الرئيسية / صفحات مميزة / مقالات مختارة تناولت “داعش”

مقالات مختارة تناولت “داعش”

 

 

هزائم داعش تبدد وهم الحاضنة الشعبية/ علي العائد

تضيق الدوائر على داعش في كل من سوريا والعراق.

في سوريا، تواترت خسائره في الأسبوع الماضي، وتتوجت بهزيمته في عين العرب – كوباني، بينما تأخذ الحرب ضده في العراق شكل الكر والفر حالياً، ولن يطول الوقت قبل هزيمة التنظيم الذي سبق وأعلن عن نفسه كـ”دولة”، ليعود إلى شكله السري كعصابة متنقلة تضرب وتهرب.

ويتراجع التنظيم، الآن، في القرى الواقعة في شرق عين العرب. كما تتوارد أخبار عن استعداده للانسحاب من شرق مدينة حلب بتفكيك أفران الخبز التي أنشأها، وبيع عقاراته هناك.

تزامن ذلك مع موجة انشقاقات سبقتها حالة من الغضب والاحتجاج من العشائر بسبب مقتل عدد كبير من أبنائها في معارك عين العرب – كوباني.

هذه الأخيرة، وحدها، تُسقط مقولة الحاضنة الشعبية التي تُتَّهم بها عشائر الرقة تحديداً. نحن أمام مرتزقة فقط، يريدون العيش للتمتع بالغنائم، وأما الشهادة والحوريات الأربعين فهي دعاية لا تهم المرتزقة.

إذاً، تتزايد، الآن، أعداد القتلى بين “الأنصار”، بينما تتواتر الأنباء عن انشقاقات بين “المهاجرين”.

هذا، بينما بدأت حالة التململ تظهر على السطح بين عناصر التنظيم من المهاجرين والأنصار من تمتع القادة العراقيين بامتيازات تجعلهم بعيدين عن خطر الموت.

في شأن الانشقاقات، نقل ناشطون في الرقة أن 60 عنصراً من المهاجرين، معظمهم خليجيون، فشلوا في الانشقاق عندما كانوا متوجهين إلى منطقة “المنبطح”، وهي نقطة تهريب معروفة على الحدود التركية والسورية، بعد أن تركوا أسلحتهم في أحد مقرات التنظيم بمدينة الرقة، بذريعة الذهاب إلى السوق للتبضع. أوقفت هؤلاء أربع سيارات تابعة للتنظيم، واقتادتهم إلى جهة مجهولة، قبل إعدامهم ظهر الثلاثاء الماضي بتهمة “الهروب من الجهاد”.

وفشل مصطفى العمر، المسؤول الأمني لداعش في تل أبيض، والملقب بـ”التمساح”، في الانشقاق، وتم قتله فور اكتشاف محاولته.

تقول المعلومات إن التمساح حاول الانشقاق لأنه “.. كشف حقيقة التنظيم، وأن إيران وروسيا هما من يقدمان له الدعم من أجل ذبح أهل السنة، وتفكيك الثورة السورية، وتغيير مسار الثورة العراقية”.

لكن “أبو طلحة الكويتي” نجح بالفرار إلى تركيا بمليون دولار. كما تمكن المصري أبو عبيدة، أمير ديوان الزكاة في مدينة الميادين شرقي دير الزور، من الهرب بمليار ليرة سورية من أموال “الزكاة”.

وفي الأسبوع الماضي، هرب أبو علي الحربي، الشرعي العام لداعش في مدينة تل أبيض، إلى الأراضي التركية، مع أنباء غير مؤكدة عن تسليم الحربي نفسه للسفارة السعودية في تركيا.

وسبق ذلك انشقاق ستة عناصر سعوديي الجنسية في الرقة، ونجاحهم في الوصول إلى بلدة سرمدا بريف إدلب للالتحاق بجبهة النصرة.

كل هذه الأنباء تؤكد طبيعة النبت الشيطاني لداعش، كونه نشأ في تربة غير تربته، وفي ظروف ملتبسة تجعل كل ما يقال عن أصل هذا التنظيم معقولاً، من نحو أن النظام السوري، بدعم إيراني – روسي، هو من أنشأ هذا التنظيم، أو أن غرفاً مخابراتية نشطة في المنطقة تولت توجيه التنظيم، ودعمه، ثم تضليله، قبل الانقضاض عليه.

نجح التنظيم في تنفيذ الخطة، وانتهت مهمته بعد أن نشر الفوضى والموت والدمار، فهل ستنتهي أزمة الثورة السورية وتدخل في طور الحل، أم أن “داعشاً” آخر يستعد لملء فراغ الشيطان؟

موقع 24

 

 

 

 

“داعش” كحليف وظيفي لـ “الشمولية الكردية”/ رستم محمود

منذ أكثر من عام، لم يخل أي من البيانات والتقارير التي أصدرها مختلف أحزاب وأطراف الحركة القومية الكردية، من الإشارة إلى تنظيم «داعش» الإرهابي، والمواجهة الاستثنائية التي يحياها الكرد ضد هذا التنظيم الفظيع. في كل واحد من هذه البــيانات، ثمة مقدمة خطابية تقريرية عالية النبرة والشحنة، تشغل أحياناً النصف الأول من المنشور، تنادي كلها باحترام الاستثنائية والخصوصية والمصيرية التي يعيشها الكرد راهناً، مطالبة باستبعاد أي انشغال آخر.

لا استثناء في ذلك، أياً كانت طبيعة البيان الصادر، سواء تهنئة بمناسبة ما أو تعزية بفقيد، تعبيراً عن موقف سياسي أو رداً لاتهامات بالفساد، إعلاناً لوضع تنظيمي أو زيارة بروتوكولية أو حتى عرضاً لنتائج حدث رياضي أو مسابقة ثقافية أو رداً لـ «شبهات» بالهيمنة والاستبداد بالمجتمعات الكردية المحلية! فالرد على «داعش» يشغل مساحة كبيرة في كل شيء.

بوضوح يُلاحظ حجم «الاستخدام التوظيفي» ل«داعش» من قبل كامل الطيف السياسي الكردي، ففي هذا الاستخدام اللغوي الخطابي مؤشر رمزي لرغبة عميقة من قبل هذا الطيف للتغطية على عديد الملفات «الداخلية» العالقة بين هذه التنظيمات السياسية الكردية والمجتمعات المحلية الكردية. وهي ملفات تتطابق في كثير من عناوينها ومضامينها مع تجارب شعوب المنطقة كافة مع أحزابها المهيمنة وأنظمتها الحاكمة.

تلك الإشكالات التي تبدأ مثلا بطبيعة الأيديولوجية والسلوك السياسي الحاد الذي يستخدمه حزب العمال الكردستاني، بمختلف تفرعاته وتنظيماته، مع الكثير من المجتمعات الكردية التي يريد احتكار تمثيلها السياسي، ولا ينتهي بطبيعة «حُكم العائلة» التي يتبناها الحزب الديموقراطي الكردستاني، ويمر بحالة الفساد والتحاصص والانقسام الداخلي التي تعصف بالاتحاد الوطني الكردستاني، والتي وصلت الى درجة تدخل أجهزة الأمن الإيرانية لمصالحة الأطراف المتخاصمة ضمن الحزب الواحد! وطبعا بفساد الأحزاب الكردية السورية وترهل نظيرتها الكردية الإيرانية.

مع بدء استخدام «محاربة «داعش»» وبكل بساطة وسلاسة، هُمشت كل تلك الملفات، وضمر كل تداول عام حولها. فقد بات الفرع السوري للعمال الكردستاني يسيطر بشكل مطلق على كامل المجتمع الكردي السوري، وهو الذي لم تكن شعبيته النسبية تتجاوز الأحياء والطبقات الأكثر فقراً وهامشية في التركيبة الاجتماعية الكردية السورية. لقد باتت نبــرة هذا الـــفرع تجاه المجـتمع الكردي الســـوري وبقية أحزابه السياسية وتنظيماته المدنية، أكثر حدة وأقسى تعاملاً، فالكل حسبُه يمكن أن يكون «عميلاً» ل«داعش»!.

على مستوى رديف، خَفَتَ كل نقاش حقيقي في كردستان العراق حول دستورية التمديد البرلماني لرئيس الإقليم مسعود البارزاني، وهو الذي سبق أن أنهى ولايتيه الرئاسيتين بحيث انتفى كل حق له بالحُكم مجدداً. كما أن تداولاً موازياً كانت قد فتحته حركة كوران المعارضة، وقد تعرض للمصادرة والتكتم، مداره تعيين النجل الأكبر للبارزاني، مسرور، مستشاراً لمجلس الأمن الوطني الكردستاني، الذي يعتبر أكبر مؤسسة أمنية في الإقليم.

وطبعا طويت الانقسامات البينية التي كانت تعصف بحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وحقق هذا الحزب الكردي المسلح، في انتخابات البرلمان المركزي العراقي في أيار (مايو) 2014، أضعاف ما حققه في مواجهة منافسه المدني «حركة التغيير كوران» في الانتخابات البرلمانية المحلية، التي أجريت قبل شهور قليلة على هذه الانتخابات المركزية. ووصل الحال إلى أن يقود القيادي في الاتحاد، محمود سنكاوي، جبهات القتال في مواجهة «داعش»، وأن يغدو «بطلاً قومياً» في إعلام الاتحاد الوطني، وهو الذي كان، قبل أشهر قليلة، قد استُدعي مراتٍ الى النيابة العامة في مدينة كلار، لمساءلته عن اغتيال الصحافي الكردي كاوا كرمياني!

حزب العمال الكردستاني بدوره ربط ربطاً محكماً بين محاربة «داعش» وصراعه مع الحكومة التركية، من خلال إقامة تماهٍ متخيل بين حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم وهذا التنظيم الإرهابي، وبذلك أنشأ مزيداً من الروابط بينه وبين الغرب، وكذلك مع النُخب الكردية/ التركية التي كانت ترفض من قبل كل سلوكيات ذاك الحزب ونهجه.

مجموع حضور «داعش» وطريقة استخدامه الوظيفي الكثيف من قبل «الشمولية الكردية» أدى لاسترجاع بضع ديناميات احتكارية «رجعية»، كان يُظن أن المجتمع السياسي الكردي العام قد تجاوزها. وهذه الديناميات لا تخدم سوى هيمنة «الشمولية الكردية» على المجتمع الكردي بشكل مطلق.

فقد عاد المحاربون على حساب المدنيين، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وانشغل الوعي المجتمعي بالسياسية فحسب، وبالذات بملف «الصراع مع الأعداء»، بعدما كان النقاش المجتمعي/ الثقافي/ الاقتصادي قد أحرز مكانة حيوية ومتقدمة في مختلف المجتمعات الكردية. وأخيراً، هيمن خطاب «قوموي» بدائي وجاف، على حساب نظرائه من خطابات الهويات الغنية، الطبقية والثقافية والجهوية والعلمية، المركّبة والمتنوعة والمرهفة.

كغيرهم من مجتمعات المنطقة، كان الكرد خلال السنوات الأخيرة يسعون بخطوات حثيثة ليتحولوا إلى «شعب» متخم بطيف مجتمعي متنوع وملوّن وغني، ثم جاء الاستخدام الوظيفي للصراع مع «داعش» من قبل «الشمولية الكردية»، ليجر الشعب نفسه الى الوراء، بحيث يغدو مجرد «كتلة من المحاربين»، وهذا لغايات في نفس يعقوب، ويعقوب أكثر من أن يُحصى.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

تحرير كوباني والصراع السياسي على ثمراته/ بكر صدقي

يشكل تحرير بلدة كوباني الكردية، في أقصى الشمال السوري على الحدود مع تركيا، أول هزيمة عسكرية كبيرة لتنظيم الدولة على الأراضي السورية. وتتحدث تقارير صحافية عن انتقال «قوات حماية الشعب» الأوجلانية الولاء، بمؤازرة البيشمركة البارزانية، إلى الهجوم في القرى القريبة من كوباني الواقعة تحت سيطرة داعش.

هذا تحول مهم في الإطار الكردي، وإن كان تفصيلاً صغيراً في إطار الحرب الدولية على الدولة الإسلامية. فهذه الحرب ميدانها واسع يمتد على مساحات شاسعة من الأراضي العراقية والسورية، ولا يمكن تحقيق تقدم مهم فيها قبل إيجاد حلول لمشكلات سياسية كبيرة في البلدين: مشكلة التمثيل السياسي للسنة ومشاركتهم في الحكم، والوضع القانوني لمدينة كركوك والنزعة الاستقلالية لدى كرد العراق من جهة، وتغيير النظام الكيماوي في دمشق كمقدمة لا بديل عنها لوقف الحرب الأصلية التي بدأت قبل ظهور داعش بسنوات. ووراء مجموع هذه المشكلات تبرز مشكلة الدور التخريبي لإيران عبر الاقليم الممتد من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن والبحرين وغيرها من مناطق النفوذ الامبراطورية. ويتوقف وضع ترتيب جديد للقوى ومناطق النفوذ في هذا الاقليم المنكوب، بطريقة غير مباشرة، على مصير المفاوضات النووية بين إيران والدول الغربية الست.

بعيداً عن هذه التعقيدات الاقليمية – الدولية الكبيرة، تبدو فرحة الكرد بتحرير كوباني كما لو كان هذا منعطفاً بارزاً في رحلة الاستقلال الكردي عن الدول المحيطة بهم، أي تركيا وسوريا والعراق وإيران. لا يقلل من هذه الفرحة حجم الدمار الذي لحق بالبلدة الصغيرة فباتت غير قابلة للعيش فيها، ولا التنمر المحتمل لحزب الاتحاد الديمقراطي بوصف القوات المسلحة التابعة له القوة الرئيسية التي قاومت هجوم داعش ثم حققت التحرير. الأهم من كل ذلك هو الحظوة التي حصل عليها الكرد – عموم الكرد – لدى «المجتمع الدولي» إياه الذي يشعر سائر السوريين بخذلانه لهم وتجاهله لمأساتهم الفظيعة المستمرة منذ أربع سنوات.

هذا التفاوت الحاد في الحظوة الدولية، إضافة إلى مسالك الشركاء المحليين في التعاطي مع مأساة كوباني، من المحتمل أن يؤسسا معاً لمزيد من الانفصال النفسي للكرد عن جيرانهم العرب في سوريا والأتراك في تركيا. هذا الانفصال الذي كان موجوداً بالفعل منذ سنوات، بسبب أحداث مأساوية كبيرة أخرى (حلبجة والأنفال في العراق، انتفاضة 2004 في سوريا) سيتعزز اليوم أكثر في ظل شروط الحظوة الدولية المذكورة، مما يرفع من منسوب الآمال الكردية في الاستقلال السياسي.

هذه الوضعية الموصوفة دفعت رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان إلى التعبير الصريح عن استيائه من تحرير البلدة، ومن انعكاساته المحتملة على الداخل التركي. فالانتخابات البرلمانية على الأبواب، ويخشى أردوغان أن ينجح الممثل السياسي الرئيسي للكرد، حزب الشعوب الديموقراطي، في التحدي الذي طرحه على نفسه بتجاوز حاجز العشرة في المئة من أصوات الناخبين ودخول البرلمان كحزب (وليس كمرشحين مستقلين) للمرة الأولى في تاريخ تركيا وتاريخ الحركة السياسية الكردية فيها. الأمر الذي قد يشكل ضربة موجعة لأحلام أردوغان بتمرير دستور جديد يؤسس لنظام رئاسي كامل يجمع بين يديه كل خيوط السلطة.

ومن جهة ثانية، بوصف أردوغان الممثل الأول للمصلحة القومية التركية والدولة التركية، فقد عبر صراحةً عن خشيته من ظهور كيان كردي في الشمال السوري على غرار الاقليم الفيدرالي في كردستان العراق، تكون القوة المسيطرة فيه، فوق ذلك، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني في تركيا. الأمر الذي من المحتمل أن يزيد من قوة شريكه اللدود في مشروع الحل السياسي للمشكلة الكردية، وأن يرفع سقف الطموحات الكردية في تركيا وصولاً إلى المطالبة بوضع قانوني جديد كالحكم الذاتي أو الفيدرالية. على الجانب الآخر من الحدود، يعيش السوريون في جحيم الحرب المفتوحة ومتعددة الجبهات. ولم يعد هناك ممثل موحد للاجتماع السوري الذي تفكك إلى حد كبير. فالدولة المركزية تقلصت حدودها كثيراً وفقدت قيمتها ومشروعيتها كقطب موحد للسوريين، حتى لو كان ذلك بواسطة نظام دكتاتوري دموي. والثورة السورية افتقدت منذ البداية إلى قيادة سياسية مركزية تشكل بديلاً عن النظام الساقط. أما الجسم السياسي الرئيسي للمعارضة، الائتلاف الوطني المعترف به دولياً، فهو يعاني من مشكلات بنيوية على رأسها فرط التجاذبات في داخله المعبرة عن المصالح المتنافرة للدول الداعمة. ويمكن القول أنه دخل في طور من الهزال الشديد قد يؤدي إلى تحلله. وفيما يتعلق بالموضوع الكردي، بخاصة، فشلت المعارضة السورية، قبل الثورة وفي أثنائها، في استقطاب المجتمع الكردي وحركته السياسية، كما في تفهم الخصوصية الكردية بمظلومياتها وتطلعاتها.

في امتحان كوباني، وقعت هذه المعارضة في الفخ التركي واتخذت مواقف متسقة مع مواقف الحكومة والرئاسة في تركيا. لا شك أن حجم النفوذ التركي في المجلس والائتلاف المعارضين، من خلال جماعة الإخوان المسلمين المحظية لدى حكم العدالة والتنمية، كان مؤثراً بهذا الصدد.

غير أن تحرير كوباني التي «انسحبت منها قوات الدولة الإسلامية لأنها باتت خراباً» كما أعلن إعلام التنظيم، سيفتح أيضاً السجال الداخلي الكردي – الكردي. منذ الآن ارتفعت أصوات، في الرأي العام الكردي، تحذر من تجيير حزب العمال الكردستاني للحدث لمصلحة أجندته الداخلية في تركيا. واقع الحال أن البيئة الاجتماعية – السياسية للكردستاني في تركيا تعاملت، منذ بداية حصار كوباني في أيلول/سبتمبر الماضي، كشأن داخلي كردي (تركي) وشهدت شوارع المدن التركية صدامات عنيفة، في 6-7 تشرين الأول/اكتوبر وخلفت أكثر من 14 قتيلاً، على خلفية الحرب في كوباني، للضغط على الحكومة التركية بموازاة الضغط الأمريكي. فكان أن سمحت الحكومة التركية بمرور البيشمركة عبر الأراضي التركية مع سلاحهم لمؤازرة المقاومة الكردية في كوباني.

مشاركة البيشمركة هذه، كما مشاركة فصائل من الجيش السوري الحر، حتى لو كان ذلك بأعداد رمزية، من شأنهما التخفيف من غلواء الكردستاني وفرعه السوري في احتكار النصر الذي ما كان ممكناً لولا الضربات الجوية لطيران التحالف الدولي والسلاح الذي أسقطته على كوباني الطائرات الأمريكية.

 

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

من دولة العراق الى “داعش” العالمية/ فايز سارة

عندما ظهرت “دولة العراق الإسلامية” قبل عشر سنوات، برزت منظمة ارهابية متطرفة، يقتصر وجودها على العراق، تنظيماً ونشاطاً. ورغم ان مؤسسها ابو مصعب الزرقاوي اردني الجنسية، فان ذلك لم يبدل كثيراً من طبيعتها العراقية، ولا بدلت من طبيعتها العلاقات التي كانت تربط بين بعض قياداتها وكوادرها مع الامن السوري، كما لم يغيير ذلك، انها انبثقت من تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين والمعتبرة فرعاً من فروع القاعدة، قبل ان تتخذ اسمها اللاحق “دولة العراق الإسلامية”، وانتشرت في كثير من المحافظات العراقية بينها الأنبار، ونينوى، وكركوك، وبغداد وديالي وغيرها من محافظات، عملت فيها بمواجهة القوات الاميركية من جهة وحركة الصحوة، التي نظمتها عشائر عراقية برعاية اميركية.

وطوال سنوات من وجودها ونشاطها، ظلت “دولة العراق الإسلامية” محصورة في العراق، وانتقلت قيادتها الى العراقيين بعد مقتل الزرقاوي، فتولاها ابو عمر البغدادي، ثم انتقلت الامارةالى أبو بكر البغدادي بعد مقتل الاول. وقد فتحت تطورات ثورة السوريين ضد نظام الاسد، وتحول سوريا الى ساحة للصراعات المسلحة وللتنظيمات الاسلامية المتشددة الباب نحو تحول نوعي وكمي في دولة العراق الاسلامية، فولد لها تنظيم في سوريا، حولها الى الدولة الاسلامية في الشام والعراق، تعبيراً عن امتدادها في البلدين وجوداً ونهجاً، اساسهما حشد من متطرفين، كانوا معتقلين، تم تهريبهم من سجون الحكومة العراقية في مسرحية، كان بطلها رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي، ليتم دفعهم باتجاه الاراضي السورية، ليشكلوا القوة الضاربة ل”داعش” في سوريا، والتي انضم اليها وافدون من كادرات وعناصر التطرف القاعدي، تم تنظيمهم ودفعهم للالتحاق مع اقلية من السوريين بمسلحي “داعش”في سوريا في تعبير اولي عن تحول “داعش” الى العالمية.

ومثلما كانت كانت عملية تهريب قيادات وكوادر القاعدة من السجون العراقية، عملية استخبارية، جاءت في السياق ذاته، عمليات تمرير المتطوعين الاجانب المتطرفين الى سوريا وفق خطط اعدتها ونفذتها اجهزة استخبارية متعددة، كان في عدادها الاستخبارات الروسية، التي مررت متطوعين من الشيشان عبر تركيا، والاستخبارات الايرانية، التي ساعدت في مرور متطوعين من افغانستان وباكستان عبر العراق، ولم تكن المخابرات السورية بعيدة عن تلك الجهود، فسهلت وساعدت في تجنيد وتمرير عناصر متطرفة للانضمام الى “داعش”، فيما كانت خلايا التطرف وتحت سمع وبصر اجهزة الاستخبارات الغربية، تقوم باصطياد وتنظيم المتطرفين في العديد من الدول الغربية، وتدفعهم الى سوريا للقتال في صفوف “داعش”.

لقد وضعت تطورات النمو الكمي “داعش” امام نقلة جديدة في وجودها واعمالها، وكلاهما لم يكن ليتم دون توفير امكانات مادية في المال والسلاح الضروريين، وهي مهمة تولاها حاكم العراق السابق نوري المالكي على نسق دوره في تعزيز قوة “داعش” بالمقاتلين، فاعطاها فرصة الهجوم على مناطق واسعة في شمال العراق، استولت في خلالها على معسكرات ومستودعات للجيش العراقي وعلى مصارف ومؤسسات تابعة للدولة العراقية، استولت من خلالها على سلاح وذخائر واموال، جعلتها قوة عسكرية هامة في خريطة القوى المسلحة في العراق، تقف في مواجهة قوات الجيش العراقي والقوة المسلحة لاقليم كردستان العراق مع نمو قدرتها المالية لحوالي خمسمائة مليون دولار، حولتها لاغنى تنظيم متطرف في العالم، حسبما قدرت الاستخبارات الاميركية.

صورة “داعش” اليوم، تبدو فاضحة في حضورها وممارساتها، وهي تنتشر على مساحات واسعة من اراضي سوريا والعراق بعد ان ازالت الحدود الفاصلة بينهما، وفي صفوفها عشرات آلاف المسلحين القادمين من مايزيد عن ثمانين بلداً، القسم الرئيس من سلاحهم من احدث الاسلحة الاميركية، التي تم الاستيلاء عليها من الجيش العراقي، وتتوزع خلايا “داعش” النشطة والنائمة في عشرات البلدان بينها تركيا ولبنان ومصر وفرنسا وبلجيكا، وتملك جهازاً اعلامياً، وحضوراً ملموساً في وسائل التواصل الاجتماعي، يؤديان عملاَ دعاوياً وتنظيمياً كبيرين عبر العالم، ولديها عاصمة للدولة في الرقة السورية، اطلقت فيها وفي مناطق تسيطر عليها الجهود لتشكيل ادارات ومؤسسات، واقرت نظاماً للتعليم بمافيه تعليم الطب، واصدرت عملة وجوازات سفر باسمها، ورسمت خارطة لها، تمتد على مساحات واسعة من قارات العالم القديم، ولعل الاهم في صورة “داعش” دموية تصرفات قادتها في التعامل مع غيرهم سواء كانوا من المسلمين او غيرهم، او هم من المسلحين أو المدنيين ، ام كانوا من النساء والاطفال، حيث الضحايا من الجميع، ولن يعدم عناصر “داعش” مبررات سياساتهم وممارساتهم، التي يقنعونها بالدين الاسلامي.

العنصر الاهم في عالمية “داعش”، يبدو في موقف التحالف الدولي لمكافحة الارهاب الذي تشكل الصيف الماضي بقيادة الولايات المتحدة بهدف محاربة “داعش”، وضم عدداً كبيراً من الدول العربية والاجنبية، والتي شارك عدداً منها في عمليات القصف الجوي على قوات “داعش” واماكن تحشداتها في العراق وسوريا، وهي عمليات لايمكن لها ان تؤدي للقضاء على “داعش” حسبما يريد التحالف الدولي، اذ لايمكن تحقيق مثل هذا الهدف الا بمزامنة القصف الجوي مع عمليات تتم على الارض، ومالم يتم ذلك، فان “داعش” باقية وتتمدد، وتصبح ذات حضور عالمي متزايد خاصة مع يحيط بها من تضخيم وتهويل اعلامي غير محدود.

المدن

 

 

 

 

 

لماذا لم يخسر «داعش» كلياً في كوباني؟/ لينا الخطيب

بعد أربعة أشهر من الغارات الجوية والقتال على الأرض، أُعلِن أن بلدة كوباني ذات الاكثرية الكردية قد تم تحريرها من تنظيم «الدولة الإسلامية»، بعد محاولة هذا التنظيم السيطرة على هذه البلدة السورية الاستراتيجية الواقعة على الحدود السورية-التركية. وسرعان ما أعلن التحالف الدولي المناهض لـ «الدولة الإسلامية» النصر في هذا السياق، مستخدماً النجاح في كوباني للتأكيد على أن استراتيجيته العسكرية تحقق نتائج ملموسة. لكن، على الرغم من فشل «داعش» في مسعاه للسيطرة على كوباني، فإن خسارته ليست واضحة في هذه المعركة. فعند التدقيق في المشهد الأوسع، يتضح أن تنظيم «الدولة الإسلامية» حقق أيضاً مكاسب نتيجةً لذلك: مكاسب مرتبطة باستخدامه الذكي للاستراتيجية العسكرية والآلة الدعائية، بقدر ما تتعلق بنقاط ضعف لدى التحالف الدولي.

كان توسّع «الدولة الإسلامية» شمالاً نحو كوباني جزءاً من محاولة للوصول إلى معبر حدودي بين سورية وتركيا. فقد شكّلت تركيا معبراً رئيسياً لـ «الدولة الإسلامية» لأن المقاتلين الأجانب المجنّدين حديثاً يمرّون فيها في طريقهم إلى سورية، وأيضاً بسبب وجود سوق سوداء حيث يبيع التنظيم نفطه بأسعار مخفّضة جدّاً. لذا، كان من شأن السيطرة على معبر حدودي أن يمنح «الدولة الإسلامية» ميزة استراتيجية مهمة. ومع أن السياسة التركية تعارض تنظيم «الدولة الإسلامية» رسميّاً، لكن البعض في الحكومة التركية يتعاطفون معه -إذ يرَوْن فيه وسيلة لمحاربة النظام السوري–، فأسهموا بالتالي في غض تركيا الطرف عن نشاط «داعش» على الحدود التركية- السورية.

ثم إن تنظيم «الدولة الإسلامية» استغلّ هذا التعاطف، وكذلك المخاوف في تركيا من الطموحات السياسية لبعض مواطنيها الأكراد –ومن بينهم مناصرو «حزب العمّال الكردستاني» الذين يطالبون بإقامة دولة كردية– لتكثيف مستوى نشاطه للوصول إلى الحدود السورية- التركية. وفيما تقدّم تنظيم «الدولة الإسلامية» أكثر فأكثر نحو تركيا من الجانب السوري، حتى وصل إلى بلدة كوباني الحدودية، ظلّت أنقرة ترفض مطالبة التحالف المناهض لـ «داعش» بإرسال الدعم إلى المقاتلين الأكراد في البلدات السورية عبر تركيا. من خلال هذا الرفض، سعت تركيا إلى إضعاف قدرات القوات الكردية إلى حد كبير. وكانت النتيجة أنه قبل الوصول إلى كوباني، نجح «داعش» في السيطرة على سبعين قرية كردية في سورية وطرد العديد من سكّانها. وهكذا، ومع أن تنظيم «الدولة الإسلامية» فشل في السيطرة الكاملة على كوباني، إلا أنه سيطر على المزيد من الأراضي من خلال هذا المعركة، على الرغم من الانسحاب التكتيكي من بعض القرى الكردية، الذي قام به فور إعلان خسارته المعركة، والذي يشكل مساراً طبيعياً ضمن استراتيجية التنظيم العسكرية، لأنه يخوله التقاط نَفَسه فبل محاولة التوسع مجدداً وإن في مناطق أخرى.

حين وافقت تركيا أخيراً على فتح حدودها للسماح للمقاتلين الأتراك-الأكراد بدخول سورية لمساعدة نظرائهم السوريين، وجد تنظيم «الدولة الإسلامية» نفسه محاصراً في كوباني، وكان أمامه خياران مُهلكان: إمّا البقاء في البلدة ومواجهة هذا الهجوم الجديد من جانب «البيشمركة» وسائر المقاتلين الأكراد، أو الهروب وتعريض مقاتلي التنظيم إلى غارات التحالف الدولي. لم يكن رد الفعل الأول لـ «لدولة الإسلامية» على هذا الفخ عسكريّاً، بل إعلاميّاً: إذ ظهر الرهينة البريطاني جون كانتلي في شريط صادر عن التنظيم وهو يجول في أرجاء كوباني، متحدّثاً أمام الكاميرا عن سيطرة «الدولة الإسلامية» على المدينة. كانت هذه المحاولة الأولى التي قام بها هذا التنظيم للتعويض عن الهزيمة العسكرية من خلال الدعاية.

ولكن «الدولة الإسلامية» اكتشف في الهزيمة العسكرية المتوقّعة في كوباني أفضليةً استراتيجية: إذ إن التصدّعات كانت قد بدأت تظهر في صفوف مقاتلي التنظيم داخل سورية، ولا سيما على الصعيدَين الوطني والإثني، كما في صفوف أعضاء التنظيم السوريين، فقيادة «الدولة الإسلامية» كانت بدأت بإعدام المعارضين الذين إما شكّكوا في قيادتها، أو اعتُبِروا سبباً للشقاق في مختلف كتائبها المتعددة الجنسيات. وهكذا، عرف التنظيم أن كلّ مَن يُرسَل إلى كوباني سيلقى حتفه بشكل شبه مؤكّد، فعمد إلى إرسال الأعضاء الذين أراد التخلّص منهم إلى هناك، وبالتالي، استخدم معركة كوباني كغطاء شرعي لـ «تطهير» صفوفه.

مع اقتراب معركة هذه البلدة من نهايتها، لجأ تنظيم «الدولة الإسلامية» مرة أخرى إلى طريقته المجرَّبة لتخطّي خسائره العسكرية: الدعاية، فهو احتجز طياراً أردنياً كان يشارك في الحملة الجوية ضده، وهو الملازم معاذ الكساسبة، وعمد إلى عرضه عارياً من الخصر إلى الأسفل في شريط فيديو، كما أطلق شريطاً آخر يُظهِر إعدام رهينة من رهينتَين يابانيَّين، وصوّر بياناً للرهينة الثاني يدعو فيه إلى إطلاق سراح ساجدة الريشاوي –التي تنتمي إلى تنظيم «القاعدة» وحُكِم عليها بالإعدام في الأردن منذ 9 سنوات بعد تنفيذها هجوماً انتحارياً فاشلاً– مقابل سلامة الطيار.

حظيت الأشرطة الثلاثة باهتمام كبير من الإعلام، ودفعت الأردن إلى إعلان موافقته على إطلاق سراح الريشاوي مقابل الطيار، ولا سيما بعد أن تظاهر أفراد العشيرة التي ينتمي إليها هذا الأخير في عمّان مطالبين الحكومة ببذل جهد أكبر لإطلاق سراحه. وبالتالي، جاء إعلان الحكومة الأردنية خوفاً من «الدولة الإسلامية» كما من احتمال زعزعة الاستقرار في الداخل إذا تمت استثارة استياء القبائل. وعقب إعلان الأردن، ردّ تنظيم «داعش» سريعاً بإعدام الرهينة الياباني الثاني، فاستطاع بهذا العمل إذلال كلٍّ من اليابان والأردن، وهما عضوان في التحالف الدولي. يبقى مصير الطيار الأردني مجهولاً لدى كتابة هذه السطور، إلا أن «الدولة الإسلامية» سيواصل على الأرجح استخدام احتجازه للضغط على الحكومة الأردنية، وهذا الضغط يمتدّ ليطاول الدول كافة التي تشارك في التحالف.

تُظهِر سلسلة الأحداث المرتبطة بكوباني نمطاً أصبح راسخاً الآن: كلما شعر تنظيم «الدولة الإسلامية» أنه أُرهِقَ عسكرياً، لجأ إلى الحرب النفسية من خلال الدعاية للتعويض عن ضعفه. ومع أن التحالف الدولي ربح معركة كوباني عسكرياً، إلا أنه خسر حرب الصورة. فتفاوض الأردن العلني مع «داعش» منح هذه الأخير زخماً كبيراً، إذ مكّنه من إذلال دولة عربية وكشف مخاوف الأردن من مسبّبات عدم الاستقرار الداخلية والخارجية. كما أن أحداث كوباني أظهرت نقاط ضعف التحالف الدولي، إذ بدا أنه لا يمتلك استراتيجية متماسكة للتعاطي مع أزمات الرهائن، فاليابان رفضت التفاوض، في حين أن الأردن قَبِل به. فضلاً عن ذلك، ألقت هذه الأحداث الضوء على تأثير التحالف على تركيا، التي أدّى رفضُها التعاون فيما كان تنظيم «الدولة الإسلامية» يتقدّم نحو كوباني، إلى تسهيل التوسّع الجغرافي للتنظيم. وتمكّن «داعش» أيضاً من تحويل خسائره العسكرية إلى أفضلية من خلال استخدام كوباني كمَطهَر للمعارضين في صفوفه. يستحقّ محرّرو كوباني التقدير لإنقاذ المدينة، إلا أن المشهد الأوسع يعكس سيناريو أحلك في الحرب ضد «الدولة الإسلامية».

* كاتبة لبنانية ومديرة مركز كارنيغي في بيروت

الحياة

 

 

رغم الهزائم المتتالية.. «داعش» ينتشر/ عبد الوهاب بدرخان

لم يتمكّن تنظيم «داعش» من التمركز على حدود تركيا لأن محاولته التمدد عبر عين العرب/ كوباني شمال شرقي سوريا انتهت إلى هزيمته وخروج مقاتليه منها. وطُرد أيضاً من ديالى شرقي العراق حيث حاول إيجاد موطئ قدم على حدود إيران. وكانت هجوماً «داعشياً» مدعّماً بانتحاريين أخفق في اختراق نقطة حدودية سعودية. وتحاول مجموعة من التنظيم، متعايشة مع «جبهة النصرة» في جبال القلمون السورية، إنشاء بنية ناشطة لـ «داعش» في لبنان، لكنها لم تفلح حتى الآن. وفجأة أعلن التنظيم «رسمياً» عن وجوده في ليبيا من خلال عملية انتحارية استهدفت فندقاً للديبلوماسيين في طرابلس. وكانت جماعة «أنصار بيت المقدس» أعلنت في وقت سابق أنها فرع لـ «داعش» في سيناء حيث نفذت قبل أيام سلسلة هجمات مركّبة أودت بعشرات القتلى معظمهم من العسكريين.

في غضون أيام متقاربة تزامنت هزائم «داعش» ومغامراته في أماكن متفرقة ومتباعدة جغرافياً. وإذا أضيفت إلى الهزائم نجاحات متقدمة لـ «البشمركة» الكردية شمالي الموصل وإنجازات محدودة لبعض القوات الحكومية العراقية في الأنبار، يمكن القول إن الحرب الحالية، بحدّها الأدنى، رسمت حدوداً للزخم القتالي للتنظيم ولطموحاته التوسّعية. إذ كان يتطلّع إلى السيطرة على حدود دولية والعمل على تحصينها ليتمكّن من تأكيد صفته كـ «دولة»، واستطراداً للدفاع عنها باعتبارها «إسلامية»، خصوصاً أن عدداً وفيراً من «صغار العقل والدين» راح يعطيه امتيازاً للاسم الذي خلعه على نفسه. أما المغامرات السوداء فليس مضموناً أن تقتصر على الأماكن التي وجدت فيها، فقد يكون ظهورها هنا وهناك بمثابة ردٍّ على الحرب المباشرة التي يتعرّض لها في العراق وسوريا. وللأسف فإن انتشاره، كما حصل سابقاً مع تنظيم «القاعدة»، بعد طرده من أفغانستان، سيكون تطوّراً كارثياً، بل سيكون أسوأ من ذلك إذا لم يؤخذ في الاعتبار ضمن الاستراتيجية الحالية للحرب، إذ بيّنت التجربة أن تفرّع «القاعدة» وتمدّده أدّيا إلى ظهور أكثر تجذّراً ووحشية كما في فروعه في اليمن والصومال والمغرب العربي وقبل ظهور «داعش» نفسه.

كل ذلك يجدد التساؤل عن أسباب مواصلة الحديث عن «حرب طويلة» تُقاس دائماً بالسنوات، لكن بات معروفاً أن تحوّل نظامين مذهبيين في العراق وسوريا إلى طرفين في حربين أهليتين لهما أبعاد طائفية حال ويحول دون إقحام جيشيهما في الحرب للتعجيل بالقضاء على «داعش». ورغم وجاهة السبب، فإن الكثير من اللوم يُلقى على الولايات المتحدة التي اتّبعت إدارتها الحالية سياسة لامبالاة وسلبية إزاء ما جرى في البلدين، تاركة التطوّرات تعمل لمصلحة المتطرّفين. وكانت لواشنطن تدخّلات متقطّعة في بغداد من دون أن تحسن ردعها عن المضي في استفزاز السنّة، ومن دون أن تستحثّ طهران للتخفيف من نزوات نوري المالكي. كما كانت لواشنطن محاولات للتفاهم مع موسكو على «حل سياسي» في سوريا، لكنها أخفقت تاركة للنظام السوري خيار الاستشراس على مواطنيه. وفي الحالين فعلت واشنطن بـ «الصحوات» العراقية ما عادت وفعلته بالمعارضة السورية، اذ تركتهما لمصيرهما، فكان أن استضعفهما المتطرفون ووجدوا أن الفرصة مواتية لهم.

واليوم يعود الأميركيون إلى نقطة الصفر، إذ يطرحون تسليح عشائر العراق وتدريب «معتدلي» المعاضة السورية. ورغم الخسائر البشرية التي مُني بها هؤلاء حتى الآن لم يبدأ الأميركيون بعد تنفيذ ما يطرحونه. وفي المقابل لم يتوصّل أعضاء «التحالف الدولي» إلى أي تصوّر لمسار الحرب حين تمسّ الحاجة إلى قوات برّية قد لا تتوفّر للأسباب ذاتها التي حالت حتى الآن دون وجودها. لكن ما جرى في العراق كان من تداعيات الغزو والاحتلال، أي أنه في بعضه على الأقل مسؤولية أميركية، وما يجري في سوريا نتيجة لعدم التدخل ولمنع أي تدخّل آخر. وفي الحالين تركت أميركا إيران تتدخّل كما تفعل حالياً في الحرب وتسمح لميلشياتها بارتكاب مجازر ضد السنّة، أي بإعادة إنتاج الظروف التي ظهر فيها «داعش».

اذا بقيت استراتيجية «الحرب على الإرهاب» تحت سقف «إضعاف داعش»، وبقيت الحرب على منوالها ووتيرتها الراهنين، وهذا هو المرجّح، فإنها تتقصّد منح التنظيمات الإرهابية كل الوقت اللازم كي تتمدد في أكثر من بلد ويكون المجتمع الدولي سمح للمرة الثانية للولايات المتحدة بأن تشن حرباً لتوسيع رقعة الإرهاب لا للقضاء عليه فعلياً.

الاتحاد

 

 

 

 

فظاعات «داعش» والمسؤولية العربية/ وليد شقير

في كل مرة يرتكب «داعش» إحدى فظاعاته التي تفوق ما قبلها، ينبري النظام السوري، ومعه طهران، إلى دعوة الدول التي تتعرض لشناعات هذا التنظيم إلى التعاون لمواجهة الإرهاب.

ويدبّج الناطقون باسم الدولتين التصريحات التي تطالب الدول التي «تدعم الإرهاب بالمال والسلاح» إلى وقف هذا الدعم، متلبسين ثوب البراءة من نموّه وصعوده، ومتنصلين من دور كل من دمشق وطهران، إن عبر أجهزة استخباراتهما أو عبر السياسات التي مارستاها على مدى عقد ونيف، في نمو هذا التنظيم وانفلاشه.

حتى أن الحكومة السورية تستغل كل عمل شائن يرتكبه «داعش»، كالإعدام البربري في حق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، للمزج بينه وبين سائر تشكيلات المعارضة السورية، مثلما فعلت الخارجية السورية في رسالتها إلى الأمم المتحدة بعد التفجير الذي استهدف الأحد الماضي حافلة زوار لبنانيين إلى الأماكن الدينية في دمشق، مطالبة مجلس الأمن بإدانة «داعش» و «جبهة النصرة» و «الجيش الحر» و «جيش الإسلام».

إنه تكرار مملّ لمزج لم يعد ينطلي على متابعي نشأة التشكيلات الجديدة للإرهاب التكفيري بنسخته الإجرامية التي تفوق التصور، وهو تكرار هدفه إلصاق تهمة رعايتها بالدول التي تحاربها، وإبعاد التهمة من الدول التي ساهمت في تغذيتها.

وإذا كانت الروايات عن احتضان دمشق (وطهران) بعض قادة هذه التشكيلات وتهريب بعضهم من سجون العراق وسورية بحجة «تسهيل عملياتها ضد الاحتلال الأميركي» للعراق، فليس على من فاته ما وثّقته كتابات واعترافات كثيرة عن هذا الاحتضان، إلا العودة إلى آخر التقارير الذي نشر في جريدة «الغارديان» البريطانية في 11 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، والذي يسرد شهادات، بينها لأحد قادة «داعش» الميدانيين ولأحد جنرالات الاستخبارات العراقية الذي سبق أن فاتح الاستخبارات السورية (عام 2009) بلقاءاتها على الأراضي السورية (في الزبداني) في الزمان والمكان لتنسيق التعاون بين قادة «الدولة الإسلامية» في العراق والبعثيين العراقيين، الذين نظموا مجموعات مقاتلة ضد الأميركيين في بلاد الرافدين إبان رئاسة نوري المالكي الحكومة العراقية. ولا يغفل التقرير المطوّل سرد التفاصيل المثيرة لعملية تشكيل قيادة هذا التنظيم تحت أنوف الأميركيين أنفسهم، في المعتقلات الأميركية في العراق، حين سُجنوا هناك لدى القوات الأميركية، ومن بينهم أبو بكر البغدادي نفسه… الذي ارتقى من ناقل رسائل بين أبو عمر البغدادي قائد التنظيم الرئيسي الذي قُتل لاحقاً وآخرين، إلى قائد التنظيم من بعده، لمجرد أنه «عديم الرحمة». كما لا يُغفل التقرير الإشارة إلى تدفق مقاتلين انضموا إلى التنظيم من دول عدة، وبينها طهران (!)، إلى مطار دمشق حيث كان يرافقهم ضباط سوريون إلى الحدود مع العراق براً.

قد تكون دول أخرى سعت إلى استغلال التنظيم لاحقاً بعد انطلاق الانتفاضة السورية عام 2011 ورداً على استفحال السياسة الإقصائية للمالكي، لكن جذور هذا التنظيم تعود إلى تلك الحقبة التي استفادت فيها الاستخبارات السورية من العلاقات التي نسجتها مع قادته من أجل تسهيل سيطرته على مناطق سورية، بدءاً من عام 2012 (في محافظة الرقة)، بهدف شيطنة المعارضة السورية المعتدلة، ووصمها بالإرهاب، وتقديم أولوية محاربتها على الحاجة إلى الإصلاح والانتقال إلى نظام شراكة جديد في بلاد الشام.

مرة أخرى تطرح هذه الوقائع السؤال عما إذا كانت محاربة «داعش» ممكنة من دون سد ثغرة استغلاله من النظام في سورية، الذي يَطرح المفاضلة بينه وبين ارتكابات هذا التنظيم، فالنظام يدعو سائر الذين يستفظعونها إلى تجاهل فظائعه هو، التي افتتحت الذبح والحرق والطمر بالتراب والخنق بالكيماوي والإبادة بالبراميل المتفجرة… والتعطش للدماء الذي جاء البغدادي لينافسه فيها. إنها الحلقة الجهنمية التي يراد لمن يكافحون الإرهاب أن يصبحوا سجناءها، والاختراق الوحيد المتاح هو تمكين المعارضين المعتدلين في سورية من خوض المعركة المزدوجة ضد الإرهاب المتعدد الأوجه.

ولا تعفي سياسة الرئيس باراك أوباما بإعطاء الأولوية لضرب التنظيم في العراق وترك سورية لمصيرها البائس، حيث يزيد «داعش» أسباباً لانحساره (الذي سيتأخر) في بلاد الرافدين، الدولَ العربية من المسؤولية، فسياسة ربح الوقت التي يعتمدها أوباما عبر الضربات الجوية تقود هذه الدول إلى الانتظار ورمي المهمة على دول الغرب، لكن مواجهة «داعش» وإحداث التغيير السياسي في سورية وتفادي الحروب المذهبية التي تنزلق إليها إيران عبر سياساتها في الإقليم، هي مسؤولية عربية في الدرجة الأولى، تحتم قيام خطة متكاملة متوسطة وبعيدة المدى، تشمل التعبئة الشعبية والعقائدية والدينية والعسكرية. وأول شروط هذه التعبئة الجرأة في مقاربة مفاهيم قديمة نشأ الإرهاب في كنفها وترعرع الضعف العربي البنيوي في ظلها، وصولاً إلى مواجهة مخاطر التفتيت.

الحياة

 

 

موتٌ معلن في قفص/ زهير قصيباتي

كلما ازدادت نكسات «داعش» وخسائره، زادت شراسته ووحشيته في ترويع الخصوم، خصوصاً التحالف العربي- الدولي الذي يقصف مواقع التنظيم في العراق وسورية. وإن كانت تلك نتيجة «منطقية» للأحداث التي تتوالى مصائبها في البلدين، فالأكيد ان الدول التي تدفع أثماناً بشرية في الحرب على «داعش»، لا يمكنها إعلان استسلامها… للاستسلام معنى وحيد وهو إغراء التنظيم بممارسة مزيد من الابتزاز، وتطويع «خلافة» أبي بكر البغدادي مساحات إضافية من دول المنطقة، وتحطيم حدود أخرى وكيانات ومجتمعات.

لن يبدِّد الأمر سريعاً صدمة حرق «داعش» الطيار الأردني الأسير معاذ الكساسبة، ولم يكن أحد في حاجة إلى دليل آخر من هذا النوع، ليقتنع بأن وحشية التنظيم بلا حدود، كما اعتبر الرئيس الأميركي باراك أوباما، بعد بث الشريط.

واضح ان توقيت البث هو لإحراج أوباما وضيفه الملك عبدالله الثاني الذي قطع زيارته واشنطن. وإعلان الجيش الأردني أن الشريط يعود إلى شهر يؤكد تلاعب التنظيم الذي كان طالب بإطلاق العراقية ساجدة الريشاوي، مقابل الإفراج عن الكساسبة. ولكن، هل تكتفي عمان بإعدام الريشاوي، ومساعد أبي مصعب الزرقاوي، تنفيذاً لوعيدها بـ «رد مزلزل» على جريمة حرق الطيار الأسير حياً؟

كارثة أن يتخيل أي عربي، مسلماً كان أو مسيحياً، شيعياً أو سنّياً، أي أوروبي أو أميركي أن مصيره يوماً سيكون كمصير معاذ، أن يُحرق حياً في قفص… الكارثة أن لا يملّ أوباما من إضجارنا كلما عدّد أخطار «داعش» وتسميات لوحشيته ولاإنسانيته، بينما تكتفي واشنطن بإعلان عدد الغارات الجوية على مواقع التنظيم في سورية المنكوبة بحروبها و «مآثر» نظامها، والعراق الضائع بين مكوّناته وحشوده «الشعبية» وميليشياته الخفية.

ولماذا التسرّع، الحرب صعبة، ألم يتوقع الغرب أن تستمر سنوات؟ وإذا كانت عين العرب (كوباني) مثالاً لأي منطقة سيخليها «داعش»، فهل نكون على قائمة إحدى عيون العرب، دماراً وخراباً ومشردين وأرامل، لهم جميعاً وعود سخية بمدن من خيم؟

عين العرب الكردية كلّفت الأكراد كثيرين من الضحايا، والكارثة ان الأرقام في زمن «داعش» والبغدادي، مجرد أرقام.

كيف يردّ الأردن على حرق معاذ حياً؟ كيف يوسّع دوره في التحالف الذي ما زال يجهل حتماً كم سنة سيكون عمر الحرب على «داعش»؟ الأكيد أن عمان تدرك رهان التنظيم على ترويع الأردنيين وزرع الشقاق بينهم، مستغلاً خوف بعضهم من ثمن الالتحاق بالتحالف. وواضح لدى جميع الذين لا يحتاجون دروساً من أوباما حول وحشية «داعش»، ان الحرب كلما طالت أطاحت ما بقي من تماسك كيانات كثيرة، ووحدة دول عديدة.

قفص معاذ ليس سوى سجن «داعش» الذي رفعت أسواره حول كل المنطقة، وتوسّع… بركان يحرق دولاً عربية ومجتمعات، وتطيح حممه تعايش الغرب والأوروبيين خصوصاً مع الجاليات المسلمة.

قد يسأل بعضنا: إذا كان دحر السوفيات في أفغانستان كلّف العالم الإسلامي لعنة «القاعدة»، وكلّف أميركا لعنة 11 أيلول (سبتمبر)… فهل مصائب البغدادي وكوارثه مجرد ثمن لما فعله الاحتلال الأميركي في العراق؟

يوم بث شريط حرق الطيار الأردني الأسير، كانت موسكو تحتفي بإعلانها طي ملف الأسلحة الكيماوية السورية، لتطمئن واشنطن إلى أن الحليف السوري للكرملين بات بلا أسنان… لم يعد يشكّل خطراً على إسرائيل، هو فقط ينسى كم برميل متفجّر يلقي على شعبه.

وكالعادة، بعد الشريط، هبّ النظام في دمشق مادّاً يده إلى عمان للتعاون في محاربة «داعش»!

قفص معاذ سجن كبير للمنطقة، سيبقى يذكّر الجميع بعجز العرب والمسلمين منذ 11 أيلول، عن انتزاع خلايا التطرف والتعصّب والجنون التي تغلغلت تحت جلدنا، مثقفين ومفكّرين وأمّيين، علماء جَهَلة وجَهَلة، يُنصِّبون أنفسهم حرّاساً للدين وهم يجلِدونه كل يوم… يعادون الأميركي ليل نهار، ويقتلوننا كل ساعة.

سجين «داعش» بزيّ المعتقلين في غوانتانامو.

قفص معاذ، أكبر بكثير من نكبة.

الحياة

 

 

 

 

ماذا بعد الذبح والحرق؟/ راجح الخوري

الى أين يمكن ان تصل الوحشية عند “داعش” وهل هناك نهاية لاستعراضات القتل المروّع التي كان آخرها أول من أمس شريط قتل الطيّار الأردني معاذ الكساسبة حرقاً؟

لقد شاهدنا طلاّب الكلية الحربية في الموصل يُعدمون على يد التنظيم بمنهجية بربرية غير مسبوقة: رصاصة في الرأس وإلقاء الضحية في النهر الذي غلب فيه الدم على المياه، وشاهدنا الصحافي جيمس فولي في بداية مسلسل الذبح، وشاهدنا صور الاعدامات والصلب وها نحن نشاهد شريط الحرق المرعب.

وسواء كان الشريط صحيحاً كما أراد “داعش” ان يوحي في تعمّده تعميم استراتيجيا الذعر التي يبثّها، أو كان مفبركاً وان الطيار الأردني قتل في وقت سابق كما اعلن الأردن، فالسؤال لم يعد الى أين يمكن ان تصل حدود القتل، بل الى أين يمكن ان تصل حدود التراخي والتخاذل عند الذين اعلنوا الحرب لوقف “داعش”؟

إننا نتحدث عن اربعين دولة في الائتلاف الدولي ضد الارهاب الذي تقوده أميركا، أميركا التي سبق لها ان دمّرت جيش صدام حسين في تسعة ايام ودمّرت “القاعدة” و”طالبان” في افغانستان في أقل من ثلاثة اسابيع، وهي أميركا التي يردد المسؤولون فيها الآن ان القضاء على “داعش” يحتاج الى ثلاث سنوات وحتى الى عقد من الزمن، ولكن في خلال ثلاث سنوات يمكن ان تصل فصول الذبح الذي شهدناه في جنوب لندن والذي نشهده في باريس الى حدائق البيت الأبيض!

بعد ذبح الصحافي جيمس فولي سمعنا كلاماً نارياً لباراك اوباما سرعان ما تبيّن انه مفرقعات صوتية، وقرأنا تصريحاً لافتاً للجنرال الاميركي المتقاعد من سلاح الجو ديفيد ديتبولا الذي شارك في اجتياح افغانستان يقول: “يجب القيام بحملة قصف مكثّفة وان استخدام القوة الجوية يجب ان يكون أشبه بعاصفة وليس برذاذ مطر، يجب ان تكون عملية شاملة على مدى اربع وعشرين ساعة طوال ايام الاسبوع”!

لكن شيئاً من هذا لم يحصل ومن الواضح بعد سبعة أشهر على قيام الائتلاف الدولي، ان ليس هناك استراتيجيا واضحة للحرب، ولطالما قال أوباما إن واشنطن وحلفاءها في صدد وضع هذه الاستراتيجيا، لكن العمليات بطيئة ومتعثرة، ومن الواضح ان أوباما لا يريد ان ينهي عهده ناقضاً ما قاله في بدايته من انه ضد دخول أميركا في حروب جديدة!

لكنها في الواقع ليست أقوالاً بل حسابات عميقة تجد ان القتال بين المسلمين يخدم المصالح الاميركية، ويخدم المسار التقسيمي للمنطقة، والدليل ان انتصار البشمركة ممكن وعجز ٤٠ دولة مستمر، لكنه في النهاية قتال ضد مختطفي الاسلام الذين يشوّهون صورته كما قال العاهل السعودي الراحل، ولهذا أعود تكراراً الى القول إن قتال “داعش” مسؤولية إسلامية في الدرجة الأولى.

النهار

 

المهمة الصعبة في الدفاع عن الإسلام/ حسان حيدر

قتلُ الطيار الأردني حرقاً بيد «داعش» يجعل مهمة المدافعين عن الإسلام أكثر صعوبة. تماماً مثلما فعل نحر الرهائن الأجانب في سورية والعراق، والاعتداء على «شارلي إيبدو» في باريس. فالرأي العام الدولي صار مثخناً بتراكم أشكال القتل الوحشية التي تكاد تنحصر هذه الأيام بمنتحلي صفة تمثيل المسلمين ومدّعي النطق باسمهم وإحياء دولة خلافتهم. حتى أن البعض في الغرب بدأ حملة للتشهير بما سماه «تراث القتل والتعذيب لدى المسلمين» معتبراً أن ما نشهده اليوم من تنكيل بالمخطوفين والأسرى والمدنيين ليس سوى امتداد لتاريخ طويل من أعمال التعسف والترويع لديهم، وخصوصاً العرب.

ومع أن العنف والقتل والانتقام والتعذيب صفات لازمت وتلازم على امتداد التاريخ الشعوب والأديان والتجمعات الأهلية كافة، من أقاصي الكون إلى أقاصيه، إلا أن سوء حظ المسلمين والعرب أن دورهم جاء وسط هذه الثورة التقنية الهائلة في وسائل الإعلام ووسائط النشر، يضاف إليها قصور لديهم في الفكر والذرائع والوسائل عن تقديم صورة مختلفة عن أنفسهم، في عالم يكاد يؤمن فقط بما يراه على الشاشات، الكبيرة والصغيرة، ويتقبل بسهولة الأفكار الجاهزة الموجهة من بُعد.

ويبرع «الداعشيون» في استغلال هذا التقدم التقني. ولأنهم يدركون أن الصورة أقوى وأسرع تأثيراً من الكلمة، وأسبق منها إلى عيون المتلقين وعقولهم، يستخدمون الأشرطة المصورة لعرض جريمتهم على العالم، بهدف ترويعه وإرهابه، وترسيخ عدائه لكل ما يمت إلى الإسلام بصلة من دون تدقيق أو تمييز في هوية المرتكب وأهدافه، فتعميق الشرخ بين الأديان والمجتمعات هو ما يصبون إليه في النهاية، وليست لديهم وسيلة أفضل من الوحشية القصوى المعممة.

وفي المقابل، تقف الدول الإسلامية المنشغلة بمبارزاتها المذهبية المفتعلة في معظمها، عاجزة عن مواجهة المد «الداعشي»، أو حتى عن الاتفاق فعلياً على ذلك، فالتنظيمات المتطرفة آخذة في التوسع والتشعب على رغم «الانتصارات» المتفرقة التي تشكلها الحملات الأمنية المستمرة، وغارات التحالف الدولي، واسترجاع كوباني وبعض أجزاء العراق، وقتل بعض قياديي التنظيم، ذلك أن خطر التشدد لا يكمن في الأجساد، بل في العقول، ويحتاج إلى مقاومة ومقاربة من نوع خاص، تبدأ بالمناهج المدرسية وتنتهي بحملات اجتماعية وإعلامية واسعة وذكية، تتوجه إلى المواطن في الداخل أولاً، ثم الى الرأي العام في الخارج، لأن ردود الفعل المذعورة في الغرب تقنع المزيد من الشبان المسلمين بأن معركة التطرف «محقة».

ويجب الاعتراف بشجاعة بأن حملات التوعية من خطر التشدد، على رغم ما يبذل فيها من جهد وما يخصص لها من إمكانات، عجزت حتى الآن عن تحقيق هدفها، لأنها لم تعرف كيف تخاطب الشبان وتقنعهم بالبدائل، نتيجة الهوة الفكرية الواسعة بين الأجيال، ولأن تكليف شيوخ الدين ومسؤولي الأمن بها يجعلهم يبدون وكأنهم يدافعون عن «وظائفهم»، بينما المجتمع المدني المسلم والمسالم هو ما يفترض أن يشكل البديل من التطرف، وأن توكل إليه مهمة الدفاع عن نفسه وابتكار أساليب هذه المواجهة ووسائلها.

ولعل الهدف الأول الذي يفترض التركيز عليه، إقناع المسلمين بأن دينهم لا يحتضر، مثلما يعتقد المتطرفون الذين يطرحون أنفسهم «خط الدفاع الأخير» عنه، وإثبات أن الإسلام قادر على استيعاب وهضم هذا التطور الهائل المستجد في المجالات كافة، من دون أن يفقد خاصيته الدينية والثقافية والإنسانية ودوره في المجتمع، وأنه من القوة بحيث يمكنه التعامل مع العوالم الخارجية بكل ثقة واقتدار، ولعل ذلك يبدأ بتغيير طريقة التعاطي مع الأقليات في العالم العربي، دينية كانت أو إتنية، وجعل حقوقها في صميم القوانين وليس منّة تنتظر «فتوى» من هنا أو هناك.

الحياة

 

 

 

 

جريمة «داعش» أيقظتنا/ الياس حرفوش

أراد مجرمو «داعش» أن تشكل طريقة قتل الطيار الاردني معاذ الكساسبة صدمة. اختاروا بعناية وحرفية الوسائل التقنية اللازمة لتصوير حرق جسده بتلك الطريقة الوحشية. غير أنهم، تحت وطأة الحقد الاعمى الذي دفعهم الى ارتكاب جريمتهم بهذه الطريقة، لم يتوقعوا ردود الفعل الواسعة والمستنكرة لهذه الجريمة، والتي تجاوزت الاردن الى العالم العربي كله، والى سائر المسلمين في أنحاء العالم.

كانت طريقة ارتكاب الجريمة صادمة. لا شك في ذلك. الى حدّ ما كان هؤلاء المجرمون قد عوّدونا على طريقتهم في ذبح ضحاياهم، وهي طريقة لا تقلّ همجية. لكنهم هذه المرة ذهبوا بالوحشية الى اقصى ما يتصوره انسان. ونحن اذ نستغرب، كبشر، مثل هذا الفعل، ولا نتوقع ارتكابه على أيدي بشر مثلنا، فمن الضروري ان نستنتج بعد ذلك ان هؤلاء ليسوا بشراً، وبالتأكيد فانهم ليسوا بشراً مثلنا، لديهم أحاسيس ومشاعر، ويمكن ان تصدمهم افعال التعذيب التي تُرتكب بحقّ كائن حي.

لا يشير قتل معاذ الكساسبة الى ان تنظيم «داعش» هو في موقع القوة بعد ما أخذ يتعرض له من نكسات وهزائم، سواء في شمال سورية او في ديالى العراقية. على العكس، قتل الطيار دليل عجز وضعف. انه انتقام وحشي نفذته مجموعة مجرمة بدأت ترى أن نهايتها تقترب. وهو انتقام من الادانات المتلاحقة التي تواجهها جرائمهم من قبل من كانوا يفترضون أنهم سيكونون القاعدة الشعبية الطبيعية لدولتهم المزعومة، وكانوا يتوقعون منهم ان يكونوا في طليعة «المبايعين» لـ «خلافة» البغدادي، لكنهم «فوجئوا» بهم يشاركون بطائراتهم المقاتلة في قصف مواقع هذا التنظيم على الاراضي السورية والعراقية. وبهذا المعنى كان انتقامهم من معاذ الكساسبة على هذه الصورة، لأنه كان بالنسبة اليهم رمزاً لكل العرب الذين يرفضون همجيتهم، ويعتبرون ان ادعاء «داعش» تمثيل الاسلام والدفاع عن قضايا العرب هو اكبر اساءة تلحق بالاسلام وبقضايا العرب. بكلام آخر، لو أُتيح لمجرمي «داعش» ان يمسكوا برقبة أي عربي أو مسلم آخر، فان مصيره لن يكون أكثر رحمة على أيديهم من المصير الذي واجهه الكساسبة.

هذا الحقد المعتمل في قلوب هؤلاء المجرمين لخّصته العبارة التي استخدموها شعاراً للنار التي أشعلوها في جسد الطيار الاردني. «شفاء الصدور» هو التعبير عن المرارات التي تعتمل في داخلهم، لأن ما كانوا يحلمونه من غزوات وانتصارات لم يحققوا منه سوى تهجير الابرياء من مدنهم وقراهم، ونشر التخلف والدمار والموت حيثما حلّوا، والتفنّن في تصوير اشرطة ذبح الرهائن التي زادت من الالتفاف الشعبي ضدهم.

غير أن الصدمة حيال مشهد النار التي أحرقت الطيار الاردني يجب ان لا تعمينا في الوقت ذاته عن النظر الى ذواتنا، والى ثقافة العنف المنتشرة في مجتمعاتنا، والتي لا تقيم أي وزن لحياة الكائن البشري أو لكرامته. طبعاً، نجح «داعش» في صدمنا لأنه اختار تصوير جريمته وبثّها، بدافع اخافتنا وبث الرعب في قلوب مناوئيه. لقد فعل «داعش» ذلك لأنه يعتبر نفسه «دولة» تقيم انظمة الحدّ على معارضيها ومخالفي قوانينها. لكن جماعة «داعش» ليسوا رواداً في مجال التعذيب ولا يستحقون الحصول على «جوائز» في هذا المضمار. فقادة هؤلاء الارهابيين تخرجوا على يد اجهزة ما يسمّى «الامن» في أنظمة القمع العربية. فيها تدربوا على فنون التعذيب وعلى استخدام وسائل العنف في التحقيق مع المعتقلين واغتيال المعارضين. في تلك الاقبية تدرب هؤلاء على ان كرامة الانسان تنتهي عند حدود السجن، وبعد ذلك لا يعود مهماً اذا قضى السجين او المعارض، او من يخالفهم الرأي، بالصدمات الكهربائية او بالغازات السامة، او بتفجير سيارته بأطنان الديناميت، أو بالتجويع حتى الموت.

جرائم «داعش» تصدمنا أكثر لأنهم اختاروا أخذ الوحشية الى ذروتها واستخدموا الوسائل الحديثة ليرعبونا بمشاهدتها. لكن هذه الجرائم يجب ان توقظ ضمائرنا، وأن تذكّرنا ان هناك جرائم أخرى ترتكب في عالمنا العربي، على يد أنظمة لا تقلّ شعاراتها حماساً عن شعارات «داعش»، لكننا نفضل ان نجد تبريرات لها، اذا كانت تناسب مصالحنا.

الحياة

 

 

 

طريق الأردن إلى «داعش» لا بد أن يمر عبر بشار/ جمال خاشقجي وسعود كابلي

الأردنيون غاضبون، لو وقف بينهم عاهلهم ودعاهم إلى حرب لا تتوقف إلا في الموصل لاستجابوا له. لقد وعدهم عبدالله بن الحسين برد قاس على «داعش»، في اجتماع له الأربعاء الماضي مع أركان قواته المسلحة، في إشارة إلى نيته الصريحة على تصعيد عسكري في الحرب المعلنة على هذا التنظيم المتطرف. ولكن كيف ومتى ومع من؟ لا نحتاج إلى خبير عسكري لنعرف أن أي حرب برية تضمن الانتصار على تنظيم «الدولة الإسلامية» وتقضي عليه وتحرر المناطق التي يسيطر عليها لا يمكن أن تكون من دون المرور عبر أراضي «أمير دمشق» بشار الأسد الذي لم يعد رئيساً للجمهورية العربية السورية، والتي لم تعد فعلياً موجودة، وإنما إمارات مقسمة بينه وبين آخرين، فهل يمر الجيش العربي الأردني وحلفاؤه بتوافق معه أم بالتغلب عليه؟

يبدو حديثنا وكأننا عدنا إلى زمن آل زنكي وصلاح الدين وتدافع إمارات حلب ودمشق والرها، زمن نحتاج أن ننزله على واقع زماننا وعلاقاته الدولية والإقليمية. لا بد أن ثمة تحالفاً إقليمياً يتبلور من أعداء «داعش» الذين أدركوا أنهم لا يستطيعون تحمل كلفة وجود هذه «الدولة» الغريبة الخارجة على المألوف ديناً وسياسة، والتي أصبحت حاضنة للعنف والإرهاب. جريمة حرق الطيار الأردني الأسير معاذ الكساسبة جاءت صادمة ومنبهة لوضع ما كان أصلاً يجوز قبوله واستمراره، ولا الرضا بتلك الحرب المحدودة التي أطلقها تحالف جدة قبل أشهر ضد «داعش». لا بد أن أحداً ما يقول الآن: لا بد من فعل شيء أكبر مما اتفقنا عليه في جدة في أيلول (سبتمبر) الماضي فهذه الجريمة الصادمة يمكن أن تتكرر مرة أخرى. ما الذي يضمن ألا تسقط طائرة أخرى؟ أو حتى أن يعمد «داعش» إلى اختطاف سعودي يزور تركيا ويحمله إلى «أراضيه» ويزعم أنه رجل استخبارات، فيفاوض عليه، أو اختطاف أردني من داخل الأردن! «داعش» لا يعتد بأخلاق الحرب، إسلامية كانت أم أممية، إنه تنظيم إرهابي يزعم أنه دولة ويتصرف وأفراده كذلك في حال متردية ومنحطة لو تركت لجرت المنطقة وأهلها إلى هذه الحال المتخلفة.

ولكن مرة أخرى، كيف يمكن أن يحارب الأردن ومعه دول المنطقة تنظيم «داعش» وأن ينتصر عليه، ثم يعيد بناء المنطقة بشكل يمنع ظهور «داعش» آخر؟

البداية يجب أن تكون من سورية، أو مما تبقى منها في يد «أمير دمشق». يجب أن يخرج بشار الأسد من الصورة ومن أي ترتيبات مستقبلية. الحرب ضد «داعش» يجب أن تمر فوق بشار ودولته، فالداء «الداعشي» بدأ هناك، ولا توجد حلول سهلة لسورية، فلا بد من حرب قاسية ضد بشار و«داعش» معاً، فتركهما أقسى وأمر، وقد أثبت الزمن ذلك، لذلك يجب البحث عن حلول من خارج الصندوق، مع التركيز على معضلة سورية الأساسية، وهي مرحلة التحول ما بعد الأسد وما بعد «داعش»، إذ التخوف من استمرار الانهيار هناك، لغياب الثقة في قيادة سورية قادرة على توحيد الأطياف كافة وقادرة على مواجهة الجماعات المتطرفة وما سيتبقى منها بعد سقوط «داعش».

أي حل حقيقي لسورية لا بد أن يتجاوب مع الشروط الأساسية الآتية: إيجاد قيادة سنية معتدلة لها مشروعية حقيقية يمكن بسطها للحفاظ على التراب الوطني السوري، تستطيع مواجهة أو احتواء أية مجموعات متطرفة، وضامنة لأمن وحقوق الأقليات، ومقبولة دولياً، تضمن منظومة الأمن الإقليمي مع دول الجوار. هنا يبرز دور كبير جداً يمكن للأردن أن يلعبه لمعالجة الأزمة السورية بشكل فعال، فالملك عبدالله الثاني، الذي يحظى باحترام كبير بوصفه زعيماً معتدلاً، يمكن أن يُمنح من خلال توافق عربي ودولي تحت مظلة الجامعة العربية والأمم المتحدة حق الوصاية (custodianship) على سورية لمرحلة انتقالية، بحيث يضمن العالم وجود القيادة القادرة على إدارة التحول الآمن في سورية، فللعاهل الأردني سابقة في ذلك، بحصوله على حق الوصاية على المقدسات الإسلامية في القدس.

لماذا نلجأ إلى فكرة من خارج الصندوق كهذه؟ لأن أطراف الأزمة السورية يتبعون المقولة الشهيرة لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل: «إذا كنت تسير خلال الجحيم فتابع السير» (if you’re going through hell, keep going). الجميع يرفض الاعتراف بأن أزمة سورية باتت «لعبة صفرية» (zero-sum game).

الشعب السوري يعاني من مأساة حقيقية نتيجتها حتى الآن أكثر من ربع مليون قتيل، وأكثر من نصف الشعب بين لاجئ ونازح، وتدمير كامل للبنية الأساسية التحتية والإنسانية والسياسية. ومن غير ضغط حقيقي من القوى الكبرى، سيكون من السذاجة الظن بأن أية مفاوضات في موسكو أو جنيف ستوفر أكثر من مجرد وسيلة لإدارة الصراع (conflict management) بدلاً من توفير حل حقيقي له (conflict resolution). فالنظام وحلفاؤه أعلنوا بعناد، ومن دون أي احترام لحقوق الشعب، التمسك ببشار الأسد الذي ثمة اتفاق على أنه إما فاقد للشرعية وإما غير قادر على استعادتها، فليس هناك ما يدفع للظن بأنه مستعد للتنازل طوعاً في الوقت الذي تقوم فيه قواته الجوية بقصف المدنيين بالبراميل المتفجرة. لقد أخفت جرائم «داعش» جرائم بشار التي لا تقل عنها بشاعة، بل إنها أفدح في تعداد ضحاياها. إن دعم إيران و«حزب الله» له يقوض أية فرص للحل في ظل عدم التكافؤ مع المعارضة التي تخلى عنها المجتمع الدولي في اللحظة الحاسمة.

يريد بشار وحلفاؤه أن يحول الثورة السورية في مخيلة العالم، من ثورة شعب ضد نظام مستبد، إلى حرب على الإرهاب، على رغم تحذيرات المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول الداعمة للثورة السورية بشكل متكرر من أن عجز النظام الدولي وتردده في التدخل وحسم الصراع لمصلحة الشعب سيؤدي إلى الفوضى، التي ينتعش فيها الإرهاب الذي يريده النظام لتشويه صورة الثورة وأهدافها، وللأسف ابتلع البعض هذا الطعم بفضل أفعال «داعش» القبيحة وكأنه مسرح معدّ له بينهم وبين بشار وحلفائه.

إن فشل المعارضة المعتدلة في تحقيق انتصارات، بل حتى خسارة بعض المناطق المحررة لـ «داعش»، يعود إلى أسباب عدة، أهمها العجز الدولي عن دعمهم بالشكل المطلوب، ولكن يجب ألا يشوش ذلك الرؤية تجاه الخيارات الصحيحة للتعامل مع الأزمة.

سورية في حاجة إلى التغيير، والسوريون المتضررون منذ أربعة أعوام مستمرة من الصراع الدموي أكثر من يعي هذا، وعلى رأسهم الأقلية العلوية نفسها التي باتت ترى أن النظام يستخدمها درعاً للحفاظ على نفسه، وقد يكونون أول من يؤيد حدوث تحول في سورية والتخلص من نظام الأسد في حال ترافق هذا الأمر مع الضمانات اللازمة في ما يتعلق بأمنهم ومصالحهم بوصفهم أقلية سورية، في حال اعتماد العالم حلاً جاداً مثل «الحل الأردني» الذي يضمن استيفاء جميع الشروط التي تعبر عن تخوفات السوريين والمجتمع الدولي تجاه المستقبل، إذ توفر «قيادة انتقالية معترفاً بها ولها علاقات دولية قوية مع الغرب، نابعة من المنطقة وأبنائها وليس من خارجها، بقيادة شخصية ذات مرجعية سنية تضمن مطالب الغالبية، كما أنها قيادة معتدلة قادرة على إعطاء الضمانات الكافية لكل الأطراف، وأخيراً توفير الضمانات المتعلقة بأمن إسرائيل بشكل يلغي التخوف من احتمالات فوضى ما بعد الأسد عليها».

ما يعزز فرص نجاح العملية الانتقالية أن الجهات الإدارية والأمنية الأردنية التي ستتولاها خبيرة بدواخل الشأن السوري، ولا بد أنها باتت متحمسة للعب هذا الدور بعد جريمة حرق الكساسبة المروعة والتي حشدت دعماً شعبياً لأي تدخل أردني، وخصوصاً إن حصل على دعم ومشاركة عربية ودولية.

حرب برية ضد «داعش» مكلفة ولا شك، ولا أحد بالطبع يريد الحرب، ولكن هل نملك حق الاختيار؟ إن لم نفعل فالقادم أسوأ.

* إعلامي وكاتب سعودي

** كاتب سعودي

الحياة

 

 

 

 

نحو مواجهة برية “حتمية” مع داعش/ محمود الريماوي

في واحد من المواقف المؤثرة، قال صافي الكساسبة والد الطيار الأردني، معاذ الكساسبة، يوم 25 ديسمبر/كانون الأول الماضي، بعد أيام على أسر داعش نجله إن” ابني ضيف على إخوان له في سورية”. كان الرجل يخاطب آسري ابنه الشاب، بمنطق عشائري، لإدراكه أن بعض قيادات داعش تحمل صبغة عشائرية، وقد ينفع معها الأسلوب العشائري في احترام الحياة البشرية، إذا ما توسط للمستهدف أبوه وكبار قومه، ضمن تعهدات متبادلة. وقد تبين مجدداً، وبعد فظاعة إعدام الطيار الشاب، أن هذا التنظيم الهجين لا يأبه لا لأعراف عشائرية، ولا لأخلاق الحرب، ولا لمنطق التفاوض، وأنه لا يبرع بشيء، قدر براعته في ازدراء الحق بالحياة، وفي التعطش للفتك بضحاياه، واقتراف القتل بطريقة استعراضية مقززة، وأن هذا التنظيم الذي يرفع راية الدين يناصب المسلمين العداء، أسوة بغير المسلمين، وبدون أي تمييز. والجرائم التي ارتكبها، حتى الآن، في العراق وسورية، تدل على أن الغالبية العظمى من ضحاياه من المسلمين .. السنّة.

لا يخاطب هذا التنظيم أحداً، ولا يبث رسالة يمكن أن يلتقطها أحد في زماننا هذا، إذ ينعقد رهانه على عبادة القوة العارية، ومحاولة نشر الرعب والاستيلاء على المال والنساء. لا علاقة له بمحيطه وبيئته، إذ ينشىء سلطته في عراء اجتماعي، وخلافته المزعومة تقوم على منطق الغلبة، فحيثما وجد له مواطئ قدم، في بيئة مسلمة أو غير مسلمة، وسواء ارتضى الناس من حوله هذه الخلافة بالترويع، أو أنكروها، بالابتعاد عنها، فإنه لا يتردد في إعلان خلافته، كما في الرقة والموصل، خلافة لا تتواصل مع أحد خارج نطاقها القيادي.

ينجح هذا التنظيم، إذن، في تعزيز عزلته الاجتماعية والسياسية والدينية أكثر فأكثر، مكتفياً، وقد أدار الظهر للأقربين والأبعدين، ببث رسائل على موقع للتواصل الاجتماعي، متوهما أن العالم كله محض افتراض، مقارنة بكيانه هو “الواقعي والحقيقي”، فيما الطائرات الحربية التي تقصف تجمعاته، تظهر في مرآته كغزو شيطاني، يثبت صحة رسالة التنظيم!

ليس الغرض من هذا المقال عرض جوانب لصورة هذا التنظيم الدخيل، بقدر ما يتركز على التأشير إلى جبهة جديدة، فتحها هذا التنظيم على “نفسه” مع الأردن، جيشاً وأجهزة أمن واستخبارات ومجتمعاً عشائرياً وغير عشائري، وأنه أتيحت لدى هذا التنظيم فرصة لتحقيق مكاسب، لو خاض غمار التفاوض، لكن العمى العقلي والأخلاقي حرمه من ذلك. وقد أشارت “العربي الجديد”، الأربعاء 4 فبراير/شباط الجاري، إلى جوانب مواجهة أردنية متوقعة مع داعش، وفي ساحات يسهل فيها على الأردن الحركة، سواء في سورية أو العراق. وفي ظروف يناصب فيها الجميع هذا التنظيم العداء ، وهذه المواجهة مرشحة لأن تكون مفتوحة، ولن تتوقف قبل إيقاع ضربات مدمرة وقاتلة لرؤوس هذا التنظيم ومواطن قوته، وذلك خلافاً لتوقعات ساذجة من داعش بأن إعدام الطيار الشاب سوف يثير الرعب، ويؤدي إلى شل حركة المعترضين. وعليه، فإن واقعة إعدام الكساسبة سوف تشكل نقطة تحول في المواجهة مع

“تزكية خيار المواجهة البرية يجمع عليه خبراء عسكريون وسياسيون. وليس المطلوب، الآن، دفع هذا البلد أو ذاك، الأردن أو غيره، إلى هذه المواجهة، غير أن الأطراف المتضررة من داعش لم تعد تملك ترف إدارة الظهر للخيار البري”

داعش، بعد أن أصبح الأردن طرفاً أساسيا يمتلك المزيد من الدافعية في هذه المواجهة التي تتعدى المشاركة في الغارات الجوية للتحالف الدولي، علماً بأن مصادر عديدة ذهبت إلى أن الأردن أوقف مشاركته في الحملة العسكرية الجوية، في أثناء فترة التفاوض مع داعش. أما الآن، فمن المنتظر أن يزاوج الأردن في حملته على داعش بين الجو والأرض.

وقد وصف مراسل للشؤون الأمنية في إذاعة بي بي سي (فرانك غاردنز) إعدام الكساسبة، وبالطريقة المروعة التي تم بها، بأنه يمثل فشلاً للتحالف الدولي في تحرير الرهائن وإنقاذهم، على الرغم من الأموال الطائلة المخصصة لعمليات استخبارية، وكذلك نشاط الأقمار الصناعية، وبقية وسائل التقنية الحديثة، المستخدمة للتقصي والتتبع.

لا يعود الأمر، بطبيعة الحال، لقدرات خارقة، يتمتع بها هذا التنظيم (علماً بأنه يمتلك قدرات جيدة، يوفرها خبراء عسكريون). ولكن، لسبب آخر، هو ما يلاحظه هذا التنظيم من تردد ومن تقاعس في مواجهته برياً. ما كان يمكن لكوباني عين العرب أن تتحرر لولا القتال على الأرض الذي خاضته الحركة الكردية المسلحة، إلى جانب الجيش الحر، حيث تم طرده من المدينة، ومن خمس قرى، وما زالت نحو عشرين قرية في ريف حلب في قبضته. وفي العراق، يواجه التنظيم صعوبات جمة في التوسع والتمدد، نتيجة مواجهته بقوات برية متعددة، ويستعيض عن هزائمه بإعدامات جماعية استعراضية ومقززة لضحايا، أغلبهم مدنيون. والمواجهة معه مستمرة على أرض العراق، وتُمنى هذه المواجهة، أحياناً، بنكسات نتيجة ضعف الكفاءة والجهوزية لدى أطراف عراقية مقاتلة، لا تملك من عدة قتالية سوى التعبئة الطائفية ضد ما تمثله داعش في منظور هذه الأطراف، خلافا للأكراد الذين يقاتلون داعش بعقيدة وطنية/ قومية، ويحققون انتصارات عليه.

في السجال السياسي الذي ثار في الأردن، عقب أسر الكساسبة، تحدثت نائبة في البرلمان، هي هند الفايز، إن كل ما جرى، ويجري آنذاك، يراد به زج الأردن في حرب برية، ومحاولة تبرير دخول هذه الحرب. وهكذا، فإن النائبة الفايز رأت مسبقاً أن المشكلة تتمثل في الحرب البرية التي لم تقع بعد!، علاوة على اعتقادها أن هذه الحرب كلها ليست حربنا. الآن، تدل ما آلت إليه قضية الطيار الكساسبة على أنه لا يمكن هزيمة هذا التنظيم من الجو فقط، وأن المواجهة البرية معه تقرض نفسها. وأن هذا التنظيم ينكر وجود سيادة للدول وهويات وطنية وحدود للدول، فقد سبق للخليفة المزعوم البغدادي أن قال إن العراق ليس للعراقيين وسورية ليست للسوريين. وفي وقت مبكر وقبل الاستيلاء على المواصل، في يونيو/حزيران الماضي، وجه تهديدات للأردن، واعتبر بصورة علنية أن هذا البلد هدف له.

تزكية خيار المواجهة البرية يجمع عليه خبراء عسكريون وسياسيون. وليس المطلوب، الآن، دفع هذا البلد أو ذاك، الأردن أو غيره، إلى هذه المواجهة، غير أن الأطراف المتضررة من داعش لم تعد تملك ترف إدارة الظهر للخيار البري. والولايات المتحدة تتحدث، بصورة صريحة، إن الهدف من تدريب قوات للجيش السوري الحر هو تأهيلها لخوض مواجهات مع داعش. لا يستطيع هذا الجيش أن يخوض وحده حرباً طاحنة ضد داعش، ودفاعاً عن شعبه بمواجهة النظام الحاكم في دمشق. الأطراف المتضررة كثيرة، ومن واجبها المشاركة في هذه المواجهة، إذا أرادت هزيمة داعش وحرمان من يستفيد منه، من وجود هذا التنظيم الذي يضاعف معاناة السوريين والعراقيين، ويهدد مجتمعات ودولاً أخرى، منها الأردن.

العربي الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...