الرئيسية / صفحات مميزة / مقالات مختارة تناولت “محادثات جنيف 3”

مقالات مختارة تناولت “محادثات جنيف 3”

 

 

 

المعارضة تقترح «المناصفة» للهيئة الإنتقالية ودمشق تتمسك بـ “حكومة مثالثة”/ ابراهيم حميدي

ظهر اختلاف في أولويات وفدي «الهيئة التفاوضية العليا» المعارضة من جهة، والحكومة السورية من جهة ثانية. إذ تركز المعارضة على تشكيل هيئة انتقالية كاملة الصلحيات مناصفة مع أعضاء من الحكومة من دون الرئيس بشار الأسد لصوغ دستور جديد مع استعدادها لمفاوضات مباشرة على طاولة مستطيلة، في مقابل اقتراح دمشق تشكيل حكومة على أساس المثالثة تضم موالين للنظام ومعارضين ومستقلين تحت الدستور الراهن ثم صوغ دستور جديد ودفعها للتفاوض على طاولة مستديرة، تتضمن أيضاً مستقلين وممثلي المجتمع المدني.

ويصل اليوم الوفد الحكومي برئاسة السفير بشار الجعفري إلى جنيف لعقد لقاء مع المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا الذي كان اجتمع أول أمس بوفد «الهيئة التفاوضية» برئاسة العميد أسعد الزعبي. وقال دي ميستورا إنه وضع المعارضة في أجواء جولته إلى موسكو وطهران ودمشق وعمان و «أشرت إلى أننا سنبحث تحديداً جدول الأعمال، أي الانتقال السياسي والحكم والدستور». وأضاف أن مسؤولي الدول التي زارها «أبدوا اهتمامهم ودعمهم التقدم في المناقشات السياسية الهادفة إلى انتقال سياسي، وكنت واضحاً للغاية مع كل منهم بأن ما نريده حالياً هو جدول أعمال قائم على الانتقال السياسي مع مسألة الحكم والدستور كما هو وارد في القرار الدولي 2254. ولم يعرب أي منهم في الواقع عن شكوكه حيال أولويات جدول الأعمال».

لكن مصادر مطلعة نقلت عن فريق دي ميستورا أنه أبلغ المعارضة بأنه في حال لم يجرِ تقدم خلال الجولة التفاوضية الحالية التي تستمر إلى 27 الشهر الجاري، فإن المفاوضات مهددة بالانهيار وسط الفجوة بين أولويات وفدي الحكومة والمعارضة. إذ إن الجعفري يحمل معه تعديلات ومقترحات لمناقشة ورقة المبادئ التي كان أعلنها المبعوث الدولي من 12 نقطة في ختام الجولة السابقة وسط اعتقاد ديبلوماسيين بأن الوفد سيركز على الحصول على دعم المعارضة لـ «الجيش السوري في معركته ضد الارهاب».

كما يحمل الوفد لمرحلة لاحقة في المفاوضات، مفهومه لـ «الانتقال السياسي» الذي عبر عنه الاسد، بالقول إن الحديث عن هيئة انتقالية بصلاحيات كاملة «غير منطقي وغير دستوري» وإن الانتقال يكون من دستور إلى اخر، مقترحاً تشكيل حكومة تضم موالين ومعارضين ومستقلين وفق مبدأ المثالثة، انطلاقاً من الدستور الحالي للعام 2012، ثم تقوم هذه الحكومة بصوغ دستور جديد وفق البرنامج الوارد في القرار 2254 ونص على تشكيل «حكم» ثم صوغ دستور وإجراء انتخابات، لاعتقاد دمشق بضرورة «عدم حصول فراغ دستوري وسياسي».

وبدا أن موسكو قريبة إلى هذا الموقف، إذ إنها أقنعت واشنطن بضرورة العمل على دستور جديد وأبدت مرونةً بقبول «إعلان مبادئ دستورية» وتشكيل حكومة تضم موالين ومعارضين مع تفويض الأمم المتحدة بتعيين المستقلين بحيث يكونون الكفة الراجحة في القرارات. كما ظهر أن فريق دي ميستورا مقتنع بمقاربة الحل الوسط القائم على التوازي بين مساري التفاوض على تشكيل الحكم الجديد وصوغ الدستور.

في المقابل، لم تعد «الهيئة التفاوضية» متحمسة لفكرة تقديم أجوبة عن الأسئلة الـ 29 التي كان دي ميستورا قدمها في الجولة الماضية مع أن أعضاء فيها كانوا أعدوا مسودة الإجابة، وهي تفضل حالياً التزام ورقة المبادئ التي سلمتها إلى المبعوث الدولي في الجولة السابقة وضمت 13 نقطة. وأظهرت وثيقة «الهيئة»، التي حصلت «الحياة» على نسخة منها أنه «طبقاً لقرار مجلس الأمن 2254، فإن الانتقال السياسي يبدأ في تشكيل هيئة حكم انتقالي تمارس كامل السلطات التنفيذية، على ألا يكون للأسد وأركان نظامه وجميع من تلطخت أيديهم بدماء السوريين دور فيها، من بدء المرحلة الانتقالية وذلك خلال ستة أشهر من تاريخ بدء العملية السياسية». وطلبت «الهيئة» في وثيقتها بـ «إعادة هيكلة وتشكيل المؤسسات العسكرية والأمنية»، إضافة إلى مطالبتها بـ «إخراج كافة المقاتلين غير السوريين من ميليشيات طائفية وجماعات مرتزقة، وقوات تابعة لدول خارجية من الأراضي السورية» وأن «تلتزم السلطات جميعاً في المرحلة الانتقالية وما بعدها بضمان حماية المدنيين من كل أنواع العنف أو التعسف أو الانتهاك بأي شكل من الأشكال، وفقاً لأحكام القانون الدولي والإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان».

وبدا أن المعارضة تفضل مبدأ المناصفة في المشاركة لتشكيل الهيئة الانتقالية. ونقلت «رويترز» عن الناطق باسم «الهيئة» سالم مسلط أنها مستعدة لـ «المشاركة في هيئة حكم انتقالي مع أعضاء حاليين من الحكومة الحالية لكن ليس الأسد نفسه». وأضاف أن «الهيئة» لن تعترض طالما لن يرسلوا «مجرمين». ويعني هذا أن «الهيئة» تريد تشكيل «هيئة انتقالية» من الطرفين ثم تقوم بصوغ دستور جديد للمرحلة الانتقالية تنتهي بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بإدارة وإشراف الأمم المتحدة، لاعتقاد بأن اقتراح دمشق يؤدي إلى «إعادة إنتاج النظام».

وكان الاسد، الذي تنتهي ولايته في العام 2021، وافق في مقابلة مع وسائل إعلام روسية على انتخابات رئاسية مبكرة إذا توافرت الإرادة الشعبية، ما عكس تغييراً في موقف دمشق التي كانت مستعدة فقط لانتخابات برلمانية مبكرة وإلغاء البرلمان الجديد، الذي بدأت أمس عمليات فرز أصوات المقترعين له، في حال حصل توافق مع المعارضة في مفاوضات جنيف.

وإلى الاختلاف على «المناصفة» الذي تريده «الهيئة» و «المثالثة» الذي تريده دمشق، هناك اختلاف آخر يتعلق بطاولة المفاوضات لدى انتقالها إلى مفاوضات مباشرة. إذ إن دمشق تريد طاولة مستديرة تضم وفد الحكومة ووفود المعارضة والمجتمع المدني والنساء، في حين تتمسك «الهيئة» بطاولة مستطيلة وتتخوف من مساع من موسكو ودمشق لـ «تذويب» المعارضة بضم معارضين قريبين منهما. وكان لافتاً أمس، وصول وفد من معارضين كانوا زاروا القاعدة العسكرية الروسية في اللاذقية (مطار حميميم) غرب البلاد، إلى جنيف، في وقت حجز منظمو مفاوضات جنيف، لمجموعة موسكو في فندق ملاصق لمكان إقامة «الهيئة التفاوضية» بدلاً من مكان بعيد كما جرت العادة سابقاً.

وعقدت أمس، مجموعتا العمل المتعلقتان بالمساعدات الإنسانية والهدنة اجتماعين في جنيف. وبحسب المعلومات، فإن دولاً غربية لاحظت تراجعاً في التزام دمشق إزالة العراقيل لإدخال المساعدات إلى مناطق محاصرة بينها داريا ودوما وحرستا قرب دمشق، وزيادة في خروقات الهدنة.

وقال دي ميستورا لصحافيين عقب اجتماع مجموعة العمل التي تضم ممثلين عن 17 دولة بينهم الولايات المتحدة وروسيا: «لا يمكنني أن أنكر أن الجميع يشعر بخيبة الأمل وعدد كبير يشعر بالإحباط جراء النقص في إرسال قوافل مساعدات جديدة إلى المناطق المحاصرة». وأضاف: «حتى الآن لم نتمكن من الوصول إلى دوما وداريا وحرستا… علينا القيام بالمزيد من أجل الفوعة وكفريا (في ريف إدلب) والزبداني ومعضمية» الشام قرب دمشق.

وأعلن رئيس مجموعة العمل يان إيغلاند، أن تحقيق الهدف الذي أعلنته الأمم المتحدة بإيصال المساعدات إلى أكثر من مليون شخص محاصرين قبل نهاية الشهر لن يكون ممكناً إذا لم تبد الحكومة السورية تعاوناً أكبر.

ونقلت صفحة السفارة الأميركية في دمشق على موقع «فايسبوك» عن وزير الخارجية الاميركي جون كيري تأكيده لدي ميستورا في اتصال هاتفي أمس دعم بلاده «القوي تركيز المحادثات على الانتقال السياسي طبقاً لبيان جنيف لعام 2012 وقرار مجلس الأمن 2254 والتطلع الى استجابة الأطراف في شكل جدي وبطريقة بناءة» وأن كيري «عبر عن مخاوفنا الجدية في شأن القتال في مناطق عدة وجهود النظام لعرقلة وصول المساعدات الانسانية».

وكان الزعبي قال إن الحكومة «ارتكبت أكثر من 2000 انتهاك لوقف إطلاق النار وأسقطت 420 برميلاً متفجراً في الشهر الماضي».

الحياة

 

 

 

الأسد ومسلسل الرقص مع الشيطان “الإمبريالي”/ بشير عيسى

بات من المؤكد أن الأحداث التي سبقت وتزامنت مع محادثات جنيف 3، منحت النظام السوري حظوظاً أوفر، فجعلته أكثر توازناً، وتحديداً مع بدء الغارات الجوية الروسية في 30 أيلول (سبتمبر) الفائت، قابله إرباك في صفوف الهيئة العليا للمفاوضات بسبب مجموعة عوامل رئيسة أهمها:

أولاً، عدم قدرة المعارضة المعتدلة ميدانياً على مضاهاة «داعش» و «النصرة»، في مقابل الوحدات الكردية وقوات النظام.

ثانياً، استمرار تحالف العديد من فصائل «الحر» مع «جبهة النصرة» المدرجة أممياً على لائحة الإرهاب، وهو أمر يعرف كيف يستغله النظام سياسياً في المحافل الدولية.

ثالثاً، الخطأ في القراءة الاستراتيجية لكيفية إسقاط النظام، والرهان على أن الروس سيبيعون نظام الأسد، وأن الولايات المتحدة بلحظة ما ستبادر لإسقاطه، ليتضح أن الإدارة الأميركية هي من يبيع ويشتري، وأن الروس كانوا أصدق مع حليفهم، وقد تدخلوا منعاً لانهياره.

رابعاً، تمدد «داعش» خارج العراق وسورية، وهنا تأتي تفجيرات باريس المروعة عشية اجتماع فيينا في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت، لتلقي بثقلها على القرار 2254 ومعه جنيف 3، حيث تقدم مفهوم الأمن والاستقرار على الديموقراطية والانتقال السياسي كما نص عليه جنيف 1، وهو ما عكسته كلمة لافروف: «إن هجمات باريس لا بد أن تنعكس على أجواء فيينا»! في رسالة إلى فرنسا لتراجع قراءة موقفها. وهذا ما جاء واضحاً حينها، على لسان لوران فابيوس بقوله: «إن أحد أهداف اجتماع اليوم في فيينا هو، تحديداً، أن نرى في شكل ملموس كيف يمكننا تعزيز التنسيق الدولي في مجال مكافحة داعش».

في هذه الأجواء، حضرت مقررات فيينا في القرار الدولي 2254، والتي كانت بمثابة إنجاز إضافي بالنسبة للنظام وحلفائه، قبل الذهاب لمباحثات جنيف 3 وهذا ما عدته المعارضة انقلاباً على جنيف 1، وتخلياً من الراعي الأميركي، بدليل تهديد الهيئة العليا للمفاوضات بالمقاطعة، وحديث رياض حجاب عن تهديد تلقته الهيئة، في اجتماعها بالرياض مع الوزير كيري، من أجل الذهاب إلى جنيف والقبول بحكومة وحدة وطنية موسعة، وإلا فالإدارة الأميركية ستوقف دعمها للمعارضة!

أمام واقع الحال هذا، بدت المعارضة وكأنها تسير في حقل ألغام، فالمفاوضات مطلب أميركي- روسي، أممي، والمقاطعة ستكون هدية مجانية تقدمها للنظام، كما أن المضي بها ضمن هذا المسار، يعني تسليمها بشرعية الأسد ونظامه. لذلك تحركت الرياض مع حليفها التركي وأصدقائها الأوروبيين، لمنع انزلاق المسار التفاوضي، بما يخدم الأسد وحلفاءه، وهنا أعادت فرنسا وبريطانيا تأكيد رفض أي دور للأسد في المرحلة الانتقالية. وصعّدت المعارضة مواقفها، مشترطةً فك الحصار عن المدن والبلدات التي يحاصرها النظام، وايصال المواد الغذائية الإغاثية والطبية، قبل الدخول في أي مفاوضات. وفي هذا السياق، جاءت صور مجاعة مضايا لتحرك الرأي العام العالمي، فسجلت المعارضة نقطة على النظام، فرد الأخير بحصار كفريا والفوعة المواليتين للنظام وزاده بحصار «داعش» لمدينة دير الزور، وقيام الطيران الروسي بإلقاء المساعدات الغذائية جواً، وذلك للتخفيف من حدة الحملة الإعلامية عليه.

مع هذه الأجواء التي بدت لمصلحة المعارضة، ضرب «داعش» بتفجيرات انتحارية مزدوجة مناطق موالية للنظام في حمص والسيدة زينب بدمشق، مخلفة أعداداً كبيرة من الضحايا والجرحى، ليعود الإرهاب لتصدر المشهد السياسي، ولتدخل المفاوضات حالة ركود، اصطدمت بإصرار وفدي المعارضة والنظام على عدم تقديم أي تنازل.

وهنا أعلن بوتين في شكل مفاجئ، سحب الجزء الأكبر من قواته، بعد ضمان هدنة وقف إطلاق النار، على هشاشتها، بالتنسيق مع الجانب الأميركي، وذلك بحجة المساعدة في دفع العملية التفاوضية، ما رأت فيه المعارضة والرياض خطوة ايجابية.

أمام هذا الستاتيكو في مفاوضات الجولة الثانية، جاء حديث كيري أمام الكونغرس قائلاً: ربما يفوت الأوان لإبقاء سورية موحدة إذا انتظرنا فترة أطول. وليعلن في شكل مفاجئ الحاجة للخطة ب التي ستحدد خلال شهر! تبعه كلام ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي عن الفيديرالية، وعليه تحرك الأكراد في الشمال السوري ليعلنوا فيديراليتهم.

صحيح أن روسيا نفت علمها بوجود خطة ب ورفضتها، وأن البيت الأبيض رفض الاعتراف بالخطوة الكردية، إلا أن ذلك كان كفيلاً بذهاب رئيس الوزراء التركي إلى طهران، خوفاً من قيام دولة كردية، لا يستطيع منعها، في ظل علاقة متوترة مع واشنطن وعداوة مع الكرملين، فتقاربت تركيا خطوة مع ايران، مقابل تريثها في الموضوع السوري!

يبقى موقف الاتحاد الأوروبي ومن ورائه الفرنسي والبريطاني، الداعم للمعارضة، والذي لم يكن بمنأى عن النقد واللوم الأميركي، وهذا ما اعترف به أوباما لمجلة «اتلانتك» معتبراً أن دعمه للتدخل العسكري الذي شنه حلف شمال الأطلسي في ليبيا كان خطأ، نتج في جزء منه من اعتقاده المغلوط بأن بريطانيا وفرنسا ستتحملان المزيد من عبء العملية. كما وصف أردوغان بالمستبد، واتهمه بعدم رغبته في استقرار سورية!

بعدها بأيام، وبتاريخ 22 آذار (مارس) أصاب إرهاب «داعش» قلب عاصمة الاتحاد الأوروبي بروكسيل. وأمام هذا المنعطف الخطير بالأحداث والمواقف الأميركية، سارعت الوزيرة الأوروبية موغريني الى مقابلة بشار الجعفري، معتبرةً أن إنهاء النزاع السوري سيتيح التركيز على التصدي لـ «داعش»، وقال الجعفري: ناقشنا في شكل مسهب أهمية التعاون مع الحكومة السورية في مكافحة الإرهاب!

وأمام مشهد العجز الأوروبي، كان الجيش السوري يستعيد مدينة تدمر الأثرية من «داعش»، ويلقى ترحيب الأمين العام للأمم المتحدة، فيما الجعفري يمد اليد للأميركيين لمكافحة الارهاب! بهذا المناخ يخرج الأسد واثقاً ومنتقداً السعودية وتركيا وفرنسا وبريطانيا، عارضاً على المعارضة الدخول في حكومة وحدة وطنية! وهنا لسنا في حاجة لكثير من التمحيص، لندرك مدى التقاطع مع المواقف الأميركية، إذ يبدو أن نظام دمشق قد نجح أخيراً، في رقصة الفالس مع الشيطان الإمبريالي!

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

مفاوضات.. الجولة الثالثة/ د. رياض نعسان أغا

نحاول أن نجد أملاً في المفاوضات السورية في جنيف، ولكن الأمل ضعيف جداً في إمكانية إيجاد حل سياسي مقبول، وسط هذا التردد الدولي حول اتخاذ قرار حاسم ينهي تصاعد المأساة السورية التي ألقت بظلالها القاتمة على المنطقة، ووصلت تداعياتها الفاجعة إلى أوروبا، وإلى العديد من أصقاع العالم، وقد أخفقت الجولتان السابقتان، حيث ترافق مع الأولى قصف مدمر على سكان محافظة حلب شاركت فيه روسيا، مع إعلان النظام رفضه للتفاوض. وأخفقت الجولة الثانية لرفض النظام مناقشة الموضوع الأساس، وهو تشكيل هيئة حكم انتقالية. وكان الدور الروسي معطلاً لمسيرة التفاوض، حين أصر على تحويل لقاءات التفاوض إلى حفل فلكلوري ضاعت في ضجيجه الأصوات الباحثة عن حل جاد، فقد بدا المشهد هزلياً حين جاءت معارضة مصنعة، تناضل بقوة لتأييد النظام والمطالبة ببقائه مع إجراء عمليات تجميل لإصلاح التشوهات. ومع أننا نتفهم رغبة «دي مستورا» في إرضاء أطراف الصراع الداعمة للنظام، فإننا نخشى أن تطغى هذه الحالة العبثية من المشاغبة المسرحية على جدية مهمة المبعوث الدولي، ثم إلى إعلان إخفاق الحل السياسي، وهذا ما يريده النظام الذي ابتعد من البداية عن الحلول السياسية التي كان بوسعها أن تجنب سوريا كل ما حدث من دمار ومجازر. فهو يخشى أن يقوده الحل السياسي إلى انتهاء تفرده بالسلطة، ونهاية سلطته المطلقة التي تجعله قادراً على خنق الشعب حين يريد، دون أن يملك أحد حق الاعتراض على أحكامه مهما بدت خاطئة وجائرة.

وفي هذا المشهد الفوضوي الذي يصر الآخرون على تهميش المفاوضات من خلاله، قام النظام بانتخابات برلمانية أكدت أنه غير معني بمسيرة التفاوض وبخطة القرار 2254، فهو ماض في سلطته غير الشرعية كأن شيئاً لم يكن. وعلى رغم أننا في المعارضة وأصدقاء سوريا من المجتمع الدولي غير معنيين بما يفعل النظام من ترتيبات خادعة في ادعاء الديمقراطية، فإن إقامة الانتخابات في غياب الشعب دليل استهتار كامل بالحالة المأساوية التي يعيشها ملايين السوريين الذين ينتظرون حلاً منذ خمس سنوات، ويتفاءلون أن يجدوا أملاً عبر مفاوضات جنيف. لكن الأمل محال مع تعنت النظام الذي يرفض تنفيذ قرار مجلس الأمن، ويرفض تشكيل هيئة حكم انتقالي، والطريف أن أحد أعوان النظام وصف هيئة الحكم بأنها انقلاب، متجاهلاً وجود ثورة هي أول انقلاب حقيقي على نظام حكم في سوريا دفع الشعب فيها مليون ضحية من أبنائه، وتعرض مئات الآلاف منهم للسجن والاعتقال والموت تحت التعذيب كي يخلص من الظلم ويتحرر من العبودية. ولم تشهد البشرية في تاريخها الحديث شعباً يهاجر من وطنه بهذا الحجم الذي يفوق اثني عشر مليون مهاجر ونازح، هرباً من نظام يلاحقه بالبراميل المتفجرة وبالصواريخ، ويستقدم جيوشاً من روسيا وإيران ومليشيات متنوعة كي يقتل شعبه عقاباً له، لأنه تجرأ وطلب الحرية والكرامة.

لقد بدأت المفاوضات في جنيف وهي تحمل بذرة نهاية أخرى مريرة، لأن روسيا ما تزال تصر على استمرار المأساة، وهي تعرف أنه لا حل للقضية إلا برحيل الأسد وأركانه. وقد قبلت المعارضة أن يشارك في هيئة الحكم من لم يرتكبوا جرائم من بنية النظام، وهذا تنازل كبير كان دافعه الأساسي هو الحرص على الدم السوري وعلى إنهاء تصاعد الفاجعة الكبرى، والخوف على سوريا من التقسيم والتمزق، والإسراع في محاربة الإرهاب وإخراج كل المقاتلين الغرباء من سوريا. لكن الدول الداعمة للنظام مصرة على الدفاع عن بقاء من دمروا سوريا ومن قتلوا شعبها وشردوه، ومصرة على إذلال هذا الشعب وإعادته إلى بيت الطاعة والخضوع، وهي تعلم أن هذا محال، وأن دونه أكثر من مليون ضحية أخرى، لكنها غير آبهة لذلك، فهي تدرب قواتها بأجساد السوريين وأرواحهم.

وأما إيران فهي مستعدة أن تقتل الشعب السوري كله لقاء أن تبقى مسيطرة على سوريا، كما تسيطر على العراق، وهي تخطط لقضم بلاد العرب، مسكونة بحقد طائفي تاريخي لم ينفع في إطفاء جذوته كل ما بذل العرب من مودة ورحابة وحرص على حسن الجوار.

وقد لبينا الدعوة إلى الجولة الراهنة في جنيف، على رغم معرفتنا السابقة بعقم المحاولة، فإننا لا نريد إغلاق باب الحوار والتوقف عن متابعة الحل السياسي، ونحن ندرك أن المجتمع الدولي لن يتحمل مزيداً من هدر الوقت ومن هدر الدماء، فلابد له من مراجعة حاسمة لرؤية نهاية لهذه القضية التي تشغل العالم، وتوشك أن تتحول إلى حروب مدمرة لا نهاية لها في المنطقة كلها.

ومع أن دي مستورا أعلن أن هذه الجولة ستناقش القضية الجوهرية (هيئة حكم انتقالية ذات مصداقية) لكن الموقف الروسي لا يزال يقف عائقاً أمام تنفيذ القرار الدولي الذي وقعته روسيا ذاتها، وهي تعلم أن الحديث عن توسيع الوفد وعن تشكيل حكومة وحدة وطنية تقدم أوراق اعتمادها للأسد ذاته، ولو في المرحلة الانتقالية، هو مضيعة للوقت ومنح فرص أكبر للنظام كي يرتب ما تهدم من بنيانه، وإغلاق لأبواب الأمل أمام الشعب النازح المتربص في المخيمات، وقد أصبحت معاناته حديث البشرية.

إن الخلاص من الإرهاب يقتضي خلاصاً من أسبابه، ولا يغيب عن العالم كله أن النظام استقدم الإرهاب كي يغطي على قضية الشعب الثائر ضد الاستبداد، وتجاهل هذه الحقيقة سيجعل الإرهاب يبقى ويتمدد، وقد آن أن يواجه العالم الحقيقة بدوافع إنسانية، وأن يعترف بحق الشعب السوري في الانتقال الكامل إلى دولة مدنية ديمقراطية.

الاتحاد

 

 

 

الأسد إذ يتحدى المعارضة/ لؤي حسين

مهما كان موقفنا من بشار الأسد ومن دوره في الأزمة التي تعصف بسورية منذ خمس سنوات، لا بد أن نشهد له بأنه قال كلاما متقدما قبل بضعة أيام في مقابلته مع وكالتي «ريانوفوستي» و»سبوتنيك» الروسيتين. فبمتابعة بسيطة لهذا اللقاء نرى تقدماً ملحوظاً يحرزه الأسد على نفسه وعلى معارضيه، وذلك لأول مرة طيلة السنوات الخمس المنصرمة. بل إن أجوبته التي ناقض فيها ما صرّح به وزير خارجيته قبل أسابيع، تسمح لنا بالتشكيك بأن المقابلة بمجملها نُظّمت ورُتّبت لتناسب الشريك الروسي الذي كان قد سحب أغلب قواته على أثر تصريحات السيد وليد المعلم التي تفيد بعدم القبول إطلاقا بحث موضوع بشار الأسد أو مقام رئاسة الجمهورية في المفاوضات.

وقد رجّحنا حينها أن تلك التصريحات سبب قرار الرئيس الروسي سحب أغلب قواته من سورية بعد مساهمتها الرئيسة في انتصارات كبيرة حققها الجيش السوري. واعتبرنا ذلك بمثابة تهديد قوي وصارم للأسد بأن عليه أن يختار بين القبول بما رسمه له بوتين وقياداته، واتفق عليه مع الأميركيين، وبين أن يواجه مصيره وحده. ضمن هذا السياق وحده، يمكننا النظر إلى مقابلة الأسد الأخيرة، حيث يبدو قبوله بانتخابات رئاسية مبكرة وبمشاركة المعارضة في مرحلة انتقالية كأنه الجواب الصريح الذي طالبه به بوتين، والذي يتمثل بقبول دور روسي وصائي على نظامه في هذه المرحلة. فكلامه هذا عن الانتخابات الرئاسية المبكرة يناقض بشدة ما حرص على التمسك والاعتداد به لأيام قليلة سابقة من أنه رئيس بشرعية انتخابية اكتسبها بفوزه المسرحي في الانتخابات الرئاسية الزائفة، التي أجراها قبل أكثر من سنة ونصف السنة، واعتبر بعدها أن مقامه لا يجوز المساس به قبل انقضاء مدته الدستورية بتمام سنواتها السبع.

في هذه المقابلة، يخوض الأسد في النقاط الرئيسة وذات الحساسية الواردة في بياني فيينا وميونخ وقراري مجلس الأمن ٢٢٥٤ و٢٢٦٨، أي النقاط التي اتفقت عليها موسكو وواشنطن: مرحلة انتقالية، دستور في الصيف المقبل، سلطة انتقالية تشارك فيها السلطة والمعارضة، انتخابات رئاسية مبكرة، وقف إطلاق النار. ونلحظ، إضافة إلى أنه يقدم أجوبة متقدمة عمّا عهدناه به من تعنت خلال سنوات الصراع والأزمة، أنه يقدم أجوبة مرنة غير متصلبة، فأغلب الأجوبة يقدمها على أنها وجهة نظر، بمعنى لا يستبعد أو يستنكر وجهات النظر الأخرى، وأهمها الطرح الروسي الذي نراه حريصاً كل الحرص على أن يكون ما يقوله شبه متطابق معه.

في المقابل، مما يطرحه الأسد في مقابلته، والذي سيكون أساس اشتغال وفده التفاوضي في جنيف، نجد أن المعارضة مكتفية بالمراوحة عند مقولة عدم القبول بمشاركة الأسد أو أيٍّ من أركان حكمه في «هيئة الحكم الانتقالية»، معتبرةً أن بيان جنيف والقرارات الدولية تدعم هذا الفهم. وذلك من دون أن تخبرنا عن أي تفصيل آخر.

المقارنة بين طرفي التفاوض المعتمدَين دولياً لإنهاء الأزمة السورية، النظام والمعارضة، ليس من باب المفاضلة بينهما وفق معيار أخلاقي أو معيار إجرامي، فمثل هذه المفاضلة ليست قائمة دولياً على الإطلاق، لا الآن ولا سابقاً. لكن مقارنتنا هذه تأتي ضمن محاولة استشراف مستقبل مفاوضات التسوية، ومحاولة تقدير ماذا ينتظرنا في جولة المفاوضات الثالثة (أو الثانية) الآن في جنيف. فهذا التغيير في مواقف الأسد والمراوحة في مواقف المعارضة متأت من فهم الدول الداعمة والراعية للطرفين لمآلات الأمور. فإذ نرى روسيا، من خلف أقوال الأسد، تعتبر أن سياقات التسوية الحالية دخلت مرحلة المنافسة متخطية بذلك مرحلة الصراع العسكري، نلاحظ أن الدول الحاضنة للمعارضة ما زالت عاجزة عن تَمثّل هذا الفهم من خلال طروحات وتصريحات الهيئة العليا للمفاوضات ووفدها المفاوض.

وإن غضضنا النظر قليلاً عما تقوله وسائل الإعلام، وما تحاول الإيحاء به، سنجد ببساطة هشاشة كبيرة في بنية وموقف الطرف المعارض. وسندرك بمرارة أنه بعد مضي خمس سنوات من الصراع المعقد والمتنوع، بآلياته ومستوياته ووسائله وأطرافه، وبعد عدد لا بأس به من جولات تصنيع معارضة مطيعة من قبل دول بارزة في مجموعة «أصدقاء الشعب السوري»، نصل إلى لحظة الاستحقاق السياسي التي نحتاج فيها بكل قوة إلى معارضة وازنة وعاقلة يمكنها أن تكون بديلاً للنظام أو لبعض أجزائه، أو حتى أن تكون شريكاً كفوءاً له، فلا نجد أن لدينا سوى قبض ريح. بل إن نظرنا إلى هذه الجولة من المفاوضات، خصوصاً إذا تمت في شكل مباشر، سنرى أنها ستتم بين رفاق السلاح الواحد. فالشخصيات الرئيسة فيها هم من موظفي النظام الحاليين أو السابقين، ضباطاً أو وزراء أو سفراء أو دبلوماسيين أو رؤساء وزراء أو نواب رؤساء وزراء.

أمام هذا المشهد الجارح للذات السورية التي كانت طامحة إلى رؤية سورية أفضل مما كانت عليه مطلع ٢٠١١، نتمنى على المثقفين السوريين والعرب، خصوصاً اللبنانيين منهم، الذين أخرجونا من جلودنا حين كنا نقول إن ثورتنا التي نريدها هي ثورة على بنية سياسية ومعرفية وقيمية وثقافية واقتصادية وليس استبدال أشخاص بأشخاص، أن يعيدوا النظر في كل ما قالوه سابقاً، آخذين بعين الاعتبار أن الموضوع أصبح الآن أدنى بكثير مما كنا نحذَره ونحذّر منه. فكل المطروح الآن مجرد تغيير في ولاءات موظفي السلطة: فبينما كان ولاء جميع الموظفين قبل «الثورة» (كما يطيب للبعض تسمية الصراعات الدائرة على الأراضي السورية) لرأس النظام أو لشريك قوي من عائلته، كرفعت الأسد سابقاً، ستتوزع الولاءات الآن بين وزراء خارجية أو موظفي خارجية الدولة الراعية لأطراف الصراع المحلية والأجنبية الموجودين على الأرض السورية.

خسرت سورية الكثير. ولكن قد يكون من أهم ما خسرته الآن هو سيادة أبنائها «بعجرهم وبجرهم»على شؤونهم المحلية وحقلهم العام.

* رئيس «تيّار بناء الدولة» السوريّة

الحياة

 

 

 

 

ليس أن يرحل أم لا… بل متى موعده وكيف؟/ محمد مشموشي

لم يعد السؤال «يبقى الأسد أو يرحل»، انما متى يرحل وكيف؟ ولا علاقة لهذا بمن انتصر أو هزم في حرب السنوات الخمس الماضية، بل أساساً بمن أصبح من دون حق في الحكم، وبلا شرعية سياسية أو حتى أخلاقية، في أن يبقى رئيساً لبلد لم يكتف بتدميره على رؤوس أهله فحسب، بل قتل وسجن وشرد من بقي منه على قيد الحياة، بالأسلحة الكيماوية والبيولوجية والبراميل المتفجرة… بأيدي أنصاره أو بقذائف قوات ومقاتلات وميليشيات أجنبية استقدمها من الخارج لهذه الغاية.

وحتى الذين يرفضون الحديث علناً عن مستقبل بشار الأسد، مثل روسيا، يقولون إنهم لا يريدون الآن أن يبحثوا في هذا الأمر، لأن من شأنه، في رأيهم، أن يؤثر في العملية السياسية. لكن كلمة «الآن» تحمل من المعنى ما يجعلها مفهومة لدى الأسد ولدى غيره. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ففيما يقول وزير خارجيتها جون كيري إنه يتفهم موقف روسيا، فإنه لا يترك مناسبة إلا يكرر فيها موقف بلاده: لا مستقبل للأسد في غد سورية.

آخر ما أعلنه كيري في هذا الصدد، جاء في مقابلته مع قناة «العربية» قبل أيام: «لا سبيل أمام الأسد لاسترجاع شرعية تخوله حكم سورية. فلا أحد، أو ربما قليلون هم من يرون أن في مقدوره توحيد بلد استخدم ضده الغازات السامة والبراميل المتفجرة وسياسة التجويع… كيف بوسع رجل كهذا أن يبقى رئيساً لبلده»؟. بل أكثر، قال كيري: «على الأسد أن يدرك أن العالم، وأعني العالم، لن يقبل فكرة أنه يمكن أن يكون شخصاً يتفق عليه جميع السوريين. لن يستطيع ذلك. لقد استخدم الغازات السامة ضد شعبه في انتهاكٍ لقوانين الحرب، كما استخدم التجويع كأداة حرب انتهاكاً لهذه القوانين كذلك، وعذب عشرات الآلاف من مواطنيه، ليس فقط انتهاكاً لقوانين الحرب بل أيضاً انتهاكاً لجميع قوانين السلوك الإنساني… فالأسد يتحمل مسؤولية هائلة عن ذلك، وهي مسؤولية ستظل قائمة ولا يمكن أن تسمح له بإعادة توحيد سورية».

لا ثقة طبعاً بما يقوله كيري، ولا قبل ذلك بسياسة رئيس إدارته باراك أوباما تجاه الحرب السورية، من دون تبرئة لا زميله الروسي سيرغي لافروف ولا رئيس هذا الأخير فلاديمير بوتين. لكن جرائم الأسد أكبر من أن يستطيع الأربعة (وغيرهم من إيران إلى الصين) أن يتحملوا عبئها، أو حتى أن يتمكنوا من التغطية طويلاً عليها.

ربما أدق وصف لهذه الحال، جاء بلسان بي.ج كراولي من هيئة الإذاعة البريطانية، عندما قال في أحد تعليقاته: «تقوم سياسة أوباما حتى الآن على فرضية أن أيام الأسد معدودة. قد يكون ذلك صحيحاً وربما ما زال، لكن عدد هذه الأيام، بفضل بوتين، يصبح أكبر لا أقل».

وبغض النظر عن مدى «التآمر»، كما هي عادتنا، بين أوباما وبوتين في مدّ عمر الأسد، فليس خافياً أن ما سيكتب في النهاية هو مستقبل لسورية وشعبها من دون الأسد ونظامه الذي لم يعد أحد يدافع عنه، أقله كما حدث بالنسبة إلى الانتخابات النيابية التي أصرّ على إجرائها في 13 نيسان (أبريل)، على رغم عدم اعتراف كل من واشنطن وموسكو ونيويورك الصريح بها.

ذلك أن ما يفعله الأسد وحلفاؤه الإيرانيون حالياً، لا يخرج عن كونه محاولة كسب المزيد من الوقت… وربما الأيام فقط. وفي المجال العسكري تحديداً، يشي ما يقوم به الأسد بأنه يتصرف على أساس أن رأسه، وليس أي شيء آخر، هو الموضوع على المقصلة، ليس داخلياً فقط، إنما دولياً وإقليمياً أيضاً.

وعلى سبيل المثال، فإنه قبل أيام فقط تحدث رئيس حكومته عما سماه «خطة روسية – سورية مشتركة» لاستعادة مدينة حلب بالكامل… لتنفي موسكو ذلك بعد ساعات قليلة، بلسان الناطق باسم وزارة الدفاع فيها. كذلك كان إعلان النظام فجأة عن سيطرة «داعش» على 60 في المئة من مخيم اليرموك، أي في قلب دمشق، استعداداً لمعركة يتجه لخوضها فيه بدعوة طرد «داعش» منه. كما الإعلان عن تحرير مدينة الراعي من «داعش»، ثم الانسحاب منها ليعود هذا التنظيم إليها.

وحتى على المستوى السياسي، فإنه طلب تأجيل مؤتمر جنيف إلى ما بعد 11 نيسان كما كان مقرراً، ثم اعتذر عن عدم استطاعة وفده الحضور في 13 منه بذريعة أن بعض أعضائه مرشحون للانتخابات في ذلك اليوم… في محاولة مفضوحة لنيل اعتراف المؤتمر وراعيه ستيفان دي ميستورا، فضلاً عن وفد المعارضة، بهذه الانتخابات.

كذلك لا معنى لإعلان إيران رسمياً، ولأول مرة منذ 2011، أنها أرسلت الى سورية لواء من «القوات الخاصة» في جيشها (وليس من «الحرس الثوري» كما كانت الحال سابقا)، إلا أنها تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه مما بقي من نظام الأسد، أو أقله أنها تحجز لنفسها مقعداً على طاولة التفاوض حول ما بعده.

ولا يختلف الأمر حتى بالنسبة إلى روسيا هنا، وإن كانت لها أهداف أخرى مع الولايات المتحدة وأوروبا في أوكرانيا وعلى صعيد أسعار النفط والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

ألا يحمل هذا المعنى تحديدا قول نائب وزير خارجيتها سيرغي ريابكوف أن «الولايات المتحدة تضغط على روسيا في موضوع الأزمة السورية»، وأن بلاده تلاحظ محاولة واشنطن «تسييس مسائل» (ما هي هذه المسائل؟!) واستخدام اجتماعات في نيويورك وجنيف لممارسة هذا الضغط؟… وأنها «ترفض ذلك لأن هذه الأفعال غير الودية لا تساعد على التنسيق، بما في ذلك بين وزارتي الدفاع في البلدين؟»

الحياة

 

 

 

 

مفاوضات جنيف وآفاق السلام السوري/ كلوفيس مقصود

بعد أن تم انتخاب أعضاء مجلس الشعب (مجلس النواب) في سورية، توجهت الأنظار إلى المؤتمر المنعقد يوم الجمعة في 15 إبريل/نيسان في جنيف، لاستئناف المفاوضات بين النظام السوري والمعارضة، بعد نزاع عنيف بينهما، فمن الجدير بالذكر أن صعوبات وتعقيدات جمة قد يكون جرى تذليلها عن طريق مندوب الأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا الذي ساهم بمحاولته تهدئة أجواء المفاوضات بين الخصمين خلال زيارته إلى إيران ودمشق وآخرين من المعنيين في توفير أجواء تعزيز احتمال النجاح. مع ذلك، لا مفر من أن تصطدم المفاوضات بتعقيداتٍ جمةٍ، بحكم ما آلت إليه الحرب الضروس التي دامت أكثر من خمس سنوات.

إلا أن العوائق مهما كانت عاتية، يجب أن لا تحول دون التزام واضح وتصميم على إنجاز خطواتٍ متسارعة، لكن غير متسرعة، بهدف إعادة حيوية مفهوم المواطنة إلى الساحة السورية. وبالمقدار نفسه من الأهمية، لا بدّ من استعادة نجاعة الحوار وانفتاح الحكم على شرعية المعارضة، إذ إن مثل هذا الأمر مدخل لا بديل عنه لتحصين العملية السياسية وتعزيزها، بما هي مشاركة لا فرار منها، بها تستقيم شرعية الحكم. فمثل هذا الانفتاح المتبادل يقود إلى ممارسةٍ، تقوم على الحكم الرشيد المرتكز على حياة سياسيةٍ سوية، تكون المعارضة أحد ركنيها للنهوض بسورية الوطن، وبمواطنها السوري الذي استنزفته الحرب، بصورةٍ تكاد تكون فريدةً في شراستها، وتنكّرها لحقوقه الأساسية، بل البديهية في وطنه.

وعلى هذا الأساس، فإن من أولويات ما تستطيع مفاوضات جنيف تحقيقه هو أن تقوم الأطراف بنقد الذات، بهدف معالجة الأسباب والدوافع التي آلت إلى ما هو عليه الحال المفجعة في مأساويتها. طبعاً، سوف يرافق مفاوضات جنيف غصة في نقد الذات، وتشدد متبادل في نقد الآخر، لكن لجوء الطرفين إلى مثل هذه الممارسة قد يسهل فتح عملية التفاعل، بما يؤدي إلى تذليل الصعوبات، وتجاوز التحديات، لتسريع معالجة الوضع وتعقيداته، كما تسريع عودة اللحمة بين الشعب السوري، من خلال عملية بناء الثقة المتبادلة بين الطرفين.

ما عاناه الشعب السوري، في السنوات الخمس الأخيرة، جدير باستحقاق، بل بلزومية العودة إلى طريق البناء الوطني وإطلاق ورشة التنمية المستدامة، الاجتماعية والاقتصادية؛ مع إدراك أن مؤسسات دولية عديدة، في طليعتها “الإسكوا” تقوم حالياً بدراساتٍ، تهدف إلى تسريع المباشرة في إعادة الإعمار وإقامة البنى التحتية التي دمرتها الحرب العبثية، بغية نقل سورية من حالة الغيبوبة إلى حالة الوعي الوطني التنموي التكاملي.

من هنا، الإصرار على إنجاح مؤتمر جنيف مطلب أولي للشعب السوري، كما أنه لا بد أن يكون كذلك عربياً ودولياً. فما جرى من خرابٍ وتشريدٍ وتمزيقٍ، من جرّاء النزاع الأهلي الخطير، والخسائر البشرية والعمرانية التي ترتبت عليه، ودفع الشعب السوري كلفتها العالية؛ هو غير مسبوق في تاريخه المعاصر. يكفي أنه تسبب بتشريد حوالي نصف الشعب السوري، ناهيك عن الضحايا واللاجئين في الخارج. مشهد لا بدّ أن يحرّض الأمة على استعادة سورية، وتمكينها من استرجاع وحدتها، وعودتها إلى ما عودتنا عليه بأنها كانت دوماً “قلب العروبة النابض”. ومثل هذه العودة لا تبدو ميسورةً في اللحظة الراهنة، إلا من خلال خيار التفاوض، ومسيرته التي شقت جنيف طريقها، والتي لا يتيسر، في الوقت الحالي، بديل عنها، سوى الاستمرار في الحرب، وبالتالي، في إطاحة ما تبقى من مقومات وحدة سورية.

يجب أن تكون نتائج مؤتمر جنيف تصحيحاً شاملاً لمحو آثار السنوات الخمس الأخيرة، ومن أجل سلامة الشعب السوري وكرامته وسعادته، وبالتالي، إعادة فتح الفرص لوحدة الشعب العربي وطموحاته الشرعية.

العربي الجديد

 

 

 

 

توافق أم تباين أميركي – روسي في سوريا؟ النظام يفرض أمراً واقعاً ومجلس الأمن عاجز/ روزانا بومنصف

انتقلت مواقف الدول الكبرى عشية استئناف الجولة الثانية من المفاوضات السورية السورية في جنيف، من الإشادة بنجاح وقف النار الذي تم الاتفاق عليه بين روسيا والولايات المتحدة في 27 شباط الماضي الى إبداء القلق من زيادة العنف في سوريا، وسط تهديدات من النظام بمساعدة حلفائه للانقاض على حلب في محاولة لاستعادتها، في ظل كلام على سيطرة “جبهة النصرة” على أحياء أساسية فيها. فاستعادة تدمر بمساعدة روسية والصمت على إعادتها الى النظام على قاعدة إنهاء سيطرة تنظيم “داعش” عليها، يشجع النظام وحلفاءه في اتجاه متابعة عملية تصاعدية بذريعة محاربة “داعش”، فيما يمضي النظام في خطواته في فرض الأمر الواقع عشية المفاوضات عبر جملة عناوين حرص على إبلاغها في الاسابيع الأخيرة، بدءا من إجراء انتخابات برلمانية، ولو ان أكثر من 12 مليونا من السوريين هم خارج بلادهم أو خارج مناطقهم. وهي انتخابات أعلن النظام عنها فورا على أثر الاعلان عن اتفاق أميركا وروسيا على وقف الأعمال العدائية، ومن شأن إجرائها تثبيت أمر واقع جديد، شأنه في ذلك شأن الانتخابات الرئاسية التي أجراها عام 2014، بحيث أن الدول الغربية، وإن لم تعترف بشرعية الانتخابات التي أمنت له استمرارية في السلطة، فإن حلفاءه يتخذون منها ورقة للتفاوض على غرار ما أعلنت إيران قبل أيام أنها تدعم إنهاء بشار الاسد ولايته الرئاسية التي تنتهي سنة 2021. وفيما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية الاثنين أنها لا تنوي الاعتراف بالانتخابات البرلمانية في سوريا المقرر إجراؤها اليوم الاربعاء، وانها لن تعتبر هذه الانتخابات شرعية لانها لا تمثل ارادة الشعب السوري، فمن المرجح ان يستخدم النظام وحلفاؤه ورقة هذه الانتخابات للتفاوض، فيما الموقف الاميركي أو الغربي عموما لن يكون فاعلا الى حد كبير، شأنه شأن الموقف من الانتخابات التي أجراها الاسد لتأمين استمرارية حكمه. وبعدم اعتراف الغرب بشرعية الاسد، فإنه لا يزال يجلس الى طاولة المفاوضات محاورا أساسيا لا يمكن القفز فوقه، حتى لو كان الامر يتصل بالمفاوضات للمرحلة المقبلة التي تحمل عنوانا رئيسيا يقضي بنقل السلطة من يده الى هيئة او حكومة انتقالية. وهذه النقطة بالذات لا تخلو من تعقيدات بعدما أضفى عليها تفسيره الخاص لما يسمى مرحلة انتقالية تختصر في مفهومه بحكومة جامعة تضم بعضا من المعارضة، فيما تبقى السلطات في يده، ولا سيما الامنية منها، وكذلك الامر بالنسبة الى اعلانه عن انهاء دستور جديد قريبا يستبق فيه عمل الحكومة الانتقالية بالاعداد للدستور العتيد.

ومن هذه الزاوية، فإن جملة مؤشرات بدأت تطرح علامات استفهام حول ما اذا كان هناك فعلا تفاهم او توافق اميركي – روسي كلي حول الشأن السوري ساد الكلام عنه كثيرا في الاسابيع القليلة الماضية، وعمم هذا الانطباع على نحو واسع على اساس انه يجب التسليم بواقع انه بات سقفا يفرض على الجميع، ولا مجال لتجاوزه. وتعود علامات الاستفهام هذه انطلاقا من الثغر الذي بدأت تتضح معالمها أكثر، استنادا أولا الى التباين الغربي الروسي مع هوية منتهكي الهدنة، علما أن النظام مسؤول عن غالبية الانتهاكات، وكذلك حلفاؤه من الايرانيين أو “حزب الله”، ويشهد على ذلك سقوط عدد كبير من العناصر التابعة لهم أخيرا. وكان أبرز انتهاكات النظام أخيرا قصفه مستشفى ومدرسة في دير العصافير أدى الى مقتل 30 مدنيا، في حين ترمي روسيا الكرة في ملعب خصوم النظام، فيما تتصدى روسيا لاصدار بيانات صحافية في مجلس الامن من اجل ادانة النظام لخرقه الهدنة. ومعلوم أن النظام، وفي إطار الاوراق التي يمسك بها، عاد يتشدد في منح المساعدات الانسانية للمناطق المحاصرة ويمنع المساعدات الطبية عن هذه المناطق من دون أدنى رد فعل، لا من مجلس الامن العاجز في ظل استمرار الرفض الروسي ولا من الدول الغربية التي من مصلحتها أن تؤمن استمرارية المفاوضات خشية عودة الاقتتال، وتاليا التهجير والمزيد من اللاجئين والارهاب. يضاف الى ذلك أنه فيما كان وزير الخارجية الاميركية جون كيري يتحدث عن انسحاب متزايد للقوات الايرانية من سوريا، أعلنت ايران عن إرسال لواء من قواتها الخاصة الى هناك، في حين غاب أي تعليق أميركي على الموضوع.

وتبعا لذلك، غدا من غير الواضح ما اذا كان يجب ايلاء اي اهمية لمهمة الموفد الدولي ستيفان دو ميستورا، علما ان مراقبين كثرا لا يرون ما يقوم به مجديا باعتبار انه واجهة لتمرير الوقت وآلية للتهدئة ليس إلا، في حين يتأكد أكثر أن ليس الحل الذي يحاول التوصل اليه عبر التفاوض بالواسطة الذي يجريه هو الحل الفعلي، وهو لم يكن أصلا كذلك، بل هو واجهة للاتفاق الاميركي – الروسي، لكن التطورات الاخيرة في ضوء المعطيات المذكورة بدأت تثير أسئلة جدية عما إذا كانت روسيا تنفذ خطة “ب” ما في سوريا، في موازاة محاولة الإلهاء السياسية القائمة في جنيف. وتقول مصادر ديبلوماسية معنية إن الغرب لم يستطع أن يستوعب أو يفهم الاهداف الروسية من سوريا خلال الاعوام الخمسة الماضية من عمر الحرب السورية، ولم يكن مؤهلا او قادرا لفهم ما تسعى اليه روسيا ما لم يكن سلمها الوضع السوري لرغبته في الانتهاء من هذا الخير على غرار ما تعب العالم من لبنان ايام الحرب وسلم بالامر الواقع لسوريا فيه؟

النهار

 

 

 

إنتقال من الأسد وإليه؟!/ راجح الخوري

لا معنى لقول ستافان دو ميستورا إن محادثات جنيف التي استؤنفت أمس ستركّز على عملية الإنتقال السياسي، لأن من الواضح ان هذه العملية أُفرغت تماماً من مضمونها وأهدافها منذ تمكن سيرغي لافروف من إقناع جون كيري بأن لا مفر من بقاء بشار الأسد ليساعد في تنفيذ هذه العملية!

كيري قال لمحطة ” العربية” قبل أيام إن بقاء الأسد ضرورة لاستكمال الإنتقال السياسي، وهذه هرطقة ومسخرة أولاً لأن الأسد يريد ان يكون الإنتقال منه وإليه، ربما تأكيداً لنظرية أنه خط أحمر، وثانياً لأنه يتعامل مع المحادثات في جنيف وكأنها بلا هدف أو معنى، والدليل أنه أخّر إرسال وفده الى هناك لأنه تمسك بإجراء الإنتخابات النيابية أمس، وان خمسة من أعضاء الوفد الحكومي المفاوض مرشحون لهذه الإنتخابات التي تتعارض كلياً في جوهرها وتوقيتها مع أهداف محادثات جنيف وخصوصاً لجهة عملية الإنتقال السياسي.

قياساً بالعمليات العسكرية المتصاعدة في حلب حيث يضاعف الطيران الروسي عملياته ويشن النظام وحلفاؤه هجوماً كبيراً يقولون إنه ضد “داعش” و”النصرة”، وقياساً بما سمعه كيري من الإيرانيين عندما طلب منهم المساعدة على حمل الاسد على ترك السلطة، تبدو جولة المحادثات الجديدة في جنيف مجرد مضيعة للوقت، أو بالأحرى مجرد عملية خداع ديبلوماسي هدفه شراء المزيد من الوقت لمواصلة الحل العسكري الذي يتمسك به النظام الذي يلقى دعماً ثابتاً من الروس، على رغم إعلانهم تكراراً أنهم يسعون الى حل سياسي عبر جنيف.

علي أكبر ولايتي قال لكيري وما شأنكم أنتم ببقاء الاسد أو رحيله أوليس تقرير هذا من حق الشعب السوري، ثم ان ايران تريده ان يبقى الى آخر ولايته وربما الى الأبد طبعاً، ومن الواضح والمفهوم ان البرلمان الذي جرت مسخرة إنتخابه أمس هو الذي يمكن بالتالي ان يتولى تجديد هذه الولاية.

اذاً ما معنى حديث كيري ودو ميستورا عن عملية الإنتقال السياسي؟

صحيح ان ورقة دو ميستورا التي تم الإتفاق عليها في جلسة المحادثات السابقة في جنيف تنص في بنديها السادس والتاسع على ضرورة حصول إنتقال سياسي، وصحيح ان الروس وافقوا على هذه الورقة، لكن العقدة التي تمسك بخناق محادثات جنيف منذ البداية هي موقع الاسد من هذه العملية الإنتقالية ومتى يمكن ان يخرج من السلطة.

المعارضة السورية تتمسك بأن يترك السلطة في بداية هذه العملية، وكان هذا موقف واشنطن دائماً، ولكن بعد زيارة كيري الأخيرة لموسكو يبدو ان لافروف أصابه بعدوى نظرية بقاء الاسد حتى نهاية هذه العملية، التي يبدو انها لن تنتهي إلا عندما يقتنع الجميع بنظرية موسكو حول الفيديرالية التي تمثل رهان واشنطن الضمني منذ البداية… مفهوم؟

النهار

 

 

 

طريق جنيف تمر بـ …حلب؟/ موناليزا فريحة

منذ اشتداد الأزمة السورية، ساد اقتناع بين المتحاربين بأن من يسيطر على حلب يربح الحرب. وفي السنة السادسة لهذه الحرب لا تزال العاصمة الاقتصادية لسوريا أو ما تبقى منها، عصية على الفريقين اللذين أخفق كلاهما في بسط سيطرته على كل مساحتها.

لكنّ النظام المكتسب زخماً، قرر على ما يبدو حسم المعركة هناك لمصلحته طمعاً بإعلان النصر الكامل الذي لا يزال مقتنعاً بامكان حصوله، وتمهيداً لفرض خطته للانتقال السياسي في جنيف. وهو يحاول زج موسكو في معركته، انطلاقاً من أن الحملة العسكرية في سوريا حققت مكاسب لروسيا، وأن الرئيس بوتين لن يجازف بإضاعة جهوده والامتناع عن دعم قوات الأسد في حلب.

من هذا المنطلق، بدا رئيس الوزراء السوري وائل الحلقي واثقاً من نفسه عندما قال أمام وفد من مجلس دوما الدولة الروسي إن الجيش السوري يستعد مع “شركائنا” الروس لتحرير حلب.

لكنّ موسكو تعرف جيداً أن عملية كهذه تقضي على ما تبقى من أمل في استمرار الهدنة المترنحة في سوريا، وتضعف موقعها في محادثات جنيف. لذا لم تتأخر في الرد على الحلقي ومن يقف وراءه، مؤكدة أن لا خطط لاقتحام المدينة. وعلى رغم تصريح قائد قيادة العمليات الرئيسية في هيئة الأركان العامة الروسية سيرغي رودسكوي بأن نحو 9500 من مقاتلي “جبهة النصرة” احتشدوا جنوب غرب حلب وشمالها، وأنهم يخططون لهجوم واسع النطاق لقطع الطريق بين حلب والعاصمة دمشق، أكد أن كل تحركات الجيش السوري والقوات الجوية الروسية تهدف الى افشال خطط “جبهة النصرة”، ولا خطط لاقتحام مدينة حلب.

مرة جديدة يظهر التباين بين موسكو ودمشق في شأن آليات الحل في سوريا. فمع إعلان انسحابها الجزئي من سوريا في آذار الماضي، حاولت موسكو الضغط على الأسد من أجل التعامل بجدية أكبر مع مسار الحل السلمي. في حينه، كان مسؤولون سوريون، بينهم وزير الخارجية وليد المعلم ، يحاولون تجاوز الخطوط العريضة للحل التي أقرها مجلس الأمن في كانون الأول الماضي، بدعم روسي. لذا جاء الانسحاب الروسي المفاجئ بمثابة رسالة واضحة الى الاسد، بأن قرار الحل السياسي قد اتخذ، وأنه لن يستطيع استغلال موسكو لتحقيق مكاسب عسكرية، وإن لم تقرر التخلي عنه بعد.

وبدل أن يذهب النظام الى جنيف للتفاوض على مصير سوريا، يتطلع حالياً إلى تكريس معادلة جديدة على الارض بفوز عسكري في حلب وانتخابات نيابية يستبق بها أي ضغوط من المجتمع الدولي. عندها تصير طريقه سالكة لفرض حل سياسي على مقاسه تشرف بموجبه حكومته على صوغ دستور جديد واجراء انتخابات نيابية جديدة، واحتمال إجراء انتخابات رئاسية يستطيع الأسد الترشح فيها. فهل تراه يفلح؟

النهار

 

 

 

جنيف3» يعكف على مصير الأسد/ د. نقولا زيدان

إن الذي يسعى إلى الحل السياسي وتسهيل التوصّل إليه لا يطلق العنان لطائراته الحربية ومروحياته العسكرية لتمعن قصفاً بالصواريخ والبراميل المتفجرة في حلب وريفها. فبشار الأسد الذي يفاوض في جنيف الآن مع المعارضة لم تصدر عنه أي دلائل جدية تشير إلى نية فعلية لديه للدخول في تسوية سياسية عادلة للأزمة السورية، بل على العكس من ذلك تماماً، فالوقائع الميدانية المدعمة بالتصريحات الصادرة عن مراجع إيرانية وروسية تدل على أن معركة ضارية وشيكة في حلب وريفها هي قيد الإعداد وقوامها الطيران الحربي الروسي وقوات النظام وحلفاؤه من مقاتلي حزب الله اللبناني وسائر الميليشيات الشيعية الأخرى وكذلك قوات إيرانية جديدة جرى استقدامها في الأسبوع الماضي والمسماة لواء كومندوس 65 بالإضافة لقوات نظامية إيرانية أخرى، هذا علاوة على قوات الحرس الثوري الإيراني المتورطة في القتال منذ السنة الثانية للحرب.

الأخطر من هذه الوقائع الميدانية هي التصريحات الرسمية الروسية الصادرة سواء عن قائد العمليات العسكرية الروسية في هيئة الأركان العامة سيرغي رودسكوي أو العضو البارز في الدوما الروسية ديمتري سابلين، والتي تشير إلى اعتزام موسكو تقديم الغطاء الجوي الضروري لقوات النظام وحلفائه في معركة حلب المرتقبة. وتعزيزاً منه سواء للتصريح العسكري الروسي من موسكو أو لأحد أعضاء وفد الدوما الذي يزور دمشق، فإن رئيس الحكومة الأسدي وائل الحلقي يؤكد استكمال الاستعدادات الروسية الأسدية لخوض معركة حلب.

إن الجانب السياسي والتداعيات السياسية لهذه المواقف الميدانية هي التي تهم الرأي العام العربي الذي ما إن أبدى ارتياحاً لعقد هدنة جديدة بين القوات الحكومية الشرعية والمقاومة الشعبية اليمنية من جهة وقوات الحوثيين صالح من جهة أخرى، وقبول الوفد الحوثي ببنود ورقة العمل في مفاوضات الكويت، حتى أصيب بخيبة أمل جديدة من جراء مقدمات اشتعال الحرب مجدداً في شمالي سوريا واحتمال سقوط الهدنة الهشّة التي تواكب مفاوضات جنيف 3. فعلى إيقاع المفاوضات يستعد بشار لاقتحام حلب.

إن ما تتناقله الأوساط الدولية حول الأهمية القصوى للنقطة التي سيدور حولها النقاش ابتداء من 13 نيسان (أبريل) في ما يتعلق بالمرحلة الانتقالية في مفاوضات جنيف3 هو بحق النقطة المركزية قياساً بالنقاط الأخرى التي بالإمكان وصفها بأنها ثانوية. المرحلة الانتقالية! المرحلة الانتقالية تعني ثوابت واضحة بالنسبة للمعارضة السورية، وتعني في المقابل مفهوماً آخر بالنسبة لبشار الأسد ووفده المفاوض.

بديبلوماسية السلحفاة يشير ستيفان دي ميستورا إلى أهمية هذه النقطة في مفاوضات جنيف 3 ويسميها «الانتقال السياسي» والتي عليها أن تحدد مبادئ الحكم الانتقالي ودستورها. وفي هذا الصدد سارع لزيارة دمشق وطهران بعد زيارته موسكو في مرات سابقة. وزير خارجية النظام الأسدي وليد المعلم بدا في تصريحه متحفظاً مع تأكيده على أن الجولة الراهنة الحالية في المفاوضات ستكون بالغة الأهمية إلا أنه في المقلب الآخر في طهران كان الموقف حاسماً ومتشدداً إذ صرّح مسؤول بارز إيراني أن بلاده رفضت طلباً أميركياً بالحصول على مساعدتها في حمل الأسد على ترك السلطة قائلاً إنه يتعين أن يكمل فترة ولايته وأن يُسمح له بخوض انتخابات الرئاسة «مثله مثل أي سوري». وكان علي أكبر ولايتي مستشار الزعيم الإيراني علي خامنئي للشؤون الدولية أكثر وضوحاً. ففي تصريح له للتلفزيون الإيراني الأحد في 10 نيسان (أبريل) الحالي يقول: «إن وزير الخارجية الأميركي جون كيري طلب من إيران المساعدة في حمل بشار على ترك السلطة»، مضيفاً «يتعيّن علينا أن نسألهم (أي الأميركيين) ما شأنكم أنتم بذلك؟ أليس من حق الشعب السوري أن يختار؟»، مضيفاً أيضاً «من وجهة نظر إيران يتعين أن يتبقى بشار الأسد وحكومته كحكومة قانونية ورئيس قانوني حتى نهاية فترة ولايته وأن يتمكن بشار الأسد من المشاركة في الانتخابات الرئاسية مثله مثل أي مواطن سوري. وشروطهم المسبقة المتعلقة برحيل بشار تمثل خطاً أحمر بالنسبة لنا».

لا أوضح ولا أبلغ من هذه التصريحات الإيرانية وبالفم الملآن حول مستقبل بشار الأسد. فقد بلغنا والحالة هذه المنعطف البالغ الخطورة والأهمية في مفاوضات جنيف3. فمصير بشار الأسد هو بيت القصيد وهو النقطة المركزية الملتهبة. وهذه التصريحات تذكرنا كثيراً بتصريحات روسية في غالبيتها كانت تأتي على لسان سيرغي لافروف وزير خارجية روسيا قبل التدخل العسكري الروسي المباشر. وقد ساد اعتقاد في الأوساط الدولية بعد التدخل الروسي الجوي وتكريس تحويل مرفأ طرطوس إلى قاعدة عسكرية روسية ومطار حميميم الاستراتيجي بدوره إلى قاعدة جوية روسية ناشطة أنه ما دام الروس قد حصلوا بموافقة إيرانية ضمنية على مكاسبهم فإن أي مباحثات سرية بينهم وبين واشنطن قد تفسح في المجال أمام ممارسة موسكو ضغوطاً معينة لحمل الأسد على التنحي. وكانت ذروة الارتياح الدولي عندما قام الروس بانسحابهم التكتيكي من سوريا، بل بلغ التفاؤل حداً بعيداً عندما أعلنت موسكو وواشنطن وقف إطلاق النار والهدنة الضرورية كي تبدأ مفاوضات جنيف 3 في ظل حد أدنى من تراجع حدة القتال في سوريا وذلك بصرف النظر عن متابعة قوات النظام وحلفائه (حزب الله بالأخص) حصاد العديد من البلدات والقرى في ريف دمشق وحمص ومنع وصول المساعدات الإنسانية للأهالي المحاصرين.

المتابع المدقق للأنباء التي ترد من طهران حول تسليم موسكو لطهران الدفعة الأولى من منظومة صواريخ «إس-300» الروسية المتطوّرة والتي أعلنت عنها طهران منذ أيام ثم عادت لتتحفّظ حول الأنباء، فباستطاعته حتماً العثور على الأجوبة الواضحة في تصريح مدير مركز تجارة الأسلحة العالمية في موسكو الذي يشير فيه أن تسليم موسكو طهران الصواريخ يمهد لاستئناف التعاون العسكري بينهما في شكل كامل. لأن طهران لن تقف عند شراء منظومات أس-300 فحسب، بل إن إنشاء نظام شامل للدفاع الجوي الإيراني سيحتاج إلى شراء منظومات صواريخ مضادة للطائرات متوسطة وقصيرة المدى ومعدات أخرى… إلخ… أي بعبارة أخرى إن موسكو التي توقف تدخّلها العسكري الجوي عند حدود معينة، وهي التي بتدخلها الفعّال قد أسدت خدمات جلّى للنظام الأسدي فعدّلت كثيراً ولمصلحته في ميزان القوى القائم عشية تدخلها وكانت آنذاك أوضاع النظام الميدانية في حالة بائسة، تطلب الآن أثماناً كبيرة من طهران مقابل مساعدتها قوات النظام وحلفائه في معركة حلب، ذلك أن صفقة صواريخ أس-300 تظل ناقصة ويعتريها الخلل إن لم تستكمل بصفقات أسلحة دفاع جوي ومنظومات دفاعية أخرى كما يشير المسؤول الروسي. فالموقف الروسي من تنحي الأسد ليس موقفاً مبدئياً صرفاً أو بحتاً بل له شق وجانب تجاري مالي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسوق الإيرانية لشراء الأسلحة الروسية. فما دام المتشددون الإيرانيون وعلى رأسهم الحرس الثوري هم أصحاب الكلمة الفصل ما زالوا في الساحة الإيرانية، بتطلعاتهم الخارجية ونهج الهيمنة على المنطقة، فعليهم والحالة هذه شراء المزيد من السلاح الروسي المتطور، خصوصاً مع توفّر الأموال بالقطع النادر بعد توقف غالبية العقوبات.

إن التصلّب الإيراني وعودة سياسة التشدد سيرخي بظلاله على مفاوضات جنيف3، وقد يدفع بهذه المفاوضات إلى حائط مسدود وإلى تعطيل آخر جديد ستكون له تداعيات سواء على الساحة السورية أو الإيرانية، هذا في ظل هدوء نسبي لحرب اليمن حيث تلوح مجدداً ملامح حل وفاقي قريب.

المستقبل

 

 

 

 

المفاوض السوري والعاجز الأميركي/ الياس حرفوش

إنه مشهد سوريالي فعلاً كيفما نظرت إليه. في سورية يذهبون إلى صناديق الاقتراع لاختيار 250 عضواً جديداً في مجلس الشعب. وفي جنيف يذهبون، في الوقت ذاته، إلى غرف المفاوضات للبحث في مصير النظام الذي يُجري الانتخابات في سورية للتأكيد على شرعيته وديمومته.

قد يكون التقاء التوقيت بين الحدثين مجرد صدفة، مع أن حصول الصدف أمر نادر في السياسة السورية. لكن هذا الالتقاء يعبر عن مفارقة أخرى، هي حجم التباعد بين رؤية دمشق ورؤية معظم العالم لما بات متعارفاً عليه على أنه «الحل السياسي». في سورية يتحدثون عن حل سوري نتيجة حوار سوري وبقيادة سورية، والمقصود طبعاً هو قيادة بشار الأسد. وفي الأروقة الدولية، بعيداً من موسكو وطهران، تتكرر عبارة «الانتقال السياسي» على كل شفة ولسان، بهدف إيصال رسالة إلى الأسد وشركائه، أن عبارة «انتقال» تعني، باللغة العربية كما بسائر لغات الأرض، الذهاب من مكان إلى آخر، وفي الحالة السورية الانتقال من الوضع السياسي الشاذ للنظام الحالي إلى وضع آخر يكتسب فيه النظام شرعيته من علاقاته السويّة مع شعبه ومن علاقاته الطبيعية مع سائر العالم.

عملية الانتقال هذه، التي كان يفترض أن تكون بديهية بعد كميات الدماء التي سالت على الأرض السورية، تجد عائقاً مهماً في طريق الوصول إليها. هذا العائق ليس النظام السوري، فهو أسهل العوائق وأبسطها عندما يحين وقت إزاحته. بل يتمثل العائق في القوتين الأساسيتين اللتين تشكلان مظلة للنظام السوري، وتتنافسان على قبض ثمن سقوطه، وهما روسيا وإيران. وأمامهما تقف الولايات المتحدة ومعها سائر الدول، التي ترى أن الحل في سورية لن يأتي سوى من طريق تغيير النظام، موقفَ العاجز.

من هنا، لا يُحسد المفاوضون السوريون الذاهبون إلى جنيف على الوضع الذي يجدون أنفسهم فيه، فهم بين فكّي كمّاشة: النظام ببطشه وآلته الدموية من جهة، والتنظيمات الإرهابية التي تتوسع على حساب ضعف النظام، وأحياناً كثيرة بالتواطؤ معه، وتهدد بالقضاء على أي أمل في إنقاذ سورية من هاتين الكارثتين.

المفاوضون الذاهبون إلى جنيف لا يجدون خياراً أمامهم، ولا شرعية لصفتهم التمثيلية لمعظم الشعب السوري، سوى بالإصرار على إبعاد بشار الأسد عن السلطة، لفتح الطريق أمام الإصلاحات الأخرى، التي تحافظ على مؤسسات الدولة، قبل أن تقضي الحرب عليها نهائياً. غير أن هؤلاء المفاوضين هم من دون سند دولي يسمح لمطلبهم هذا أن يرى النور. الولايات المتحدة فقدت القدرة على لعب أي دور في سورية، وبات دورها يقتصر الآن على اللعب في الملعب الروسي. الوزير سيرغي لافروف يفاخر بأن الأميركيين يدركون الآن أنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً من دون روسيا. بل إن حالة الانهيار الأميركية بلغت حداً صارت مضطرة معه لاستجداء المساعدة الإيرانية من أجل إقناع الأسد بالتخلي عن السلطة، على ما كشفه علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد علي خامنئي، عندما قال إن الوزير جون كيري هو الذي طلب ذلك من الإيرانيين، الذين ردوا بأن من حق الأسد أن يكمل ولايته، وأن يترشح لولاية أخرى إذا شاء، «مثله مثل أي مواطن سوري». وزاد ولايتي موضحاً أن «رحيل بشار هو خط أحمر بالنسبة إلينا». علماً أن طهران تلتزم بخطوطها الحمر وتحترمها، على عكس ما يفعل رئيس جون كيري.

انتخابات مجلس الشعب السوري مضمونة النتائج، «ديموقراطية» كاملة الأوصاف بميزان النظام الذي تخلّى عن صفته البعثية لمصلحة «الوحدة الوطنية»، حيث لم يعد للشعارات أي معنى من فرط ابتذالها. أما مفاوضات جنيف الواقعة بين يدي دي ميستورا وسائر العاجزين عن فرض أي حل ينقذ سورية، فمضمونة النتائج هي أيضاً. من سينقذ السوريين من هذا المصير؟

الحياة

 

 

 

 

لا جنيف ولا بوتين يملكان وحدهما ورقة رحيل الأسد/ جورج سمعان

مصير الرئيس بشار الأسد سيظل عقدة العقد في مفاوضات جنيف. تماماً مثل مفهوم المرحلة الانتقالية. فهل تقودها حكومة جامعة من أهل النظام والمعارضة ومستقلين، كما تريد موسكو وطهران ودمشق؟ أم تقودها هيئة تنتقل إليها صلاحيات الرئيس التنفيذية كاملة، كما تطالب المعارضة وفق تفسيرها لبيان جنيف لعام 2012.

من حق المعارضة بعد هذه الحرب الضروس في سورية أن تصر على رحيل الرئيس ونظامه. ومن حقها ألا ترى معنى لأي محادثات تفضي إلى إعادة تأهيلهما واستمرارهما بعد كل هذه التضحيات. يبقى على واشنطن والقوى الإقليمية الراعية أطياف المعارضة أن تثبت قدرتها على فرض مواصلة المسيرة التي بدأت في لقاءي فيينا. فالواضح، انطلاقاً من التفاهم الأميركي – الروسي أن مستقبل الرئيس مؤجل. بل إن بعض قوى «الائتلاف الوطني» تقبل ببقائه لفترة معينة في المرحلة الانتقالية التي يفترض أن تستغرق سنة ونصف السنة على الأقل.

مستقبل الرئيس الأسد لن يكون نتيجة مفاوضات جنيف وحدها، أو رهن التسوية التي سيتوافق عليها الأطراف السوريون. مصيره أبعد من التوافق الداخلي وحده على أهميته. يتقرر أيضاً بين القوى الكبرى والإقليمية التي تتصارع على الأرض السورية، وإن كررت هذه القوى دوماً أن الأمر يعود إلى السوريين. ويتقرر في إطار ما سيرسم لمستقبل العراق وبلاد الشام والمنطقة عموماً. فالبلدان في قلب النظام الإقليمي الذي يعني أهل المنطقة ودول جوارها. يعني إيران وتركيا وإسرائيل ودول الخليج والجامعة العربية عموماً، مثلما يعني الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا ومصالحها جميعاً في الشرق الأوسط. ويظل السؤال هل بمقدور القوى الكبرى أن تفرض التسوية على القوى الإقليمية، أو على الأقل تحييد دورها وإمكان تعطيل أدواتها المعرقلة؟

تبدو روسيا، أولاً، صاحبة تأثير كبير في النظام في دمشق وفي القوات العسكرية. لقد أتاح لها تدخلها العسكري الواسع أن تمتلك منصة لمخاطبة خصومها الغربيين. وأثبتت لهم أنها قادرة على تغيير موازين القوى على الأرض، مثلما هي قادرة على دفع العملية السياسية نحو إيجاد تسوية. وقدمت نفسها قوة كبرى يمكنها أن تكون جزءاً من الحلول وليس الأزمات فحسب. كما رسخت أقدامها في الإقليم انطلاقاً من قاعدتيها في طرطوس وحميميم. كذلك استعادت نفوذها داخل المؤسسة العسكرية السورية. أعادت هيكلة الأركان والقيادات، الأمر الذي أعاد إلى هذه المؤسسة شيئاً مما خسرت من هيبتها وفاعليتها. لذلك، يصعب عليها أن تقدم «رأس النظام» إلى أطياف أو فصائل معارضة بات شبه مستحيل أن تخوض معركة الحسم العسكري ما لم تتبدل صورة الدعم الذي تتلقاه من «أصدقائها». ويصعب عليها حتى أن تلتزم رحيله سلفاً سواء للولايات المتحدة أو غيرها من القوى أياً كان تأثيرها ودروها في الساحة السورية. بل ستواصل استثمار هذه الورقة للمساومة والمقايضة حتى إيجاد التسوية المرضية لأزمة سورية. وأبعد من ذلك ستكون هذه ورقة إضافية بيدها في الصراع الدائر في أوكرانيا حتى يتحقق لها رفع العقوبات الغربية واحترام مصالحها في فضائها الأمني. ولا شك في أن الدعوة إلى استئناف انعقاد المجلس الأطلسي – الروسي، المعلق منذ 2014، للبحث في الأزمة الأوكرانية وسبل تطبيق كامل لاتفاقات مينسك الموقعة عام 2015، وفي ملفات أخرى، مؤشر إلى خرق في جدار التوتر بين موسكو والعواصم الغربية، وإلى رغبة في استعادة الحوار بين هذه الأطراف. وستستخدم هذه الورقة أيضاً في حوارها مع الدول الخليجية النفطية من أجل إيجاد تفاهم يعيد بعض الاستقرار إلى أسواق الطاقة، ويعزز مواقعها في العالم الإسلامي السنّي عموماً. علماً أن قوى عربية معنية بالأزمة حريصة على ألا يحمل التغيير قوى الإسلام السياسي إلى السلطة أو يؤدي إلى استئثارها بالحكم.

هذا التأثير لروسيا يعتمد على حضورها العسكري الراجح في سورية. ويعتمد أيضاً على المؤسسة العسكرية السورية التي استعاد قادتها ثقتهم وقدرتهم على اتخاذ زمام المبادرة في الميدان. ولم يكن هؤلاء في السابق يخفون مشاعر الامتعاض من تصريحات إيران و «حزب الله» ودور الميليشيات عن دورها في حماية النظام ومنع انهياره. لكن هذا التأثير يبقى محكوماً بالحضور الإيراني الذي راح يتعزز، بعد إعلان موسكو وقف النار بالتفاهم مع واشنطن، وبعد سحب عدد من طائراتها وقواتها. وبعد ارتيابها من هذا التفاهم. من هنا، جاء إعلان طهران رسمياً إرسال قوات خاصة إلى سورية. وإذا صحت الأرقام التي تتداولها المعارضة عن عديد القوات الإيرانية وحلفائها، فإن ذلك يعني أن هذه القوات تكاد توازي القوات النظامية. ما سيجعل الوضع شبيهاً إلى حد ما بما هو قائم في العراق بين الجيش النظامي و «الحشد الشعبي». علماً أن القوات الإيرانية يمكن مجلس الأمن أن يعتبرها «أجنبية» ويطلب سحبها إذا حصل توافق بين أعضائه، بخلاف قوات «الحشد» المشكلة من العراقيين.

أياً يكن الأمر فسيكون صعباً على موسكو أن تتجاهل هذا الحضور الكبير للجمهورية الإسلامية ومصالحها في بلاد الشام… إلا إذا كانت مستعدة للذهاب إلى النهاية في فرض رؤيتها للحل على جميع اللاعبين. وكان لافتاً الإعلان عن تدريبات على إقامة منطقة آمنة تجريها قوات روسية من «لواء حفظ السلام». وهي قوات قد يكون من مهماتها فرض السلام في سورية. أو فرض التسوية بالتعاون مع القوات السورية. وسبق لوحدات من هذا اللواء أن تدخلت لفرض الهدوء في مناطق انفصالية بمولدافيا وجورجيا.

لكن الحضور الإيراني في سورية، كما في بلدان عربية أخرى، يبقى أيضاً جزءاً من الصراع مع قوى عربية على رأسها المملكة العربية السعودية. ولن تتخلى هذه الدول عن دورها وحضورها، لا في سورية ولا في العراق لمصلحة طهران، فيما هي تخوض مثلاً حرباً في اليـــــمن لاقـــتلاع الوجــــود الإيراني من هذا البلد. وحـــتى تركيا ســـتكون لها كلمـــتها في مواجهة التمدد الإيراني، وفي تقرير شكل النظام الجديد في دمشق ومآل الحراك الكردي الساعي إلى بناء إقليم في شمال البلاد وشــرقها على غرار كردستان العراق. ولا يخفى أن إسرائيل المنخرطة في الصراع على طريقتها ستكون لها كلمة مســموعة ليس في واشنـــطن فحسب، بل في موسكو أيضاً. حتى الآن لم تبد حماسة في تغيير النظام ما لم تضمن سلفاً أن البديل سيضمن أمن الحدود، كما كانت الحال منذ حرب تـــشرين (أكتوبر) 1973. وهذا هاجس لازم أيضاً المـــواقف الأمـــيركية والــغربية والروسية التي تتمسك بوجوب بقاء مؤسسات الدولة بعد إعادة تأهيلها وإصلاحها لتتلاءم والتغيير المطلوب.

إلى كل هذه العوامل سيكون على المتفاوضين في جنيف التوافق على تسوية ترضي جميع الأطراف الداخليين. وهذه مهمة تبدو شاقة. والعقدة الكردية ليست وحدها هاجس كثير من اللاعبين، على رغم أنها تؤشر إلى توجه نحو نظام فيديرالي أو لا مركزي موسع. العقدة الأساس في المكون العلوي. ولا يغيب بالتأكيد عن جميع المعنيين بوجوب رحيل الرئيس الأسد أن هذا المكون لن يكون مساهماً في مثل هذا التغيير قبل ضمان أمنه وحصته ودوره في الصيغة الجديدة ومستقبل المؤسسة العسكرية. ولا يكفي هنا الرهان كثيراً على بيان لزعماء في الطائفة العلوية قالوا أنهم يمثلون حوالى ربع هذه الطائفة، وقد تبرأوا من انتمائهم إلى المذهب الشيعي، وأكدوا ابتعادهم من الأسد. وفي ظل غياب مرجعية دينية أو سياسية لهذا المكون تظل الكلمة معقودة للمؤسسة العسكرية. ويصعب أن ينقلب قادتها أو يتخلوا عن الرئيس، أو أن يساهموا في أي خطوة أو توافق لترحيله ما لم يضمنوا دور هذه المؤسسة في مستقبل البلاد.

في ضوء كل هذه العوامل سيظل مصير الأسد معلقاً. وسيظل قطار جنيف بطيئاً بانتظار أن تتبدل الظروف الدولية والإقليمية… ربما بانتظار التغيير المتوقع آخر السنة في البيت الأبيض، مهما استعجل الكرملين استثمار ما بقي من عهد الرئيس باراك أوباما.

الحياة

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...