الرئيسية / كتاب الانتفاضة / أكرم البني / ملاحظات حول الفكر الليبرالي في مجتمعاتنا العربية!

ملاحظات حول الفكر الليبرالي في مجتمعاتنا العربية!

 


أكرم البني

مع تنامي موجة التحولات الديمقراطية التي تشهدها المنطقة العربية ودشنتها ثورتا تونس ومصر، ومع الانتشار اللافت لشعارات الحرية وحقوق الإنسان، من الطبيعي أن ترتفع حرارة الحوارات بين المثقفين والنخب السياسية حول ماهية الخيار الليبرالي، ما الذي يميزه عن خيار الديمقراطية، وهل يصح اعتباره حلاً ناجعاً لما نحن فيه؟!.

وإضافة لتأثير التطورات الحاصلة مؤخراً، فثمة أسباب أقدم يمكن أن تفسر انتعاش الفكر الليبرالي في مجتمعاتنا، بعد أن غاب طويلاً جراء سيادة الإيديولوجيات القومية والاشتراكية والدينية وجراء ما عاناه الليبراليون من اضطهاد، منها ما يتعلق بالانتصار الذي حققته الليبرالية باعتبارها فلسفة الحرية في التغيرات التي حصلت على الصعيد العالمي، وكان من نتيجتها انهيار الأنظمة الشمولية، في البلدان الاشتراكية السابقة، والحضور المتميز لمفاهيم الليبرالية كعامل موجه ومحرض لإدارة الصراعات الاجتماعية الجارية من اجل تغيير الأنظمة الاستبدادية في البلدان المتخلفة.

إن موجة المد الليبرالي وإن أخذت زخمها من المناخ السياسي العالمي الذي فتح على أهمية الديمقراطية والاقتصاد الحر مع النجاح الذي حققته النظم الليبرالية الغربية في النمو والتطور مقابل تأزم ما كان يسمى الدول الاشتراكية وانهيارها، فقد جاءت أيضاً أشبه برفض صريح ورد على ثقافة الوصاية السائدة في حياة مجتمعاتنا السياسية وتغييب دور البشر، بدليل تركيز دعاتها على أهمية احترام العقل والجهد الإنساني الذي بلغ من النضج قدراً يؤهله أن يرعى مصالحه دون وصاية من أحد.

وثمة سبب آخر يرجع الى النتائج المرة والحصاد المؤسف لتجارب مجتمعاتنا العربية، وكأن الليبرالية استمدت حضورها من مشروعية تجريب لون جديد من الحكم بعد أن وصلت الألوان والإيديولوجيات الأخرى من قومية وماركسية ودينية الى طريق مسدودة وفشلت في تحقيق الأهداف المتوخاة، فالشعارات والعقائد الكبيرة أنجبت نتائج هزيلة، فأين حالنا من النهضة الموعودة وشعارات تحرير الأرض والوحدة العربية وأين نحن من خطط التنمية التي غازلت تطلعات الناس نحو مجتمع العدالة والكرامة؟!

وإذا نهضت الليبرالية تاريخياً من حقل الاقتصاد دفاعاً عن الحرية الفردية وحرية النشاط الاقتصادي، ودعت الى فكرة السوق الحرة وشعار “ذروه يعمل ذروه يمرّ” والحد من تدخل الدولة في العلاقات الاقتصادية وسميت مجازاً الليبرالية الاقتصادية، فأنها وفي سياق تطورها التاريخي الملموس وربطاً بتقدم حراك الطبقات المظلومة ودفاعها عن حقوقها سرعان ما أنتجت نظاماً سياسياً محايثاً أطلق عليه البعض تعبير الليبرالية السياسية وتميز بسيادة القانون وفصل الدين عن الدولة واحترام الحريات والتعددية وتداول السلطة وحقوق الإنسان، وبات المفهوم الليبرالي الراهن والدارج يدل على كلا المعنيين الاقتصادي والسياسي على السواء وصارت كلمة ليبرالي تعني الجمع بين الدعوة للاقتصاد الحر والانتصار لقيم الديمقراطية والتعددية.

إن دمج الديمقراطية بصفتها عقيدة سياسية، بحرية الاقتصاد والسوق بصفتها عقيدة اقتصادية، وضع بين يدي الرأسمالية نوعا من الرؤية السياسية، لعب العديد من الفلاسفة كجان لوك وايمانويل كانط وغيرهم، أدواراً في بلورتها وإنضاجها لتغدو أشبه بفلسفة شاملة تنادي بالحداثة والحرية والسلام والتنوير، الى أن خضعت لتطويرات مهمة مع تطور البرجوازية وسيطرة الشركات العملاقة فوق القومية على الحياة الاقتصادية، فأعيد تكييفها مع المطامع المستجدة لقوى الرأسمال وصارت تعرف باسم الليبرالية الجديدة.

من المعروف تاريخياً أن الليبرالية بدأت وطنية، وفي ظلها استطاعت شعوب البلدان المتقدمة إنجاز جملة من الاستحقاقات السياسية المرتبطة بمفهوم الدولة الديمقراطية وحقوق المواطنة والإنسان الفرد، وإذا كانت هذه المفاهيم في طريقها لإعادة التشكل مع التطور الكبير الذي حققته الرأسمالية وسيادة العولمة، فثمة مشكلة في إعادة تشكيلها من جديد في شروط البلدان المتخلفة، حيث لم تنضج بعد مقومات الوطنية ولا تزال هذه المجتمعات تعيش في جزء منها في مرحلة ما قبل الوطنية لأسباب متنوعة، منها ما يتعلق بمستوى التخلف الاجتماعي والاقتصادي والثقافي ومنها ما يعود لسيطرة مستديمة للأنظمة الاستبدادية.

إن التقدم النسبي، لجملة من المفاهيم التي تلحق بالليبرالية عادة، مثل مفاهيم الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، لم يحجب حقيقة أن الليبرالية كطريق للتغيير لا تزال تحمل قيمة سلبية في الأوساط الشعبية وبدرجة أقل الثقافية والسياسية، ربما من جراء أسلوب التدخل الغربي في المنطقة وازدواجية معاييره وخاصة في فلسطين ومن ثم تسويغ استخدام القوة العسكرية الأمريكية تحت راية هذه الأفكار والقيم كما التجربة العراقية، وربما بسبب الحملة المضادة التي تشنها قوى الاستبداد والشمولية التي دأبت على ربط كلمة ليبرالية بالعولمة ونتائجها أو اعتبارها مروق عن الوطن وعن القيم الدينية.

لكن المعوقات التي تعترض حضور الليبرالية وتقدمها في مجتمعاتنا العربية لا تقف عند هذا الحد، فثمة تحديات ومعوقات أخرى منها ما هو موضوعي ومنها ما هو ذاتي، لعل من أهمها…

أولاً، ضعف تطور مجتمعاتنا بصورة عامة، فنجاح الليبرالية يحتاج الى مستوى من التطور إن لم نقل النضج على مختلف الأصعدة وخاصة الصعيد الاقتصادي، وقبولها يتطلب مناخاً سياسياً أكثر تفهماً من المناخ السائد، إذ لا تزال بلادنا ترتهن في العموم الى ثقافة سياسية وصائية، ولم تستطع غالبية أحزابها الخروج من شرنقة مفاهيمها العتيقة وبقيت أسيرة أصول عفا عنها الزمن ومحاصرة بعقائد وشعارات قديمة ويتعامل بعضها مع أي ظاهرة جديدة على أنها أمر يمكن القبول به أو رفضه بناء على المرجعية الأيديولوجية ليس إلا، وبمعنى آخر لا يزال الوسط السياسي متردداً في نفض يده من ثوابت فكرية وإيديولوجية عفا عليها الزمن وغدت تتناقض مع جوهر وروح الفكر الديمقراطي ومفاهيمه.

إن تشكيل رأي عام داعم للتنوع والتعددية واحترام حرية الاختلاف وسيادة مناخ سياسي ديمقراطي يتسم بالواقعية والمرونة وتثبت فيه الأحزاب السياسية مصداقيتها وجدارتها على احترام الآخر وتداول السلطة والعقلانية، هو خير مناخ لنمو الليبرالية وغيرها من الفعاليات السياسية.

ثانياً، يمكن اعتبار إحدى نقاط ضعف الفكر الليبرالي في المجتمعات العربية أنه لا يزال إيمانيا يرتبط الى حد كبير بالجاذبية التي أرستها تجارب ليبرالية ناجحة، مثله مثل الفكر الاشتراكي الذي كانت دوافعه فيما مضى إيمانية أيضاً تأثراً بتجاربه الناجحة. وبمعنى آخر لا يزال الفكر الليبرالي عموماً فكراً نخبوياً وضعيف الاستناد الى أساس موضوعي في البنية التحتية، طالما لم يحظ بقوى اجتماعية لها مصلحة حقيقية في اعتناقه، ولها طموحات اقتصادية في تحرير سوقها وبناء الدولة الديمقراطية وإنجاز مشروعها الاقتصادي والسياسي الخاص. ولا يغير من هذه الحقيقة إن بعض الجماعات والأفراد التي تتنطح اليوم لحمل لواء الليبرالية تنتمي الى قوى الرأسمال، وقد جاءت أخيراً لتعبر عضوياً عن مصالح البرجوازية العتيقة، هذه المرة بالأصالة عن نفسها بعد أن غاب ممثلوها الحقيقيون لعقود من السنين عن لعب دور مباشر في الحياة السياسية وارتضوا الدفاع عن مصالحهم بالوكالة. أو حين يحضر بعضهم الأخر ليعبر عن مصالح ما يسمى البرجوازية الجديدة التي نشأت بفضل ما راكمته امتيازاتها السياسية من رؤوس أموال واغتنت من سيطرتها على مواقع المسؤولية ونهبها لمؤسسات الدولة والقطاع العام، فتعاظم وجودها وكبر طموحها للتحرر من إسار النظام القديم والتعبير عن ذاتها بما يتناسب مع ازدياد وزنها الاقتصادي ما يعني أنها تحتاج اليوم الى ممثل سياسي جديد لمصالحها.

ثالثاً، تلاحظ حالة قلق وتخوف شعبية عامة من أن تفضي الحريات الفردية الى تفكيك مجتمع أدمن دور الدولة التدخلي في كل تفاصيل الحياة، وإذا تغاضينا عن شيوع حساسية وطنية وقومية مناهضة لليبرالية فثمة حال من التدين الشعبي لا تزال تعشش في المجتمع وتتعارض مع مسلمات الفكر الليبرالي. خاصة وإن تطبيق الليبرالية يتعارض مع تيار الإسلام السياسي الذي يستمد ويستند الى مقولات إيديولوجية مضادة لشرعية الدولة العلمانية، فمشروع هذا التيار هو بكل بساطة وحتى لو تحقق في ضوء الممارسة السلمية هو تغيير طبيعة الدولة القائمة وتحويلها الى دولة دينية بما يعنيه من استبدال آلية التشريع بآلية الفتوى وتحكم الفقهاء الدينيين في مسيرة المجتمع، ما يشجع على القول أن تيارات الإسلام السياسي وما تحمله من هدف في تأسيس الدولة الإسلامية هو في حد ذاته احد أهم المعوقات أمام حضور الليبرالية وتطورها، وأيضاً أمام تطور التنمية السياسية بصورة عامة.

فالأصل في الخيار الليبرالي هو السماح لكافة التيارات السياسية على اختلاف تكويناتها ومشاربها في العملية السياسية، بينما لا تكون الدولة ليبرالية إلا حيث تكون العلمانية وتفضي الى فصل الدين عن الدولة، ولا تكون علمانية إلا حيث تكون الليبرالية.

لقد وجدت الليبرالية التقليدية، حلا لهذا الموضوع في أوربا عبر الصراع مع الكنيسة وسلطتها، ولعب الاقتصاد في ذلك دورا حاسماً. فهل يتم حل هذه المشكلة في مجتمعاتنا عبر صورة من صور هذا الصراع؟! أم عبر تفهم ليبرالي لإعادة تكيف الإسلام السياسي مع اللعبة الديمقراطية، مستمداً من التجربة التركية مثالاً؟!.

رابعاً، يمكن القول إن القوى الليبرالية لا تزال عاجزة وبدرجات مختلفة عن بلورة تصور متكامل ومتماسك ولنقل لم تنجح الى الآن في تقديم إجابات عن أسئلة ذات طابع إشكالي، ما يضعها موضع التباس ويصنع منها هدفاً لتوجيه الاتهامات، فثمة غموض لافت عند معظم هذه التيارات في تقديم إجابات واضحة حول علاقتها مثلاً مع الليبرالية الجديدة التي تسود المجتمعات الرأسمالية المتطورة والتي أفرزت أشد الحكومات محافظة وتعنتاً، أو حول تصوراتها عن العلاقة المرجوة بين الاقتصاد الحر الذي تدعو إليه ونظام العولمة، وتحديداً مستلزمات وشروط اندماجها بالاقتصاد الكوني، وكيف تعالج علاقة الداخل والخارج أو تحل التعارض بين الحاجة لتعميق الديمقراطية والذي يقتضي الحرية في العلاقة مع الخارج وبين مواجهة نزعات الهيمنة الخارجية.

كما ثمة التباسات حقيقية في موقفها من الأوضاع الاجتماعية في حال تحررت الدولة من أعبائها الاقتصادية وتم تالياً إخضاع الحاجات الحيوية للمواطنين لفوضى السوق وقانون العرض والطلب، بما في ذلك عدم وضوح رؤيتها في التعاطي مع مئات الألوف من الفقراء والمعوزين الذين لا بد أن يلفظهم قطاع الدولة الخاسر ويصبحون نهباً للبطالة أو لأعمال دونية لا تليق بكرامة المواطن وإنسانيته. وتالياً ماهية الخطط المقترحة لمواجهة جموع المنتفعين المتعيشين من الأنظمة الشمولية، وهم يشكلون كتلة مهمة من موظفي الدولة المتضخمة، لا عمل لهم ولا إنتاج بل فقط استنزاف الاقتصاد الوطني، والذين لا بد أن يستبسلوا دفاعاً عن مصالحهم ولتأكيد ولائهم للشمولية وتمجيد الاستبداد، ويدخلون في حلف مع من يعادون الديمقراطية من رموز الفساد والتسلط.

خامساً، نكتشف من قراءة أولية لكثير من الجماعات الليبرالية، أن ذخيرتها الفكرية لا تزال بدائية وأنها تفترق عن بعضها البعض في الكثير الخصائص والصفات، فمثلاً لا يجمع هذه الجماعات دافع مشترك من تبني الرؤية الليبرالية، فمنها مثلاً من ركز على الوجه الاقتصادي للفكر الليبرالي داعياً الى إزالة كل الحواجز القانونية والإدارية التي تعرقل الاستثمار، وأضفى على خطابه مطالب تبدو في التنفيذ شبه مستحيلة، مثلاً النكوص نحو المرحلة العتيقة والبدائية من تطور البلاد الرأسمالي بالدعوة الى الخصخصة وحتى الرجوع عن قرارات التأميم والإصلاح الزراعي وإعادة الملكيات الصناعية والزراعية لأصحابها، ربما كرد فعل متطرف على ما أوصلنا إليه احتكار الدولة للاقتصاد طيلة عقود. ومنها من غلب على مشروعه الجانب السياسي، كرد فعل طبيعي ومفسر على تاريخ طويل من السيطرة الشمولية وتغييب الحريات، وبدت أفكاره غنية بالمهام الديمقراطية واحترام التعددية السياسية واليات الانتخاب وأيضاً بعبارات التقدير لإرادة الإنسان والثقة بدوره وفاعليته في مواجهة التحديات التي تعترض البلاد، وبين هذا وذاك ثمة مساحة رمادية احتلتها مجموعات من دعاة الحرية صنفت نفسها تحت عنوان ” الليبرالية الثقافية ” وأعلنت أن غرضها فقط هو ثقافي وفكري وجوهره إشاعة أفكار المواطنة والحداثة ومفاهيم احترام الحريات الفردية والإبداع.

أخيراً تجدر الإشارة الى جانب الاعتراف بالمعوقات التي تعترض الفكر الليبرالي في مجتمعاتنا العربية، بأن السجالات الايجابية حول ما يطرح من أفكار ليبرالية والتفاعلات الجدية حولها وحول ما ظهر من جماعات سياسية جديدة حملت الفكر الحر، تشير ليس فقط الى مدى انتشار الهم الديمقراطي وإنما أيضاً الى ارتقاء وعي الناس حول ضرورة احترام التعددية والتنوع وحق الاختلاف.

إن الاستعداد لاستقبال المشروع الليبرالي واحترام دعاته، بصفته أحد الافرازات الطبيعية لتكوينات المجتمعات العربية وجناحاً من أجنحة التغيير الديمقراطي وقواه، يبشر بتجاوز الأساليب البالية في النظر الى الليبرالية بصفتها تياراً مارقاً ومنبوذاً، يقابل بالإدانة المسبقة وشتى الاتهامات بالعمالة، الأساليب ذاتها التي ساهمت فيما مضى الى جانب عوامل أخرى في هزيمة التيارات الليبرالية القديمة.

موقع الآوان

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...