين الآخرين وعن الحلول المتطرفة والمقترحات المتزمة. إقصاء الآخرين لا يؤدي إلى النتيجة الصحيحة ويعيق فرص نجاح الثورة السورية. السياسة هي فن الممكن والصراع السياسي مثل الصراع الذي يتم بين ملاكمين إثنين على حلبة المصارعة ففيها كذلك يمكن تحقيق الفوز على الآخر بواسطة فارق النقاط وليس فقط بالضربة القاضية.

نائب ألماني من أصل سوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

«التعفيش» في سياسة نظام الأسد/ فايز سارة

  لعله مما يبدو غريباً، قيام سلطةٍ ما تدّعي مشروعية وجودها، باستباحة ممتلكات «مواطنيها»، والأغرب ...