الرئيسية / كتاب الانتفاضة / أكرم البني / مقالات وحوارات لكتاب سوريين تناولت أزمة الائتلاف والمعارضة السورية

مقالات وحوارات لكتاب سوريين تناولت أزمة الائتلاف والمعارضة السورية

في أسباب إخفاق المعارضة السورية/ أكرم البني
ترتفع هذه الأيام موجة من الانتقادات الحادة للمعارضة السياسية السورية، ولكن هذه المرة، من معارضين احتلوا مواقع مهمة في صفوفها، ربما لأنهم فقدوا الأمل بمعالجة ناجعة لأزماتها ومشكلاتها المزمنة، وربما تحت ضغط التراجع المريع لوزنها أمام تقدم منطق العنف والسلاح، وموات التداول بفكرة الحل السياسي، وربما رداً على تنامي حالة من خيبة الأمل، ليس شعبياً فحسب وإنما من قبل أصدقائها في العالم، كثفتها أخيراً عبارة الرئيس أوباما عن «فانتازيا» أو وهم انتصار المعارضة المعتدلة في سورية.
بداية، ترفض بعض الأصوات الناقدة الحديث الدارج الذي يضع كل المسؤولية في ما آلت اليه الأمور على سلبية المجتمع الدولي وإحجامه عن التدخل لوقف العنف المنفلت، وتذهب إلى تحميل الجسم المعارض المسؤولية الأساس حين بالغ في الرهان على العامل الخارجي لإحداث تغيير سريع، متأثراً بما حصل في ليبيا واليمن، ومغيّباً عن قصد أو من دونه، الخصوصية السورية وتعقيداتها… إن تأثرها بحسابات الجوار الاسرائيلي، وإن ارتباط النظام بمحور نفوذ في المنطقة يمده بكل أنواع المساندة والدعم، وإن ما أظهرته النيات الغربية من ميل الى استثمار الصراع السوري كمستنقع لاستنزاف خصومها بدءاً بروسيا، فإيران وحلفائها، إلى المتطرفين الإسلامويين.
المبالغة في الاتكاء على الدور الخارجي دفعت أهم قوى المعارضة الى تمثل مطالبه، أو السير وفق حساباته وتوقيتاته، ليبدو تطور تحالفاتها السياسية كأنه تلبية لإشارات صدرت عن هذا الطرف الغربي أو العربي، كان أوضحها تشكيل «الائتلاف الوطني» الذي فسر كاستجابة لشروط مجموعة «أصدقاء سورية» من أجل تقديم الدعم الضروري للثورة، ومع تقدير الدور الكبير للعوامل الخارجية في بؤر التوتر والأزمات الوطنية، لكن يبدو أن هؤلاء النقاد أغفلوا تأثير هذا الخيار في درجة اهتمام المعارضة بالتطورات الداخلية وبأولوية مواكبة حراك الناس وهمومهم، وهو تأثير خطير في ثورة كالثورة السورية، جاءت مفاجئة وعفوية، وعطشى لقوى سياسية تقودها، ما جعلها عملياً في وادٍ بينما المعاناة الشعبية والنشاطات المسلحة في وادٍ آخر، لتتبلور صورة عن معارضة تفضل القيادة عن بُعد، بدل التواصل والتفاعل المباشر مع الناس ومساعدتهم في تنظيم حياتهم ومواجهة ما يعترضهم من مشقات وصعوبات.
ثمة انتقادات أعادت الأمور إلى المربع الأول، إذ اعتبرت أهم سبب لإخفاق المعارضة هو تخليها عن النهج السلمي واستسلامها المبكر للتحولات التي جرت نحو العسكرة، وحماستها المؤسفة لـ «الانتصارات» التي حققها اللجوء إلى السلاح… الأمر الذي أدى في رأيهم إلى الوقوع في الفخ السلطوي وإخضاع المجتمع لقواعد لعبة يتقنها النظام جيداً ويسعى من خلالها الى سحق الثورة، عبر عزلها عن دوائر التعاطف وتسويغ كل أنواع القهر والتنكيل ضدها في ظل توازن قوى عسكري يميل لمصلحته على نحو كاسح، وأدى أيضاً إلى توفير المناخ المناسب لاستجرار الجماعات الجهادية وتمكينها من احتلال مساحة كبيرة في المشهد السوري. ولكن، أين يصرف اليوم هذا النقد وقد أفضت سطوة القوة العارية إلى تنحية الحقل السياسي وتهميش المجتمع المدني وتدمير الحاضنة الشعبية وخسارة فئات ترفض منطق السلاح ويصعب عليها إشهار تأييدها لثورة لا تستمد شرعيتها من ممارسات سلمية وحضارية تنسجم مع شعارات الحرية والكرامة التي تتبناها؟ أم لعل هذا النقد قد ينفع في معالجة المسار الذي خلّفه منطق العسكرة ودفع المعارضة الى التخلي عن أولوية مطلب وقف العنف، بصفته عتبة الإقلاع نحو التغيير السياسي، واعتماد خطاب تصعيدي بدأ بطلب التدخل العسكري الخارجي، كفرض منطقة حظر جوي أو ممرات آمنة، ووصل إلى الإلحاح على تزويد المعارضة أسلحة نوعية، بما هو عنوان لحرب أهلية مديدة تغذي جحيم الفتك والتدمير!
في السياق ذاته، وجد بعض المنتقدين أن سبب إخفاق المعارضة هو تأخرها في اتخاذ موقف واضح من تنامي الجماعات الاسلاموية المتطرفة، بما في ذلك الاستخفاف بوزنها وتغطية أدوارها الغامضة إلى أن تمكنت في غير مكان من مصادرة روح الثورة وقيمها. وهنا يصح السؤال عن موقف هؤلاء النقاد حين دافع بعض قادة المعارضة وفي شكل صريح عن «جبهة النصرة» بعدما أُدرِجت أميركياً في قائمة الارهاب، أو حين شجّع آخرون نشوء تشكيلات عسكرية تدعو إلى الدولة الإسلامية وتغاضوا عن شعاراتها الدينية وردود الفعل الطائفية لديها بحجة أولوية مواجهة السلطة… أو حين قللت غالبيتهم من أهمية ما أوردته تقارير حقوقية عن انتهاكات وتجاوزات ارتكبها بعض الجماعات المسلحة في أماكن سيطرتها، على أنها لا تشكل نقطة في بحر عنف النظام؟ أوَلَم تفقِد هذه المواقف الجسم المعارض فئات متعاطفة معه، كانت مترددة ومحجِمة بسبب غموض البديل المنشود، وباتت اليوم متخوفة من تمدد سلطة المتطرفين وتكرار تجربة أعتى الديكتاتوريات في الفتك والتنكيل، ولكن هذه المرة على يد الميليشيات الاسلاموية؟
وأخيراً ذهب بعض المعارضين في قراءة أسباب إخفاق العمل المعارض، إلى بنيته التكوينية وإلى حزمة أمراض خلفتها عقود طويلة من جور السلطة وظلمها، ما أعاق ظهور العمل المعارض كقدوة وكمثل يحتذى في السلوك الديموقراطي والمثابرة والتضحية، وأشاع صورة لقادته تضج بخلافاتهم الشخصية وبالتنافس المَرَضي والمؤذي على المناصب، وتفوح منها رائحة الأساليب المتخلفة والمصالح الحزبية الضيقة وظواهر الأنانية والاستئثار وأحياناً الفساد… ما يفسر ربما هذا العجز المزمن عن توحيد الصفوف أو على الأقل ضبط إيقاع خطاب المعارضة وخطواتها السياسية.
يبقى السؤال، هل ما يُثار اليوم على لسان أولئك النقاد المعارضين مجرد محاولة لتبرئة أنفسهم مما وصلت اليه الأمور ووضع اللوم على الآخرين؟ أم هو جهد أصيل لاستخلاص الدروس والعِبَر، وأشبه بمراجعة نقدية جدية غايتها وضع الإصبع على الجرح والتنطح لتحمل المسؤولية والمبادرة لتصحيح ما يمكن تصحيحه قبل فوات الأوان؟
الحياة
من «جنيف» إلى “أوسلو”/ عمر قدور
إذا بقيت التطورات الميدانية في سورية ضمن الاتجاه نفسه، لن يكون مستبعداً أن تفقد كتائب المعارضة سيطرتها على مدينة حلب، وعلى قسم كبير من أريافها، ومثل هذا التطور لا يُقارن بفقدان مواقع استراتيجية أخرى كالقصير ويبرود، لأن فقدان الأخيرتين يُعزى إلى وقوعهما على الحدود اللبنانية، أي في جوار دولة «حزب الله» الحليفة للنظام. ربما، على هذا الصعيد، يمكن النظر إلى الانسحاب من كَسَب لمصلحة قوات النظام على أنه مقدمة لإعادة تموضع إقليمي، لأن كسب كانت آخر نقطة حدودية تربط النظام بتركيا، وإذا تلتها حلب التي «لمّحت القيادة التركية من قبل إلى أنها خط أحمر» فذلك لا يعني قدرة النظام على تخطي الخطوط الحمرَ، وإنما تخلي القوى الدولية والإقليمية عن الضوابط السابقة. فضلاً عما سبق، لعودة حلب إلى سيطرة النظام أثر معنوي هائل على المعارضة يساوي، أو يزيد على أثر خروجها عن سيطرته قبل سنتين.
مع ضغط قوات النظام على حلب، مدعومة بحصار «داعش» أقساماً منها، كان ائتلاف المعارضة يعقد مؤتمره لانتخاب قيادة جديدة، وكان أصدقاء المعارضة يعبّرون عن دعمهم للائتلاف. أي أن المستوى السياسي هو الذي يحصل على الدعم الذي يبدو المستوى العسكري بأمس الحاجة إليه، بالتزامن مع تعيين مندوب دولي جديد خلفاً للأخضر الإبراهيمي. في الواقع، باتت الإشارات الدولية واضحة جداً في الأشهر الأخيرة، ومفادها: ندعم ما نعتقد بأنها معارضة معتدلة، لكننا لا نثق بالقوى العسكرية على الأرض. بالأحرى، وعلى رغم الإشارات الغربية إلى دعم الكتائب المعتدلة، لا يخفي أصحابها تحفظهم الشديد عن أي نوع من السيطرة على الأرض. المطلوب هو تحجيم العسكر، بعد انتقاء «المعتدلين» منهم، وصرف النظر عن فكرة تبعيتهم للمستوى السياسي، أي إبقاء استقلالية تمويلهم ودعمهم.
إصرار القوى الدولية على عدم وجود حل سوى الحل السياسي، لا مبرر له من وجهة نظر كثرٍ من السوريين والقوى الإقليمية، إلا إذا كان المبرر هو ما يجري اصطناعه حالياً من محاصرة المستوى العسكري وتصفيته عملياً بدعوى محاربة التطرف، بدل الافتراض الذي لم يُجرّب القائم على دعم المعارضة المعتدلة لتولي المهمة. هذا قد يعني رمي المسؤولية على النظام، وهو على الأرجح سيكون سعيداً باستعادة الورقة التي بنى عليها طويلاً تفاهماته مع الغرب، لكن مصدر الحبور الأهم بالنسبة إليه سيكون الحصول على قبول دولي مضمر ببقائه، ومن أجل ذلك يهون كل شيء، فكيف إذا كان الثمن المطلوب ما يعتقد بأنها المهمة التي برع فيها سابقاً؟
كانت استقالة الإبراهيمي إعلاناً عن فشل مؤتمر جنيف، وتعيين خلف له على أرضية الفشل السابق لا يحمل مدلولاً مؤثراً إلا لجهة البناء على سقف أدنى من بنود «جنيف- 1» التي كانت مثار خلاف في «جنيف – 2». هنا، لن يكون مستبعداً ترحيل الحل السياسي من «جنيف» إلى «أوسلو»، مثلما حصل قبل عقدين بترحيل المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية من مدريد إلى أوسلو. هذه النقلة تستدعي تجاهل أساس المفاوضات الحالي، بحجة أنه مدعاة لخلاف شديد، والبدء من الأطراف والهوامش الأسهل، بنية الوصول في وقت ما إلى التفاوض على القضايا الجوهرية. أيضاً ستترتب على ذلك جاهزية الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة، ولا يصعب التكهن بأن أول تنازل مطلوب من المعارضة هو الاعتراف بشرعية الانتخابات الرئاسية الأخيرة، والتخلي عن شعار إسقاط النظام.
كما نعلم، بُني اتفاق أوسلو على مفهوم السلطة الذاتية مع إبقاء الصلاحيات السيادية في يد إسرائيل، وتركها على طاولة المفاوضات في عملية طويلة ومعقدة. في سورية، ما يطرحه حلفاء النظام، ويتقاطع في الجوهر مع ما يطرحه أصدقاء المعارضة، هو إبقاءُ نظام أمني مركزي قوي يستطيع الإمساك بملفات الإرهاب، وبما أن النظام الحالي اختُبر سابقاً فهو مرشح للبقاء مع بعض التحسينات. أيضاً، يطرح حلفاء النظام فكرة توسيع صلاحيات الحكومة على الصعيد الإداري مع توسيع صلاحيات الإدارات المحلية، ذات الدور الهامشي حالياً، وبقاء الصلاحيات السيادية في يد الرئاسة. الفكرة الأساسية خلف هذا التصور هي إرضاء المناطق المتمردة بمنحها نوعاً من الإدارة الذاتية المرتبطة بالحكومة، بخلاف قضايا الدفاع والأمن والحدود والمرافئ. التقاء هذا التصور مع الحكم اللامركزي ليس بذي شأن لأنه لا يستوحي الأسس المعروفة لما هو شائع، بل يبني أولاً على ما بات يُعرف بالمصالحات المحلية التي يعقدها النظام مع بعض المناطق الثائرة، ويتخلى بموجبها عن سيطرته المطلقة السابقة على الثورة، فضلاً عن تعاطيه مع المصالحات بالمفرّق، أي عدم وجود ناظم مؤسسي تُبنى عليه، بل تكون لكل منها شروط وبنود خاصة.
بعبارة أخرى، بعد فشله في استعادة السيطرة التامة السابقة، لم يعد النظام متمسكاً أو بالأحرى قادراً على التحكم المطلق، مثلما لم يعد قادراً على الإيفاء بالمتطلبات الخدمية والاقتصادية لكل المناطق. لذا، لن يمانع في منحها سلطات ذاتية لا تمس سيادته على الملفات الأساسية. وقد لا تمانع القوى الغربية في تسوية من هذا القبيل تحفظ في الدرجة الأولى ما تريده من إمساك بالملف الأمني، والخلاف بينها وبين حلفاء النظام لا يتعدى الخلاف على الأشخاص، إذ يصطدم في كل مرة بما يسمى عقدة الأسد، مع التنويه بأن هذه العقدة تتجه لتكون عقدة سورية فحسب، بعد بروز مؤشرات إلى قبول غربي ببقاء الأسد، أقله ما دام «داعش» وأخواته في الساحة السورية والإقليمية.
في ما مضى، كانت تصفية المقاومة الفلسطينية المسلحة شرطاً للمكاسب السياسية التي حصلت عليها منظمة التحرير، وبدا واضحاً في زيارة رئيس الائتلاف السابق واشنطن أن الإدارة الأميركية منحت لبعثة الائتلاف لديها اعترافاً ديبلوماسياً في الوقت الذي تجاهلت رئيس الأركان الموجود في عداد الوفد. لكن الأهم أن الرغبة الأميركية في تنحي الأسد كانت طوال السنوات الماضية توازي عدم الرغبة في إسقاط نظامه، وبدا منذ الإقلاع نهائياً عن فكرة الضربة العسكرية أن الإدارة لن تغامر في أي دعم عسكري قد يسقِط النظام، وكما يبدو، لم تعد تريد أيضاً لجنيف تأدية هذه المهمة.
الحياة

 

ماذا جرى في انتخاب رئيس الائتلاف السوري؟/ ميشيل كيلو
بعد تعطيلٍ دام عاماً كاملاً لـ”القائمة الديمقراطية” في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وقد ضمّت نيّفاً وعشرين عضواً، وأوصلت واحداً منهم، أحمد الجربا، إلى رئاسة الائتلاف، تمّت، قبل قرابة شهرين، دعوة ديمقراطيي الائتلاف إلى عشاء في بيت الجربا، دار فيه حديث، بدا متّفقاً عليه، مع عضوي المطبخ السري، هادي البحرة وفايز سارة، بشأن ما سمّاه الأخير: “إعادة إحياء” الكتلة الديمقراطية. وكان واضحاً، منذ أول جملة قالها الجربا، أنه يحتاج أصوات العدد الكبير من الديمقراطيين في الانتخابات القادمة للائتلاف الذي يريد ترك رئاسته لهادي البحرة، على أن يبقى ممسكاً به، وأن ينسحب “الرئيس بالوكالة”، بعد ستة أشهر، تاركاً موقعه لأحمد الجربا الذي أخذ المقرّبون منه يسمونه “السيد الرئيس”.
مطبخ سري
لم يقل فايز سارة هذا بصراحة، بل ادّعى أن إعادة الإحياء تستهدف تفعيل التيار الديمقراطي، وخطه السياسي والنضالي داخل الائتلاف وخارجه، وأن الكتلة ليست ولن تكون انتخابية، بل هي بداية مشروع دمقرطة “الائتلاف” والساحة السياسية السورية. ذكر سارة هذا رداً على مَن اعتقد، مثلي، أن القصة مرتبطة بانتخاباتٍ، لن يربحها وكيل البحرة، من دون كسب أصوات
الديمقراطيين العشرين، وليس لها أية علاقة مع أي مشروع ديمقراطي، والدليل سلوك الجربا السلبي جداً طوال عام تجاه “القائمة الديمقراطية” التي لم يفعل شيئاً لتسجيلها بين كتل الائتلاف، وأقصى ممثليها وكوادرها عن قراراته وعمله السياسي، وشقّها، وربط كل شيء به وليس بها،
وخرج عن جميع أطر ومعايير الديمقراطية في العمل العام والعلاقات الشخصية، وانفرد مع مطبخه السري (البحرة وسارة) بجميع القرارات، وكرّس شخصه أسدياً جديداً، على الرغم ممّا وقع في عام رئاسته من هزائم سياسية وعسكرية، توشك أن تقضي على الثورة السورية، تبدو جليةً في ما حققه النظام وداعش من انتصارات، وانحسار الثورة عن معظم ما كانت قد حررته من مناطق، كما في تلاشي الجيش الحر وتراجعه أمام النظام والتشكيلات المتطرفة في معظم أنحاء سورية.
“خرج أحمد الجربا عن جميع أطر ومعايير الديمقراطية في العمل العام والعلاقات الشخصية، وانفرد مع مطبخه السري (البحرة وسارة) بجميع القرارات، وكرّس شخصه أسدياً جديداً، على الرغم ممّا وقع في عام رئاسته من هزائم سياسية وعسكرية، توشك أن تقضي على الثورة السورية”
بعد التمهيد، وصلنا إلى التطبيق، فقدم فايز سارة، الذي ترأس اجتماع الكتلة الأول، من دون أن يقترحه أحد، أو يدعوه لتولي رئاستها، أعدَّ نصاً، يذكّر بنضال الديمقراطيين، ويعلن أن الكتلة ستكون جزءاً منها، واقترح لجاناً يغطي نشاطها الحياة العامة. في نهاية اجتماعها، بعد ظهر ذلك اليوم، طرح فكرة انتخاب رئيسٍ لها، فرشّحتُ نفسي، باعتباري مؤسس “القائمة الديمقراطية”، والشخص الذي أدار مفاوضات دخولها إلى الائتلاف، ومعركة انتخاب الجربا رئيساً له. واقترحت إحدى الأخوات اسم فايز. سألته، عندئذٍ، إن كان يتمسك بترشيح نفسه ضدي، وحين رد بالإيجاب، سحبت ترشيحي، كي لا أعطي الجربا فرصة الوقيعة بيننا، باعتبارنا صديقين تاريخيين، ارتبط اسمانا أحدهما بالآخر، ستكون لأي عراك انتخابي بينهما آثار سلبية جداً على العمل الديمقراطي.
في اليوم التالي، وكان قد صار رئيساً بالتزكية، التقينا، فشرحتُ له وجهة نظري حول ما فعله، وسألته إن كان يعي معنى أن نكون في موقعين متناقضين، فقال إنه رشح نفسه لأنني قلت له، ذات يوم، أن يتولّى رئاسة القائمة الديمقراطية، بما أنه مقيم في اسطنبول. فقلت: لكنك رشحت نفسك بعدي، فبدا ترشيحك وكأنك ضدي، علماً بأنني أحق الناس بترشيحك ودعمك، وأعتقد أن وجودك في رئاسة الكتلة كان سيمثلني، لو أنك أخبرتني برغبتك في توليها، وأعطيتني فرصة ترشيحك بنفسي. عرض عليّ، عندئذٍ، أن يستقيل، فتمنيت له النجاح، ونصحته بالابتعاد عن الجربا، الذي يستخدمه اليوم، وسيتخلى عنه في أول مناسبةٍ لا يحتاج فيها إليه، وذكّرته بأن خيارنا الديمقراطي يجب أن يضعنا في موقع المعارض لنهجه القائم على تفرّده بكل شيء، على الرغم من ضحالة ثقافته السياسية وخبرته النضالية، وما يبديه من ضيق صدرٍ بأي رأي نقدي، أو مخالفٍ لموقفه، واعتماده معايير شخصيةً في تقويم الآخرين، تحفل بالتحقير والسباب، واتّباعه طرقاً أسدية في التسلّط، كوصف نفسه بـ”القائد”، وطلب من سوريين أميركيين السير وراءه، والالتزام بطاعته.
ورقة مقترحة
بعد أيامٍ من هذا الاجتماع، كتبت ورقة أرسلتها إلى سكرتير الكتلة، زكريا الصقال، مندوب الائتلاف في مدينة غازي عينتاب والمقرّب من الجربا، عنوانها: “مقترح لعمل الكتلة الديمقراطية”، بنيتها على ضرورة تصحيح تجربتنا مع “السيد الرئيس” التي قامت على إيكال تنفيذ برنامج “استعادة القرار الوطني” الذي كنت قد وضعته لـ”القائمة الديمقراطية”، إلى شخص تبيّن أن لديه برنامجاً شخصياً مناقضاً لبرنامجها، مكّنته آليات التعطيل في الائتلاف ونظامه الأساسي من تنفيذه، على الرغم من اعتراضي بعد شهر من انتخابه، ودعوتي إلى اتخاذ موقف نقدي مفتوح ضد نهجه، وهو في بداياته، لأنه يعادي الديمقراطية وأسس العمل الوطني، ويجعل الائتلاف مؤسسة له، بدل أن يكون مؤسسة لهذا العمل، تخضع لسيطرته الشخصية ولأشكال متنوعة من المشاحنات والعداوات والانفراد بالرأي.
قالت الورقة التي قدمتها: علينا الخروج من أي احتجاز خارجي، أو داخلي، سواء تجسّد في أشخاص أم في سياسات، ومن واجبنا “معايرة” سلوك القيادة التي سننتخبها ببرنامج واضح للعمل الديمقراطي، بعد فشل تجربتنا في تنفيذ هذا البرنامج، من خلال شخص خلنا أنه سينفذه فنفذ عكسه.
في هذا السياق، بلورت الورقة معايير وضوابط ملزمة للقيادة الجديدة، تسمح بمراقبة نشاطها، وتحدثت عن تأييد مشروط يمنح لمَن يتولاها، يتضمن إمكانية سحب الثقة منه، ومعارضته العلنية والمنظمة، وحددت جملة هيئات استشارية، ولجان عمل تساعده وتنظم جهوده، وتضبطها لصالح ائتلافٍ قوي، يستطيع إلزامه بتوجه وطني، ينقل مركز ثقل العمل النضالي من الخارج إلى الداخل، وفق أسسٍ واضحةٍ، يشارك في تطبيقها أكبر عدد من أعضاء الائتلاف، على أن تؤيد الكتلة أي مرشحٍ يوافق على برنامجها، وتتم المفاضلة بين المرشحين انطلاقاً من مؤهلاتهم الشخصية والسياسية والإدارية. في نهاية الاجتماع، تم انتخاب مرشح الكتلة لرئاسة الائتلاف خلفاً للجربا، فوقع اختيار أغلبية أعضائها على موفّق نيربيّة، وسقط هادي البحرة، مرشح “السيد الرئيس”، وفايز سارة. عندئذٍ، أعلن الجميع، بمَن فيهم البحرة، التزامهم بالمرشح المنتخب، وبالعمل لإقناع أعضاء الائتلاف بانتخابه، وشكل سارة غرفة انتخابية، تضم أعضاء من الكتلة برئاسته. إلى هنا، سار كل شيء على ما يرام، أو هكذا بدا لنا.
2
بعودة الجربا من السعودية، تغيّرت الأحوال، فقد طالب بإعادة الانتخاب، ليكون هادي البحرة مرشح الكتلة، وحجته أن مؤامرةً دبّرت ضده، وانتخاب موفّق نيربية باطل. أعلم فايز “السيد الرئيس” أن كلام هادي عن المؤامرة ضده ليس صحيحاً، وأن الانتخابات كانت شرعية، وأن من العار أن يتهم هادي زملاءه بالتآمر عليه، لمجرد أنهم لم ينتخبوه. ثم، وفي اليوم التالي، جاء فايز إلى موفق، وطلب منه الانسحاب، بحجة أن الوضع العربي والدولي لا يقبل مرشحاً غير هادي! بعد يوم آخر، قال سارة لموفق إن رؤساء كتل الائتلاف لا يؤيدونه، ومن المصلحة ترشيح هادي كي لا “نفقد” سيطرتنا عليه.
“بعودة الجربا من السعودية، تغيّرت الأحوال، فقد طالب بإعادة الانتخاب، ليكون هادي البحرة مرشح الكتلة، وحجّته أن مؤامرةً دبّرت ضده، وانتخاب موفّق نيربية باطل”
في هذه الأثناء، كانت المعلومات تتحدث عن اتصالات بين الجربا وعدوه اللدود مصطفى الصباغ، وتشير إلى أنهما اتفقا على هادي رئيساً وخالد خوجه، من كتلة الصباغ، أميناً عاماً. استفسر أعضاء الكتلة عن صحة الخبر، فنفى فايز الموضوع جملة وتفصيلاً، وكرر رأي الجربا بالصباغ “رجل قطر وتاجر سياسة، وخطّ أحمر لا يجوز الاقتراب منه”، وانتقد ميشيل كيلو، لأنه قبل الجلوس معه في “الهيئة الاستشارية “. بل إن زكريا الصقال قال لميشيل بغضب، عندما أعلم الكتلة بحضوره لقاء رؤساء كتل، بينهم الصباغ، من أجل التوافق على مرشحٍ يلتزم ببرنامج الكتلة: الصباغ خط أحمر، لا يجوز الجلوس والحوار معه، وهو … إلى آخر موشح الجربا وفايز سارة الذي كان أعضاء الكتلة يطالبونه، منذ ثلاثة أيام، بعقد اجتماع لها، من دون أن يستجيب لطلبهم، متذرّعاً بتأجيل اجتماع الهيئة العامة للائتلاف.
نيربية ثم البحرة
ثم، وفجأة، دعاهم إلى لقاء لم يدعُني إليه، لعلمه أنني لن أقبل تحقيق مطلب الجربا باستبدال موفق بهادي. خلال اللقاء، طرح فايز على الحاضرين فكرة التصويت لهادي، لأن رؤساء الكتل في الائتلاف لن يعطوا أصواتهم لموفق. حين رفض طلبه، شرع يمارس عليهم ضغوطاً تنبع من عالم العصا والجزرة، وصلت إلى حد تهديدهم بأرزاقهم ووظائفهم، وبفصلهم من الكتلة التي بدا جلياً، الآن، أنها كتلة انتخابية، يُراد منها ضمان عشرين صوتاً لهادي، مهما كان الثمن وأياً كانت الوسائل، ما دامت رئاسته تبقي الائتلاف في يد الجربا، وتكفل عودته إلى رئاسته، بعد ستة أشهر على أبعد تقدير. في النهاية، وفي اجتماع ثانٍ، نجح فايز في إرغام أحد عشر عضواً على إعطاء أصواتهم لهادي البحرة، وسارع إلى اعتباره مرشح الكتلة، بعدما كان قد أبلغ جهات كثيرة، وطوال أسبوع، أن مرشحها هو موفق نيربية. هكذا، انتصر الجربا على الكتلة، وألغاها عملياً، بمساعدة فايز سارة، رجل مطبخه السري الذي نقل موقفه من النقيض إلى النقيض خلال أيام، ومارس أنواعاً من الابتزاز على رفاقه، تليق بعرّاب في المافيا، بل واتّهم مَن رفضوا الانصياع للجربا وانتخاب هادي بـ”شق الكتلة”، والعمل ضد الديمقراطية، وهدّدهم بالطرد منها، وحرمانهم من الترشيح للهيئة السياسية، وبالتالي، من رواتبها.
في الوقت نفسه، لم يعد الصباغ خطاً أحمر، بل صارت العلاقة معه “توسيعاً لتحالفاتنا”، في نظر سكرتير الكتلة زكريا الصقال، مع أن الاتفاق معه أقصى جميع تيارات وكتل العمل السياسي والحزبي داخل الائتلاف، التي كان فايز سارة يتذرّع بموقفها، كي ينتزع الموافقة على ترشيح هادي البحرة لمنصب الرئاسة، ويبطل قراراً بترشيح موفق، مع أنه كان في رأيه شرعياً ونظامياً، قبل عودة الجربا من السعودية، وخلال أول لقاء بينهما! في حين لم يقل أي من طرفيه كلمة واحدة عن الأسس التي قام عليها، وما هو برنامجه، إن كان له
“بمثل هذه الأحابيل والممارسات، وبضغوط المال السياسي وابتزازه، تم انتخاب البحرة لرئاسة ائتلافٍ لعب دوراً رئيساً في تهميشه ووضعه على الرف، وفي سلسلة الهزائم القاتلة التي وقعت خلال عام من الحكم الفردي الفاسد، الذي يشبه حكم الأسد، كما تشبه عينٌ العين الأخرى”
برنامج، وما أهدافه، إن كان له من هدف غير ضمان حكم الجربا الائتلاف، وما هو موقفه من الانهيار الشامل الذي ترتب على سياسات “السيد الرئيس”، وأدى إلى سقوط تل كلخ والقصير وجنوب دمشق وشرقها وغربها والقلمون ويبرود وجيرود وحمص وقلعة الحصن والزارة والرقة، واليوم حلب ودير الزور ومعظم ما يحيط بهما من مناطق، بينما سيادته غارق في عسل الزعامة، همّه الوحيد تغطية الكارثة، بإيكال رئاسة الائتلاف إلى مساعده في المطبخ السري، هادي البحرة، الذي شاركه العمل لتحقيق هذه “الإنجازات”. وللعلم، قبل يوم من إنجاز سارة الديمقراطي، زعم أن “الإشاعات” حول المصالحة بين العدوين اللدودين ليست غير أكذوبة، روّجها ميشيل كيلو، المسؤول عن تخريب الائتلاف، و”إنجازات” الجربا في عامه الرئاسي القصير.
قدم الأستاذ فايز في اجتماعات الهيئة العامة هادي مرشحاً عن الكتلة الديمقراطية، التي كان جلياً أنها انشطرت إلى قسمين، يذكّر أحدهما بـ”القائمة الديمقراطية”، وثانيهما بالجربا ومطبخه السري، الذي استباح كل ما عرفته الدنيا من مبادئ ومستلزمات العمل الديمقراطي، وأحبط التوافق خياراً أصلياً للكتلة، وروج أكذوبة هادي مرشحاً ديمقراطياً. لا عجب أن يقول أحد الأعضاء لفايز: ليتك حرصت على تغطية مسرحيتك المفضوحة بأي غطاء آخر غير الكذب. بالمناسبة، كان فايز سارة قد وزّع في إحدى جلسات الكتلة ورقتين، واحدة خاصة بأعضاء الائتلاف، تبيّن أنها تتضمن تصنيفاً لهم، وضع قبل أسبوعين من وجهة نظر الجربا وهادي البحرة وفايز سارة، حشرتهم في ثلاث فئات: موالية ووسطية ومعادية، وقد ورد اسمي فيها إلى جانب اسم مصطفى الصباغ و44 عضواً باعتبارنا “أعداء”.
حكومة المعارضة
عندما طرحتُ الموضوع، وقلت إن النظام يعتبرني معارضاً وأنتم تعتبرونني عدواً، اكتفى سارة بالقول: هذه القائمة وزّعت بالخطأ وليست الكتلة مَن وضعتها. طلبت منه، ومن أعضاء الكتلة إدانة تصنيفي بين أعداء الديمقراطية، فكرر قوله، وتجاهل الطلب.
أما الورقة الثانية، فخاصة بالحكومة، ووضعت قبل فترة من قرارات رئيسها إقالة المجلس العسكري الأعلى والأركان، وهي تتضمن تصنيفاً لأعضاء الحكومة يدمغهم بطابع إسلامي، ويصورهم أعضاء في حكومة إخوانية، تماشياً مع رأي الجربا برئيسها الذي يعتبره إخونجياً، وعمل المستحيل لمنعه من إقامة علاقات مع السعودية، من خلال إبلاغ مسؤوليها أنه إخواني ورجل قطر، مع أن علاقاته مع المملكة كانت دوماً على رأس رغباته وأولوياته، فيما أن للسيد أحمد طعمة تاريخ عريق في معارضة النظام.
عندما قلت إن هذا ليس تقويماً للحكومة، بل وشاية أمنية، تشبه تقارير ووشايات البعث، عاد فايز سارة إلى معزوفة أن الكتلة ليست مَن أعدّ الورقة، وقال إنها وزعت علينا خطأ، فرددت عليه بأنها الورقة الوحيدة التي قدمت لنا عن الحكومة، التي يراد لنا تشكيل رأينا تحت تأثيرها، وأنها أتت عن طريقه، فهي تعبّر عن رأي وموقف مطبخه السري، ومن غير
“آمل أن يرفض البحرة استكمال ما بدأه أحمد الجربا: استخدام مشكلات الائتلاف والأركان والحكومة، لدفع عربة الثورة السورية نحو الهاوية، بالجهل والغباء، أو عن سابق عمد وتصميم”
المقبول الاكتفاء بالقول إن الكتلة ليست مَن أعدّها. لذلك، لا بد من إدانتها وإدانة مَن أعدّها في الرئاسة، وخصوصاً أن عليها ملاحظة تقول إنها ورقة “سرية ومحدودة التداول”، وإنها تقوم على أحكام مسبقة، فاسدة ومضللة، وأن من غير المقبول تصنيف أعمال ودور حكومة بمثل المعايير التي اعتمدتها، وتركزت على الأشخاص، ووصلت إلى حد اعتبار الصداقة بين بعض العاملين في الحكومة دليلاً جرمياً، كأن الصداقة غدت ممنوعة، في نظر مَن أعدّوها للرئاسة! اقترحت، في نهاية ردي، تشكيل لجنة من ثلاثة زملاء، تقدم تقريراً حقيقياً عن الحكومة، وتضع مقترحات لتحسين عملها وتطويره، فتظاهر سارة بالموافقة، ثم قتل اللجنة.
قبل التصويت… وبعده
قبل التصويت للبحرة، تلقى أعضاء الكتلة الذين رفضوا ترشيحه، تهديداً بإبعادهم عنها، وجرى بالفعل إبعاد بعضهم عن الترشيح للهيئة السياسية، مع أن الكتلة قررت بإجماع أعضائها اعتمادهم مرشحين. بمثل هذه الأحابيل والممارسات، وبضغوط المال السياسي وابتزازه، جرى انتخاب البحرة لرئاسة ائتلافٍ لعب دوراً رئيساً في تهميشه ووضعه على الرف، وفي سلسلة الهزائم القاتلة التي وقعت خلال عام من الحكم الفردي الفاسد، الذي يشبه حكم الأسد، كما تشبه عينٌ العين الأخرى. هذا البحرة شارك، أيضاً، في إقالة الأركان، والمجيء بأركانٍ جديدة، قال رئيسها، في شهادةٍ قدمها أمام الائتلاف، إنه وضباطه “شهود زور” على ما يجري، وليس لهم أي مكان أو دور فيه، فهل وحّد الجربا والبحرة الأركان، كما قالا مراراً وتكراراً في أميركا، أم أنهما ألغيا وجودها، وأسهما بشق الجيش الحر وتشتيته وحرمانه من أبسط مقومات الدعم والتوجيه؟ واليوم، يأتي دور الحكومة، بحجة أنها عزلت الأركان التي قال رئيسها ما أوردته بالحرف، أمام نيّف ومئة عضو في الهيئة العامة للائتلاف، وجوهره أنه لا توجد أركان. السؤال الذي يطرح نفسه الآن: مَن يخدم تقويض مؤسسات الثورة الثلاث: الائتلاف والأركان والحكومة: شعب سورية أم نظام الأسد؟
آمل أن يرفض البحرة استكمال ما بدأه أحمد الجربا: استخدام مشكلات الائتلاف والأركان والحكومة، لدفع عربة الثورة السورية نحو الهاوية، بالجهل والغباء، أو عن سابق عمد وتصميم.
العربي الجديد
خيارات هادي البحرة/ميشيل كيلو
بانتخاب هادي البحرة رئيسا للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، يكون التنظيم، الذي قيل يوماً إنه تأسس ليمثل الثورة ومصالحها العليا، قد دخل في طور فاصل، فإما أن يغادر مرحلةً يرثها عن سلفه تهدد وجوده بأفدح الأخطار، تجلت في تهميش الائتلاف مؤسسةً للعمل الوطني، وفي سلسلة هزائم نزلت بالجيش الحر في تل كلخ والقصير وجنوب دمشق والعتيبة والمعضمية، ومرّت بالقلمون ويبرود وجيرود وحمص وقلعة الحصن والرقة وكسب، ووصلت، أخيراً، إلى حلب ودير الزور، حيث يتعاون النظام و”داعش” على سحق الثورة. وقال لي صديق من الداخل إن الجيش الحر سيزول بصورة شبه تامة من شمال سورية، إذا ما سقطت المدينتان، ونجحت “داعش” في استعادة إعزاز، وتقدمت نحو إدلب ومنطقتها.
بالتزامن مع هذه الهزائم وتهميش الائتلاف الذي تفاخر رئيسه السابق، أحمد الجربا، بأنه لم يعد فيه من يستطيع “رفع رأسه”، وتم تسديد ضربة قاتلة إليه باتفاق الجربا/ الصباغ الذي استبعد جميع القوى السياسية والحزبية من مؤسساته التمثيلية، وقع تقويض الأركان، بشهادة العميد عبد الإله البشير أمام الهيئة العامة، حيث قال بالحرف إنه لا توجد أركان، وضباطها “شهود زور” على ما يجري.
أخيرا، ختم الجربا عهده بمحاولة فاشلة لتدمير الحكومة، لو نجحت لكان شطب مؤسسات ثورة الحرية الثلاث، ونجح في استبدالها بسلطةٍ فرديةٍ، أسدية الهوية والآليات، يعني استمرارها إطاحة أي وجود منظم ومستقل لثورة الحرية ومؤسساتها، وربط مصير سورية بـ “قائد”، (هكذا وصف الجربا نفسه في لقاء مع الجالية السورية في واشنطن بحضور البحرة)، يستخدم وسائل مماثلة لوسائل الأسد، ويبرر سياساته وتصرفاته بمسوغاتٍ كمسوغاته، كما تؤكد تجربة العام الماضي، وما تمخض عنها من نتائج كارثية.
هذا خيار يمكن للبحرة اعتماده، يعرف أكثر من أي شخص آخر أنه جيء به إلى الرئاسة، لكي يحافظ عليه. لكن، لدى البحرة خيار آخر، هو القطع الجذري مع خيار الجربا، وإجراء مراجعة نزيهة لتجربة الثورة في العام المنصرم، تفضي إلى انتهاج خط مضاد للنزعة الأسدية، يلزمه بإدارة الائتلاف انطلاقا من خط وطني، سوري صرف، يضع حداً للسياسات التي همشت “الائتلاف”، وحالت بينه وبين لعب دوره المنتظر في الثورة وتجاه الداخل.
هذا الخيار سيبعد البحرة عن أجواء الفساد، وسيعطيه الحق في إدارة المسألة السورية، بما يتفق مع طابعها الأصيل، ورهاناتها الأولى، وسيكفل له قاعدة ائتلافية واسعة، وشعبية وطنية واسعة، وإن أبعده عن سلفه، ووضعه حيال مخاطر حقيقية، سيحميه منها السوريون الذين يجب أن يستمد من تضحياتهم الجرأة والتصميم على خوض معركة كهذه، قد تكون مكلفة شخصياً، لكنها ستجعل منه قامةً وطنيةً، سندين لها جميعا بالحب والولاء، وسننزلها منزلة خاصة من نفوسنا، لأنها اختارتنا، وقررت التضحية من أجلنا، في لحظةٍ، نحتاج فيها إلى إنقاذ!
ماذا سيختار البحرة؟ علينا انتظار أفعاله، قبل تقديم إجابة نهائية عن هذا السؤال: فإما أن يخرج من نهج سلفه، أو أن تحطمه الوطنية السورية!

 

الائتلاف في مرمى النقد!/ فايز سارة
منذ أن تأسس الائتلاف الوطني قبل نحو عامين وحملات النقد تتواصل ضده من الجانب السوري، سواء من جماعات وكتل وشخصيات سياسية، أو من قبل ناشطين أو من مواطنات ومواطنين سوريين، كما أن النقد وصولا إلى التجريح والتهويش والتخوين، تواصل من جانب النظام والشبيحة القتلة والمنحبكجية والمؤيدين لنظام الأسد.
وإذا كان نقد الأخيرين لا يهمنا عموما، لأنه ينطلق من قاعدة العداء للشعب السوري وثورته وللمعارضة، فإن المستوى الأول من النقد يهمنا، ويهمنا أيضا التوقف عنده ومناقشته، لأنه ينطلق من قاعدة الخوف على الشعب والثورة والمعارضة في ظاهره، وإن بدا في بعض الأحيان أنه يذهب بحدود معينة مذهب نقد النظام وأدواته وشبيحته.
يتركز نقد السوريين للائتلاف في أول حيثياته من فكرة التركيب السياسي العام للائتلاف، خاصة لوجود قوى وشخصيات غير معروفة، أو ذات هويات سياسية لها إشكاليات في الواقع السوري نتيجة سياسات النظام التي اتبعت في عهد عائلة الأسد من الأب إلى الابن، فغيبت وشتت القوى والشخصيات السياسية في الداخل والخارج، وهمشت السياسة في سوريا وحولها، مما جعل صورة السياسة والسياسيين ملتبسة عند السوريين، وزاد على الأمر أن الثورة بدفقها الشعبي لم تتوقف أمام تلك الصورة لتأملها، والتمييز في حيثياتها لرؤية الإيجابي والسلبي، واتخاذ موقف الداعم والمؤيد للجانب الإيجابي سواء حيال الائتلاف أو غيره من تكوينات المعارضة السورية.
والنقطة الثانية تتعلق بقدرات الائتلاف، وهي قدرات محدودة في كل المجالات، ليس مقارنة بقدرات النظام فحسب، بل بما فرضته الكارثة السورية من احتياجات لا تتعلق بمواجهة النظام وأدواته وحلفائه، وإنما أيضا بالاحتياجات المتنامية للسوريين الذين تحولت أغلبيتهم إلى فقر وحاجة وتشرد ولجوء ومرض واختفاء قسري وموت، وهي احتياجات تعجز دول عظمى وغنية عن توفيرها، خاصة أنها آخذة في التنامي والتزايد في ظل بيئة إقليمية ودولية غير متعاونة.
أما النقطة الثالثة، فيما يتركز عليه نقد الائتلاف، فتبدو في التأثيرات الإقليمية والدولية عليه، ومنها علاقة الائتلاف بدول في المحيط الإقليمي وأخرى ذات وزن وأهمية في المستوى الدولي، وخاصة لجهة العلاقة مع تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر، إضافة إلى غرب أوروبا والولايات المتحدة، وهذا أمر طبيعي؛ لأن ظروف القضية السورية جعلت من الثورة والمعارضة ميدانا لتدخلات إقليمية ودولية، لا سيما بعد أن جلب النظام إلى التدخل في القضية السورية حلفاء له مثل روسيا وإيران وميليشيات لبنانية وعراقية، وظفت كل قدراتها في دعمه ومساندته للبقاء في سوريا.
إن نقد الائتلاف في ظل المعطيات السابقة يمكن أن يكون نقدا موضوعيا وله طابع إيجابي، سوف يساعد الائتلاف على التقدم وتطوير نفسه بما يتناسب مع مهماته وأهدافه في ضوء الواقع، وليس في ضوء الأحلام والرغبات. أما إذا كان النقد لا يأخذ تلك المعطيات بعين الاعتبار، فهو نقد غير إيجابي، وقد تكون له دلالات لا تتوافق مع المصلحة العليا للشعب السوري وثورته.
لقد درج البعض على قول إن الائتلاف بحاجة إلى برنامج أو خطة سياسية وإلى برامج عمل تنفيذية، ولهذا القول الكثير من الصحة، لأنه لا يجوز (كما حدث حتى الآن) أن يسير الائتلاف دون خطط وبرنامج، وأن تترك سياسته تتأرجح حسب الرياح سواء كانت رياحا داخلية أو خارجية، أو أن يكون محكوما بـ«المجاز» على نحو ما حدث ذات يوم من عمر الائتلاف.
كما أن قول إن الائتلاف بحاجة إلى إصلاح ومأسسة – وهذا مطلب حق – ينبغي الاشتغال عليه، لأن الائتلاف بحاجة إلى مؤسسات وهياكل سياسية وإدارية وفنية، تتجاوز طبيعة قوى المعارضة المنضوية في الائتلاف، والمؤسسات والهياكل، التي أقامتها في فترات سابقة (إذا كان لها مؤسسات وهياكل)، وثمة حاجة إلى نوعيات وقدرات جديدة بحكم الدور الجديد الذي صار على الائتلاف أن يقوم به مع هياكله مثل الحكومة والأركان ووحدة تنسيق الدعم.
أما في النقد القائل بإدانة الائتلاف باعتباره عاجزا عن توفير الدعم العسكري للتشكيلات المسلحة والإغاثي لأكثر من عشرة ملايين سوري في الداخل والخارج، فهو نقد غير واقعي، لأن أصحابه يعرفون أن قدرات الائتلاف لا تسمح بذلك لأنه يحصل على مساعدات محدودة من دول داعمة، أو أن أصحاب هذا النقد لا يعرفون شيئا عن واقع الائتلاف ودخله، وأن لديهم أوهاما فيما يتعلق بالدعم الذي يتلقاه الائتلاف.
وينتمي إلى عالم الخيال ما يقال من نقد يقول بعجز الائتلاف عن التصدي لقوات النظام وحلفائه على الأرض، ولتمدد ميليشيات جماعات التطرف من أخوات «القاعدة» مثل «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، خاصة أن الائتلاف هو تحالف سياسي كما هو معروف وليس تنظيما عسكريا، وعلاقاته مع التشكيلات العسكرية محدودة ومحكومة بظروف وشروط شديدة التعقيد، إضافة إلى ضعف إمكانياته المادية المعروفة.
لقد آن الأوان ليس لقوى وشخصيات المعارضة، بل بالدرجة الأولى لمن هم داخل الائتلاف الوطني، أن يحكموا عقولهم وضميرهم ومصلحة الثورة والشعب السوري عند نقدهم لواقع الائتلاف ولأداء الائتلاف، وأن يتقدموا للعمل معا من أجل إنهاض الائتلاف ودفعه للسير نحو أهداف الثورة والشعب بدل الاعتماد على الخيال والرغبات واللجوء إلى المزايدات السياسية، واستخدام بعض الوقائع في غير محلها، وكيل اتهامات بعضها لا أساس له من الصحة، أو استخدامها لأغراض سياسية محدودة النفع، بدل أن تكون في مصلحة الثورة والشعب السوري، عند ذلك سيكون لنقد الائتلاف قيمة أكثر جدية ونفعا.
كاتب وصحافيّ سوريّ، وعضو الهيئة السيّاسيّة في الإئتلاف الوطنيّ لقوى الثورة والمعارضة حاليا ومستشار سياسي واعلاميّ لرئيس الإئتلاف
الشرق الأوسط

 

“الرغبوية” في سياسة المعارضة السورية/ منذر خدام
لم يحظ تصريح باراك أوباما الأخير بأن «لا وجود لمعارضة معتدلة في سورية»، وكذلك تعليقه الساخر بأن مجموعة من «المزارعين وأطباء الأسنان (وهو يغمز من قناة رئيس حكومة الائتلاف السيد أحمد طعمة) لا يمكنها أن تهزم جيش الأسد»، بالتفكر الواجب والقراءة السياسية المسؤولة من غالبية قوى المعارضة السورية، بل اعتبرها كثيرون مجرد خطأ في التعبير. حجتهم في ذلك استمرار تصريحات المسؤولين الأميركيين الداعمة للمعارضة السورية، والتي شهدت تطوراً لافتاً في الفترة الأخيرة من خلال طلب أوباما من الكونغرس تخصيص 500 مليون دولار من ميزانية مكافحة الإرهاب لدعم المعارضة المعتدلة.
للأسف، لم تستطع المعارضة السورية التخلص من نزعتها الرغبوية في السياسة، على رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على بدء انتفاضة الشعب السوري من أجل الحرية والديموقراطية، بل تحولت لديها إلى ظاهرة، فهي إذ ترغب فعلاً بأن يرحل الأسد ونظامه، وأن تحل محله في السلطة، وهذا هو من حيث الأساس فهمها للحل السياسي، اعتقدت أن هذه رغبة مشتركة مع الإدارة الأميركية، وجميع الدول الغربية، في حين برهن واقع الحال عكس ذلك. وإذا كانت سياسات الدول لا تبنى على الرغبات، بل على الوقائع، وما تتيحه من ممكنات لتحقيق المصالح، التي تظل في مجمل الأحوال الهدف الأسمى للسياسة، فإنها لدى الإدارة الأميركية تؤسس أيضاً على حسابات إستراتيجية بعيدة.
وكثيرة هي رغبات المعارضين لنظام الأسد المدعومين من الدول الغربية، فهي راوحت بين المطالبة بإسقاطه من خلال تدخل عسكري خارجي، ومحاكمته أمام المحاكم الدولية الناظرة في جرائم الحرب، كحد أقصى للرغبة، وبين المطالبة تارة بمنطقة حظر جوي، أو بتأمين ممرات إنسانية، أو بفك الحصار عن البلدات السورية المحاصرة، لكن في مجمل الأحوال لم تغب عن مروحة رغباتها أبداً المطالبة دائماً بالدعم المالي وبالسلاح، وخصوصاً النوعي منه. إن نظرة فاحصة لمدى تحقق رغبات المعارضة تبين أنها كانت تذهب من فشل إلى فشل، حتى من دون أن تنظر إلى الوراء وتقوم بعملية نقدية لسياساتها. وفي مؤتمر جنيف بدلاً من أن تركز مطالبها على البديل الديموقراطي للنظام، ركزت على إنشاء «الجسم السياسي الانتقالي الكامل الصلاحيات» وهي تهدف من ذلك إلى تحقيق رغبتها في منع الأسد من أن يكون له أي دور في المرحلة الانتقالية، مستندة في تحقيق رغبتها هذه إلى حق الفيتو الذي منحه لها بيان جنيف1، ومتجاهلة أن الحق ذاته قد منح لحكومة الأسد أيضاً.
وكثيرة هي الرغبات التي تحكّمت بالسلوك السياسي للمعارضة السورية، وتبين أنها مجرد أوهام لا تمت إلى فضاء السياسة بصلة، مما أفاد منها النظام كثيراً. اليوم يلاحظ على نطاق واسع تغير مزاج الناس تجاه النظام، خصوصاً في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة، وذلك لأنها فشلت في تقديم بديل أفضل في إدارة هذه المناطق، بل ساهمت في تقدم الأصولية الدينية السياسية المتطرفة، خصوصاً من الطراز القاعدي، حتى باتت داعش اليوم تهدد المنطقة برمتها.
في المقلب الآخر كان النظام يركز جهوده على خلق وقائع على الأرض مستفيداً من دعم حلفائه ونصائحهم، بحيث صارت موازين القوى تميل إلى جانبه بشكل ملحوظ ليس فقط في المجال العسكري بل السياسي أيضاً. المشهد اليوم على الأرض يبين حصول خلل كبير في موازين القوى لمصلحة النظام. لقد باتت قوات الجيش السوري تسيطر على منطقة القلمون المحاذية للبنان، وبذلك تكون قد قطعت شرياناً مهماً لإمداد المعارضة المسلحة بالسلاح والمال والمقاتلين. إضافة إلى ذلك فقد أعادت السيطرة على منطقة كسب في ريف الساحل الشمالي، وهي مستمرة في مطاردة قوات المعارضة المسلحة في مناطق التركمان وجبل الأكراد. والأهم من ذلك، فإن اغلب ريف دمشق صار تحت سيطرتها، وما تبقى منه في الغوطة الشرقية والغربية فهو تحت حصار خانق، الأمر الذي سمح للنظام بإزالة بعض الحواجز من قلب دمشق، في رسالة واضحة تفيد بزوال الخطر عن العاصمة. واليوم باتت قوات الجيش تحاصر مدينة حلب ثاني أكبر مدينة سورية وأهمها اقتصادياً، وإذا نجح النظام بإعادة السيطرة عليها، فسوف يشكل ذلك انعطافة استراتيجية في مجرى الصراع المسلح لمصلحة النظام.
معلوم أن النظام السوري والمعارضة قد شاركا في مؤتمر جنيف2 مكرهين، لذلك لم يكن أي منهما جاداً في التوصل إلى تفاهمات تضع الأزمة السورية على طريق الحل وفق ما جاء في بيان جنيف1. وما إن أعلن الأخضر الإبراهيمي فشل الجولة الثانية من المفاوضات بين وفد النظام ووفد الائتلاف المعارض حتى تنفس النظام الصعداء، وبدأ بخلق وقائع جديدة على الأرض سوف يكون لها بلا شك انعكاسها على الحل السياسي المنشود للأزمة السورية.
لقد ركز جهوده العسكرية بدايةً لحسم معارك القلمون وكسب وتطويق حلب ونجح في ذلك. كما أنه أجرى مصالحات محلية ذات طابع أمني، خصوصاً في برزة والقابون في ريف دمشق، وكذلك في حمص، ونجح أيضاً في ذلك، كما نجح في إجراء الانتخابات الرئاسية بصورة لافتة على رغم كل التزوير الذي حصل فيها.
هذه الوقائع وغيرها سمحت للنظام بإعلان وفاة مسار جنيف التفاوضي، وهو يحضر اليوم لحل «سوري– سوري» في داخل البلد قد يعلن عن إطاره في خطاب القسم، ومن المرجح أن يأخذ شكل مؤتمر وطني يعقد في دمشق.
في المقابل، لم تستطع المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري أن تخلق أي واقعة جديدة يمكن أن تفيد منها في المفاوضات القادمة، بل على العكس، فإن الوقائع التي خلقتها داعش والنصرة وغيرهما من القوى الجهادية المتطرفة أفاد منها النظام سياسياً إلى حد بعيد. لقد صار ما كان يطالب به في مؤتمر جنيف2 من ضرورة التركيز على محاربة الإرهاب مطلباً دولياً تؤيده حتى الدول الغربية وأميركا، ولم يكن تصريح أوباما المشار إليه إلا تعبيراً سياسياً عن هذا التحول.
إن الحل السياسي للأزمة السورية يبحث اليوم عن مرجعية جديدة غير مرجعية بيان جنيف1 يأخذ في الحسبان المتغيرات الجديدة، التي في مقدمها مسألة بقاء الأسد وصلاحياته التي خرجت من نطاق التداول. وتحسن المعارضة صنعاً إذا ركزت مطالبها في المستقبل على البديل الديموقراطي للنظام الحالي، وإلا فإنها سوف تخسر هذا المطلب أيضاً.
* كاتب سوري
الحياة
ليس للمعتدلين السوريين سوى تجرع السمّ/ عبد الناصر العايد
مرة جديدة، تواجه المعارضة السياسية السورية السؤال المحزن “ما العمل الآن؟” ومع تراكم الإجابات الخاطئة، يزداد مأزق تلك المعارضة عمقاً، وتضيق السبل في وجهها، حتى أصبحت أمام خيار وحيد، هو القبول بمجلس قيادة عسكري، يقوده فرد مطلق الصلاحيات، هو ما يمكن وصفه بالانتحار، بالنسبة للطبقة السياسية التي نشأت مع الثورة السورية، وبنت تصوراتها ووعودها على المنظومة الديمقراطية التي كانت تحلم ببنائها، على أنقاض نظام الأسد.
في كتابه “تشريح الثورات”، وبعد البحث المعمق في الثورات الفرنسية والأميركية والبلشفية وسواها، يخلص الباحث الأميركي، كرين برينتن، إلى القول إن الثورات تنتهي بالعودة إلى حيث بدأت، تتغير بعض الأفكار، وينزاح هيكل القوة قليلاً، وتطبق إصلاحات، ويمحى أسوأ ما في النظام القديم، وتشرع طبقة حاكمة جديدة بفرض سلطتها ومصالحها.
وفي الصراع الذي تخوضه القوى الأكثر تشدداً وعنفاً على الساحة السورية، وفي جوارها، لم يعد للمعتدلين من أقطاب المعارضة السياسية السورية دور يذكر، وهو عين ما أشار إليه برينتن، أيضاً، في كتابه، إذ يصل المعتدلون إلى السلطة، عقب قيام الثورة مباشرة، لكنهم سرعان ما يفقدونها، بسبب الضغوط الاقتصادية، والفشل في إدارة الأزمة العامة، وفي مناخٍ من النقمة المتصاعدة، يبدأ انتقال القيادة إلى أيدي من هم أكثر تطرفاً وإيماناً بالعنف، ويتم إقصاء المعتدلين عن صناعة القرار رويداً رويداً، بقرع طبول الحرب بقوة، ثم تفرز المجموعة المتشددة فريقاً قيادياً من الصقور، يؤلفون مجلساً ثورياً، يقوده رجل قوي، ينفرد بالحكم عملياً، ويقصي منافسيه وخصومه.
“لا مناص للمعتدلين والمعارضين على خلفية ديمقراطية، من تجرع السم بصمت، فمشروعهم لم يسقط بقوة الواقع وقوانين التاريخ فحسب، بل لأنهم، أيضاً، لم يخدموه بالإخلاص والمسؤولية اللتين يستحقهما مشروع الديمقراطية الضخم”
وفي هذه الأثناء، تفقد الثورة زخمها بين صفوف الشعب بالتدريج، وصولاً إلى ما يسميها برينتن “مرحلة الخلاص”، وفيها تبدأ الأمور بالعودة البطيئة إلى الهدوء، ويستتب الحكم للفرد الطاغية الذي يتخلص من العناصر الأكثر تطرفاً في فريقه، ويضم معتدلين إليه، ومع تباعد ذكرى الثورة، تدخل البلاد مرحلة الانتعاش، وعودة الاستقرار، ويبدأ الناس في التخلص من علامات تلك المرحلة، ويغيرون ملابسهم وأسلوب حياتهم في محاولة لنسيانها، ويتخلون عن عاداتٍ كثيرة، متسمة بالتطرف التي آمنوا بها في حقبة الثورة.
وقعت الترسيمة التاريخية السابقة بدرجات متفاوتة في معظم بلدان الربيع العربي، وحدثت في سورية بحذافيرها، إذ مسار الفصائل الإسلامية الذي بلغ ذروته مع تنظيم الدولة الإسلامية، ينطوي على كل المراحل التي ذكرها برينتن، بل سيجد فيها أيضاً الخلاصة القاطعة التي توصل إليها في نهاية كتابه، وهي عودة الأمور من الناحية السلطوية إلى ما كانت عليه قبل الثورة، فالحياة في ظل خلافة أبو بكر البغدادي لا تختلف كثيراً عن العيش في ظل قيادة الأسد، سوى ببعض الوجوه والرموز والأدوات.
ويلوح في أفق المعارضة السورية، اليوم، مجلس عسكري، تجتمع إرادة معظم الأطراف المعنية على إيجاده ودعمه للخروج من الاستعصاء الذي وقعت فيه القضية السورية، وثمة شخصيات تمتلك القدرة والجرأة على انتزاع المبادرة الاستراتيجية، وفرض نفسها على الثورة السورية كـ”زعامة”، واحتكار الدعم الخارجي، والهيمنة على الموارد الداخلية، من خلال احتكار العمل المسلح، الذي سيكون صاحب الكلمة العليا في أي استحقاق سياسي، ومن نافل القول، هنا، أن لا مناص للمعتدلين والمعارضين على خلفية ديمقراطية، من تجرع السمّ بصمت، فمشروعهم لم يسقط بقوة الواقع وقوانين التاريخ فحسب، بل لأنهم، أيضاً، لم يخدموه بالإخلاص والمسؤولية اللتين يستحقهما مشروع الديمقراطية الضخم، واكتفوا بالرهان على الرياح الغربية لدفع مركبهم المتواضع إلى شاطئ الأمان، وغاب عن بالهم أن هذه الرياح لا تهب إلا على هواها.
العربي الجديد
الثورة السورية.. حذار من النفق المظلم/ فايز الدويري
انطلقت الثورة السورية يوم 15 مارس/آذار 2011 بحراك شعبي سلمي غطى معظم الجغرافيا السورية، وبقي -باعتراف رأس النظام- محافظا على سلميته طيلة الأشهر الستة الأولى، رغم أن العديد من رموز النظام وإعلامه وصفوه منذ الأيام الأولى بالعمل الإرهابي.
تدرّج النظام السوري صعودا في تعامله مع الثورة السورية، فانتقل من المقاربة الأمنية إلى المقاربة العسكرية المفتوحة، وأدى ذلك إلى حدوث انشقاقات في الجيش السوري نتج عنها ما عرف لاحقا بالجيش الحر.
نما الجيش الحر أفقيا بسرعة كبيرة، ورغم إخفاقه في النمو عموديا فإنه استطاع في النصف الثاني من العام 2012 السيطرة على قرابة 60% من الجغرافيا السورية.
انطلقت عمليات الجيش الحر من الريف باتجاه المدن، فتمت له السيطرة على الغوطة حتى وصل إلى مشارف ساحة العباسيين في مركز دمشق، كما سيطر على ريف حلب والأحياء الشرقية منها، وريف إدلب وريف حماة وريف حمص والقلمون، وريف دير الزور وأجزاء واسعة من ريف الحسكة، في حين حققت قوات المعارضة المسلحة انتصارات ميدانية مهمة في محافظتي درعا والقنيطرة.
أدت انتصارات الجيش الحر إلى الحديث عن قرب سقوط النظام السوري، فبادرت العديد من الدول التي أطلق عليها مسمى أصدقاء الشعب السوري إلى اتخاذ إجراءات داعمة للثورة تمثلت في الدعم السياسي والاقتصادي لائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية، بينما تركت الباب مفتوحا لمن يرغب من تلك الدول في تقديم المساعدة العسكرية المطلوبة وبصورة فردية، إلا أن جميع تلك الدول تحفظت على تقديم الأسلحة النوعية المطلوبة، خاصة أسلحة مقاومة الدبابات والصواريخ المضادة للطائرات.
قابل الدعم المحدود الذي قدمته دول أصدقاء الشعب السوري دعما مفتوحا قدمته كل من روسيا والصين وإيران وحزب الله وعراق نوري المالكي، فاستخدمت روسيا والصين حق النقض (فيتو) ثلاث مرات في مجلس الأمن، كما أقامت روسيا جسرا جويا لنقل الأسلحة والمعدات إلى سوريا بذريعة أنها تزود النظام السوري بتلك الذخائر والأسلحة تنفيذا لاتفاقيات شراء سابقة.
أعلن العديد من المسؤولين الإيرانيين ضرورة دعم النظام السوري وعدم السماح بسقوطه حتى بلغ ببعض مسؤوليه أن يعتبر سوريا المحافظة الإيرانية رقم 36، وأن حدود إيران تمتد حتى الضاحية الجنوبية لبيروت. وتمثل الدعم الإيراني في الجسر الجوي الأسبوعي، وإرسال الخبراء العسكريين الذين أشرفوا على التخطيط العملياتي والإستراتيجي وإدارة بعض المعارك، كما جنّدوا عشرات الآلاف من الشباب الشيعة وأرسلوهم بحجة الدفاع عن المقدسات الشيعية، وساهموا في إنشاء قوات الدفاع الوطني، بالإضافة إلى الدعم الاقتصادي غير المحدود.
كان من أهم النتائج العسكرية للتدخل الإيراني التغير الرئيسي في التخطيط العملياتي، وتمثل ذلك في اتباع سياسة الحصار والقتل بالتجويع، فتمت محاصرة الغوطتين الشرقية والغربية بطوق خارجي، وحصار المدن والبلدات بطوق داخلي، كحصار مدن المعظمية وداريا ودوما والأحياء الجنوبية من دمشق مثل أحياء القدم والحجر الأسود ومخيم اليرموك وأحياء حمص القديمة، مما أجبر المعارضة المسلحة على تنفيذ العديد من اتفاقيات الهدنة التي صبت نتائجها في مصلحة النظام السوري.
بدأ تدخل حزب الله في الأزمة السورية منذ الأشهر الأولى للثورة بحجة الدفاع عن المواطنين اللبنانيين الشيعة في القرى السورية الحدودية، ثم لحماية الأماكن الشيعية المقدسة خاصة السيدة زينب، ثم جاء التصريح العلني للأمين العام للحزب بأنه يجب حماية ظهر المقاومة، وأن الحزب لن يسمح بسقوط نظام المقاومة والممانعة في سوريا. وتمت ترجمة ذلك التصريح في معارك القصير والسيدة زينب والقلمون والسفيرة وحي الزاهرة في مدينة حلب، ومعركة الساحل ومحاولة فك الحصار عن بلدتي نبل والزهراء في ريف حلب الشمالي الغربي.
أدى تدخل إيران وحزب الله إلى انعكاسات خطيرة على المستويات العسكرية الثلاثة: الميداني والعملياتي والإستراتيجي، فميدانيا تمكنت قوات حزب الله من إنجاز ما فشل الجيش السوري في تحقيقه، حيث احتلت قوات الحزب مدينة القصير وريفها، كما تمكنت من دحر قوات الجيش الحر عن مشارف بلدة السيدة زينب، لتتبع ذلك باحتلال البلدات المحيطة بها مثل قرى الحسينية والذيابية وبمساعدة كبيرة من المليشيات الشيعية (لواء أبو الفضل العباس ولواء حيدر الكرار وغيرهما).
تابع حزب الله عملياته العسكرية فكان القوة البرية الرئيسية في احتلال مدينة يبرود وبقية منطقة القلمون، مما سمح للنظام السوري بتحقيق التواصل الجغرافي من السيدة زينب جنوب شرق دمشق وحتى الساحل السوري، مما مكنه من السيطرة على مركز الثقل الجغرافي في البلاد.
حاول النظام السوري مرات عدة استعادة السيطرة على الأحياء الشرقية من مدينة حلب، ولكنه فشل في جميع محاولاته، ونتج عن تلك المحاولات الفاشلة أن سيطرت قوات المعارضة المسلحة على مزيد من الأراضي والبلدات في ريف حلب الشمالي والشرقي والجنوبي ووصلت إلى مشارف معامل الدفاع الوطني قرب السفيرة، وهي من أهم وأكبر القواعد العسكرية للجيش السوري.
تمثل التخطيط العملياتي الجديد في محاولة فك الحصار عن مطاري حلب والنيرب بإجراء مناورة التفاف عميقة بدأت بالسيطرة على بلدة السليمانية في ريف حماة والتقدم عبر الصحراء إلى بلدة خناصر ثم مدينة السفيرة، ثم تل عرن فتل حاصل وصولا إلى مطار النيرب العسكري، فتقاطع مطار حلب الدولي، فاللواء 80، فمدينة النقارين فالشيخ نجار، فالمدينة الصناعية فسجن حلب المركزي.
بعد هذه النجاحات الميدانية الهامة التي حققها الجيش السوري بمساعدة حزب الله والكتائب الشيعية الأخرى وبعض عناصر الحرس الثوري الإيراني، تحولت القوات السورية إلى معارك الثبات، وذلك لأسباب عدة منها:
تغير الأولويات حسب رؤية المخططين الإيرانيين ومخططي حزب الله، فأعطيت الأولوية لمنطقة القلمون بسبب تزايد العمليات “الانتحارية” في لبنان، كما دخلت قوات جديدة على ساحة العمليات العسكرية تمثلت في تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر على محافظة الرقة وبعض المدن الهامة في ريف حلب الشمالي والشرقي، وظهور تنظيمات إسلامية معتدلة كالجبهة الإسلامية، والتي انشق معظمها عن الجيش الحر مما أفقده الكثير من قدراته العسكرية، فاكتفى الجيش السوري بتصعيد عمليات القصف الجوي للمناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر مع عمليات عسكرية أرضية محدودة انتظارا للفرصة المواتية.
قدم تنظيم الدولة الإسلامية الفرصة الذهبية لقوات النظام السوري، حيث أدت عمليات الاقتتال بين تنظيم الدولة من جانب وكتائب الجيش الحر والجبهة الإسلامية وجبهة النصرة من جانب آخر في إدلب وحلب ودير الزور إلى إشغال الجهد الأكبر لتلك القوات، مما سمح لقوات النظام بإعادة بناء قوتها وتموضعها بما يخدم العمليات العسكرية المستقبلية المقررة.
ألقت الثورة السنية في العراق بظلالها السلبية على الثورة السورية، فقد أدى تصدر تنظيم الدولة لواجهة الأحداث العراقية إلى تكاتف عالمي لمواجهة خطر الجماعات الإسلامية المتشددة واعتبار القوات المعتدلة في سوريا غير قادرة على إسقاط النظام السوري كما صرح بذلك الرئيس الأميركي باراك أوباما. كما أن سيطرة تنظيم الدولة على كميات كبيرة من الأسلحة والأموال في العراق وإزالة الحدود السورية العراقية والسيطرة على معبري القائم والوليد، وسحب المالكي لقواته من الحدود السورية، فتح المجال أمام تنظيم الدولة الإسلامية لتحريك قواته في تلك المنطقة حسب المقتضيات الميدانية، مما مكنها من السيطرة على ريف دير الزور وجميع حقول النفط السورية، وجعل العديد من الفصائل المسلحة تهدد بالانسحاب من القتال أو مبايعة تنظيم الدولة.
استغل النظام السوري هذا الواقع الميداني الجديد فصعّد من عملياته العسكرية في ريف حلب، وشن هجوما من عدة جبهات على المدينة الصناعية في الشيخ نجار مكّنه من استعادة السيطرة عليها، والاندفاع إلى المناطق المحيطة بها، فسيطر على قرى الرحبة وكفر صغير وتلة الشوايا الإستراتيجية والتي تفتح الطريق إلى بلدات تل شعير والمسلميه وفافين ومدرسة المشاة ومخيم حندرات إلى دوار الجندول، مما يعني تطويق مدينة حلب من الجنوب والشرق والشمال الشرقي.
أكدت بعض المصادر أن القيادة العسكرية السورية نقلت وحدات من الحرس الجمهوري إلى محافظة حلب، وهي وحدات نخبة تسمح بحماية خطوط الإمداد، وتطويق مناطق انتشار المسلحين وتحويلهم من مهاجمين إلى مدافعين عن الأحياء والمناطق التي يسيطرون عليها.
وإذا كان حجم القوات المتوافرة كبيرا وهو ما لم يؤكد بعد، فقد تعمد إلى إجراء مناورة التفاف إستراتيجية مزدوجة، تقوم القوات العاملة منها على الجبهة الشمالية بالتقدم إلى كفر حمرا وحريتان وعندان مما يسمح بفك الحصار عن بلدتي نبل والزهراء ومن ثم الانعطاف جنوبا إلى حديقة الأسد في غرب حلب، بينما القوات العاملة على الجبهة الجنوبية تتقدم مع الطريق الدولي انطلاقا من مطار النيرب العسكري إلى الشيخ سعد فالحمدانية ثم إلى ضاحية الراشدين، مما يعني عملياتيا تطويق مدينة حلب كليا وقطع طرق الإمداد والتزويد عنها، تمهيدا لاقتحامها.
تتزامن هذه التطورات الميدانية مع اجتماعات قوى المعارضة السورية لانتخاب هيئة جديدة، في ظل انقسام واضح للقوى السياسية واستقالات لقادة المجالس العسكرية وإحالات لوزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الحر من قبل رئيس الحكومة المؤقتة، ومحاولة بعض الدول إعادة بناء الجسور مع قوات النظام، وضبابية في الموقف الأميركي.
يبقى الموقف الأميركي هو الرصاصة الفضية في تغيير الموازنات على الأرض، وقد أدت التصريحات التي أدلى بها السفير الأميركي روبرت فورد والنجاحات التي حققها تنظيم الدولة في العراق وإعلان تأسيس دولة الخلافة، إلى تغير في موقف واشنطن، حيث أشارت بعض التقارير إلى أن الإدارة الأميركية ستعمل على تغيير الوقائع على الأرض خلال الشهرين القادمين لصالح القوات المعتدلة، مما سيجبر النظام السوري على التفاوض لإيجاد حل سياسي للأزمة. هذا الإجراء الأميركي إذا نفذ في الوقت المناسب، سيحول دون سقوط مدينة حلب، وإلا ستدخل الثورة السورية في نفق مظلم.
الجزيرة نت
تصنيع معارضة معتدلة وشرعَنَةُ الائتلاف/ طارق عجيب
لم يكن كلام الرئيس الأميركي أوباما ارتجالياً عندما قال إن الاعتقاد بوجود معارضة معتدلة قادرة على هزيمة الأسد هو ضرب من الفانتازيا وأمر غير واقعي. هو كان يعي تماماً ما يقول، لكنه بالتوازي مع ذلك كان يعلم أيضاً ما يجب على أميركا فعله لتحويل هذه الفانتازيا إلى واقع على الأرض.
المعارضة بغالبية أطرافها وخاصة الائتلاف سارعت إلى انتقاد هذا التصريح، واعتبرته تخلياً عن دعمها، ما يضعها أمام تحد كبير لإثبات أنها تستحق هذا الدعم وتحتاجه لتتمكن من التأثير في الأرض وتغيير المعطيات لصالحها وبالشكل الذي يشجع أميركا والغرب على زيادة حجم ونوعية هذا الدعم.
بدورها القيادة السورية اعتبرت هذا التصريح اعترافاً من أوباما بقدرة الجيش السوري على فرض معطياته على الأرض، وترجمة وجهة نظرها التي تعتبر أن ما يجري في سوريا إرهاب يستهدفها ويستهدف المنطقة. فعندما نتوقف عند هذا التصريح من دون متابعة ما بعده يمكن بكل تأكيد اعتباره نقطة انعطاف كبيرة تستدعي بالضرورة تغيير في طريقة التعاطي مع وجهة نظر سوريا في محاربة الإرهاب. بعد ايام قليلة يأتي طلب الرئيس الأميركي من الكونغرس تخصيص نصف مليار دولار لدعم المعارضة السورية المعتدلة، ويطلب من الجربا أن يكون الائتلاف السوري الوطني والجيش السوري الحر، الذراع الأميركية التي يجب أن تضرب داعش والإرهاب على الأرض السورية.
مكاسب كثيرة يسعى
أوباما إلى تحقيقها
كشف عنها عبر تصريحه وطلبه وتكليفه
للوهلة الأولى تنتابنا حالة من الاستغراب، ونتجه لتحليل هذه التصريحات والمواقف على أنها تناقض أو تراجع أو تصحيح في المواقف لمصلحة المعارضة «المعتدلة»، لكن من يتابع بدقة ما تعمل عليه الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، وفي سوريا تحديداً يجد أنها تسعى لتحقيق هدفين اثنين يفرضان ثوابت على خريطة الأزمة في سوريا لا يمكن تجاوزهما أو القفز فوقهما في أي حراكات سياسية أو ميدانية في المرحلة المقبلة، وتكون بذلك حققت ما يمكن اعتباره انتصاراً لها ولحلفائها.
عدم وجود معارضة معتدلة قادرة على هزيمة الأسد، يفرض من وجهة النظر الأميركية ضرورة إيجاد هذه «المعارضة المعتدلة القادرة»، لهذا يجب اختيار المجموعة المسلحة من المعارضة التي تعتبر الأقرب إلى الفهم الأميركي لمصطلح «المعتدلة». وإن كانت هذه المجموعة بعيدة كل البعد من المعنى الحقيقي لهذا المصطلح، فاتجه أوباما إلى الجيش السوري الحر الذي لا يزال الائتلاف السوري المعارض برئاسة الجربا مرجعيته المعلنة، رغم ضعف هذا «الجيش الحر»، وتفككه وفساد قادته واختلافهم فيما بينهم وأيضاً اختلافهم مع قادتهم السياسيين وحكومتهم المشكلة في الخارج المختلفة فيما بينها أيضاً، إضافة إلى أن الغالبية العظمى من مكونات الجيش الحر كأفراد وجماعات بايعت جبهة النصرة وداعش وانشقت وشكلت أو انضمت إلى عدد آخر من الألوية والكتائب الإسلامية المتطرفة على الأرض. كما أن هذا «الجيش الحر» ارتكب جرائم وفظائع يندى لها جبين الإنسانية، فمنه كان أبو صقار الذي اكل قلب وكبد أحد جنود الجيش السوري أمام الكاميرا وتباهى بذلك.
إذاً وجد أوباما ضالته، الآن يمكنه العمل على تصنيع ودعم وتدريب وتسويق هذه المعارضة المعتدلة، وتكريسها كمكون اساسي من مكونات الأزمة، التي ستمثل الحصة الرسمية المعترف بها أميركياً ومن قبل الغرب المؤيد لأميركا وباقي حلفائهم من المنطقة والعرب. هذا هو الجناح العسكري، وهو يحتاج إلى جناح سياسي ليتكاملا معاً ويتمكنا من التحليق في الفضاء الأميركي الذي يحضَّر للمنطقة. على أوباما إذاً توفير الجناح الثاني السياسي، وليس هناك أكثر ملائمة من الائتلاف السوري المعارض (الذي هو صنيعة أميركا والغرب بأيدٍ إقليمية وعربية أهمها المملكة العربية السعودية التي اختارت وفرضت الجربا). فكان الطلب من الجربا أن يكون الائتلاف الغطاء السياسي للجناح العسكري «المعارضة المعتدلة – الجيش الحر» لتكون العصا التي يضربون بها داعش والإرهاب الذي يهدد المنطقة بكل دولها.
مكاسب كثيرة يسعى أوباما لتحقيقها كشف عنها عبر تصريحه وطلبه وتكليفه، فعندما يجري تكليف الائتلاف برئاسة الجربا بمهمات رسمية من الولايات المتحدة وحلفائها في العالم والمنطقة بالتصدي لداعش والإرهاب في سوريا بواسطة الجيش الحر، الذي اعتُمد كمعارضة مسلحة معتدلة قادرة على الإطاحة «بنظام الاسد»، هذا يعني بكل وضوح تحقيق الهدفين الذين أرادهما أوباما، أولهما تصنيع معارضة مسلحة معتدلة وتكريس وجودها، وثانيهما شرعنة الائتلاف السوري كمكون أصبح يملك مبررات وجود تفرض لاحقاً الاعتراف به، تكون مهمته الأولى التصدي لداعش والإرهاب في سوريا، وستكون لديه لاحقاً مهمات أخرى يصبح قادراً على إنجازها بعد شرعنته.
* اعلامي سوري
الاخبار

 

 

بين الائتلاف السوري والحزب الشيوعي العراقي/ رستم محمود
لأمرين جوهريين، يبدو الإئتلاف السوري المعارض مطمئناً في استراتجيته السياسية البعيدة. فالغالبية المطلقة من الشعب السوري مناهضة لنظام الأسد، ولا يمكنها القبول بحكمه مجدداً تحت أي ظرف. الأمر الآخر يتعلق بالمجتمع الدولي، الذي بدوره لا يستطيع أن يعيد شرعنة حُكم الأسد بعد سيل الإتهامات له بالإجرام وممارسة الفظائع بحق شعبه منذ أكثر من ثلاث سنوات.
يعترف الائتلاف بأن راهنه السياسي والتنظيمي والميداني وحتى المالي سيء للغاية، وأن النظام يحقق اختراقات عسكرية وتكتيكات سياسية مهمة. لكنه يشير دوماً الى أن ذلك لا يعني شيئاً في المحصلة، ولهذين السببين المذكورين، يتيقن القائمون على الائتلاف من «إنتصارهم» في المحصلة.
قبل أكثر من ثلاثة أرباع قرن، كانت نزعة «تاريخانية» كتلك تنتاب الحزب الشيوعي العراقي، الذي كان في أعوامه التأسيسية الأولى، وكان يحقق توسعاً جغرافياً وسكانياً في عموم مناطق العراق وقتها. الحزب الشيوعي كان يقرأ نفسه كجزء من الحركة «الثورية» اليسارية العالمية، ويرى في الملكية العراقية جزء من «الماضي» الذي لا بد من أن يهترئ بالتقادم القريب. كان الحزب مطمئن البال لكثافة انتشاره في القصبات الريفية العراقية، من أحياء مدينة الناصرية وحتى أرياف جبال أربيل، من كلدان الموصل مرورا بعشائر الفرات وليس انتهاء بشيعة الأهوار.
كان يرى في تحالفه الرصين مع المجتمعين العمالي والفلاحي المناهض لطبقة الأعيان «الجشعة» المستولية على واردات البلاد، وكذلك في طيب علاقته العضوية بالقوى الشيوعية العالمية، دافعاً لا يُرد في درب «دحر» الملكية العراقية.
حظرت السلطات الملكية تنظيم الحزب الشيوعي وقمعت كوادره، ثم في بداية الأربعينات أعدمت أمينه العام فهد، ولم تتحرك الطبقات الاجتماعية الموالية للحزب لكل ذلك، ولم تنطق الحركة الشيوعية العالمية الحليفة للحزب بحرف.
رأى الشيوعيون العراقيون في انقلاب عبد الكريم قاسم على الملكية عام 58 تحقيقاً لرؤيتهم، لكن قاسم ما لبث أن أغرته مخيلة «الزعيم الأوحد» وبدأ بكبح تطلعات الحزب حينما استشعر خطره. لم تصمد قواعد الحزب الشعبية مقابل هروات عسكر قاسم، ولم يتدخل الاتحاد السوفياتي لإنقاذهم من جبروته. حدث الأمر نفسه بعد أقل من خمس سنوات، حينما خرج الشيوعيون رفضاً للانقلاب البعثي في شباط (فبراير) 1963، لكن البعثين نفذوا أولى مجازرهم بهم، وأذابوا جثة أمينهم العام سلام عادل في الأسيد، من دون أن يحرك «حلفاؤهم» السوفيات ساكنا. بل عاد السوفيات للتحالف «الاستراتجي» مع البعثيين العراقيين بُعيد ذلك الحين بسنوات قليلة.
في السبعينات، عاد الشيوعيون بسذاجة الى التحالف مع البعثيين، وما إن كشف البعثيون جسدهم التنظيمي، حتى بطشوا بهم وهشموهم. وامتلأت زنازين العراق بالشيوعيين لسنوات طويلة، وقد حمل بعضهم القليل الأسلحة الفردية لمواجهة الجبروت الصدّامي، وتشتت كثيرهم في بقاع الأرض.
ولكوميديا حركة التاريخ، فإن منافيهم المفضلة لم تكن مدن وبلاد حلفائهم «الشيوعيين» الذين كانوا حكاماً، بل البلدان التي كان الشيوعيون العراقيون يريدون مدّ ثورتهم إليها بُعيد انتصارهم في عراقـ»ـهم».
ثم قبل الشيوعيون بالاحتلال الأميركي لبلادهم، لكنهم في تجارب الديموقراطية العراقية الجديدة، لم يحظوا سوى ببعض مئات من أصوات الناخبين، وهم الذين كانت جريدتهم المركزية توزع أكثر من نصف مليون نسخة في أوائل الستينات.
معضلة الحزب الشيوعي العراقي أنه كان يحيا في الأدبيات والتحليلات وأعماق الكتب، أكثر مما يعيش تفاصيل وتقاطعات منطقة بالغة التعقيدات دينياً وإثنياً ومذهبياً وجهوياً، منطقةٍ فيها كيانات مرتبطة بخطوط التصارعات الدولية ومنابع الطاقة ومهد الأديان وتعقيدات المقدس.
وعلى نحو مشابه، يبدو كأن ما يبني «أحلام» ويقينيات الائتلاف الوطني السوري المعارض مجرد وعود رجالات وزارات الخارجية في الغرف المغلقة، وليس استقراءهم الاحترافي لتعقيدات «المسألة السورية»، وآلام السوريين، التي لا تعني ولا توجع أحداً.
* كاتب سوري
الحياة
لماذا لا ينسحب إخوان سورية من الائتلاف… كما فعل البيانوني؟/ الطاهر ابراهيم
■ يعرف الجميع في صفوف الإخوان وفي الدوائر المحيطة بهم من محبيهم أني لم أكن حسن الظن بتشكيلة المجلس الوطني السوري منذ انطلاقته بنسخته الأولى في 15 أيلول/سبتمبر عام 2011 (كتبت عدة مقالات في ذلك وبعضها نشر في «القدس العربي») وضمت 75 شخصا ممن يسعى أغلبهم لاستثمار الثورة السورية. وفي النسخة الثانية التي ضمت حوالي 150 سوريا، ولا يعرف إلا الله سبحانه وتعالى كيف تم انتقاء هؤلاء المئة والخمسين، وعلى أية آلية تم اختيارهم وأي مرجعية وافقت على ذلك؟
أقصى ما عرفته أنه ضم مجموعة قليلة من الإخوان السوريين لتزيين المجلس الوطني، لما يتمتع به الإخوان من سمعة طيبة، وللاستفادة من التمويل عند الإخوان من اشتراكات يدفعها أعضاء الإخوان من مالهم الخاص ومن زكوات تأتي إليهم. أستعجل لأقول إن الإخوان الذين انضموا إلى المجلس الوطني انحصروا في فئة تدين بالولاء لأحد النافذين في الإخوان. وقد استبعدت من المجلس شخصيات مرموقة في الإخوان السوريين مثل الأستاذ علي صدر الدين البيانوني المراقب العام السابق للإخوان السوريين والشيخ منير الغضبان المراقب العام الأسبق يرحمه الله تعالى، والأستاذ الأديب زهير سالم رئيس مركز الشرق، وآخرين يضيق عنهم الوصف لعل أشهرهم الأستاذ عصام العطار المراقب العام الأسبق في ستينيات القرن العشرين. كما استبعد المراقب العام الحالي رياض شقفة، بحجة أن المجلس الوطني يشغله رجال الصف الثاني من الإخوان.
مع ذلك سرت إشاعات بأن الإخوان يسيطرون على المجلس الوطني، أشاعها بعض من يدين بالولاء لواشنطن، توطئة لتجميد فعاليات المجلس (كان بالأصل من دون فعالية) وذلك لتشكيل هيئة أخرى تسير بالثورة كما تريد واشنطن. في أواخر عام 2012 سعت شخصيات وطنية معروفة للخروج بالمعارضة من عنق الزجاجة التي حصر المجلس الوطني نفسه داخلها، من هذه الشخصيات الأستاذ علي صدر الدين البيانوني ورياض سيف، وانضم إليهما رياض حجاب رئيس الوزراء السوري المنشق. دخلت واشنطن على الخط فاستطاعت تغيير مجرى المبادرة، وتم تشكيل ما سمي «الائتلاف لقوى الثورة والمعارضة». زيادة في التعمية تم طرح اسم خطيب الجامع الأموي أحمد معاذ الخطيب رئيسا للائتلاف، وانتخب بالإجماع رئيسا للائتلاف، لكنه ما لبث أن اصطدم برغبات واشنطن، التي وضعت جبهات مقاتلة سورية على قائمة الإرهاب، وأوحت بطلبات الأستاذ معاذ الخطيب، ما اضطره لتقديم استقالته، وشجب وضع هذه الجبهات على قائمة الإرهاب.
وفي ظل بقاء نغمة سيطرة الإخوان على الائتلاف، مع أنه لم يكن لهم إلا حوالي خمسة أعضاء، فقد اجتمع الائتلاف في اسطنبول بحجة انتخاب رئيس للائتلاف بدل الشاغر، لأن الخطيب كان قد استقال من عدة أشهر. لكن الحقيقة كانت هي استكمال عضوية الائتلاف، حيث تمت إضافة 25 عضوا، كلهم من قائمة المنبر الديمقراطي التي تدين بالولاء للكاتب السوري ميشيل كيلو، وكان العنوان الأبرز لكل هؤلاء هو تشكيل لوبي يدفع بالائتلاف لحضور جنيف 2، مهما كانت المعطيات. وتم انتخاب أحمد عاصي الجربا رئيسا للائتلاف بزيادة صوتين من عضوين من الإخوان السوريين صوتا لصالحه، رغم أن قيادة الإخوان السوريين كانت اتخذت قرارا بأن لا يصوت له، لأنه يريد هو وكتلته الذهاب إلى جنيف2 على أي حال كانت.
وعندما انتخب عبد الفتاح السيسي رئيسا، وجه له أحمد الجربا برقية تهنئة، رغم أن السوريين اللاجئين في مصر ذاقوا الأمرين بعد الانقلاب على الرئيس محمد مرسي، ما اضطر بعضهم إلى ركوب قوارب غير آمنة، فغرق كثير منهم أمام جزيرة صقلية، وغرق آخرون أمام قبرص، فقدم الأستاذ علي البيانوني استقالة معللة من الائتلاف احتجاجا على تلك البرقية. اليوم نرى أن هناك من يرشح لرئاسة الائتلاف أناسا أقل ما يقال فيهم أنهم لا يعرف لهم سابقة في المعارضة السورية، وأن مسيرة الائتلاف صارت خبط عشواء، حتى صرنا نترحم على أيام المجلس الوطني. أما المقاتلون على الأرض فلا يكاد الائتلاف يعرف عنهم شيئا. وعندما تأتي معونات مخصصة للمقاتلين وللاستغاثة فلا يصل منها شيء.
أنا اليوم أتوجه إلى الأستاذ فاروق طيفور نائب رئيس الائتلاف ونائب المراقب العام للإخوان لأسأله: ماذا قدم الائتلاف ومن قبله المجلس الوطني للثورة السورية؟ جيش النظام وشبيحته وميليشيا تأتمر بأمر طهران يعملون على الاستيلاء على أحياء في حلب بيد الثوار. وتنظيم داعش يقضم في المنطقة الشرقية كل يوم قرى جديدة، فماذا ينتظر الإخوان المسلمون في سورية؟ هل ينتظرون حتى لا يبقى من الثورة السورية إلا الائتلاف وحده؟

٭ كاتب سوري
القدس العربي

 

كمال اللبواني: الائتلاف السوري أرض نجسة!
ليال بشارة
في أعنف هجوم على الائتلاف السوري المعارض، يقول كمال اللبواني إنه تأسس اصلًا للصلح مع نظام الأسد وليس لقيادة ثورة الشعب السوري، فيطلق عليه صفة الأرض النجسة، ويحمله مسؤولية السقوط الميداني.
ليال بشارة من باريس: في حوار مع “إيلاف”، يفاجئ المعارض السوري كمال اللبواني، العضو السابق في الائتلاف السوري المعارض، الجميع حين يعترف جهارًا بأن هذا الائتلاف تشكّل بالأساس من أجل التفاوض مع النظام السوري، وليس من أجل قيادة الثورة، وبأنه كان واجهة سياسية أعدتها الدول الصديقة لكي يوقع باسم الشعب السوري على وثيقة التفاوض مع النظام، لإنقاذ بنية الدولة العميقة.
ويقول اللبواني لـ “إيلاف”: “عندما فشل مؤتمر جنيف، لم يعد للائتلاف أي قيمة، وبالتالي لم يلعب أي دور، ولم يتلقَ أي دعم، ومنذ تشكل الائتلاف، الثورة تراجعت أخلاقيًا وسياسيًا وتنظيميًا وإداريًا، فالمناطق تُسلم تباعًا، والمساعدات التي يرسلها الائتلاف تصل بعد سقوط الجبهات”.
كائن مصطنع
يرى اللبواني أن الائتلاف ليس منتجًا وطنيًا، لم تُنتجهُ الثورة، “بل الائتلاف كائنٌ مصطنع، بالتالي فإن البديل يجب أن يكون منتجًا حقيقيًا من الأرض، من الداخل”، ويقول إن المطلوب هو قيادة للثورة، “وهذا يتطلب فريق عمل واضحاً يُرضى عنه في الداخل، ويكون قادراً على العمل في الداخل، ولا يقوم بسرقة قرار الشعب السوري”.
ويحمل اللبواني الائتلاف مسؤولية الكوارث التي تعصف بالثورة، بسبب نقص الإدارة والتنظيم والمحاسبة، مشيرًا إلى تبديد ملايين الدولارات فيما الناس تموت جوعًا، “ويجب أن يُحاكم هذا الائتلاف على الكارثة التي تسبب بها بسبب فشله في الإدارة وعدم رغبته في العمل بالداخل السوري”.
ويرى اللبواني أن المالكي خرَب العراق، والأسد خرب سوريا، وحسن نصر الله خرَب لبنان، ونظام الملالي سيخرب إيران، والشعب السوري اليوم أمام خيارين أحلاهما مر: الأسد أو داعش!
وفي ما يأتي متن الحوار:
ما الجديد الذي يُمكن أن يحمله انتخاب هادي البحره، المقرب من السعودية، رئيسًا للائتلاف السوري المعارض؟
ليس صحيحًا ما يُقال إن هادي البحره أو أحمد الجربا مقربان من السعودية، وأنا شخصيًا سمعت من قياديين سعوديين قولهم إنهم لا يعتمدون على أشخاص، بل ينتهجون سياسات. ومن الخطير في مكان ما هذا الكلام، لأن أي خطأ سيرتكبه ستكون السعودية مسؤولةً عنه.
ولد للتفاوض مع النظام
ألا يزال هناك مكان للائتلاف وسط تطورات الأزمة السورية ميدانيًا وسياسيًا، مع فشل مؤتمر جنيف-2 في إنهاء النزاع بحل سياسي؟
تشكل الائتلاف بالأساس من أجل التفاوض مع النظام السوري، وليس من أجل قيادة الثورة، ولم يتحمل أي ملف أو مسؤولية لها علاقة بالثورة أو بالشعب السوري. كان واجهة سياسية أعدّتها الدول الصديقة لكي يوقع باسم الشعب السوري على وثيقة التفاوض مع النظام، في مسعى لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه، أي بصريح العبارة إنقاذ بنية الدولة العميقة.
من هنا، الائتلاف بالأصل لم يكن له دورٌ وطني قيادي في الثورة، بل اختُصر دوره على التوقيع في جنيف. عندما فشل مؤتمر جنيف، لم يعد للائتلاف أيُ قيمة، وبالتالي لم يلعب أي دور، ولم يتلقَ أي دعم. ومنذ تشكل الائتلاف، الثورة تراجعت أخلاقيًا وسياسيًا وتنظيميًا وإداريًا، والمناطق تُسلم تباعًا، حتى أن كل المساعدات التي يرسلها الائتلاف تصل بعد سقوط الجبهات وليس قبلها!
هل من بديل عن الائتلاف الذي يُعتبر مظلة سياسية للمعارضة المسلحة، على الأقل غربيًا؟
لم يكن الائتلاف الوطني منتجًا وطنيًا، لم تُنتجهُ الثورة، بل الائتلاف كائنٌ مصطنع بالتالي فإن البديل يجب أن يكون منتجًا حقيقيًا من الأرض، من الداخل، فليس معقول اليوم أن يتم تشكيل قيادة للداخل من معارضة الخارج، هذه فكرة مدمرة، وبالمقابل لا يكفي اليوم أن نقول إننا لا نريد ائتلافًا، لكن يجب العملُ على إنتاج قيادات حقيقية للثورة السورية من الداخل، من الناس الفاعلين على الأرض لأن هؤلاء فقط يستطيعون قيادة العمل.
وفي حال أرادت الدولُ الصديقةُ تقديم المساعدة، فإن عليها تشجيع هذه الآلية لإنتاج قيادة حقيقية فاعلة، وما نؤكد عليه اليوم أنه لا بديل عن هيئة سياسية عسكرية تنفيذية فاعلة ومؤثرة، ولها أيديولوجيا واضحة. فليس المطلوب هو تمثيل مكونات أو تمثيل الشعب السوري بل أن المطلوب اليوم هو قيادة الثورة، وهذا يتطلب فريق عمل واضحاً يُرضى عنه في الداخل، ويكون قادراً على العمل في الداخل، و لا يقوم بسرقة قرار الشعب السوري.
الائتلاف كان أداة لسرقة قرار الشعب السوري، و من يريد أن يساعد الشعب السوري في تحقيق إرادته يجب أن يساعده بإختيار قادته. الشعب السوري دفع نصف مليون شهيد ويستحق أن يختار قيادته بنفسه، وأن يذهب إلى المكان الذي يريده، وبالتالي من يعتبر نفسه صديق الشعب السوري فيجب أن يساعد الشعب السوري لتحقيق إرادة الشعب السوري، و هذا ما سمعته من أمراء السعودية شخصيًا، قالوا نحن نريد منكم أن تكونوا أحرارًا وأن لا تكونوا تابعين لأي دولة. السعودية أكبر من أن تعتمد على أشخاص في سياستها.
أرض نجسة
إذًا، تقولون أنه لا يُمكن اعتبارُ الائتلاف السوري مظلة سياسية للمعارضة المسلحة على أرض الميدان؟
على الإطلاق، الائتلاف أصبح عالةً على الثورة، أداةً لتعطيل الثورة و أدلةً لتبديد الدعم.
هل سمعتم هذا الكلام من عواصم غربية؟
زيارة أحمد الجربا إلى الولايات المتحدة لم تُسفر عن شيء، فجل ما قام به الجربا منذ تسلمه رئاسة الائتلاف هو تخريب رئاسة الأركان، وتخريب المجالس العسكرية، وتفشيل الحكومة، ومن هنا يأتي فشل الائتلاف، وما يجري على الميدان هو أكبر دليل. فكل الكوارث التي تعصف بالثورة السورية ليس سببها فقط نقص الدعم بل سببها الأهم هو نقص الإدارة والتنظيم و المحاسبة، هناك ملايين الدولارات التي بُددت فيما الناس تموت من الجوع، هذه هي الإدارة الفاشلة للائتلاف التي تسببت في فشل الثورة.
لدينا ستة آلاف مقاتل تائه في القلمون، بينما هناك ستة آلاف مقاتل تابع لـ “داعش” يحكمون سوريا. ما الفرق؟ الفرق هو التنظيم، من هنا يُمكن القول أن داعش انتصرت لأنها منظمةٌ، نحن فشلنا في التنظيم، وبالتالي هم من أخذوا الموارد، أخذوا النفط أخذوا الحاضنة الاجتماعية. يجب أن يُحاكم هذا الائتلاف على الكارثة التي تسبب بها بسبب فشله في الإدارة و عدم رغبته في العمل بالداخل السوري، نحن دفعنا خيرة أبنائنا وهُجرت عائلاتُنا، وجاء الإيراني ليحتل سوريا، هذه الكارثة يجب أن يحاسب عليها من هرع لقيادة الثورة، ومن هنا أقول إن كل من ترشح لقيادة الائتلاف كان لديه ارتباط بالنظام السوري و ما زال. فهل من المعقول أن يأتي الجربا بشخصية لرئاسة الائتلاف يتحكم به، لأنه لا يستطيع أن يمدَد لنفسه. وهنا أسأل: هل القرار السوري للبيع؟ هل قرار الشعب السوري للبيع؟ هذه هي الحقيقة المرة التي دفعتني لتقديم استقالتي من الائتلاف، واعتباره أرضًا نجسة.
دعم وليس قيادة
هل تنادون بتشكيل فصيل معارض سوري جديد يكون المظلة السياسية للحراك على أرض الميدان، يأخذ مكان الائتلاف السوري المعارض؟
لنرسم مساراً ونضع أيديولوجيا واضحة حول ما الذي نريده، إذا كنا نريد إسقاط النظام فإنه علينا تشكيل فريق لإسقاط النظام، ولكن إذا كنا نريد التحاور مع النظام فلنشكل فريقًا للتحاور مع النظام.
كنا واضحين عندما قلنا لقوى الثورة الراغبة في إسقاط النظام السوري بالعمل العسكري أن تتحالف مع بعضها، وتشكل جسدًا سياسيًا عسكريًا تنفيذيًا متماسكًا وقائمًا على أيديولوجيا واضحة، لكن هم أرادوا تمثيل مكونات الشعب السوري، وهنا تكمن المشكلة لأن سوريا تعيش حربًا أهلية و المكونات تتبع دولاً مختلفة.
فماذا تريد إذًا؟
أريد أن يكون هناك لون أيديولوجي واضح لأي تجمع سياسي، جسد سياسي عسكري تنفيذي واضح له ارتباطٌ بأرض الميدان وله هدفٌ واضحُ المعالم، فلا بدَ من وجود هدف لهذا الجسد أينما تواجد، إن كان في الأردن أو في تركيا، ومن ثم أن ينتقل إلى الداخل فورًا وأن يتبعه عمل اقتصادي اجتماعي في المناطق المحررة، ليملأ الفراغ ولا يسمح لـ “داعش” أو لغيره بالتمدد. الخيار الصحيح يكمن في العودة إلى الشعب، إلى الشارع، إلى الناس المهجَرين، إلى الناس الذين يقاتلون، أن نسألهم ماذا يريدون، وأن نعمل على تنظيمهم في الميدان، عوضًا من أن نشرف عليهم من الخارج، من الطائرات والفنادق. يجب أن تكون القيادة الحقيقية موجودة على الأرض، تمثل هؤلاء الناس، ونحن نقدم المساعدة، لأن دور المعارضة في الخارج هو تقديم الدعم، أن تكون مجموعات دعم وليست قيادة، فالقيادة يجب أن تكون في الداخل، من صلب الناس المقاتلين، ونحن نقدم لها الدعم السياسي والعسكري والمالي كمعارضة في الخارج، لكن الخطأ الكبير في أن نكون نحن، أي المعارضة المتواجدة في الخارج، أن نكون نحن القيادة.
داعش أو الأسد!
هل يسمح الوقت بحل سياسي أو عسكري للأزمة السورية؟
لا يُمكن حسمُ الصراع اليوم على الأرض بحلول سياسية. بتنا أمام حلين، إما داعش أو بشار الأسد. الشعب السوري وقع بين فكَي كماشة، فلا يوجد خيارٌ آخر سوى إسقاط النظام و إسقاط التطرف، و بالتالي ليس هناك خيارُ مصالحة مع النظام السوري. عن أي مصالحة يتحدث البعض؟ بين داعش والنظام؟ هما متفقان، في النهاية هما يحققان مشروعًا واحدًا، وهو مشروعٌ طائفي، مشروع عنف، مشروع لا يُمكن أن يقوم عليه مجتمعٌ، وبالتالي يعني استمرار الحرب. من هنا، أقول إن الحلَ الوحيد هو انتصارُ الشعب، انتصارُ إرادة الشعب، و إسقاط كل المحرمين و كل عصابات الجريمة بدءًا بنظام بشار الأسد وحزب الله، مرورًا بالنظام الإيراني و نظام المالكي. كل هذه الأنظمة يجب أن تسقط لكي يستطيع الشعب أن يحقق إرادته و يمتصَ قوى التطرف ويضبطها داخل حدوده، ومن ثم يعالج هذه المشكلة عبر الإصلاح الثقافي.
ما العمل إذًا؟
لا بد أولًا من أن نسقط السبب. ما سبب نشوء التطرف والدول الفاشلة؟ الأنظمة التي تسلك سلوك عصابة مثل نظام بشار الأسد ونظام نوري المالكي. المالكي خرَب العراق، والأسد خرب سوريا، وحسن نصر الله خرَب لبنان، ونظام الملالي سيخرب إيران، وستنتشر الفوضى في كل المنطقة، فيما البديل يكمن في الاحتكام لإرادة الشعب، ولكن متى يُستبعد الشعبُ تنشأُ قوى شاذةٌ غريبة عجيبة لا تليق فينا. من هنا، أي مصالحة تعني اتفاق لصين، مجرمين، ومن هنا أعيد التأكيد لا يُمكن أن نبنى الأوطان على توافق مجرمين.
ايلاف

 

ميشال كيلو :لا ثورة في سوريا خلال أشهر قليلة!
ليال بشارة
محملًا الائتلاف مسؤولية هزائم الجيش الحر في الميدان
فتحت الانتخابات الأخيرة في الائتلاف السوري المعارض سجالًا كبيرًا، يشارك فيه المعارض ميشيل كيلو، الذي حمّل هادي البحرة وسلفه أحمد الجربا مسؤولية هزائم الجيش الحر، متوقعًا انتهاء الثورة قريبًا.
باريس: شنّ المعارض السوري ميشال كيلو، عضو الائتلاف السوري وإتحاد الديمقراطيين السوريين، هجومًا عنيفًا على البحرة و الجربا، محملًا الأخير مسؤولية هزائم الجيش السوري الحر، ومؤكدًا أن الثورة توشك أن تنتهي.
وفي حوار مع “إيلاف”، قال كيلو إن الائتلاف محطُ احتقار السوريين وتخليهم عنه، “وأعتقد أنه إذا لم يبتدع البحرة خطًا مغايرًا عن خط الجربا، فإن ذلك لن يكون سوى خطوة على طريق الهاوية”، مؤكدًا النية على محاسبتهما على كل كبيرة وصغيرة، بسياسة بناءة تقوم على المعارضة المفتوحة.
قال كيلو لـ”إيلاف”: “عندما استلم الجربا رئاسة الائتلاف، كانت مناطق كل من تلكلخ، القصير، جنوب وشرق دمشق، الغوطتين الشرقية والغربية، يبرود، النبك، حمص، حلب، الرقه، دير الزور، في يد الجيش السوري الحر، لكن كل هذه المناطق خرجت عن سيطرة المعارضة”.
واضاف: “يضع البحرة أمامه فكرة تغيير الحكومة، وبذلك يكون البحرة والجربا قد قضيا على الائتلاف والجيش الحر والحكومة، وهذا لا يخدم سوى النظام السوري!!!”، مؤكدًا أن سلوك الائتلاف يخدم نقيض الثورة، وهو لا يتهم أحدًا بأنه عميلٌ للنظام”.
وعن سبب فشل الائتلاف، قال كيلو: “غالبية أعضاء الائتلاف لا علاقة لهم بالثورة، لا بفكرها ولا بنشوئها، يبحثون عن مصالحهم وأرزاقهم وعن ترضية السلطة على الطريقة البعثية”.
في ما يأتي متن الحوار:
ما المتغيّرات التي يُمكن أن يحملها انتخابُ هادي البحرة رئيسًا للائتلاف السوري المعارض، مع فشل مؤتمر جنيف2 وتقدَم النظام في الميدان؟
هادي البحرة وعد الائتلاف بأن يكون صاحب خط مستقل وجديد. شخصيًا، أتمنى ذلك ولكن لا أعتقد ذلك، لأن أحمد الجربا هو من اختار البحرة، وفرضه على الكتلة الديمقراطية بعدما صوتت لموفق ميربيَه. الكتلة الديمقراطية أسقطت البحرة كمرشح لها لرئاسة الائتلاف، فأعاده إلى الترشيح أحمد الجربا، وفرضه بكل أنواع الوسائل غير الشرعية وغير الديمقراطية. أرغم الكتلة الديمقراطية على اختياره، بالتالي البحرة مرتبطٌ بالجربا، الذي سيُمسك بالمال وبعلاقات الائتلاف العسكرية وبالتالي، الجربا لن يترك له هامشًا واسعًا للحركة.
هل تمَ انتخابُه بإيعاز من الرياض؟
لا أعرف إذا كان مثل سلفه مقرباً من الرياض، وإذا كان سلفه مقربًا من الرياض. ما أعلمه أن الجربا مقربٌ من أوساط في السعودية وليس من كامل السعودية، ولا أعتقد أن اختيار البحرة لرئاسة الائتلاف أتى لأنه مقربٌ من السعودية. لكن، تم اختيارُهُ كي يتستر على ما أنتجه عامٌ من حكم الجربا للائتلاف، الذي تكلل بسلسلة طويلة عريضة من الهزائم جعلت وجود الثورة محلَ شك شديد. ولو كان البحرة رجل السعودية، لكان تمَ تبليغُ جماعة الكتلة الديمقراطية بذلك، وبالتالي يجب التصويتُ له، ولما تمَ إسقاطُهُ في انتخابات الكتلة.
ائتلاف بلا شرعيةٌ
ألا يزال الائتلاف السوري يحظى بشرعية دولية تفرضه متحدثًا باسم الشعب السوري؟
لم تعد للائتلاف شرعيةٌ إلا على الصعيد الخارجي. وفي الحقيقة، هذه الشرعية تآكلت خلال العام الماضي، بعد الهزائم النكراء التي مُني بها الجيش السوري الحر. وهنا أؤكد أن الأهم للائتلاف السوري أن تكون له شرعيةٌ داخليةٌ، وهي مفقودةٌ تمامًا، لقد فقدها الائتلاف بصورة شبه كاملة في الداخل. الائتلاف اليوم محطُ احتقار السوريين وتخليهم عنه، وأعتقد أنه إذا لم يبتدع البحرة خطًا مغايرًا عن خط الجربا، فإن ذلك لن يكون سوى خطوة على طريق الهاوية.
ما البديل عن الائتلاف؟
لا بديل، ولا أحد يفكر ببديل. ما نناقشه اليوم هو أنه بعد أن استبعد الاتفاق بين الجربا ومصطفى الصباغ كل أطياف العمل السياسي المنظم والحزبي، وبعد أن فرض تفاهمًا بين شخصين على العمل الوطني السوري، هو أن نتداعى إلى انتهاج موقف مختلف. لن نسمح للجربا وللبحرة أن يشعرا بدقيقة راحة اليوم، وسنحاسبهما على كل كبيرة وصغيرة بسياسة بناءة تقوم على المعارضة المفتوحة. وما أقصده ببناءة أنه لن تكون هناك أية مجاملة أو مسايرة، وسنتوجه إلى الشعب السوري والثورة برؤيتنا وبصفتنا أشخاصًا مرتبطين بالشعب السوري وبالثورة ولسنا مرتبطين لا برئاسة ائتلاف ولا حتى بالائتلاف السوري ولا بأي كتلة داخل الائتلاف.
وإذا أراد البحرة أن يكون رئيسًا للسوريين وممثلًا حقيقيًا للثورة السورية، سيجدنا وراءه من دون شك.
آخر أيام الثورة
ألا يجب قيادة الثورة من داخل سوريا؟
كان يجب أن تكون القيادةُ منذ فترة طويلة داخل سوريا، مع أنني لست من جماعة الفرز بين الداخل والخارج، لكنني أعتقد أن القيادة كان يجب أن توضع بين من يمارسون العمل الثوري وليس بين من يمارسون العلاقات الخارجية ويستخدمون المال السياسي في إدارة شؤون مؤسسة وطنية.
أقول اليوم إن الثورة توشك أن تنتهي، ولديّ معلومات أنه في حال تمكنت “داعش” من احتلال إعزاز وتقدمت نحو إدلب، لن يبقى هناك أي تماسك للجيش الحر في شمال سوريا. وأؤكد هنا أن هذه هي نتائج سياسة الجربا التي يعدُنا اليوم البحرة بمواصلتها. سياسات الجربا خلال العام الماضي تُثبت مسؤوليته المباشرة عن الهزائم التي وقعت في سوريا، وعلى البحرة أن يقطع مع نهج الجربا، الذي تبناه ودافع عنه خلال عام كامل وشارك في قراراته.
وما كان عليه نهج الجربا في رئاسة الائتلاف؟
عندما استلم الجربا رئاسة الائتلاف، كانت مناطقُ كل من تلكلخ، القصير، جنوب وشرق دمشق، الغوطتين الشرقية والغربية، يبرود، النبك، حمص، حلب، الرقه، دير الزور، في يد الجيش السوري الحر. لكن كل هذه المناطق خرجت عن سيطرة المعارضة، وثم غرق الجربا في استخدام المال السياسي، ثم طورنا الائتلاف باعتباره مؤسسة عمل جماعي، لكن أصبح يُدار عبر مطبخ سري من أركانه البحرة، وبالتالي فإن أركان هذا المطبخ السري هي من أنتجت كل هذه الهزائم. واليوم، يضع البحرة أمامه فكرة تغيير الحكومة، وبذلك يكون البحرة والجربا قد قضيا على الائتلاف والجيش الحر والحكومة. وهذا لا يخدم سوى النظام السوري!!!
ومن يقف وراء الجربا؟
المال السياسي، ووهمٌ في مكان ما أن نقول إن السعودية تؤيده. تقف وراءه آليات تعطيل هائلة داخل الائتلاف، يقف وراءه أن غالبية أعضاء الائتلاف لا علاقة لهم بالثورة، لا بفكرها ولا بنشوئها. يبحثون عن مصالحهم وأرزاقهم وعن ترضية السلطة على الطريقة البعثية.
يخدم نقيض الثورة
هل الائتلاف مخروقٌ من النظام؟
لم أقل إنه مخروقٌ، بل ما أقوله إن سلوك المرء إما يخدم الثورة أو يخدم نقيضها، وما قلته أن سلوك الائتلاف يخدم نقيض الثورة، أنا لا اتهم أحدًا أنه عميلٌ للنظام، هذا عيب ولكن ما أؤكد عليه أن سياسة الائتلاف هذه تخدم النظام.
وأي نهج تريدون؟
يجب أن يكون هدفه استعادة رهانات الثورة الأصلية، أي الحرية للشعب السوري الواحد، أن يتوجه نحو الداخل باعتباره الرافعة الإستراتيجية للثورة والمكان الوحيد الذي سيحسم مصير الثورة، وعليه أن ينتهج سياسات تعتمد في الأساس على التنسيق والتعاون والتفاعل مع الداخل، وأن يُعيد إحياء الجيش السوري الحر، وأن ينتهج سياسات واضحة وصريحة تقوم على رغبة الشعب السوري في أن يتخلص من نظام الاستبداد، وأن ينتهج سياسات واضحة وصريحة تقوم على رغبة الشعب السوري في التخلص من حلفاء مستبدين، أكانوا في المعارضة أو من خارجها، وأن يعمل بإطار جماعي، أي أن يشارك الآخرين في القرارات وأن يعمل من أجل استقلال القرار الوطني السوري عبر تأسيس جيش وحكومة فاعلة، وبصورة واضحة أن يُصبح الائتلاف مؤسسات، وبالتالي أن لا يكون أداة بيد شخص.
أما زلنا في هذا المنطق بعد أكثر من ثلاث سنوات على بدء النزاع السوري؟
هذا المنطق هو ما ينقذ الثورة. من دون هذا المنطق سنشهد تحولًا جذريًا في مصير الصراع بين النظام والثورة، وبداية انهيار الثورة، هذا هو المنطق الذي سيُنقذُ الثورة التي تكاد تفشل لأنها لم تتمسك بهذا المنطق. الآن، هناك فرصةٌ أخيرة إما أن تعود الثورة إلى هذا المنطق وإما لن يعود هناك ثورة. فنحن أمام خطر أن لا تكون هناك ثورةٌ خلال أشهر قليلة، إذا واصلنا النهج الذي اعتُمد في الائتلاف خلال العام الماضي.
ايلاف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

«التعفيش» في سياسة نظام الأسد/ فايز سارة

  لعله مما يبدو غريباً، قيام سلطةٍ ما تدّعي مشروعية وجودها، باستباحة ممتلكات «مواطنيها»، والأغرب ...