الرئيسية / صفحات الثقافة / مكتبات دمشق: الكتب في زمن الحرب/ مناهل السهوي

مكتبات دمشق: الكتب في زمن الحرب/ مناهل السهوي

 

 

وكأن إغلاق مكتبة “الزهراء” في دمشق عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، التي كانت إحدى أهم المكتبات المتخصصة بالأدب الروسي، علامة على هشاشة مكتباتنا أمام شبح الحرب والسياسة.

لا يخفى على أحدٍ أن المكتبات السوريّة عموماً ومكتباتِ دمشق خصوصاً تحتضر منذ زمن، لتأتي الحرب بضربتها القاضية. كان المشي في شوارع دمشق لتتبع أثر مكتباتها أشبه بالبحث عن أماكنَ وحيدة تلفظ أنفاسها الأخيرة من دون أن يوليها أحدٌ اهتماماً، مكتبات فارغة من الزبائن ومن الكثير من الكتب، يلتهم الغبار رفوفها، بائعون يجلسون خلف مكاتبهم بلا عمل حقيقي، العديد منهم رفض الكلام وكأنّهم يقولون دعونا ومكتباتنا نحتضر بسلام. كنا نعلم أن ما سيقولونه ليس بجديدٍ، لكن حاولنا التقاط خيط الألم الرفيع، الذي قد نقدم من خلاله صورة ولو موجعة عمّا يحصل داخل هذه المكتبات.

مكتباتٌ لبيع الملابس

كان الوقوف أمام مكتبة “اليقظة” قديماً، القريبة من مقهى الهافانا، ومراقبة الواجهة التي تَعرِض القطع الكهربائية بعد إغلاق المكتبة، يجعلنا نتساءل: من يودُ بيع الكتب في زمن الحرب؟ كيف ننقذ الناس من الموت والمكتبات من الإغلاق إلى الأبد؟

منذ بداية الحرب السورية أُغلِقت عشرات المكتبات في دمشق، منها لأسباب اقتصادية وأخرى بسبب سفر أصحابها إلى الخارج وبيعها لمستثمرين في مجالات أخرى، مجالات أكثر ربحاً، في وضع اقتصادي صعب كالذي تحياه العاصمة. في المقابل لم يخفَ علينا الحضور اللافت للمكتبات الدينية المتخصصة في بيع الكتب الدينية بمظهر عصري وواجهات فخمة، لتُرافِقَ القرآن أقلامٌ ناطقة لمساعدة المتعلم على اللفظ والتجويد الصحيحين، أما على الضفة الأخرى، الضفة المنسية تسقط المكتبات الدمشقية الواحدة تلو الأخرى؛ فلم تكن مكتبتا “ميسلون” و”العائلة” اللتان أغلقتا قبل الحرب جرس إنذار كافٍ، لتتبعهما بعد الحرب مكتبة “أطلس” التي صارت متجراً للملابس. أما مكتبة “تنبكجي”، وهي واحدة من أعرق المكتبات ودور النشر، فلا زالت تقاوم بتحويل واجهتها لبيع القرطاسية ودفاتر التلوين وأكواب حفظ المشروبات الساخنة، وفي ذلك ربما محاولةٌ أخيرة لحماية المكتبة من الإفلاس، قبل الغوص في وحل النهاية، رغم ذلك قد تلمح على رفوفها نسخاً قليلة لكتبٍ من منشورات دار ممدوح عدوان، وعند الاستفسار إن كانت نسخاً أصلية، علمنا بأنها بالفعل كذلك وهي فقط ثلاث نسخ وعند بيعها قد تجلب بدائل إضافية، فحتى أقل عدد من النسخ قد تحتاج وقتاً طويلاً لتجد من يشتريها. على الطرف الآخر تبقى مكتبات كبيرة تقاوم الحرب والاحتضار “نوبل”، “النوري”، ولا يعني ذلك أن هذه المكتبات لا زالت على حالها القديم، لكن لا بدّ أن يصمد البعض حين ينهار كلّ شيء.

الكتاب يكلف ربعَ راتبٍ شهريّ

مع السيد أديب البيطار – المكتبة العمومية دخلنا أكثر في تفاصيل المعاناة اليومية للمكتبات، يؤكد السيد أديب أن هذه المكتبة لا ولن تغلق أبوابها، كيف ذلك وهي أقدم مكتبة في دمشق؟ طوال حديثه حاول ألا يتحدث بتهاون، فمع كلّ المخاطر التي تهدد المكتبة يستذكر بقوة أمجادها حين كانت وكيلاً لأكثر من 15 دار نشر، منها: “الدار العربية للعلوم، دار الريس، الانتشار، الفارابي..”، وتضم بين رفوفها كتبَ دراسات أجنبية كالعمارة والفن والغرافيك، حينها كانت سبّاقة في الحصول على نسخها من كلّ الكتب الصادرة لتوها في بيروت، حتى أنهم في بعض الأحيان كانوا يعرضون كتبهم للبيع قبل مكتبات بيروت، على كلّ حال كان الطريق لا يزال سالكاً بين دمشق وبيروت، ولم يكن يأخذ كلّ هذا الوقت والعناء والمبالغ، أما اليوم يبدو للسيد أديب وكأننا نعيش في مكان آخر، فالمكتبات غير قادرة على إحضار الكتب من بيروت عدا “التواصي” الفردية القليلة، فأجور النقل تكلف أكثر من الكتاب ذاته، والدخل الشهري للقارئ لا يسمح له باقتناء كتاب بسعرٍ خيالي، حتى الطلاب والجامعات لم تعد تستعين بمراجع غالية كهذه، فكيف للقارئ أن يشتري كتاباً قد يكلفه ربع راتبه الشهري في بعض الأحيان؟ وهكذا تخلت المكتبة تدريجياً عن إحضار الكتب من بيروت.

وربما كان الزبون الذي قاطع حديثنا مع السيد أديب باحثاً عن كتاب “في التربية” لـ”برتراند رسل”، الصادر عن دار التكوين الدمشقية، نموذجاً عما يحدث مع كل كتاب يباع أو حتى لا يباع. الزبون الذي تململ في البداية من سعر الكتاب الغالي، عاد ليشتريه على مضض بعد حوار مع السيد أديب عن أزمات القراءة والأسعار المرتفعة. في الحقيقة وكما بيّن لنا البائع الشاب لاحقاً، فقد وصل الكتاب لهذا السعر بعد محاولة جادة من المكتبات ودور النشر لخفض أسعار الكتب المطبوعة داخل سورية. ولا شكّ بأنها محاولة يائسة للحفاظ على عادة القراءة، السعر يبقى مرتفعاً نوعاً ما، فأجور الطباعة كذلك أصبحت غير معقولة، لتظهر مشكلة أخرى يعانيها الكتاب في سورية، يتابع السيد أديب بثقة وكأن هذا الزبون إثبات لكلّ ما أورده سابقاً: “جميعنا يعلم أن من يقرأ وحتى قبل الحرب السورية هم أصحاب الدخل المتوسط وما دونه، أما من يملكون المال فلا يقرأون، الأغنياء يشترون الكتب لتزيين مكتبات بيوتهم كبريستيج وحسب”.

الحل هو أن تنتهي الحرب

أما عن الكتاب الإلكتروني، فيقول السيد أديب إنه غدا مشكلة وحلاً في الوقت ذاته، فهو سهّل من دون شكّ القراءة في ظل الأسعار المرتفعة، مستذكراً العديد من الزبائن الذين نصحهم رفاقٌ لهم بعدم شراء الكتاب الغالي واستبداله بالإلكتروني، ومن جهة أخرى لا يستطيع أحد إنكار الدور السلبي للكتب الإلكترونية على الكتاب الورقي، ووسط كلّ هذا فمن الطبيعي ألّا تتجاوز نسبة البيع 10% عما كانت عليه  قبل الحرب وهي عموماً رواياتٌ وكتبٌ فلسفية، فعلى ما يبدو ملّ الناس كتب الحرب والموت، فمن يعش المأساة يعلم عن الحرب والقتل والجحيم أكثر مما ستقدمه له الكتب والروايات التي صدرت تزامناً معها. كذلك فقد عاد القرّاء إلى الأدب الروسي، لُيقرأ “دوستويفسكي” من جديد، إضافة إلى الأدب الصوفي، وكأن الناس تود صنع حياة أخرى لها. ومن هنا تأتي قرصنة الكتب كردٍ طبيعي على غلاء النسخ الأصلية، فالكتاب الذي يصبح مقرصناً بربع سعر الأصلي هو حل جيد من جهة للقارئ ومن جهة أخرى للبائع. يختتم السيد أديب بخيبة: “لا حل لما يحصل، وهو ليس بأيدينا، الحل هو أن تنتهي الحرب. عندما تنفد النسخ القديمة التي نملكها والتي لا زالت تباع بسعرٍ قديم، لن يكون هناك من بديل عنها”، وأما عن الكتب الصادرة حديثاً سيكون وكما أوضح سابقاً، حسب “تواصٍ” شخصية وبأسعار مرتفعة.

سوق كتاب الرصيف

في مكان آخر لا يبعد كثيراً عن المكتبة العمومية وتحت جسر الرئيس، يمتد “سوق كتاب الرصيف”، زحمة للباصات والكتب معاً، يستقر في إحدى زواياه البائع السبعيني صلاح صلوحة، يعتني بكتبه ويعيد ترتيب بعضها ويتأمل المارة في أوقات أخرى. الرجل الذي بدأ منذ 55 عاماً في بيع الجرائد على الرصيف ثم أسس مكتبته التي التهمتها الحرب في الريف الدمشقي، يعود ثانية إلى الرصيف.

يردد بحسرة: “لا أعرف شيئاً عن مكتبتي. لا نستطيع العودة إلى منازلنا ومكتباتنا، وها أنا ذا أعود كما كنت قبل 55 عاماً. لا أشعر بالخجل. يجب أن نقاوم دوماً ونولد من جديد”. يستذكر السيد صلاح أيام الجمعة قديماً في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم، حين كان يجتمع الفنانون والمثقفون في الصالحية، أو كما كانوا يسمونه سوق عكاظ، وعلى الرغم من كلّ الصعوبات التي يواجهها ورغم أننا أصبحنا شبه معزولين عن الثقافة، على حد قوله، فلا زال لديه إيمان بالكتب والمكتبات، يستطيع التماس ذلك من خلال قُراءٍ يعودون لشراء الكتاب ورقياً بعدما قرأوه إلكترونياً في بحث عن شيء حميميٍّ وحقيقيّ أكثر.

يتابع السيد صلاح بأن وضع كتاب الرصيف اليوم اختلف عن سابقه، لأن استيراده هو بالعملة الصعبة وعند تحويلها للعملة المحلية نقع في مشكلة السعر المرتفع، لكن يبقى سعر سوق الرصيف مقبولاً أكثر، فهو غالباً أقل بنحو 50% من المكتبات، عدا الكتب النادرة والمفقودة فلها سعرٌ خاص، فهي كما الطوابع والأنتيكا واللوحات تتحول إلى عملية تجارية بحتة.

أما عن كيفية تزوّد مكتبات الرصيف بالكتب، فهي قصة طويلة تبدأ بالسرقات أو كما تسمى محلياً (التعفيش) من مناطق النزاع، يؤكد السيد صلاح أن أغلب مكتبات الرصيف حيث يعمل هو، لا تشتري الكتب المسروقة فهم يعلمون قيمة الكتاب لدى صاحبه، “ماذا لو أخذنا كتباً مسروقة وجاء صاحبها وتعرف إليها؟”، يقول، وهذا ما حصل بالفعل مع بعض الباعة، لذلك هم يشترون مكتبات المنازل من أصحابها مباشرة ومن مصادر موثوقة. يضيف أن هذه المكتبات ذات قيمة عالية، فقد يجدون فيها بعض الكتب النادرة والجيدة والنظيفة كذلك، لكن عملية البيع تتوقف على فرز هذه الكتب، فالكتب ذات القيمة العالية، ويقصد بها كنوعية أو ندرة، هي التي تعيد رأس المال، فيرفعون سعرها لتعويض الخسارة، أما الكتب التي لا يشتريها أحد وتتكدس من عام لعام فيضطرون لإرسالها لمعامل الكرتون، وربما هذه هي النقطة الأكثر ألماً والتي ازدادت منذ بداية الحرب، لكن لا حل أمامهم.

الكتب لا تموت

أما عن بدائل جلب الكتب من خارج سورية، التي غدت شبه مستحيلة لارتفاع التكاليف كما أوردنا سابقاً، فيقول السيد صلاح إن قرصنة الكتب سهّلت عملية القراءة على من تبقى من القراء، ويستذكر لقاءً له بالكاتب الجزائري واسيني الأعرج حين أخبره بأن كتبه تقرصن في سورية، ليرد عليه الكاتب الجزائري: “طالما أنتم في حرب، فلتقرصن كل كتبي لأجل القارئ السوري”، وكأنها محاولة أخيرة لتبرير هذا الاحتضار للكتب والمكتبات.

وفي النهاية، ورغم علمه بأن مكتبة الرصيف هذه ستغلق يوماً ما كما حدث مع كبرى المكتبات في دمشق، لأننا في مرحلة صعبة، كما يقول، ولسنا منجمين لنتوقع ما الذي سيحدث بالضبط، لكنه متفائل جداً بما يخص وجود الكتاب. ينظر نحو زحمة الباصات والناس مردداً: “الكتب لا تموت”، ويختتم مستهزئاً من الحال الذي وصلناه: “قد تخف الطباعة وقد تغلق كبرى المكتبات لكن الكتب ستبقى، لأن الأوراق باقية، وهل نحتاج دليلاً أكبر من أن أهم المعاهدات الدولية تُوقّع على الأوراق؟ وهذا دليل آخر على أن لا الإنترنت ولا الكتب الإلكترونية ستهزم الورقي”.

ضفة ثالثة

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...