الرئيسية / صفحات مميزة / ملف “المستقبل” في الذكرى الثانية لانطلاق الثورة السورية

ملف “المستقبل” في الذكرى الثانية لانطلاق الثورة السورية

 

سنتان على آذار سوريا.. ربيع مخضّب بالدم وانتصار مؤجّل

هي ثورة الثورات العربية. الأكثر دموية وأطولها زمناً. هي في كل يوم بين حدّي الاستعصاء والانتصار. هي ثورة السوريين وحدهم، لكنها تبدو أيضاً من أجل سوريا كما من أجل العراق ولبنان وإيران وفلسطين وكردستانات المنطقة وأقلياتها وأكثرياتها وأديانها وطوائفها وشعوبها. كأنها هي جردة حساب مؤجلة مع التاريخ، من الزمن العثماني والزمن الإنتدابي والزمن الاستقلالي والزمن الانقلابي العسكريتاري. ثورة من أجل مئة عام مضت هدراً وفساداً وعجزاً، لكنها أيضاً تستحضر أحياناً ما حدث في 1400 عام، بكل كوابيسها وأشباحها وأمواتها وخرافاتها القاتلة.

هي ثورة السوريين الواضحة بالتأكيد: خبز وحرية وكرامة. لكنها باتت حرب الجميع كذلك. هي ثورة شعب وحرب دول في آن واحد.

ربما لهذا السبب نفهم الآن لماذا تحمّل الشعب السوري ما لا يطاق في أربعين عاماً من السحق والإذلال والقمع. كان يدرك أن تمرّده ستكون كلفته لا تطاق أيضاً. كان يدرك، منذ تجربة حماة عام 1982 الى آخر تجربة مع انتفاضة الكرد عام 2004، أن آلة القتل ووحشية السلطة ستحوّل أي ثورة الى حمّام دم ولن تتورع عن إبادة السكان وتسوية المدن بالأرض وتشريد الملايين من البشر وتنظيم المجازر كـ”عمليات جراحية” ضد شعب بأكمله.

خرج الشعب السوري من قمقم الصبر ومن زنزانة الصمت ومن عتمة الخوف، مدفوعاً بإلهام “الربيع العربي” وزخمه، الذي أطاح بأنظمة زين العابدين ومبارك والقذافي وصالح، في لحظة درعا، حين أمعن النظام بالدم الأكثر براءة، دم الأطفال. أراد النظام من تلك الجريمة، التي نفذت باصرار وتصميم، ان يقول لشعبه “سوريا الأسد” ليست تونس ولا مصر ولا ليبيا ولا اليمن. بمعنى آخر، النظام هو الذي فرض على السوريين الامتحان الأصعب، تحدي الكرامة: “أنتم أقل إباء من تلك الشعوب، وعليكم العيش في الذل والهوان”. هكذا جاء النظام نفسه بالثورة إلى سوريا. ولذا فإن عبارة النظام الأشهر بوجه كل مواطن يتم دعسه أو اعتقاله أو إعدامه كانت “بدك حرية؟ إيه خود حرية”. كان النظام بذلك يعترف ان المعادلة هي ببساطة شديدة: إما الحرية وإما النظام.

هكذا أعلن الاستبداد البعثي، بلا مواربة، إنه نقيض الحرية، ونقيض الكرامة، ونقيض العدالة. أعلن عداءه السافر للشعب السوري.

خلال عامين، “نجح” النظام في فرض الثورة عليه بوصفها الأفق الوحيد للسوريين، لكنه أيضاً نجح في فرض الحرب الشاملة عليهم. وهي اليوم حرب تخوضها إيران وروسيا، و”بعض” لبنان و”بعض” العراق ضد سوريا ذاتها. وكأن الثورة، في مآلها الأخير، ورغماً عن الشعب السوري، ستحمل عبء مستقبل المشرق العربي، مستقبل الديموقراطية في العالم العربي بأسره. وربما ايضاً مستقبل الثورات التي حدثت أو التي ستحدث، من إيران إلى السودان.

من أمل الثورة إلى يأس الحرب، سنتان على ربيع سوريا الدموي، سنتان من التضحيات والبطولة والألم والموت، من أجل الشرط الإنساني الأول: الحرية.

هذا العدد الخاص من “نوافذ” مكرس للذكرى الثانية لاندلاع شرارة تلك الثورة التي لطالما تأجلت إلى أن تبدد الخوف في ذاك اليوم 15 آذار 2011 الإعجازي.

“نوافذ”

 عنادنا أقوى من ألمنا

رزان زيتونة()

عزيزي أحمد…

لم يتغير الكثير منذ رحيلك قبل شهرين. عدا أننا نحتفل بالذكرى الثانية للثورة بدونك. بعض أصدقائك المقربين رحلوا مؤخرا إلى حيث ترقد الآن. لست بحاجة لإخبارك على أية حال.

لا يزال معدل القتل اليومي على حاله من الارتفاع. ولا تزال الحسرات على حالها. ولم نعد ندرك هل تأقلمنا مع الموت أم فقدنا الإحساس به، أم أن عنادنا فقط ما يمنحنا القدرة على الاستمرار بصحبته.

لا تزال الصواريخ والقذائف تنهال كقيء تنين على المدن والبلدات. باستثناء “السكود” لا اختلاف في عددها وطريقة هبوطها وانفجارها في الأجساد وبها. “السكود” يخوض رحلة طويلة قبل أن يصل، يتاح للإعلاميين خلالها إصدار خبر حول لحظة انطلاقه وإلحاقه بخبر آخر حول لحظة هبوطه. عابر للمدن وأحلامها ونكباتها. وهو حين يسقط، يبتلع كل المكان ثم يعيد لفظه من أعماق بطنه النتن، دمارا كبيرا. أعرف أنك لا تحتاج لشرح ماهو “السكود”، لكن أحببت فقط أن أضعك في صورة آخر المستجدات!

أصدقاء كثر قرروا الرحيل عن سوريا مؤخرا. لكن آخرين قرروا العودة إلى المناطق المحررة. يوما ما ستتحرر دمشق يا أبو جابر ويأتي الأصدقاء من كل أصقاع الدنيا إليها. يعوضون عن غربتهم وغربتنا بحضورهم. حتى الآن لا يبدو هذا اليوم قريبا. حتى التفكير بقربه يرعبني. أنانيتي ترعبني، أن أرى مدينة أخرى تصير ركاماً. على أية حال، ليس القرار بيدنا.

خصوماتنا ونزاعاتنا لا تزال على حالها. قد تكون تطورت قليلا مؤخرا. الثورة في أولها أخرجت أفضل ما لدينا، ومع الوقت بدأت تخرج الأسوأ أيضا وبتزامن عجيب. لا ملامة.

تتذكر حالتك قبل الرحيل.. هي حالتنا جميعا اليوم. غاضبون ومتعبون ونكابر. نشعر أن الخراب أصبح فوقنا بعدة طوابق، ولا نعلم تماما ماذا نفعل في مواجهته. هل نتعايش معه؟ هل نكتفي بالاختناق ببطء؟ هل نحدث ثقبا في السقف؟

لا تغضب ولا تمتعض.. تعلم أن عنادنا أقوى من ألمنا، أو ربما يتغذى عليه. وتعلم أنني لا أتمكن من مغالبة طبعي النكد.. فهنالك دائما ما يبعث على نسمة فرح. صديقك علاء لا يزال صامدا في داعل، لا يمل من رفع لافتة “سوف نبقى هنا” ونقلها من ركام منزل إلى آخر لالتقاط صورة. علاء مدهش، ويغيظني بأنه لا يتعب ولا يشعر باليأس للحظة، وكأن الحرية على بعد ثوان منه ومنا. يوبخني كلما زادت كآبتي ويشعرني أننا بدأنا بالأمس فقط. وأسامة من داريا لا يزال ينتقد العسكرة والأخطاء لكنه يجعل لكل شيء معنى ومنطق، ولا يزال النقاش معه من أجمل ما يمكن أن يحدث مع ثائر متعب. جلال وعادل يهدونك السلام ولا يزالون كما عهدتهم. وياسمين حققت حلمها بدخول سوريا أخيرا. أبو عاصي لا يزال يضع صورتك على بروفايله، وجميع الشباب والصبايا في مكتب الحراك لا يزالون هنا، مهما قسونا على أنفسنا وبعضنا، لا يعيننا على الاستمرار إلا وجودنا سويا.

والآن دورك يا صديقي، هل تحدثنا قليلا عنك وعمن قدموا إليك مؤخرا؟ هل الرؤية من حيث أنتم أكثر وضوحا مما هي هنا؟ فمن موقعي، الرؤية ضبابية، لا أرى إلا وجوهكم، وظلال حلمنا الذي منه انطلقنا..

() كاتبة وناشطة حقوقية سورية

 في معنى الهدم

زياد ماجد()

ثمة مقولة شائعة تُفيد أن “الهدم عمليّة سهلة أمّا البناء فأمر شائك”. والتدقيق في هذه المقولة حين تُعتمد شعاراً سياسياً يُظهر كم هي فارغة، وكم يُراد لها أن تسود، كي تصبح حكمة أو حُكماً يُعمّم على الأوضاع، بسذاجة أو بخبث.

فهدم القائم والمُهيمن هو في مختلف المعايير أمر شديد الخطورة والصعوبة. وهو فعل ثوري جذري لا يحدث إلا نادراً في التاريخ، ويكون أثره مزلزلاً، إذ يُزيل مؤسّسات وعادات وأصناماً ومفردات ووعياً وسلوكاً ومُسلّمات. والثورة السورية، التي تدخل عامها الثالث، هي بهذا المعنى عملية هدم شاقة لنصف قرن من الاستبداد والعنف والقمع والسجن واحتلال اللغة. وهي فعل تحطيم مادي ورمزي لنظام استعمر الدولة والمجتمع ووظّف الأولى بكامل عدّتها العنفية لتطويع الثاني وإخضاعه “الى الأبد”. لذلك، فهي أيضاً فعل استعادة للزمن هدفه نزع الأزليةِ عن نظامٍ والقدسيةِ عن رأسه وتماثيله. وهي ككل ثورة كبرى فعل تكسير لمنظومات القمع الاجتماعي المستمدّة بُناهُ من البنى السياسية، التي يشكّلها الاستبداد نفسه.

وهدم القائم والمُهيمن ثورة كبرى تثير في مراحلها الأولى الرعب بالسويّة عند الحاكم وكثرة من المحكومين. فالهدم يُنهي حُكم العادة ويُطيح بالأجوبة و”البديهيات”، ويُحلّ مكانها الأسئلة والاحتمالات والمخاطر. وهو يكشف عند كل انهيار لما يستهدف حجم التشوّهات في ما كان قائماً، ويكشف في المقابل صعوبة التعامل مع الفراغ وإعادة ملئه وتجريب سبل هذا الملء. ورعب اكتشاف التشوّهات والفراغ، هو ما يجعل التردّد سمةً تواكبه لتيقّنٍ بعمق التحوّلات التي سيثيرها اكتماله.

في المقابل، يواجه النظام الأسدي رعب الثورة – مدعوماً بحلفائه الخارجيين – بكل ما يملك من أسلحة وآلات قتل. فهدفه وحيد لا يسعه بتركيبته وبما صادره وابتناه من سلطةٍ وثروات المساومة عليه: الاستمرار في المُلك والحيلولة دون فقدانه. وهذا يقتضي إبادة المجتمع الثائر وعمرانه وتجريم التضامن مع الثورة وناسها.

لهذا، نحن اليوم أمام حدث سوري مزلزل مستمرّ منذ أكثر من سبعمئة وثلاثين يوماً. الهدم فيه حربٌ ضروس، ومحاولات إعدام “الهدّامين” فتك مُعمّم. الثورة نجحت حتى الآن في الشق الرمزي لعملية الهدم لكنها لم تستكمل بعد الشق المادي. أما النظام فنجح في جعل كلفة الهدم باهظة، لكنّه فشل رغم صواريخه وطيرانه وبراميله المتفجّرة وسكاكينه وزنازينه في وقف عمليّاتها أو في حماية نفسه من عناد الثائرين وتصميمهم على إزالته، وعلى تقديمه للزمن ليُحيله ماضياً دميماً تخلّص منه السوريون.

ونحن أيضاً أمام استحالتين: استحالة القضاء على الاندفاع الثوري واستحالة الحياد تجاهه. فالقضاء عليه يعني موتاً معمّماً على بلاد بأكملها، والحياد صمت يُؤْثِر القائم ومعلومه على التغيير، ويتمسّك بسَطوة هذا القائم رغم انهيارها. وإذا كان موت بلاد مُحالاً، فإن الصمت تواطؤ إنتحاري مع النظام وتعلّق بما سيُستكمل هدمه في المقبل من الأيام.

… الهدم كفعل ثوري يستمر في سوريا إذن. وسماكة جدران الخوف والتسلّط كما تأبيد الزمن الاستبدادي تهاوت خلال السنة الأولى، ليبدأ في الثانية هدم الجدران المادية المشيّدة حول السجون ومقرّات المخابرات وحواجز الدبابات ومطارات الإعدام الجوي.

كل الأمل أن نحتفل قبل انقضاء العام الثالث بانتهاء ورشة الهدم وآلامها، لنكتشف في العام الذي يليه بناءً وقلقاً ومفردات جديدة لن يكون يسيراً التعامل معها، ولَو أنها لن تتحوّل الى استحالة جديدة.

()باحث وكاتب لبناني

 هي الذكرى الثانية للثورة رغماً عن إرادة الأعداء و”الأصدقاء”!

عمر قدور()

لن يكون سهلاً على أفئدة السوريين أن تمر الذكرى الثانية للثورة من دون قطف ثمارها كاملة، مع ذلك يمكن الجزم بأن الثورة على مشارف عامها الثالث أصبحت أكثر تجذراً في الأرض، لا في النفوس فقط، وبأن النظام الذي يستميت للتشبث بالسيطرة على بعض المدن والمناطق يفقدها واحدة تلو الأخرى، ولم يعد يتوقع حقاً من أين تأتيه الضربة التالية. في العام الأول للثورة أدى رأس النظام صلاة العيد في مدينة الرقة، في إشارة مخادعة إلى موالاة أهلها، وفي نهاية العام الثاني باتت محافظة الرقة أول محافظة سورية تحررت بالكامل، أما رأس النظام فلم يستطع قبل أشهر أداء صلاة العيد إلا في مكان منعزل أُعلن عنه لاحقاً خشية أن يداهمه الثوار.

في السنة الثانية قدّم النظام الكثير من الوعود لحلفائه في الخارج ومناصريه في الداخل بأنه سيحسم المعركة على العديد من الجبهات، غير أنه لم يتمكن من الوفاء بأيّ من وعوده، وكان الحسم الموعود يتحول دائماً إلى انتكاسة جديدة، فلم يبقَ من هم للنظام سوى إيقاع أكبر أذى بالمدنيين. صار واضحاً أن إستراتيجية النظام تقتصر على الانتقام من السوريين الأحرار فحسب، فهو لم يعد قادراً على سلبهم حريتهم التي اكتسبوها بقواهم الذاتية وبدمائهم، وصار واضحاً أيضاً أنه يسترخص دماء مؤيديه، إذ طالما تخلى عن دعم قواته المحاصرة، وطالما زجّ بهم في اشتباكات يعلم قادته العسكريون أنها خاسرة سلفاً.

لقد أرادها النظام سنة الحرب، لذا تُقاس أولاً بالوضع الميداني الذي يتجسد من قبل الثوار إما بالصمود في جيوب صغيرة، أو بالسيطرة على مدن ومساحات شاسعة كمدينة حلب وريفها، حتى أحياء حمص المحاصرة منذ أكثر من سنة لم تتمكن قوات النظام من اقتحامها والسيطرة عليها، فعمدت أخيراً إلى الانتقام بقصف رمزها التاريخي “جامع خالد بن الوليد”. نظرياً، يملك النظام ترسانة ضخمة من الأسلحة، ويقوم حلفاؤه بتوريد السلاح يومياً، فضلاً عن إمداده بالمقاتلين كما بات مفضوحاً في الأشهر الأخيرة، لكن ما لا يُحسب نظرياً هو قدرة شعب يقاتل على أرضه، وهذا ما يفشل المحتلون في إدراكه عادة.

لو اقتصرت الحرب على النظام لكان الثوار قد حسموها قبل أشهر، هم كانوا قريبين من اقتحام العاصمة دمشق لولا الحصار الخانق الذي فرضته الإدارة الأمريكية على توريد السلاح لهم. في الوقت نفسه كانت توريدات الأسلحة والمقاتلين تسارع إلى نجدته بتواطؤ دولي مكشوف، ولم يعد سراً أنه يحظى بحماية دولية قلّ نظيرها، ولم يعد يخفى على أحد أن “نظام الممانعة” يلقى رعاية إسرائيلية تؤخر سقوطه، وأن الحديث عن الأسلحة الكيماوية وكونها خطاً أحمر لا يعني سوى توجيه رسالة للنظام نفسه بوجوب الحرص على هذه الأسلحة وعدم وقوعها في أيدي الثوار. على الرغم مما سبق تُثبت الأحداث يومياً قدرة السوريين على مواجهة أقذر تحالف يواجههم، فعندما حُرموا من مضادات الطيران خاضوا معركة تحرير المطارات، واستولوا على المضادات من قوات النظام نفسه، وقد لا يكون بعيداً اليوم الذي يحيّدون فيه صواريخ سكود، وحينها ربما سيترتب على حماته التدخل مباشرة لإنقاذه.

على مشارف السنة الثالثة يدرك السوريون أن حربهم قد تطول لأنهم سيواجهون حلفاء النظام من الشرق والغرب، فالتحذيرات والتهديدات التي كيلت لهم من قبل قد توضع موضع التنفيذ قريباً، وفي الواقع لقي بعضها طريقه إلى الميدان متمثلاً بتوابيت المقاتلين العائدة إلى البقاع اللبناني، ولم يعد نوري المالكي يخفي نيته في جرّ جزء من العراقيين إلى الحرب في سوريا. لقد أعلن قيادي إيراني أن سوريا هي المحافظة الإيرانية الخامسة والثلاثون، ولم يحتج النظام أو ينكر ذلك، أي أنه يقرّ بخوضه الحرب على السوريين بالوكالة، ويستعد ليصبح مجرد شريك في الحرب، وربما الشريك الأضعف والأقل قدرة على المشاركة في القرار.

قد تتحول الحرب في السنة الثالثة إلى حرب تحرير مكشوفة بفعل القوى التي ستهب لنجدة النظام، وقد يكون قدر السوريين أن يقاتلوا لا لتحرير بلدهم فقط وإنما بالنيابة أيضاً عن جيرانهم، هي حرب استرداد القرار الوطني الذي يرتهن كلياً أو جزئياً، هنا وهناك، للطموح النووي الإيراني. مع ذلك من الخطأ وصفها بحرب طائفية شاملة، لأن ردّ الاعتداء والاحتلال من الحقوق الذي لا ينتقص منها التمايز الديني أو المذهبي، إلا إن كان أحد طرفيها يتوسل الطائفية للهيمنة السياسية. لا يمكن بأي حق وصف الطرف المعتدى عليه بالطائفية، فقط لسعيه للتخلص من الاحتلال؛ هذه حيلة قديمة لطالما استخدمها المحتلون للتفريق بين أبناء الشعوب، ولطالما انكشف زيفها بزوال الاحتلال.

بالطبع ليست بشرى هذه الإشارات المتكررة إلى الحرب، غير أنه سيكون من مخادعة النفس التعويل على الحلول السياسية المطروحة الآن، فحلفاء النظام تمسكوا بنهجهم الثابت، وهو الدفاع المستميت عنه، ونجحوا بتواطؤ من بعض “أصدقاء الشعب السوري” في تصوير أن التسوية الوحيدة الممكنة هي الإبقاء على النظام مع الإيهام بتجميله. لقد أسقط المجتمع الدولي من اعتباراته آلاف القتلى من الأبرياء وملايين النازحين والمشردين من ملايين البيوت التي قصفها النظام؛ ذلك لا يعني التغاضي فقط عن الجرائم التي ارتكبها الأخير وعدم دفعه ثمناً، بل يعني مكافأته على جرائمه واستمرار التفويض الممنوح له بالتنكيل بالسوريين. في الواقع لا توجد جهة في المعارضة السورية تتجرأ على التضحية بهذا الثمن الباهظ والقبول بالتسوية المطروحة مع النظام، وحتى إن وجدت جهة ما تقبل بالتسوية فهي لا تستطيع فرضها على الأرض، ليس هناك على الإطلاق من يستطيع ردع السوريين عن الاستمرار في ثورتهم حتى تحقيق هدفها الأول بإسقاط النظام، وأي حل سياسي لا يضمن تماماً هذا الهدف لن يكون مقبولاً.

مع الأسف لا تُستخدم السياسة في الملف السوري من أجل إيجاد الحلول الحقيقية، ووضعها في التنفيذ، وإنما تستخدم من أجل التسويف واللاحل. لقد كان ثمن المداولات السياسية طوال سنتين المزيد من إراقة الدماء، وكانت الغاية الفعلية إعطاء المهل للنظام كي يجهض الثورة، أقله ليس حباً بالنظام ولكن رغبة في الانتهاء من ملف الربيع العربي وإقفاله نهائياً. ربما لا يزال العالم مخدوعاً بقدرة النظام على تأدية هذه المهمة، ذلك يتضمن أيضاً عدم دراية العالم بواقع السوريين، وعدم إدراكه لمغزى الشعار البسيط الذي يرفعونه في مظاهراتهم: “الموت ولا المذلة”.

على العكس مما يردده الساسة الدوليون، ومما يتمناه السوريون أيضاً، من المستبعد أن يُحل الصراع في سوريا سياسياً، لأن النظام وحلفاءه غير مستعدين للقبول بأدنى شروط الحل، وهو رحيل رموز النظام بلا محاكمة. هذا هو التنازل المؤلم الوحيد الذي قد يقبل به السوريون، وأي تسوية أخرى تفكر في فرضها الدول الكبرى ستكون بمثابة إشهار للحرب الواقعة فعلاً على إرادتهم. لذا لن تكون السنة الثالثة للثورة سنة فرض الإرادة الدولية بقدر ما هي مرشحة لتكون السنة التي يفرض فيها الثوار إرادتهم على الأرض، ومن ثم على القوى الدولية المترددة.

نعم، هي الذكرى الثانية لثورة تزداد زخماً رغماً عن إرادة أعدائها، وقبل ذلك رغماً عن الإرادة الحقيقية لبعض الذين يدّعون صداقتها!

() كاتب سوري

 المعضلة اللبنانية مع الثورة السورية

دلال البزري

بدل أن يُصاب لبنان بعدوى الثورات العربية الديموقراطية، أخذت هذه الثورات تُصاب بالعدوى اللبنانية. الثورة السورية تحديداً، بعد عامين على لاءاتها الثلاث المدوّية، ضد العسْكرة والطائفية والتدخّل الخارجي، ها هي تنزلق فيها، ناسخةً ملامح “النموذج” اللبناني الفذّ؛ وليتَ الأمر اقتصر على هذا؛ بل إن هزيمة اللاءات، وتسيُّد نقائضها، أعيد تصديرها الى لبنان، لتزيد جرعة تطييفه وتمذْهبه، وعسكرته، وطبعاً، التدخل الخارجي، الشرقي والغربي، بشؤونه. مع تفرعات جديدة، طبيعية، هي ابنة عصرها؛ نقصد الأسْلمة السنية، أو التسلّف السني، نظير الأصولية الشيعية، المصدَّرة، بدورها من إيران، موطن الولي الفقيه.

حاول اللبنانيون منذ عامين السير بخطوط متوازية مع الثورات العربية. ارتجلوا تظاهرات “إسقاط النظام الطائفي”. سرعان ما تلاشت هذه الوثبة، حتى بهتت كلياً. ربما أسبوع أو أكثر بقليل فصل بين نضوب هذه التظاهرات وبين اشتعال درعا، وقبيلها تظاهرة سوق الحريقة في قلب دمشق، المتفق على أنهما سجّلا تاريخ اندلاع الثورة السورية. فسادَ صمت الترقب والشغف؛ وأمل لدى نصف اللبنانيين، المعادين لبشار الأسد، بانهيار نظامه. ثم شلل وانتظار وشعار رسمي بـ”النأي عن النفس” سوف يتحول مع الوقت الى نكتة بائخة. ذلك أن سوريا ليست، بالنسبة للبنان، مصر أو تونس. إنها عنوان انقسام عميق بين اللبنانيين، إنها مفتاح تكوّن سلطة “دولتهم”، إنها الجارة اللدودة، والشعب المحيِّر، إنها صاحبة المسار المتلازم مع مسارنا. قواتها العسكرية انسحبت من لبنان، ولكن شبكة هائلة من العلاقات والمصالح والتواطؤات، كلها معقّدة ومركّبة، ربطت مصيرها بمصيرنا، وبنوع من التأثير الذي لا تجده بين دولتين، أو شعبين جارَين.

اللبنانيون منقسمون منذ بداية الثورة بين موالين للنظام ومتعاطفين مع الثورة. لكن هذا الانقسام ليس قائماًً على تطلعات ديموقراطية ضد تشبّثات استبدادية. فالذين نزلوا الى الشارع تضامناً مع هذه الثورة مدفوعين بتطلعات المواطنة ودولة القانون، كانوا قلائل ومشرذمين؛ غالبيتهم مثقفون وإعلاميون. أما الذين وقفوا بأعداد غفيرة وبتظاهرات وفعاليات منتظمة وبنبرة عالية لا حدّها حدّ، فهم المجموعات الإسلامية السنية. والمؤشرات الكثيرة تدلّ على طبيعة تفاعلهم مع الثورة السورية: تبدأ بالشعار “الشعب يريد القيام بالجهاد” المرفوعة في تظاهراتهم، ولا تنتهي بالأخبار المتفرقة عن تعاون وإمداد أو ما شابهما… وبديهي أن هذه المجموعات تؤجج النعرة المذهبية، المستنفرة أصلاً. مبرر ظهورها وصعودها هو الدفاع عن “كرامة أهل السنة”. هي ضد بشار ليس من أجل الديموقراطية… إنما من أجل رفع “أهل السنة” الى المرتبة القيادية التي كانوا عليها قبل أن يستولي “حزب الله”، المذهبي الشيعي، على قرار لبنان. من المضحك، هنا، أن “حزب الله”، وبمساعدة التهريجات الخطيرة لأحمد الأسير، أبرز وجوه هذه المجموعات، أتاحت له تقديم نفسه كقطب “كبير العقل”، “نابذ للفتنة”… بل ذهب أحد نوابه الى حدّ القول في مهرجان شعبي إنه مع “دولة المؤسسات والقانون”! هو الحزب الذي بنى دولة داخل الدويلة اللبنانية، دولة مسلحة، مذهبية، مرتبطة أشدّ ارتباط بالخارج، مستقوية به، ومنفذة لأجنداته، بصراحة ووضوح. وقد وجد لتدخله العسكري المنهجي مع قوات بشار الأسد سردية يذيعها: من أن ميليشياته في سوريا، في القصير مثلاً، “إنما تدافع عن أهالي بعض قراها، وهم لبنانيون، لصدّ هجمات الإرهابيين عليهم”. فتسلحهم وتشرف على عملياتهم وترسل لهم التعزيزات إلخ… الأمر المؤكد أن هؤلاء المواطنين المهدَّدين، ليسوا من أبناء الطائفة الاسماعيلية أو الأرثوذكسية أو السنّية…

إذاً، الديناميكيتان الأبرز في لبنان الآن، الأقدر على لعب أدوار مؤثرة على مستقبله، تتجسدان في قوتين غير متساويتين حيناً ومتعادلتين أحياناً: منابتها أصولية، يقودها “رجال دين”، تلحمها عصبية مذهبية، تدعمها جهات خارجية. الأولى، الشيعية، هي الأسبق، الأكثر انضباطاً وتنظيماً، الأكثر مركزية في القرار. الثانية، السنية، الناشئة، على الأقل في المشهد، العشوائية، المتعددة القيادة، التي تبدو كمن يلحق بالركب… الأولى كدّست السلاح بعدما جرّبته، فاعتبرت نفسها منتصرة، والثانية تظهر سلاحها في المهرجانات ولا أرقام دقيقة حول حجم ما تمتلكه منه. عصبية الأولى، الشيعية، أقوى من الثانية، السنّية. هذه الأخيرة موزّعة بين عدد من “الأمراء” وعدد آخر من القيادات السياسية؛ فيما الأولى أشدّ بأساً، ولحمة (منطق العصبيات الأقلوية والأكثروية).

لكن بالمحصلة، الاثنان مندمجان بالثورة السورية سياسياً وعسكرياً، خصوصاً عسكرياً. ولولا القرار الدولي، ومصدره الامبرياليات الغربية، بتجميد “الساحة” اللبنانية وبالنوم على حكومة “النأي بالنفس”…. لكانت الحدود اللبنانية السورية مفتوحة على مصراعيها للمقاتلين من الجهتين. “هي الآن مفتوحة” قد يقول البعض. هي كذلك، نعم، ولكن ليس كما لو صارت لها قوانين وآليات وروايات، لو تقنّنت، كما تقنّن عيشنا تحت تهديد السلاح “الحزب اللهي”، والقائم على مبدأ “توازن الرعب” غير المتكافئ. الآن الثورة السورية غيرت هذا التوازن، استقوت بها العصبية السنية لتصرفها بـ”أئمتها” السلفيين.

لم يَعُد لبنان “ينتظر” كما فعل بعد انطفاء تظاهرات “إسقاط النظام الطائفي”. باتَ جزءاً من الثورة، على طريقته. وإذا تقرر يوماً في الأروقة الدولية بإفلات حبل توتره المذهبي، المكتفي، حتى الآن، ببعض الحوادث الأمنية، فان إعادة تصديره اللاءات الثلاث، عسكرة وتطييفاً وتدخلاً، سوف يهدّد وجوده: فتح الحدود، أو بالأحرى تقنين وتنظيم خرقها ذهاباً وإياباً، سوف ينهي شيئاً اسمه الكيان اللبناني، كان إشكالياً قبل الثورة السورية… فما بالك، مع عسكرتها وتطييفها…؟

أفضل ما يمكن توقّعه من مآل للثورة السورية في لبنان هو اهتراء الدولة اللبنانية، نحو قاع أعمق، ترافقه جولات أمنية محدودة، نسبياً. أما الأسوأ، فانهيار لبنان واختلاط حدوده بالحدود السورية، وغلبة كل أنواع السلاح، القديم والجديد، المنظم والفوضوي، وتجذّر الأسس المذهبية للصراع، بل إضفاء الشرعية التامة على هذه الأسس… تلك “الفتنة” التي لا يكفّ أصحابها عن التحذير منها.

بكثير من الورع قال بعض “الحكماء” بأن تجنيب لبنان هذا المصير يمر بالتوقف عن المشاركة العسكرية بالقتال الدائر في سوريا؛ ومهما كانت طبيعة المشاركة، مع بشار أو مع الثورة. ويقترح هؤلاء “الحكماء” قصْر المواقف المتعارضة هذه على الجوانب الإغاثية والإعلامية. هل هذا ممكن؟ أم مجرد تعبير عن أمنيات؟

“الممكن” يعطي أملاً، يوسع الأفق. ربما من واجبنا التمسّك به. رغم القوة الجبارة التي تقف بوجهه. الممكن هذا، على تواضعه وقلّة عظمته، يتوسل نوعاً جديداً من المقاومة؛ مقاومة اليأس من المستقبل. مع الوعي المسبق بهزاله. فالسلاح وحده يتكلم في المعارك، ومعه العصبيات، العابرة للدول، الأقوى منها. ولبنان يمتلك كل شروط انفجاره. وإذا أفلت من المصير الكالح، عليه، مثله مثل أشقائه العرب، أن يعيد من الصفر بناء دولته. ولكنه لكي يفلت من هذا المصير، عليه أن يجمّد معضلته مع الثورة السورية، ويتوقف عن إعادة تصدير الثلاثي، عسكرة وتطييف و… الذي هو أساس “نموذجه”.

مثل سحابة صيف، كل هذه الأمنيات “الممكنة”؟

 دعوا المشرق يتفكك..

دعوه يرتاح من عذابه المديد

غازي دحمان()

ليست تسرعاً ولا إستسهالاً، الدعوة لتفكيك هذا المشرق البغيض، والحاقد على أبنائه، وغير الضنين بدمائهم وعذاباتهم، أو فليصر إلى الإعلان عن تشكيل جبهة من مكونات هذا المشرق، تكون مستعدة للدفاع عن ديمومة العيش المشترك في دوله الوطنية، وتكون قادرة أيضاً على تحمل إستحقاقات مثل هكذا مهمة. بمعنى، أن يتحضر الشرق لثورة شاملة على نمط العلاقة الذي ساد بين مكوناته في عقود النفاق الطويلة.

حسن نصرالله، وبشار الأسد، وميشيل عون، وجبهة النصرة، تنظيم القاعدة، كتائب الصحابة، والشيخ العرعور، ومقتدى الصدر، وحتى إيلي فرزلي.. ليس هؤلاء مجرد أشخاص يمثلون ذواتهم الكريمة، ولا يتزعمون تكوينات سياسية مقطوعة الصلة بالواقع، هم حيثيات لها إمتداد وعمق جماهيري، ولأفعالهم قبول ودعم، وخزانات بشرية ترفد التشكيلات العسكرية الموازية لتلك التعبيرات السياسية الإجتماعية، وتملك أيضاً نخباً ثقافية وإقتصادية وإجتماعية ترتبط بها، ما يجعلها مكونات مكتملة وقادرة.

يسيطر هؤلاء على قطاعات واسعة في الحيز الإجتماعي المشرقي، وباتوا يشكلون نموذجاً جذاباً داخل أطرهم ونطاقاتهم الإجتماعية، نماذج تضمن إستمرار دينامية إستدعاء دائمة لنماذج مماثلة داخل كل الأطر، في مقابل تراجع حاد للتعبيرات السياسية العابرة للطوائف، وإضمحلال حضورها في ساحات العمل المشرقي، إن على المستوى الحركي والسياسي، أو من حيث تأثير نخبها الفكرية والثقافية، التي تكاد تتحول إلى مجرد تحفة قديمة بدأ الغبار يعلو صورتها ورسمها. بل بدت هذه التعبيرات تتوسل الظهور بمظهر خجول وتسووي بحثاً عن القبول. كما أن أغلبها، وبفعل تركيبته الطائفية، وإفتقاره للامبدئية، كالأحزاب اليسارية، شرعت بعملية إعادة تموضع على أساس الإنقلاب من فوق، في فكر قياداتها، تمهيداً لإعادة صوغ الهيكل الفكري لها في عملية “غلاسنوست” جديدة وغريبة!

أظهرت الإستجابات والمواقف من الثورة السورية بما لا يدع مجالاً للشك، أن الإجتماع البشري في هذه المنطقة، طوال مرحلة تشكل الكيانات السياسية الحاضنة له ما بعد الإستقلال، ظلّ عند حدوده الدنيا التي لم تتجاوز حد التساكن القهري بين المكونات، مع إستمرار دينامية الصراع والعمل على تزخيمها الدائم في العقول والممارسة، إنتظاراً لتظهيرها في ميادين الصراع حين تلوح الظروف المناسبة، ما يحول هذه الظروف إلى إستحقاقات مستقبلية دائمة يتوجب العمل الدائم على تهيئتها. والأهم، أنه يحولها إلى وظيفة مقدسة وأساسية، ويجعل ما دونها من وظائف، وبخاصة ما تعلق منها بالعمل الوطني الكلي، مجرد وظائف ثانوية لا قيمة لها، أو مجرد تورية على الفعل الأساسي، المتمثل بإفشال المشروعات الوطنية الجامعة للمكونات المختلفة.

هذا يعني أن الأسس التي قامت عليها هذه الكيانات، بما فيها العقود الإجتماعية والدساتير والهياكل القانونية والأطر الناظمة لها والمؤسسات التي رعتها، تأسست على إنحراف مديد ومقصود لينتج عنه هذا التشوه التاريخي والعطالة المستديمة، وذلك في ظل وعي تام من قبل كل القوى والمكونات، وبتخاذل مكشوف من قبل الأطراف التي تدعي نفسها حارسة للقيم والمؤسسات.

المشكلة في صراعات المكونات هذا، إنتقاله من الحالة السلبية والكامنة، القائمة على الحذر والتردد والإنغلاق، أي حالة الدفاع السلبية، إلى مجال التطبيق العملي لصراع ظلّ يتطور في التصورات والذهنيات زمناً مديداً، ولينفجر على نمط صراع مدمر ومهلك، ليس للعيش المشترك وحسب، الذي لم يطور نفسه أصلاً وبقي عند حدود الضرورة، وإنما للوعاء الوطني الجامع، الإطار الحامي والضامن للسلم الأهلي، حيث يتمظهر هذا الصراع بأشكاله، درجاته، الأولى، على شكل تدمير للكيان الجامع، والمغامرة به تمهيداً لتدمير البيئة الضامنة للسلم الأهلي.

باتت الوحدة مكلّفة في هذا المشرق، ومن المعيب الإستمرار بهذه اللعبة الغبية، ولم يعد هناك شيء مخفي، كل دعاة الطائفية والتفكك عبروا عن أنفسهم بوضوح وشفافية، على شكل حروب ومشاريع قرارات، ووراءهم كتل شعبية عريضة تشد أزرهم وتؤيد مساراتهم. هذا النمط من التطاحن قاتل ومضيع للثروات.. في هذا المشرق لن تقوى الفكرة على البندقية وعلى الغريزة التي تحركها. تلك أمنيات ماتت وإستمرار إستجرارها سيزيد من موت المشرق.

دعوا المشرق يتفكك، ليست دعوة لينتصر الطغاة وينجون بارتكاباتهم، لكن لأننا علقنا بمأزق الإنغلاق على ضيقنا، ولقناعتنا بأن جيلاً سيظهر سريعاً، داخل كل مكون، يعيد صياغة التلاقي الوطني بطرق أكثر قابلية للعيش. ان هذا الجيل وحده القادر على التخلص من أيقونات التطرف، التي صنعها المشرقيون وعلقوها على صدر وجدانهم. فككوا المشرق لتنجو دمشق، وربما بيروت وبغداد من دمار بدأت تلوح نذره في الأفق القريب، وكي لا يذكر التاريخ أننا كنا منفصلين عن الواقع ولم نقرأ الأمور في سياقها الصحيح.

() كاتب فلسطيني

 العام الثالث.. الثورة المركّبة

ماهر الجنيدي()

لا يمكن القول إن الثورات العربية التي وعدت بها نسائم الربيع العربي ثورات بسيطة. بل هي ثورات مركبة، متعددة المهام. غير أنّ سيرورتها المتدرّجة في بلدان الربيع العربي عموماً، ما كانت لتعاني من درجة التشابك والتعقيد ذاتها التي وسمت ملحمة الثورة السورية.

في سوريا، لم يركّز الوعي الجمعي السوري على تعقيدات المهام الماثلة في الأفق، فهذا شأن جميع الثورات من تونس إلى اليمن التي خرجت لإسقاط النظام فأسقطته. لكن هذا الوعي الجمعي استطاع أن يدرك بوضوح منذ اليوم الأول للثورة أنّ التراجع محال. ولعلّ رسالة رياض الترك، قبيل بدء الثورة، في وداع ما سماه “مملكة الصمت”، كانت خير معبّر عن الإدراك الجمعي بأن هذه الثورة درب ذو اتجاه واحد، لا مجال فيه للعودة.

ترى هل هذا مأخذ على الثورة، أو نقطة ضعف عند الثوار؟

الحال هو أن هذا الإدراك لم يأت من فراغ. فهو مبنيّ على تجربة مريرة مرّ بها السوريون خلال أربعين عاماً، وخصوصاً بعد مجازر حماه ولبنان، انقسمت خلالها رعيّة مملكة الصمت تلك إلى أربعة أصناف أساسية فاعلة: صنف جريح مكلوم صامت، أثخنت فيه جرائم النظام تقتيلاً وتنكيلاً وسجناً وسلباًَ وتعدياً؛ وصنف مقهور متألّم مغلوب على أمره، لم تمسّه مباشرة تلك الجرائم، لكن ما كان ليتوانى عن اتخاذ موقف أخلاقي نزيه في مواقعه؛ وصنف منافق لم يجد حرجاً في الجعجعة الصوتية “بضرورة الإصلاح”، المترافقة مع استفادة صريحة من فتات موائد فساد النظام؛ وصنف أخير، اصطفّ مع النظام سواء مشاركاً في جرائمه أو مصدّقاً بروباغانداه، أو مرعوباً من عدوّ داخلي موهوم، تفننت الخيالات في رسم ملامحه. بيد أنها، بأي حال، أصناف غير مقولبة، إذ يتباين أفراد كل صنف فيما بينهما أخلاقياً وطبقياً ومذهبياً وانتماءً.

لقد كانت مهمات الثورة في أيامها الأولى بسيطة وواضحة للجميع: الكرامة، بما تعنيه من إسقاط الاستبداد، والمواطنة المتساوية، وإيقاف الاعتداء على حقوق الناس وحريتهم وأموالهم، واجتثاث الفساد، والكفّ عن سرقة الدولة.

لكنّ جميع السوريين الفاعلين، من دون استثناء، أدركوا في وعيهم الجمعي، ومنذ اليوم الأول، أنهم بصدد ملحمة. فتوزعت آراؤهم أيضاً في أربعة أقسام، ليست بالضرورة امتداداً للأصناف الأربعة التي سبق ذكرها. قسم ثائر لم يتردد، منذ اقتلاع أظافر أطفال درعا، في المضيّ قدماً في مسيرة الثورة حتى اقتلاع الاستبداد؛ وقسم محجم أذهلته روعة هذه الثورة وبسالتها، لكن إدراكه لمدى إجرام نظام اغتصب السلطة على مدى نصف قرن، وما قد يلجأ إليه من ترويع، جعله يحذّر من مآلات دموية تنتظر سوريا، فلم يشارك فوراً في الثورة، بل حثّ على ضرورة العثور على حلول يمنّي النفس بها، رغم إقراره بأنها حلول مستحيلة، فلم يستطع حتى أن يتبيّن ملامحها في ظل التجارب المريرة السابقة؛ وقسم انتهازيّ لم ينظر سوى في مصالحه العاجلة، فوقف ضدّ الثورة لهذا السبب، ضارباً عرض الحائط بكل المسائل الأخلاقية التي طرحتها الأحداث المتلاحقة (كان بعضهم يقول إنه ضد النظام أيضاً)؛ وقسم رابع اصطفّ مع النظام، وهو يتكوّن غالباً من معظم أفراد الصنف الرابع من رعيّة مملكة الصمت، بالإضافة إلى بعض المتحوّلين بحكم الزمن من الأصناف الثلاثة الأخرى (منهم سجناء سياسيون سابقون).

كما أن معطيات الوضع الجيوسياسي السوري، كانت أعقد من مسألة شعب ضاق ذرعاً بالاستبداد، فمضى يطالب بحريته المسلوبة. فهناك طغمة حاكمة لا ترى في مستقبل البلد سوى احتمالي المزرعة أو المحرقة، وهناك إيران، وروسيا، وتركيا، وهناك أولاً وقبل كل هذا إسرائيل، بطبعتيها العبرية والعربيّة.

تضافرت هذه العوامل المعيقة، الداخلية منها والخارجية، فساهمت في إطالة عمر النظام، الذي لجأ إلى تعديلات دستورية لا معنى لها، وتغييرات وزارية فارغة من أي محتوى، ودعوات إلى حوارات لمعارضة لا يرى أساساً أنها موجودة، مشفوعة بسياسة كذب إعلامي ممنهج، نجحت في زيادة غموض الرؤية داخلياً وخارجياً. بيد أن استطالة عمر النظام حوّلت الوضع إلى أشبه بدمّلة متقرّحة تتيح للجراثيم بأن ترتع في البلاد. فكان قدر هذه الثورة أن تجابه، قبل إنجاز انتصارها، عقبات كأْداء أخرى، لتصبح ثورة مركّبة ومتشابكة.

لعلّ ما تحتاج اليه سوريّا اليوم هو النموذج البديل المأمول لسوريا الجديدة، على أي بقعة تراب وطني محررة.

هل هو قدر الثورة السورية أن تحلّ مسألة الدولة العلمانية، ومسائل التعدد القومي والثقافي والديني، ومسألة الدستور، ومفاهيم الهوية والمواطنة، والعلاقات مع دول الجوار؟ هل هو قدرها أن تعالج قضايا الإغاثة الإنسانية ومسائل النازحين في وطنهم، ومشاكل اللاجئين في الدول المجاورة ودول الشتات؟ بل وأن تعالج الأمراض النفسية لهذا وذاك داخل المعارضة وخارجها؟ وأن تفكّر في مهمات اليوم التالي، وضبط السلم الأهلي، ووحدة التراب الوطني، ولجم حالات الانتقام المحتملة؟ هل هو قدرها أن تتصدى لهذا كله، تحت وقع “هولوكوست” جديد، وظروف جحيمية، من قصف، وإبادة جماعية، وانعدام شروط الحياة الأولية؟

يبدو بعد عامين، أن الجواب: نعم!

() كاتب سوري

نظرة تراجعية من وراء كتف الثورة السورية كي نظلّ نحلم رغم كل شيء

نجيب جورج عوض()

تحتفل الشعوب عادة بذكرى ثوراتها الوطنية، جاعلة من احتفالها مناسبة لتذكر تلك الثورة، والتأمل تراجعياً في مسيرتها ومنجزاتها، بغرض التعلم من الماضي واستشراف دروس للمستقبل. في سوريا، الشعب السوري يقترب لا من الاحتفال بذكرى الثورة التي قام بها، وكأنها انتهت وآلت إلى خواتيمها السارة، بل يقترب من التأمل في مآلات الثورة. إن كنا سنحتفل بشيء ما قريباً، فهو ليس “ذكرى” الثورة، بل ذكرى بدايتها وحقيقة ديمومتها واستمرارها حتى هذه اللحظة في قلوب وإيمان جيل سوريا الجديد، بعد كل الدمار والموت والقتل والترهيب والعنف والدم والتهجير والتفكيك المنظم لبنية سوريا البلد والأمة، الذي تعرض له هذا الشعب البطل والحر والتاريخي في ثورته وبطوليته.

سنتان مضتا والمقاومة السورية مازالت تنتزع الإعجاب والتقدير على بطولية الشعب السوري وعزيمته الجبارة، من جهة، وتنتزع الأسى والحزن والألم على الكم الهائل من التضحيات الفائقة التصور، التي يقدمها هذا الشعب، نتيجة تحول تلك الثورة إلى حرب مفتوحة ومجنونة ومدمرة، من جهة ثانية. كثير من التطورات والتعقيدات والانعطافات والخيبات والتشويهات والتغييرات عاشتها تلك الثورة خلال العامين المنصرمين. وكل تلك التضاعيف تجاوزت بإرهاصاتها وحيثياتها وتداعياتها وتأثيراتها كل التوقعات والتحليلات والتنبوءات والأمنيات، التي حملها عن تلك الثورة أبناء سوريا وبناتها أنفسهم قبل سواهم.

لا يسع المتلفت من وراء كتفه والناظر بتمعن إلى مآلات الثورة خلال العامين المنصرمين إلا أن يلاحظ النقاط الآتية:

1 – يخطئ من يعتقد أن النظام الحاكم في سوريا مازال قائماً ومستمراً بالحياة، لمجرد أن قوات السلطة العسكرية والتدميرية مازالت فعالة ومؤثرة ومدمرة حتى هذه اللحظة. على المراقب أن يفرق هنا بين استمرار “النظام الحاكم” وبين استمرار “رموز النظام” في الوجود في مواقعهم واستمرار قوتهم العسكرية والقتالية. حين نتحدث عن “أنظمة حكم” نعني منظومة حكم دولتية، تسيِّر شؤون البلد برمته وتفرض سلطتها التنفيذية والتشريعية والإدارية على كافة حدود الوطن المعترف بها دولياً، وتسيِّر شؤون المجتمع ومؤسساته في كافة مواقعه وأطرافه، وتدير الحياة العامة، وتحظى بإجماع الشعب واحترامه وتأييده. إذا ما نظرنا إلى مفهوم “النظام الحاكم” من هذه الزاوية، يمكننا أن نقول إنَّ النظام الحاكم قد سقط فعلاً في سوريا. وهو بدأ بالسقوط منذ لحظة درعا الأولى، التي فجرت الثورة، ومنذ أن انهار جدار الخوف والخنوع لسطوة القمع والطغيان في نفوس العامة. منذ تلك اللحظة وصاعداً، بدأ النظام الحاكم، كمنظومة حكم وإدارة ودولة، بالتهاوي إلى أن بلغ اليوم دركاً من التدهور والانهيار لم يسبق له مثيل. نعم، صرخ الشعب في سوريا الثورة “الشعب يريد إسقاط النظام”، ونجح الشعب فعلاً في إسقاط النظام الحاكم، فما عاد للنظام الحاكم أي سلطة حقيقية فعلية في كثير من المناطق السورية. وما عادت الدولة تفرض سلطتها الفعلية على كامل الأراضي السورية. وما عادت الدولة تسيِّر بشكل طبيعي شؤون المجتمع وتحظى بإجماعه واحترامه الكامل وتأييده الشعبي الكلي.

سقط النظام الحاكم فعلياً وعملياتياً بسبب الثورة ومآلاتها. أما ما بقي في سوريا اليوم فهو طغمة حاكمة، أفراد ورموز لتلك السلطة المنهارة، يتمتعون بالإمكانات العسكرية والتعبوية والدعم من أطراف إقليمية، تفرض على سوريا وعلى العالم، وربما عليهم هم أنفسهم، البقاء في مواقعهم ولا تجعلهم فقط يستمرون في حرب دموية طاحنة، بل ويصرون على التمسك بمواقعهم حتى اللحظة الأخيرة على مبدأ “إما قاتل أو مقتول”. ولكن، بقاء رموز الحكم بحد ذاتها لا يجب أن يجعلنا نعتقد أن المنظومة الحاكمة في سوريا مازالت موجودة على قيد الحياة. واحدة من أسوأ وأفدح أخطاء المعارضة السورية (ومن يصغ إليها في مراكز صنع القرار) هو إصرارها على التعامل مع النظام الحاكم وكأنه مازال قائماً وفاعلاً، لمجرد أن رأس النظام وقلة قليلة من حلقته الضيقة مازالوا ينازعون للرمق الأخير. ناهيك عما يمكن أن يعنيه هذا من تهميش وتعام عما أنجزته الثورة السورية المدنية منذ شهورها الأولى، فإنَّ اختزال النظام برموزه وبرأسه، والإصرار على اعتبار أن النظام سيظل موجوداً، لمجرد بقاء رأسه في موقعه، ما هو إلا خطأ تكتيكي واستراتيجي فادح، يقع فيه المعارضون. لأنهم بهذا، يلاقون النظام نفسه في منتصف الطريق، ويدعمون قناعة رأس النظام دون سواه، بأنَّ النظام الحاكم مازال موجوداً في سوريا، طالما أنه هو شخصياً مازال في موقعه.

كان من الأجدى للثورة السورية، ومن الأعدل، لما أنجزته من تغيير عظيم في الساحة العامة والسياسية والدولتية السورية أن تعمل المعارضة على التأكيد المستمر على أنَّ النظام الحاكم قد سقط فعلاً وانهار في سوريا، رغم بقاء رأسه في موقعه. والتوضيح للرأي العام السوري والعالمي بأن ما بقي من النظام هو دائرة الطغمة الأفسد والعنف والأكثر طغياناً في بقايا النظام الحاكم، والذين لا يجب أن نرهن مصير الحل في البلد، ومصير الثورة والشعب السوري برمته ببقائهم أو عدم بقائهم. وكلما أمعنت المعارضة في اختزالها المتعنت للنظام الحاكم بشخص رأسه ودائرة أعوانه الضيقة، كلما أمعنت الدول الداعمة لهذا الرأس ودائرته الضيقة بالإصرار عليه والتمسك به، واختزال مصير سوريا برمته به وببقائه: كل إصرار على إسقاط الرأس بحد ذاته، والتقليل من أهمية حقيقة سقوط المنظومة، في خيال وضمير وحياة الناس، قابله إصرار من أنصار رأس النظام المحليين، وداعميه الإقليميين، على اختزال الحل في سوريا بمسألة واحدة وحيدة (لا يجب أصلاً أن نختزل مصير سوريا برمتها إليه) ألا وهي مصير الرئيس ودائرته.

2 – هذا الاختزال عينه للثورة السورية إلى مجرد صراع بين معارضين يريدون الإطاحة برأس النظام وعصابته المجرمة الفاسدة، دون البناء على نجاح الثورة الشعبية بكسر طوق سلطة النظام وطغمته في الحياة السورية، من جهة، وبين عصابة حاكمة تدعي أنَّ لها عمقاً شعبياً وأنصاراً وأتباعاً في سوريا، وتعمل بكل قواها على إقناع العالم بأن من لا يقفون مع الثورة يقفون مع الرئيس وعصابته بالتحديد (وهم في الواقع لا يقفون لا مع الرئيس ولا مع عصابته ولكنهم يخافون من عسكرة الثورة وتحولها الجارف إلى جهاد)، من جهة ثانية، هو السياق العام، الذي يمكن للناظر إلى الثورة السورية في العامين المنصرمين أن يقرأ في إطاره تحول الثورة السورية من “ثورة شعبية عامة ومدنية” إلى “حرب شوارع وصراع حتى الموت”. الجميع يدرك اليوم أن الثورة السورية التي بدأت سلمية ومدنية وعامة وجامعة بامتياز (تلك الثورة بالذات هي من أسقطت دعائم النظام الحاكم دون سواها ومن دون أي سلاح)، ما عادت كذلك خلال العام والنصف المنصرمين. تحولت الثورة بشكل ممنهج ومبرمج من قبل كل من النظام والمعارضات الإسلاموية والراديكالية، عموماً، إلى تلك الحرب المدمرة والشعواء والدموية والوحشية، التي لم يشهد لها تاريخ العرب المعاصر مثيلاً لا في فلسطين ولا في لبنان ولا في الجزائر ولا في اليمن ولا في ليبيا ولا في أي بلد عربي آخر.

أما أسباب تحول الثورة إلى حرب مفتوحة متوحشة فهي عديدة، وقد تطرقت لها في مقالات عديدة سابقة. إلا أنني أود هنا أن أشير إلى عامل إضافي لتحول الثورة إلى حرب، ألا وهو عامل إصرار كل من النظام والمعارضة، كل بطريقته ولأسبابه الخاصة، على اختزال الثورة من حالة شعبية عامة مدنية ضد نظام حاكم برمته وضد حضوره وتأثيره على سوريا الدولة والشعب، إلى حالة حرب بين طغمة حاكمة (رئيس وعصابته) تحاول أن تقنع العالم أن الثورة لم تقم ضد النظام القمعي والفاسد والديكتاتوري في سوريا، بل قامت ضد شخص الرئيس بعينه وضد فئة محددة من الطغمة الحاكمة، لأسباب طائفية وشخصية انتقامية محضة، من جهة، وبين معارضات لا ترى من النظام الحاكم سوى رأسه وعصابته فقط ولا تفهم الثورة إلا كفرصة انتقام وثأر من هذا الرأس وعصابته، ضاربة بعرض الحائط حقيقة ما أنجزه الشعب المدني السلمي بثورته، من تحطيم لما هو أبعد وأعمق وأهم بكثير من مجرد رأس النظام: النظام الحاكم عينه، بحيث بات معه بقاء الرأس من عدمه أمر نافل، وآيل للتلاشي التدريجي، لمجرد أن هيبة وصورة النظام وتركيبته قد انهارت.

تحولت الثورة الى حرب بسبب هذا الاختزال للنظام برأسه. وهذا الاختزال للثورة إلى مجرد محاولة إطاحة برأس يمثل طائفة بعينها. بات الشغل الشاغل للمعارضة تحطيم طغمة النظام وآلتها العسكرية بكل الوسائل المتاحة، وعبر تصدير كتائب جهادية إلى داخل البلد. مثلما بات الشغل الشاغل لرأس النظام وعصابته تسويق الحالة السورية على أنها معركة انتقامية أصولية من إرهاببين ضده شخصياً، وضد خطه الانفتاحي والمعتدل والحامي للأقليات اللاسنيّة (وهو الادعاء المخادع والكذبة المكشوفة لأبناء تلك الأقليات قبل سواها). وكلما أصرت المعارضة والطغمة الحاكمة على هذا، كلما انحسرت أمواج الثوار السوريين المدنيين من الشوارع السورية وكلما تراجعت أفواجهم المتظاهرة في الساحات العامة. تنامى عبر الشهور الماضية شعور عميق عند المواطن السوري المدني السلمي أنه لا يريد أن يكون طرفاً في حرب انتقامية ومعركة “قاتل أو مقتول” بين طرفين، هو لا يعتبر نفسه لا تابعاً لأي منهما، ولا خادماً لأي من سيناريوهما في مآل الأحداث بسوريا.

خلت الشوارع السورية منذ شهور عدة (لم يعد هناك شوارع فعلياً في مدن عديدة سورية أصلاً بعد تدميرها الممنهج) من الثوار الحقيقيين الأحرار، الذين أسقطوا في بداية الثورة منظومة الحكم، وحرروا حياة الشارع السوري من أسلحة التخويف والترهيب والطغيان، التي استخدمها هذا النظام عبر عقود. ترك الثوار المدنيون السوريون ساحات سوريا وشوارعها لأفواج المقاتلين المسلحين، الذين مازالوا حتى هذه اللحظة يحاولون أن يسقطوا طغمة أفراد من بقايا منظومة الحكم (متجاهلين إنجاز تفتيت منظومة الحكم بحد ذاتها وغير مكترثين للبناء سياسياً واستراتيجياً عليه) من دون أن يفلحوا في ذلك. اليوم ومع مرور سنتين على اندلاع الثورة في سوريا، تم وبنجاح تفريغ الثورة السورية من أبنائها وخالقيها الحقيقيين. نجحت العصابة الباقية من النظام المنهار، من جهة، والمعارضات الحربوية الانتقامية وكتائبها المقاتلة الجهادية، من جهة أخرى، بتخويف أبناء وصنَّاع الثورة الحقيقيين من ثورتهم. وأفلحت في جعلهم هم وحدهم، دون سواهم، في المشهد السوري، يدفعون ثمن اختزال الثورة إلى حرب انتقامية عمياء متوحشة، من دمائهم وأرواحهم وأملاكهم ومدنهم وحياتهم ومستقبلهم ومصائر أسرهم وكل ما تقوم عليه حياتهم كبشر. مع هذا التحول، طال عمر الصراع في سوريا ووصل إلى طرق مسدودة نهلستية وشوبنهورية (من شوبنهاور) بامتياز: تمت إطالة عمر العصابة الباقية من النظام المنهار، وتمت إطالة عمر الحرب وتأجيجها، بجعلها دون سواها الواقع الوحيد الموجود، إن لم يكن الوحيد المسموح بوجوده، في الساحة السورية.

3 – الحقيقة الثالثة، التي أراها حين أنظر من وراء كتف المأساة السورية متأملاً في السنتين الماضيتين، هي تمادي التيارات الإسلاموية السورية في حماقتها، وعدم كفاءتها وفشلها السياسي والاستراتيجي. أثبتت الشهور الماضية أن الإسلامويين هم الأبرع بلا شك في المعارك والمواجهات المسلحة، وأنَّ المعارضات الإسلاموية هي الأكثر نجاحاً في إدارة حروب مسلحة، ومواجهات مباشرة مع القوة العسكرية للعصابة المتمسكة بالبقاء في السلطة. هذه القدرات العسكرية والجهادية في مواجهة عصابة متوحشة وقاتلة، لا تتورع عن فعل أي شيء وعن تدمير وقتل أيٍ كان مقابل النجاة بنفسها، أمر يحسب للمعارضات الإسلاموية ويسجل لها. ولكن، أثبتت الشهور الماضية أنَّ هذه البراعة في الجهاد والقتال عند المجاهدين الإسلامويين. يقابلها سذاجة وضيق نظر وتخلف سياسي ودولتي بامتياز، وتغول مخيف في الجشع للسلطة، رأيناه ومازلنا جلياً في أداء كل من المجلس الوطني السوري (الذي يهيمن عليه الإسلامويون) وفي أداء الأخوان المسلمين السوريين السياسي والمؤسساتي والتنظيمي والفكري الاستراتيجي، في كل جسد معارض اشتركوا فيه مع آخرين أو أسسوه بأنفسهم. فهذه التيارات المعارضة السورية لم تتورع عن التغول العلني والفج في محاولة ابتلاع الثورة السورية، بمعارضاتها وبخزانها المدني الشعبي، واختزالها بها وبصوتها. مدَّعية أنها الممثل الوحيد والأوحد لأي صوت فاعل على الأرض السورية. لا بل وصل الأمر بالتيارات الإسلاموية السورية الى درجة العمل، وعن قصد، إلى إفراغ الثورة من طبيعتها المدنية والسلمية، وعلى إنكار إنجاز إسقاط هيبة وتأثير وحضور المنظومة الحاكمة على الأرض السورية، على يد السوريين المدنيين (الذين لا ينتمون بغالبيتهم لأي إسلام سياسي)، بأن أصروا على إيهام الجميع بأنَّ النظام مازال قائماً على قدميه لمجرد أن الرأس (ابن عدوهم الأكبر) وعصابته مازالوا موجودين، وبأن واظبوا على إقناع العالم (والسوريين قبل كل شيء) بأن الحل الوحيد لخلاص سوريا هو القتال حتى الموت، وليس سوى القتال حتى الموت. آخذين الثورة السورية من مربع النضال السياسي والشعبي، الذي لا يملكون فيه أي خبرة أو مراس أو رصيد واقعي على الأرض، إلى مربع القتال العسكري الميداني، والذي يعلمون تماماً أنهم دون أي طرف آخر من الشارع السوري، أو المعارضات المختلفة فيه، يبرعون فيه ويتفوقون ويستطيعون أن يسيطروا على الساحة السورية، وأن يفرضوا رؤيتهم على أرضها بفضله.

مقابل البراعة الجهادية، أظهر الإسلاميون وعلى رأسهم الأخوان المسلمون جهلاً حقيقياً بأبجديات العمل السياسي التشاركي، والتخطيط الجماعي، المنفتح على كافة أطياف الشارع السوري وعكسوا أمام السوريين ملامح أداء سياسي ودولتي مراهق وأحادي وملتوٍ وضيق الأفق مثير جداً للقلق، ولا يشجع على التفاؤل في المستقبل. أمعنوا، وما زالوا، في محاولة إنكار القوى الأخرى أو تهميشها أو محاولة تجنيدها بغية توظيفها والركوب عليها. وبلغ بهم الأمر حداً أن بدأوا بعقد صفقات تسويقية براغماتية تنازلية مع القوى الإقليمية (على رأٍسها تركيا وقطر) وحتى الغربية (فرنسا وأميركا) تحت شعار أنهم هم، دون سواهم، مستقبل سوريا، الحامي لمصالح من يجب حماية مصالحه، وأنهم هم حلها الوحيد المدني والديموقراطي الموعود، الذي لن يشكل خطراً أو تهديداً لمن لا يجب تهديده أو تشكيل خطر عليه. وهم لم ولن يكترثوا، كما يبدو، إذا أدى أداؤهم هذا وإصرارهم على المضي في اختزال الثورة إلى حرب شعواء، إلى تنفير الشارع السوري المدني المواطني من الثورة، وإلى تفريغ الشارع السوري الثائر من خزانه الشعبي، وإلى جعل الشعب السوري دون سواه يدفع كل ما يملك، وكل ما هو عليه، ثمناً لحرب دموية مدمرة شعواء، ستعيد سوريا لغياهب الماضي عقوداً عديدة جداً.

بعد سنتين من عمر الثورة السورية العظيمة، لا يبدو المشهد السوري الحالي وجهاً حقيقياً للثورة السورية، التي ولدت من رحم درعا وتربّت في حضن حمص وحماة، وتعلمت السير على قدميها في أزقة وشوارع باقي المدن السورية الأبية البطلة، بما فيها مدن الساحل (التي تصر آلة الإعلام الجهادية وآلة الإعلام الأسدية على حد سواء على تشويه صورتها، وطمس معالم مواقفها الحقيقية، الداعمة والمشاركة في الثورة السورية). يبدو وكأن الثورة السورية باتت اليوم مع أبنائها وأبطالها الحقيقيين، الذين خلقوها وأنجزوا بها خلال الشهور الأولى، حبيسة المنازل والصمت والقلق، أوأسيرة الملاجئ ومخيمات النزوح المأساوية في تركيا ولبنان والأردن، أو حبيسة المعتقلات والسجون وأقبية القمع والانتقام، أو ضحية التهجير والتنكيل والتكفير والخطف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقسر وكم الأفواه وتقتير لقمة العيش ومصادر النجاة.

هناك، في قلوب وأرواح وأحلام وأفكار وأصوات هؤلاء السوريين المنكوبين والمتألمين والمشردين والبائسين والصامتين والمنزوين والعاجزين والخائفين، هناك.. تجد الثورة السورية اليوم؛ هناك تجد الثورة البطلة التي دكّت عرش المنظومة الحاكمة في سوريا منذ لحظة درعا. أما من بقي في شوارع وأبنية ومدن سورية، فهم أمراء الحرب ومجاهديها وكتائب المتقاتلين فيها، من العصابة المجرمة االمتمسكة بالسلطة ومن الكتائب المجاهدة الساعية للقضاء عليها. ويبدو أن سوريا ستكون بحاجة ماسة، بعد صمت طبول الحرب وإيقاف حمام الدم، هو ثورة سورية على الحرب، وعلى المتحاربين من أمراء الجهاد أو أمراء السلطة، من قيادات المعارضات أو قيادات النظام البائد. ستحتاج سوريا إلى ثورة على الحرب، وإلى ثورة لتخليص سوريا من آثار الحرب ونتائجها. أما الآن، فيبدو أن الثورة نائمة في قلوب السوريين الشرفاء الأبطال والأحرار، بانتظار موعد استيقاظها، لتقوم بدورها كحلمٍ نصلّيه كي نصير أفضل، وكي نصير حياة تهزم كل أنواع الموت.

() كاتب سوري

وأستاذ في جامعة “هارتفورد” الأميركية

 الثورة وبؤس العلمانيين!

هوشنك أوسي()

لا يزال الكثير من المعارضين السوريين، يحليون “هزال و”تخبّط” المعارضة السوريّة، الى أن ممارسات النظام الأسدي، هي التي لم تفسح المجال أمام انتعاش المعارضة طيلة فترة حكم البعث، كونه لاحقها وقمعها وسحقها، بشتّى الأساليب! وأيّ سؤال حول رداءة المعارضة السوريّة وسوء أدائها، على مدى السنتين الماضيتين من الثورة السوريّة، يلقى إجابة حجّة بهذه الركاكة! مضافاً إليها جملة من التبريرات الأخرى. ولكن، كيف يمكن توقّع إفساح المجال أمام نمو معارضة من قِبل سلطة استبداديّة شموليّة ديكتاتوريّة إرهابية فاسدة، من قماشة نظام الأسد الأب والابن؟! فوجود هكذا نظام، يستوجب معارضة رصينة ومتعاضدة، مهما كان تأثيرها الأفقي والعمودي، متواضعاً أو بسيطاً على المجتمع السوري، لا العكس. وإذا لم تستطع الثورة السوريّة وتضحياتها الجبّارة، خلق معارضة ترقى الى مستوى كل هذه الآلام والمعاناة، والى مستوى التحدّيات التي تقف أمام الثورة والمهام والمسؤوليّات المناطة بها، فبالتأكيد، النظام الأسدي، ليس هو المسؤول الأوّل أو الأبرز عن ذلك. زد على هذا، أن المعارضة السوريّة، لم تتخلّص بعد، من الموروث البعثي القوموي الذي يرقى الى مستوى العنصريّة والشوفينيّة في بعض الأحيان، بخاصّة، أثناء التعاطي المخاتل والمناور مع حقوق الأقليّات القوميّة والدينيّة والإثنيّة في سوريا، وإحالة وتأجيل الإقرار بالأسس التي تصون حقوق هذه المكوّنات إلى ما بعد إسقاط نظام الأسد. صحيح أن المرحلة، بحساسيّاتها وتفاعلاتها ومضاعفاتها…، لا تتيح البتّ في كل التفاصيل، إلاّ أن الصحيحٌ أيضاً، أن التعاطي مع ملف حقوق الأقليّات، بمنطق ومقياس التأجيل، (ومع انتفاء الضمانات الحقيقيّة والجديّة)، يبعث على عدم الثقة والاطمئنان السياسي والاجتماعي لمآلات سوريا بعد إسقاط نظام الأسد.

فأهزوجة؛ “لسنا مخوّلين لتحديد مستقبل النظام السياسي في سوريا”، و”لا يمكننا تطمين أحد”، و”لنترك ملفّ حقوق الأقليّات الى ما بعد إسقاط النظام. وإن من يثير هذا الملفّ الآن، هو ضدّ الثورة ومع النظام…”، هذه الأهزوجة، بلغت من السماجة والبلاهة، ما لم يعد يمكن تحمّلها، لكثرة ما تنطوي على نيات مبيّتة!

وإذا كان الاستشراء الإسلامي (السلفي الراديكالي والطائفي…) في المعارضة والثورة السوريّة، هو الوجه الآخر للنظام الأسدي الطائفي والقومجي الاستبدادي والدموي، فإن المعارضة السوريّة العلمانيّة، هي أيضاً، تتحمّل مسؤوليّة ذلك، كونها غدت مطيّة لا بل ألعوبة بيد التيّار الإسلامي، بحجّة أن الأولويّة هي لإسقاط النظام وليس للمجابهات الأيديولوجيّة البينيّة، من دون أن تعي هذه المعارضة أنها، بتبعيتها العمياء للإسلام السياسي، وميوعتها الفكريّة والسياسيّة أمامه، تسقط نفسها من المعادلات والتوازنات التي يمكن أن تتحكّم في بلورة النظام السياسي في سوريا ما بعد الأسد!

عطفاً على قضيّة حقوق الأقليّات في سوريا ما بعد الأسد، وتعاطي المعارضة السوريّة معها، يمكن العودة ثلاثة عقود ونيّف الى الوراء، حين اندلعت “الثورة الخمينيّة” على نظام الشاه في إيران سنة 1979، وكيف أن الخميني، خدع العلمانيين (الحزب الشيوعي) والليبراليين (مهدي بازركان) والأكراد (الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني بقيادة عبدالرحمن قاسملو) وأحزاب وشخصيّات علمانيّة ويساريّة أخرى، بأن إيران ما بعد الشاه، هي لكل الإيرانيين!، وأن الأولويّة هي لإسقاط الشاه! وتحرير إيران من “الدنس” الامبريالي والغربي! والحقّ أن الثورة على نظام الشاه، في بدايتها، كانت ثورة وطنيّة بامتياز، حيث شاركت فيها كل التيّارات الإسلاميّة والعلمانيّة (القوميّة واليساريّة)، إلاّ أن الخميني، وبعد أن استتبّ له الحكم والأمر، أطاح بالثورة، وجعل النظام ثيوقراطيّاً إسلاميّاً طائفيّاً، ونصّب محاكم الثورة، وأعدم عشرات الآلاف، وسجن أضعافهم!. ولا يزال الإيرانيون حتى الآن، يدفعون ضريبة انخداعهم بوعود الخميني والإسلاميين!

بالتوازي مع ذلك، يمكننا الإتيان بمثال ثورة 25 يناير في مصر، على نظام حسني مبارك، هي أيضاً كانت ثورة وطنيّة بامتياز. بل إن التيّار العلماني، كان صاحب بصمات قويّة واستراتيجيّة في مسار الثورة ونجاحها. لكن، الإسلاميين، بوعودهم المخمليّة عن الدولة المدنيّة، وتعريفاتهم الفضفاضة عنها، أطاحوا بكل الشركاء، وانفردوا بالحكم، مؤسسين لنظام، ربما يكون أشدّ فتكاً واستبداداً من نظام مبارك!

مقصد القول: إن تضمين حقوق الأقليّات القوميّة وتحصينها (أكراد سريان آشوريون أرمن تركمان شركس…) والدينيّة والطائفيّة (مسيحيون إيزيديّة علويّة دروز اسماعيليّة مرشديّة…) منذ الآن، هو في أصله، تحصين وتقويّة الوجه والأساس والبنيان الدستوري التمهيدي للدولة المدنيّة الوطنيّة التي يتطلّع اليها السوريون عموماً وأبناء هذه المكوّنات على وجه الخصوص، ويخشاها الإسلاميون. وعليه، يجب ألاّ يكرر من يزعم العلمانيّة في المعارضة السوريّة، كلام الإسلاميين، كالببغاء، لجهة تأجيل الخوض في هذه الملفّات الحيويّة والاستراتيجيّة التي هي بمثابة قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر، بعد سقوط أي نظام استبدادي دموي، كما جرى الحال في إيران، ما بعد الثورة، ويوغوسلافيا وبلدان أخرى!. وأصلاً، لا يوجد أيّ معنى لعلمانيّة العلمانيين، إذا لم يكونوا (مقاتلين) في سبيل حقوق الأقليّات، طالماً انهم عجزوا عن فصل الدين عن الدولة بالأمس واليوم وغداً! على اعتبار أنه؛ لا يوجد أيّ معنى لدولة المواطنة والحقوق والمؤسسات، الدولة الوطنيّة الديموقراطيّة، من دون تضمين وتحصين حقوق الأقليّات!؟

وربما خلاصة الخلاصات، أثناء تناول حال المعارضة العلمانيّة السوريّة، (والتي فضحتها الثورة السوريّة، كما فضحت وكشفت النقاب عن أمور كثيرة)، أن هذه المعارضة والبؤس الشديد الذي تعانيه، وعجزها عن انتاج سلوك وطني ديموقراطي، يعتدّ به، ويمكن التعويل عليه، لجهة التأثير على تحديد بوصلة سور المستقبل، هو ما عبّد طريق الإسلاميين والسلفيين الجهاديين للسطو على الثورة بهذا القدر من الجلافة والفجاجة، وإفسادها، وترهيب أبناء الأقليّات وترعيبهم من مآلات الثورة. والامتحان الحقيقي والمفصلي للتيّار العلماني في المعارضة السوريّة، لا يقتصر في العودة الى الذات والهويّة والاستحقاقات الوطنيّة والديموقراطيّة الثوريّة وحسب، بل التوقّف عن المضي تحت بوصلة الإسلاميين وعبادتهم ولحاهم، الى ما لا نهاية، في كل الأمور التي تقضم “علمانيّتهم” المنتقصة أصلاً. ولا يعني هذا الكلام، الدعوة الى الافتراق الوطني السياسي بين العلمانيين والإسلاميين، في زمن الثورة الذي يستوجب المزيد من رصّ الصفوف والتعاون والتعاضد ضدّ طغمة الأسد، بل التحلّي بالقليل من الحزم والإرادة الوطنيّة والوعي الوطني الديموقراطي، بغية إنتاج سلوك منسجم مع روح الثورة التي لطالما حلم بها السوريون، وأعلنوها وانخرطوا فيها، وصولاً لإبرام عقد اجتماعي وطني ديموقراطي، يراعي ويصون ويدعم حقوق كل الهويّات القوميّة والدينيّة والطائفيّة المشكّلة للهويّة الوطنيّة السوريّة الجامعة.

() كاتب كردي سوري

فاتحة عهد عربي جديد

سعود المولى()

منذ خمسين عاماً بالتمام والكمال (8 آذار 1963) تحولت سوريا الشقيقة الجارة، إلى “طوطم – تابو”، عملت الطبقة السياسية، التي حكمت ولا تزال تحكم سوريا ، على إخراجها من نسيج حياتنا اليومية، أي من نسيج علاقات القربى والرحم والجوار، ومن إطار التاريخ والجغرافيا، ومن الإستراتيجية والمصالح والمنافع، لتحيلها “موضوعاً” سياسياً – أمنياً بامتياز، حيث لا ناقة للمجتمع الأهلي ولا جمل (لا في لبنان ولا في سوريا)…

منذ خمسين عاماً غابت سوريا الحقيقية، سوريا الناس البشر، عبق التراث، وحاضر الشرق، “قلب العروبة النابض”، تظاهرات الشوارع، قوافل التجار، أفراح الأعراس، أنموذج العيش المشترك والتفاعل بين الأديان والمذاهب والتيارات… وحل محلها في أذهان اللبنانيين وعقولهم: سوريا الاستخبارات والاغتيالات والتعديات والتدخلات السياسية وغير السياسية، في تفاصيل الحياة اللبنانية: الخاصة والعامة، وأصبح الكلام “عن” سوريا و”حول” سوريا “همساً” في صالونات الطبقة السياسية أو “نكتاً” شعبية ساهمت وتساهم في تأجيج نار العنصرية التي لا ينجو منها شعب من الشعوب.

ومنذ سنتين بالتمام والكمال (15 آذار 2011) عادت سوريا الى لبنان وعاد لبنان الى سوريا وذلك مع تصاعد الثورة الشعبية، الشجاعة، النبيلة، المجبولة بدماء شهدائها الأبطال الشرفاء، والمجاهدة وحدها وسط تمادي العجز العربي، وتخاذل المجتمع الدولي عن مجرد النصرة بالقلب واللسان.

إننا مع تسجيل احترامنا وتقديرنا ودعمنا الكامل لهذه الثورة الحقيقية، نطرح على أنفسنا ضرورة الارتقاء بالدعم والاحتضان الى مستويات أعلى، تجسد فعلاً حرصنا على البلدين والشعبين معاً…وهنا نستعيد المسلمات التالية:

أولاً: يكفي أن الثورة السورية المجيدة، وبغض النظر عن خواتيمها، قد أسقطت الإرهاب الفكري – المعنوي والعسكري – الأمني المتمثل بشعار المقاومة والممانعة الكاذب. لقد صال “الممانعون” وجالوا في إنتاج خطاب سياسي – أمني (هو مشروع سلطوي بامتياز) مفارق للمجتمع، متغلب عليه وقاهر له، يفكك مرجعياته الرمزية والتاريخية، ويضرب ذاكرته الجمعية، ويقهر قواه الحية، ويصادر حقوقه الأساسية: خطاب احتكرته نخب “قومجية” “إسلاموية”، قمعت الفكر والرأي والتعبير وحتى الأحلام. والحق أنه ما كان غير قوى تبعية واستزلام واستقواء، خارج التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة والرؤية الواقعية، نجح في تأجيج نار الديماغوجية الشعبوية، بحيث استطال الوهم واستحال رعباً حقيقياً، لم يعدم بعض الحزبيين وسيلة لجعله إرهاباً أوعن، نشهد يومياً عينات منه في حملات التكفير والتخوين واستباحة دماء المعترضين بالاغتيال الجسدي المباشر أم المعنوي – الإعلامي المستمر.

ثانياً: بينت الثورة السورية المجيدة أن محاربة الإمبريالية والصهيونية ومخططاتهما لا تكون في الإرهاب الأعمى والإجرامي الذي يستهدف قتل البشر وتدمير الحجر ودك المدن والقرى بالميغ والسكود، كطريقة لإنهاك الناس وتمزيق نسيج المجتمعات واستنزاف خيراتها وتاريخها ولتوتير المذهبيات والعصبيات الجاهلية…. وبينت الثورة السورية كما تجربتنا اللبنانية أنه لا مقاومة ولا ممانعة في ظل القمع والإرهاب والسجون والمعتقلات والتخوين والتكفير، أي أن لا مقاومة من دون ديموقراطية وحرية وعدالة وكرامة، ومن دون سلم أهلي راسخ ووحدة وطنية متينة.

نعم، الخارج الاستعماري يتربص بنا، يمنع تقدمنا، يعرقل وحدتنا، يجهض ثوراتنا، يتدخل في شؤوننا، لكن المشكلة فينا نحن! فهل يعقل أن نقارع الإمبريالية والصهيونية عبر قتل الأبرياء وتدمير المدن والقرى وترويع الناس وإرهابهم وعبر الظلم والإذلال والإفقار والتهميش والتجويع والتشريد؟

نعم، لا معنى لأية ثورة ولأية مقاومة ولأي نضال إن لم يكن من أجل الإنسان: حياته أولاً، ثم كرامته، ثم حريته ثم حقوقه في الأمن والأمان وفي الاستقرار والازدهار.

ثالثاً: لقد همشت النخبة الحاكمة في سوريا، وضربت وقهرت المجتمع الأهلي والمجتمع المدني في لبنان وسورية معاً، وهي أفقدت الإنسان حريته وكرامته وحتى لقمة عيشه ومأواه، وصولاً إلى احتقار وجوده وإنسانيته. هذه النخبة الطاغية، لن تخلي الطريق أمام دواعي الإصلاح والتغيير والحرية والديموقراطية، وبالتالي فإن بقاءها أو ذهابها يهم اللبنانيين كثيراً…

والحال أنه لا تغيير حقيقياً في لبنان من دون حصول تغيير حقيقي في سورية، فالسلطة السورية كانت ولا تزال هي المسؤولة الأولى والمباشرة عن إنتاج السلطة السياسية الحالية في لبنان؛ وهذه الأخيرة جرى تركيبها ببطء وأناة منذ بداية التدخل السوري في لبنان عام 1973، وعبر محطات دراماتيكية أهمها الحرب الأهلية 1975 – 1976، ثم حرب إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان 1983-1988، فالانقلاب على الطائف 1992، وصولاً إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 2005 وعدوان تموز (يوليو) 2006 وعملية 7 أيار (مايو) 2008، والانقلاب الأخير في كانون الثاني (يناير) 2011.

رابعاً: من هنا فإن ما يجري في سوريا سيدفع المثقفين والناشطين اللبنانيين والسوريين إلى إعادة التفكير في تلازم المسارين: الاستقلال والسيادة للبنان والحرية والكرامة لسوريا. إن علينا، سوريين ولبنانيين، توليد خطاب سياسي – ثقافي – اجتماعي – اقتصادي جديد، متصالح مع المجتمع الأهلي، مع ذاكرته ومرجعياته الرمزية أولاً، ومفتوح على آفاق التطور الديموقراطي في لبنان وسوريا ثانياً، وعلى تشكيل نظام إقليمي عربي جديد ثالثاً.

إن الثورة السورية هي ثورة وطنية سورية، لكن هذا لا يحتم أن تنعزل سوريا عن محيطها العربي والمشرقي (الذي لا تستطيع أصلاً الانعزال عنه)، وإنما يتطلب من القوى الثورية والديموقراطية السورية الانتقال، مثلنا، الى طور جديد في الوطنية السورية ستكون له آثاره في لبنان وعليه، كما في سوريا وعليها.

وهذا ما يدعونا اليوم بالتأكيد الى الاهتمام بالشأن السوري والى الوقوف بحسم إلى جانب السوريين في نضالهم من أجل سوريا ديموقراطية ومستقلة.

نحو عقد اجتماعي عربي جديد

اليوم تولد الشعوب العربية من جديد بعد عقود من الموت السريري على يد أنظمة سياسية استبدادية وقهرية، جاءت إلى الحكم باسم فلسطين والتحرر والوحدة العربية فلم تورثنا بعد أكثر من نصف قرن سوى احتقار حرية الإنسان وكرامته بل حياته البائسة. ها هي الشعوب العربية تتقدم على طريق امتلاك مصيرها بنفسها أي استعادة حقوقها المهدورة، واستعادة إنسانيتها المنتهكة، واستعادة حريتها وكرامتها المغتصبة.

هذه الثورات العربية الجديدة أعادت وتعيد تشكيل الشعوب العربية التي أضناها القمع والاستبداد السلطوي – المافيوي والانقسام الطائفي- العشائري والتنازع الحزبي والفئوي، وفي أتون هذه الثورات تغلبت الشعوب العربية على الخوف واليأس والاستلاب والتهميش والمهانة والعطالة والإحباط وفقدان الهوية وضياع الذات، فاكتشفت القوة الحقيقية للوحدة، والقدرة الحقيقية للوعي والتنظيم، والقيمة الحقيقية للحرية والديموقراطية.

هذه الثورات العربية هي فاتحة عهد عربي جديد عنوانه العام والرئيس: صياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على الكرامة والحرية والعدالة، وعلى حكم القانون والمؤسسات، وعلى إلغاء نظام السلطة المطلقة أو أشكال الحكم الديكتاتورية، وعلى إقامة نظم سياسية تشاركية، لا إلغائية فيها، ولا حصرية عائلية مافيوية، وعلى إقامة برلمانات منتخبة ديموقراطياً تحقق مشاركة جميع الأفراد في القرارات عبر ممثليهم، وعلى تداول السلطة سلمياً، وعلى إطلاق الحريات العامة للناس من دون تمييز أو غلبة.

()استاذ في معهد العلوم الاجتماعية بالجامعة اللبنانية

 الأمل يتجول وسط الخرائب

خالد خليفة ()

سنتان ومازلنا نزرع شتلات الأمل، نعيد البحث عن ذاتنا، ومن وسط الموت والدمار، ننهض كل صباح. لدينا الكثير لنفعله. لا وقت لدى السوريين الآن للكلام والدفاع عن ثورتهم. لقد وصلتنا الرسالة بأننا وحيدون، والعالم منشغل بالبحث عن نقطة سوداء هنا، ولطخة عار هناك كي يعود إلى أرائكه مرتاح الضمير، مكتفياً بالحديث عن ذكرياته مع الطعام السوري اللذيذ، واللحظات الرومانسية في أحياء مدننا القديمة. لم يعد لدينا وقت لترتيب صور شهدائنا ودفنهم. لم يعد لدينا وقت للرد على رسائل التضامن القادمة من مختلف أنحاء العالم. لا وقت للإجابة عن أسئلة حول انتماء ملايين السوريين، وتوجهاتهم الفكرية، كي ترضى الدوائر السياسية الرسمية وغير الرسمية عن موتنا.

نمسح الدم عن سكاكين القاتل، نمسح الدم عن ضحايا صواريخ السكود، عن ضحايا قذائف الدبابات والمدفعية الثقيلة والطيران الحربي، عن جدران منازلنا المهدمة، عن مدننا التي أصبحت خرائب، ولم تعد تحتفي في أمسياتها بإعادة إنتاج صورة رومانسية، تجذب باعة الدم ورسامي الخرائط. نعتذر من الشهداء أننا لم نصبح شهداء، ومنكم لأننا مازلنا شهوداً على عاركم.

لا يهمنا ما سيقوله التاريخ مادمنا نكتب التاريخ بدمنا. والفارق كبير بين من يكتب التاريخ بحبر متواطئ ومن يكتبه بالدم.

سنتان والأمل يتجول وسط الخرائب. أصابنا الصمم لكننا نراه. أنتم لا ترونه لأن العمى أصابكم، وما لدينا يكفي لصورة سوريا القادمة. وما نحتاجه الآن هو بعض الصمت، وما دمتم قد صمتم استمروا بصمتكم على الأقل، ولا تهينوا دمنا. نحن نعرف بأن ثورتنا تعيد خلط الأوراق، لكننا لم نقصد ومنذ اليوم الأول لثورتنا أن ترتب أوراقاً. كانت سبباً في عبوديتنا واستباحة كرامتنا كل هذه السنوات. هل علينا أن نعتذر لأنه لا سبيل آخر لحريتنا؟ لسنا حراساً لحدود أعدائنا، لسنا حراساً لمعابد الطوائف وبائعي وهمها في منطقتنا، لسنا قتلة خارجين من الكهوف، كي نقدم ما تحتاجونه من ضمانات لأهلنا. يكفيكم نفاقاً، ودعونا نموت بصمت. نعتذر أننا نفسد أمسياتكم بأملنا وضجيج شهدائنا.

() روائي سوري

 تفكيك الاستبداد

شاكر الأنباري()

النظام السوري، منذ نشأته، كان نظاماً استبدادياً مصمتاً، اذ ليس من السهولة النفاذ الى جوهره، وآليات اشتغاله، لمراقبين بسطاء، أو لأشخاص طارئين على المجتمع. وهذا ما كنا عليه، نحن الذين عشنا عقداً من السنين في سوريا قبل ان تنفجر ثورة الشعب. كانت الحياة تسير هادئة، في عيوننا، والسلم الأهلي متوافر، لم ندرك وقتها انه مستتب كون آلة قمعه أضخم من غيرها من دول الجوار، وكان ثمة قصص وروايات تدور حول التعذيب، والمعتقلات، والمفاتيح المفصلية الممسوكة طائفياً، وظل ذلك كله مجرد تقولات وشائعات لم يصل إلى حقيقتها سوى الضحايا. وهؤلاء ما ان يروا اشعة الشمس حتى يصمتوا رعبا مما رأوه، أو يغادروا إلى خارج السور دون التفات الى الوراء من هول ما عاشوه. لم نكن نرى ما يفور تحت السطح، نحن الوافدين إلى دمشق القديمة، ومنتجعات الزبداني، وبساتين الغوطة المتفتحة بأزهار المشمش والتفاح، نحن السابحين في خمور باب توما، ومقاصف طريق دمر، والربوة.

كانت المعاناة في واد آخر، نستشفها أحيانا عبر الحوارات الحذرة، والقفشات السريعة، وقلق العيون الممتلئة بالرعب. رعب المواطن البسيط وهو يحتك بشرطي الشارع، وعنصر الأمن، ورجل المرور. نرى ذلك الرعب في المطارات، ومنافذ العبور، وفي وقاحة المرتشين، الذين لا يتورعون عن ابتزاز أي فرد سواء كان عربياً أو أجنبياً. كنا نراه في عيون مراسلي الصحف والفضائيات التي تكاثرت طوال عقد التسعينيات، عبورا نحو القرن الجديد والألفية الثالثة، حيث يمكن لتقرير قصير أن يذهب بصاحبه الى عتمة السجون. وأحيانا يمكن أن يكون لتقرير مدسوس لأحد فروع الأمن نكاية بفرع آخر، فيصبح المراسل أو الصحافي هو الضحية. هذه القصص وغيرها طالما سمعناها في الوسط الاعلامي والثقافي، الأمر الذي جعل الجميع لا يثق بالجميع، ويبدو أنها ظاهرة شائعة حتى بين أفراد الشارع البسطاء. وهذا ما كنا نعجب منه، فليس من السهولة الحصول على جواب واضح لدى السوري، فثمة دائما مراوغة وعدم وضوح وحجب، وثمة دائما “خط للرجوع”، لذلك كنا، نحن الغرباء عن الشام، سدنة السطح، نعجب لهلامية التعامل.

اليوم، بعد سنتين من الثورة، عرفنا السبب. الوضوح يعني الانحياز، والانحياز يعني اتخاذ موقف، واتخاذ موقف قد يقود الى عشرات السنين من السجن، عرفنا هناك فرج البيرقدار وثائر ديب وخوله دنيا وهيثم المالح ورياض سيف ورياض الترك وميشيل كيلو وسمر يزبك، التي استدعيت أكثر من مرة إلى فرع الأمن السياسي في شارع بغداد، عدا قائمة طويلة من المعتقلين من مثقفين وحقوقيين ومفكرين وناشطين ، ورتل مديد من الذين حقق معهم وأهينوا وتعرضوا للابتزاز. ولأن المواطن يعرف بربرية أجهزته، وقدرتها على توريط الناس بالوشاية وكتابة التقارير، لم يعد أمامه سوى التكيف والصبر و”التطنيش”، مع عشرات السنين من أخبار مذابح حماة، وسلطة سرايا الدفاع، والقمع والإرهاب والتخويف، ومجازر جسر الشغور وتدمر وصيدنايا وزنازين المخابرات الجوية. ليصبح في النهاية، ثم سنة بعد سنة، هلامياً، كثير التلفت حوله، يعلب حزنه في خابية لا تطالها العيون، وهذا ما كان خافياً عليناً. كان خافياً على النخبة المنغمسة في شركات الدراما، وجلسات مقهى الروضة، ومقهى البرازيل والندوة ونادي الصحافيين ومشرب قصر البلور عند ساحة باب توما. كان الرعب العام سلاحا ماضياً لكبت الحراك الاجتماعي والنقمة والتذمر، لذلك ما ان خرجت أول مظاهرة في الحريقة حتى أحس النظام بالخطر الداهم، فالتظاهر على قمع النظام ورعبه أول سلاح مضاد يستخدمه الشعب. التظاهر تمرد، وكسر لحاجز الرعب، واستثارة لطاقات تاريخية واجتماعية مكبوتة تم عزلها بذكاء، وتخطيط، عن روح الشعب السوري الذي ثار ضد المستعمرين، ورفض دويلات الطوائف، وخرج في تظاهرات شعبية مشهودة قبل وصول حزب البعث إلى السلطة، وهيمنته على تفاصيل الحياة كلها.

هنالك جيل من الشباب نما وتفتح في غفلة عن سلطة النظام، إعتقد على امتداد عشرات السنين انه استطاع ترويضه عبر “أشبال البعث”، و”الطلائع”، وخلايا الحزب، ومعسكرات التدريب الصيفي العقائدية. لكنه في الوقت ذاته كان جيلا تربى على ثورة التكنولوجيا وروح العصر والمعرفة وحيوية التمرد المعاصر، الذي شاع في العالم وفي المحيط العربي. هو لم يعاصر فظائع حماة، ولا تغول سرايا الدفاع، وكان بعيدا عن سطوة الأجهزة الأمنية باعتباره جيل الثورة، ولن يفكر بالتمرد حسب تصورات النظام العتيقة. في نهاية التسعينيات من القرن الماضي كنا نرى السائحين الأوروبيين بخاصة يتجولون في أزقة دمشق القديمة، وفي باحات المعهد الفرنسي في البحصة، وعند الأوابد التاريخية، وفي المطاعم الأنيقة، وعلى سواحل المتوسط في اللاذقية وطرطوس. ملايين من السائحين يأتون إلى سوريا، وكان الجيل الشاب ينظر الى الزي والسلوك واللغات ومقدار الحرية التي يتمتعون بها، فأدرك ذلك الجيل ان ثمة حرية في الجانب الآخر من الحياة. هنالك ثمة توق إلى عالم آخر، بعيداً عن قطعات الجيش في لبنان، والخدمة الالزامية في الثكنات الخلفية، وجبهات القتال في الجولان، وادعاءات المقاومة والاستعدادات للتحرير، والخطابات الجوفاء، والشعارات الزائفة الملوثة لهوائهم طوال عقود وعقود. كانوا يجوعون ويسحقون اقتصادياً بسببها، بينما كانت هناك طبقة من التجار والسياسيين والضباط ورجال الأمن والمخابرات والحزبيين يتمتعون بامتيازات خرافية، وملذات مادية وجسدية، ويستأثرون بالوظائف “الديلوكس”، والشركات، والسيارات الفارهة والنساء الجميلات والسفرات الخرافية الى العالم المتحضر.

هذا الجيل الذي نشأ واختزن التمرد الحضاري في غفلة من غابة النظام هو الذي بدأ تظاهرات الحريقة، ولاحقا درعا، ثم حمص وحماة وجسر الشغور، وهو الذي نسق عبر التواصل الاجتماعي والموبايل لتأسيس ذلك الجسد العجيب الذي أطلق عليه اسم التنسيقيات. وكان الميدوزا التي عجز النظام من قطع رؤوسها التي لا تحصى. أدركت القوى الشابة، عبر التنسيقيات، ان تفكيك الاستبداد يبدأ بالتظاهر، بتجييش الكم المهمل، الباحث عن حياة أخرى غير حياته. نادرا ما التقينا بشاب سوري قبل الثورة وكان راضيا بعيشه، طبعا من غير المستفيدين مباشرة من نمط المنظومة القيمية المسوقة من قبل هيكلية النظام، وماكينته الدعائية المتتلمذة في أكاديميات غوبلز النازي. التظاهر كان البداية، وكسر الصمت جاء لاحقا.

ومع التظاهرات انطلقت أكبر آلة مرئية لكسر الحصار الإعلامي المضروب على ما يجري في الداخل السوري، أعني الصورة الحية، فيلم الموبايل، واللقطة، والصوت، الآلة البصرية الهائلة المرافقة للتظاهرات في كل زقاق وحارة ومدينة وقرية، وكأن الفضاء السوري استحال إلى كاميرا رقمية هابطة من مجرة بعيدة. تصوير ما كان يجري في سوريا، وبثه رغما عن سياج النظام الى العالم، إلى الفضائيات، الانترنيت، الأقمار الصناعية، اليوتيوب، الاذاعات، لتصبح الثورة أضخم انتفاضة معلنة، وعارية، في التاريخ المعاصر. في المقابل، وليتفرج العالم على أضخم جهاز عسكري يمارس القتل على مرأى من أتيكيتات الحضارة المعاصرة. أصبح كل فرد سوري قناة للبث المباشر، البث اللحظي، المتوغل في البيوت، وبين الحشود، وفي المستشفيات، ومعسكرات القتل، وسيارات الاعتقال، بل وحتى في جملونات التعذيب التي انتشرت في كل بقعة طالتها التظاهرات.

بعد هذا الانكشاف السافر وضع النظام على المحك. وضعت الشعارات القائلة بمقاومة المحتل، والشعارات القائلة بالوحدة والحرية والاشتراكية، ومفهوم القومية العربية، ومفهوم العلمانية كل ذلك وضع على المحك، فكانت ان فشلت في الامتحان، وتفرج السوريون قبل غيرهم على ذلك النخر الرهيب، والتضليل، والسلم الأهلي الزائف، والتحالفات. ثم امتد ذلك العري العنفي المنفلت الى الشعوب العربية، ومن بعدها الى العالم، فاذا الشباب السلمي المنتفض، الذي اعتقد انه سيغير من بوصلة النظام ودباباته عبر الورود، ومصافحة جنود الدبابات تعبيراً عن السلام، وتوزيع الماء البارد، والهتافات الجماعية، والمنطق العقلاني، فاذا هو يفاجأ ان السيناريو المعد من قبل رئيسهم غير ذلك الذي كانوا يتوقعونه. هم في مواجهة وحش خرج من قمقم التاريخ المظلم. المعسكرات، الدبابات، الطائرات، صواريخ سكود، القنابل العنقودية، البراميل المتفجرة، المعسكرات الوطنية، الثكنات، الأكاديميات الأمنية، الضحكات فوق جثث القتلى، كل ذلك لم يكن معداً لمعارك التحرير مع العدو الرابض على جبل الشيخ، انما لتأبيد السيطرة، وإبادة الناس والحجر، وتطبيق الشعار المعشوق للطغاة: إما أنا أو أحرق البلد. فكان رد الشعب: إما نحن أو أنت.

صار العالم يتوسل بالرئيس ان يستخدم كل ما لديه من أسلحة فتاكة ضد شعبه، “معليش”، الا الغازات السامة. وخلال سنتين من الثورة التزم الرئيس بتلك النصيحة، لكن على مضض. هو اليوم في “حيص بيص”، والنصيحة لا يمكن اتباعها الى ما لا نهاية، والعرش في برهة التهاوي المهول. هل تعتقد عزيزي القارئ انه لا يفكر اليوم، بعد أن أطبق عليه الحصار، بخيار شمشون؟ اتعرف ما هو خيار شمشون؟ عليّ وعلى أعدائي. لكن التزامه ذاك، التزام نصيحة الحضارة الالكترونية التي نعيش في ظلالها الوارفة، أحدث نقلة نوعية في المعادلة. فلتفكيك الاستبداد، والاجهاز عليه الى الأبد، كان لابد للجيل الشاب من المضي الى نهاية الطريق، أي تأسيس مقاومة مسلحة، جيش شعبي بكل ما يحمله من شوائب وتناقضات وغرائب. هو لن يستطيع بعد القصف والبراميل المتفجرة والتعذيب المميت والاغتصاب الفج والفضائح الطائفية والتحالفات المافيوية والارتهان للمشروع الأجنبي ان يستمر بالهتاف فقط. الكلمة لا يمكن ان تنقذ حيا من أحياء حلب وقع تحت عصف صاروخ تطلقه طائرة ميغ روسية الصنع. ولا حيا من أحياء درعا المحطة، أو بستان من بساتين داريا، او تينة من تينات حماة. العنف لا يولد إلا العنف، والاستبداد الشامل يستجلب الثورة الشاملة، وما نشهده اليوم في سوريا ثورة شاملة، معركة حياة او موت، لتحقيق الشعار المرعب الذي تطلقه شعوب نادرة، في لحظات تاريخية نادرة، اما نحن أو أنت.

نحن نشهد اليوم لحظة جنون فريد لنظام يعيش بيننا. الأماكن التي عشنا فيها قبل الثورة، نحن المغتربين في دمشق، سدنة السطوح الساكنة، لن نراها مرة أخرى. المواطن السوري غادر شرنقة الهلامية، والقلق، والرعب. عرض خابيات أحزانه على الملأ، تحت شمس شآمية ناعمة. لن نرى سوق الحميدية ذاته الذي تمشينا فيه عصرا بين زحمة الصبايا، وثلل السائحين من بقاع الأرض. ولن نسمع أغاني فيروز منطلقة في الصباح من بيوتات مساكن برزة المزنرة بالياسمين وأزقة الشيخ محي الدين الغائرة في متاهة المتصوف الغريب. ولن تسكرنا خمور باب توما، ولن نقرأ غزليات نزار قباني في مقصف المحاربين القدماء، ولن نأكل عنب داريا الذي غاب عن مائدة الوجود.

اللحظة القادمة من عمر الزمن ستكون بالتأكيد لحظة الشعب السوري، هو وحده من سيصنع تاريخه، بعد زوال طاغية وصل جنونه الى ذروة الفانتازيا.

()كاتب وروائي عراقي

مسيرة سقوط “وطن مُستعار

حسين جمو()

“عامان من الثورة لم يسقط فيهما النظام… إنه ما يزال قوياً”. هذه العبارة تواجهنا كسوريين يومياً من أي مراقب أو محلّل “ميكانيكي”، ونضطر للاعتراف بذلك، مع محاولة غير ناجحة لتغيير هذه القناعة، من دون إنكار أن الأمر ليس سهلاً، وهو في غاية الدم! التقييم المذكور صحيح إذا كانت معايير تقدم الثورات تُقاس وتُدرك عبر الحواس الخمس، لكن القاع الذي انطلقت منه “الديكتاتورية الماراثونية” في سوريا هي التي تجعل لثورتها خصوصية قلّما يفهمها ويدركها “جماعة الميكانيك” الغربيين والشرقيين (الموالون للنظام لا يشملهم أي من التصنيفين).

ما الذي أسقطه السوريون إذاً، طالما أنّ رأس النظام لا يزال مقيماً في دمشق ويمارس حياته الجنسية مع زوجته ويخلّف ذرية؟ لعلّ أهم منجز للثورة بعد عامين لا تتمثل في أن أكثر من نصف مساحة سوريا أصبحت تحت إدارة معسكر الثورة (المدني والعسكري)، فهذا منجز ميداني من الحواس الخمس، وهي على أهميتها الحاسمة، إلا أنها من المعايير العالمية المشتركة، يدرك أهميتها الحاسمة و”القاتلة” ذاك الهنديّ المقيم في غرفة وسخة مع عشرة عمّال، كما يدركها “خبراء الثورات” الذين يقضون أسابيع في مشاهدة مئات مقاطع الفيديو لمعرفة ما إذا كانت “الحرب الأهلية” أصبحت “أكثر تكافؤاً بين الطرفين”. هذه السطور ليست معنيّة بهذه المعايير، وإنما بالخصوصية التي لم يدركها سوى السوريين ومن عاشر هذا النظام.

خصوصية فهم السوريين لثورتهم ذات العامين تتجاوز الحواس الخمس. فمراكز دراسات عديدة لن تركز على الأرجح على معاني إسقاط تمثال حافظ الأسد في مدينة الرقّة، ولا ما رافقها من الانتصار الخاص للرجل الذي وقف على رأس التمثال، بينما يهمّها سقوط مطار تفتناز وتداعياته على مسار الثورة ميكانيكياً.

لقد سقط الوطن المستعار الذي أُجبرنا على الانتماء إليه.. وطنٌ مستعار بقدر الشَّعر المستعار وأكثر. مثل العدسة اللاصقة الرديئة التي تؤدي إلى العمى. في الذكرى الثانية من الثورة، لا مكان للتحليل السياسي والانشغال بميكانيك الثورة، بل في كونها أصبحت “هويّة” ولا أقلّ من ذلك.

استعار السوري الثائر اليوم “سوريا الأسد” وطناً لسنوات طويلة، ونتيجة لطول هذه المدة تخيّل البعض لوهلة أن ما دون هذا الوطن هو المستعار. قالها آباء الجيل الذي خرج في التظاهرات الأولى: “لا تفكّر بأنّ لك حقاً في هذا الوطن.. اُشكرهم يا ولدي على تركهم لك تعيش”. آباؤنا تحدثوا من ذاكرة مؤلمة تعود لأواخر السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي. ولفرط حبهم لنا قالوا: “هذا وطنك ولا تتخاصم معه.. اخرج في مسيرات التأييد والولاء.. تسجّل في عضوية الحزب.. اهتف باسم القائد يا ولدي أينما شكّل خطراً عليك”. هكذا هتفتُ مع الجموع باسم “القائد الرمز” بعد الشغب الذي أثرناه في مباراة منقولة على الهواء مباشرة. لم نخجل.. ولمَ الخجل؟ فهذا هتاف مستعار.. وقائد شرطة مكافحة الشغب الذي تراجع عن طردنا من المنصة الرئيسية بعد الهتاف، كان يعرف تماماً أننا جماعة من الكذّابين، نهتف لقائد هو ممسحة القذارات التي نرتكبها في “وطن مستعار”، لا ينتمي إلينا في الصيغة التي تشكّلت بسلاسل التعذيب في سجون الأسد وأعوانه.

كل ما احتاجَه السوريون ليلتحقوا بقطار الثورة هو الوصول إلى يقين أنّ الوطن المستعار الذي ملأ رؤوسهم بالقمل الأمني قد حان الوقت للتخلص منه.. احتاج الأمر التأكد من أن السفن احترقت، وأن النزال قد بدأ.

عشنا هزائم كبيرة خلال الثورة ترقى كل واحدة منها إلى مستوى نكسة حزيران في تأثيرها النفسي، كانت البداية من الاقتحام الأول والثاني للجامع العمري نهاية آذار ومطلع نيسان، ثم اقتحام ساحة الحرية في حمص في 18 نيسان. وفي 31 آب 2011 بكى ملايين السوريين قهراً بعد خسارة ساحة العاصي في حماة. انتكسنا بسقوط بابا عمرو مع بداية شباط 2012، ثم تدمير دوما عن بكرة أبيها. ثم اعتدنا الأمر، وبات منظر الرجل الرابض فوق رأس تمثال حافظ الأسد تعادل في معانيها السورية سقوط مدينة كبيرة. إنها ديناميكية ثورة لن يفهمها من يعتبر الأسد نظاماً لديه “حكومة”، كما تقول بيانات الأمم المتحدة ومعظم الدول الغربية والعربية، حينما تطالب “الحكومة السورية بوقف العنف”. السوريون وحدهم يضحكون بعمق من هذا التسطيح المقصود في التعامل مع ثورتهم.

سقط الاسم المستعار في الفيسبوك. لم يعد هناك من يتبنى شعار إسقاط النظام ويختبئ وراء صورة وهمية وراء اللابتوب والآيباد.. لم يسأل السوري الثائر المقيم في الخارج عمّا إذا كانت سفارة النظام ستجدد له جواز سفره أم لا.. امتنعوا بشكل جماعي عن دفع بدل الخدمة العسكرية، لأن ثمنها (خمسة آلاف دولار) قد تهدم منزلاً فوق رؤوس أصحابها. لم تعد عبارة: “أهلي في الداخل” حجة للاعتصام بالصمت. لم يعد شيء يردعهم عن إسقاط الوطن المستعار.. حتى سلامة عائلاتهم في الداخل.. وهو ما يمثّل سقوطاً لأعظم ورقة للديكتاتورية.. وليس سقوط مطار تفتناز أو النيرب وحتى مطار المزة العسكري.

هذه ثورة شخصية لكل فرد سوري قبل أن تكون ثورة تضامن مجتمعية.. التمييز معقد بين المضمونين لكنه ضروري لماهية هذه الثورة. لم تنطلق التظاهرات في حمص لمجرد تضامنها مع درعا، بل لأن كل فرد في حمص لديه قضيته مع النظام، مجموع هذه القضايا شكّلت تياراً ثورياً في حمص وامتدت إلى كل سوريا. وكثيرون من الذين ثاروا كانوا مستفيدين من النظام، لكنها فائدة مقابل القهر. هكذا توارت الكرامة طيلة ثلاثة عقود، مقابل حق البقاء الجسدي في دولة الأسد.

نحن السوريين المجانين، أعلناها ثورة على المنابع الخفية العميقة للدكتاتورية التي تسري في شخصية السوري المزيّف. مجانينٌ، لأن الثورة ليست مفروضة علينا، بل هي خيار حر نعرف تماماً أنها ستكلف عشرات الآلاف من القتلى، ومليارات الدولارات من الخسائر. ومع ذلك، الاستمرار هو الانتصار الأعظم الذي حققته الثورة، لإستعادة ما يمكن أن يكون “وطناً حقيقياً”.

مجانين لأن العقل والتعقّل والعقلانية، في بلادنا، متواطئة حتى الثمالة مع الجبن والاستعارة. لقد انتهت طبقة العبيد السورية بهذا الجنون الفائض بالكرامة.

() كاتب سوري

التحديات والمخاوف

ماجد كيالي()

بعد عامين على اندلاعها، تقف الثورة السورية المجيدة إزاء تحديات وتخوّفات عدّة، ما يمكن القول معه، بأن مصير هذه الثورة، وسلامة مقاصدها، بات يتوقف على كيفية مواجهتها لهذه التحديات وتذليلها لهذه التخوّفات.

ولعل أولى هذه التحديات والمخاوف تتمثل في صعود ظاهرتي العنف والعسكرة في الثورة، وهما ظاهرتان مترابطتان، ولا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى. فمن المفهوم أن هذه الثورة كانت انتهجت في الأشهر السبعة الأولى الوسائل السلمية لإحداث التغيير السياسي، وفي طلّب الحرية والكرامة والعدالة، في حين أن النظام واجهها بأقصى أشكال العنف والتوحش والتنكيل، الفردي والجماعي، ويأتي ضمن ذلك زجّ الجيش في هذه العملية (إضافة إلى الأجهزة الأمنية وما يسمى جماعات الشبيحة). هكذا فإن انتهاج الحل الأمني، ونبذ أي حل سياسي حقيقي، من قبل النظام، هو الأساس لردّة الفعل المقابلة، والمتمثلة بانزياح الثورة السورية من السلمية إلى تبني أشكال عنفية.

وتكمن خطورة دخول الثورة السورية على خط العنف والعسكرة، في تآكل أشكالها الجماهيرية، وضمور طابعها السلمي، وغلبة طابعها العسكري على طابعها المدني، وإمكان طغيان البنى العسكرية للثورة على بناها السياسية، وفي عدم التوافق بين الخط السياسي والعسكري، والمزاجية في انتقاء الاهداف، وفي احتمال سيادة لغة العنف في العلاقات الداخلية، أي بين القوى المكونة للثورة، أو للهيمنة على المجتمع، وهي مخاوف وتحديات كشفت عنها خبرات التجارب الثورية المسلحة، وضمنها الجزائرية والفلسطينية. وبديهي، فكلما كانت الثورة سلمية أكثر كان الوضع أسهل بالنسبة للثورة في المستقبل، وكلما كان الأمر بالنسبة للمجتمع يقينياً وتصالحياً وسليماً أكثر.

التخوّف أو التحدي الثاني، يتمثل في التداعيات الخطيرة التي قد تنجم عن الثورة، لا سيما الثورة العنيفة، وهذا يشمل عنف النظام وعنف الثورة، على وحدة المجتمع. إذ إن الثورات غالبا ما ينجم عنها تظلّمات وتشقّقات وعصبيات، في المجتمع، الأمر الذي قد يصعّب عليها مستقبلاً صوغ الإجماعات الوطنية في دولة ما بعد الثورة.

وفي الواقع فإن الثورة السورية كسرت كل الصناديق المقفلة، وكشفت كل السرديات المسكوت عنها، وبيّنت بطريقة فجّة وربما صادمة بأن السوريين، على وحدتهم، هم كثر، أيضا، ولديهم انتماءات وعصبيات (طائفية ومذهبية واثنية ومناطقية)، كثيرة، لم تخفف منها لا ادعاءات “قومية” البعث ولا شعارات الوحدة الوطنية، التي كانت تصدرها منظمات الطلائع والشبيبة والاتحادات الشعبية ووسائل الإعلام والمؤسسات الرسمية.

هكذا اكتشف السوريون فجأة تنوعهم وتعدديتهم، واكتشفوا في غضون ذلك أن النظام الاستبدادي، كي يرسخ هيمنته وسلطته، حجب وتلاعب وكرس انتماءاتهم قبل الوطنية (الطائفية والمذهبية والإثنية والعشائرية)، إذ لم يفسح في المجال امام تعرفهم على ذواتهم، وعلى كثرتهم، ولم يتح لهم بناء سردية متينة مبنية على المشتركات والمختلفات، ما يجعل المجتمع السوري مجتمعا حقا، والدولة دولة حقاً، أي دولة مؤسسات وقانون ومواطنين أفراد؛ وهو الأمر الذي بات ملقى على عاتق الثورة.

التحدي أو التخوّف الثالث، وهو يتمثل بالواقع الاقتصادي والمعيشي الصعب الذي بات المجتمع السوري يعاني منه الأمرّين، ذلك لأن استمرار الثورة على مدار 24 شهرا، وبسبب من انتهاج الحل الأمني من قبل النظام، أدى إلى تفاقم مشكلات الفقر والبطالة وتوقف الأعمال، وارتفاع الأسعار، وغلاء أجور السكن، وانهيار قيمة العملة، والنزوح من منطقة إلى منطقة، واللجوء خارج البلد؛ هذا دون أن نتحدث عن فقدان عوائل لمعيلها، أو لمنزلها أو لأملاكها، وهذه قد تعد بمئات الألوف.

وبديهي أن فترات الاضطراب والقلاقل السياسية والأمنية ينشأ عنها حالة من البلبلة والفلتان الأمني والتحلل الأخلاقي، الأمر الذي يفاقم من تدهور الأحوال الاجتماعية والمعيشية.

صحيح أن الثورة السورية استطاعت إلى حدّ ما إنتاج أشكال معينة من التضامن الاجتماعي، التي حاولت التخفيف من معاناة المتضررين، لكن هذه الحالة تصعّب على الثوار عملهم، وتفاقم التحديات التي تواجههم، وتضاعف مسؤوليتهم، ما يعني أن المسألة الاقتصادية ستظل تحدّياً يلقي بثقله على الثورة السورية وعلى سلامة مستقبلها، لاسيما ان النظام انتهج خط تدمير مجتمع الثورة، او البيئات الحاضنة لها.

أما التخوف أو التحدي الرابع، فيتمثل بكيفية إدراك الثورة، والثوار، لأهمية إطلاق ثقافة وسلوكيات المصالحة في المجتمع، بعد كل ما جرى. وفي الواقع فإنه من الصعب الحديث عن مستقبل آمن ومستقر لسوريا من دون تكريس قيم التسامح والمصالحة في إدراكات السوريين وفي وعيهم السياسي والثقافي، لكن ذلك ينبغي أن يؤسّس على قاعدتي الحقيقة والمصارحة، لأن الاعتراف المتبادل، وكشف الحجابات عن كل القصص المسكوت عنها، هو الذي يؤسس للانفتاح، وهو الذي يمهّد لخلق واقع من التسامح والمصالحة بين مختلف مكونات المجتمع، أي على أساس الاعتراف بمظالم الماضي، والانطلاق معاً من المصلحة المشتركة لبناء مستقبل أفضل وآمن للجميع.

التحدّي أو التخوف الخامس، يتمثل بضرورة إيجاد حلول عادلة ومتوازنة لقضية المكوّنات الإثنية الأخرى، ولا سيما للقضية الكردية، إذ لم يعد مقبولاً إبقاء هذا الجرح نازفاً، ولا إبقاء الكرد في دائرة المظلومية، ولم يعد مقنعاً هذا الطمس للقومية الكردية، لا سيما أن هؤلاء ليسوا وافدين وإنما هم مكوّن أصيل من مكونات الشعب السوري.

ومعلوم أن حل القضايا القومية ما عاد يفترض الانقسام حكما، فقد بات ثمة حلول إبداعية لذلك لا تنتقص من عروبة السوريين ولا من كردية الأكراد، مثلا، بإقامة دولة ديموقراطية تتأسّس على المواطنين الأفراد الأحرار المتساوين أمام القانون من دون تمييز من أي نوع؛ بحيث تغتني الدولة وتصبح أكثر حيوية بفضل التعددية والتنوع الكامنين فيها.

طبعا، ثمة فوق كل ذلك، التحدي المتمثل بكيفية تنظيم هذه الثورة لذاتها، أي لأطرها القيادية ولبناها وتشكيلاها ومؤسساتها السياسية والعسكرية والخدمية والإعلامية، وكيفية توضيحها لذاتها، أي لهدفها ورؤيتها لسوريا الغد، وهذا ضروري لها ولشعبها وللعالم، الذي تجهد لكسبه، ويأتي ضمن ذلك، أيضاً، كيفية إدارتها لأحوالها، ولصراعها ضد النظام الساقط، وبالتأكيد فعلى هذه المسائل الثلاث ستتوقف أمور كثيرة، من ضمنها، كيفية مواجهة هذه الثورة للتحديات والمخاوف التي تعترضها.

هكذا ثمة لهذه الثورة تحديات ومخاوف متعددة ولكنها تعدّ بتوقعات وآمال كثيرة أيضاً.

() كاتب وباحث فلسطيني ـ سوري

 تحولات ثقافية أحدثتها الثورة السورية

مها حسن()

بعد سنتين على اندلاع الثورة السورية، ما هي الإنجازات التي حققها السوريون، والخراب يحيط بهم من كل جانب؟ وحيث تكاد تصل أعداد النازحين إلى المليون، عدا أعداد الموتى والمفقودين، وخراب المدن ….

لنعد إلى ما قبل أسبوع واحد من ذكرى الثورة، إلى الثامن من آذار هذا العام، ربما نحصل على بعض الإجابات المبشّرة.

ففي الثامن من آذار في هذه السنة، تحرّر السوريون من الاحتفالات القسرية في سوريا، وتوقّفت أناشيد الحزب (العملاق)، حيث اعتاد السوريون على مدار حكم البعث، على نصب منصات الكلمات الخطابية، والرقص في ساحات المدن الكبيرة، والغناء، وتخصيص برامج التلفزيون لهذا اليوم، ذكرى الانقلاب العسكري الذي قام به حزب البعث سنة 1963، ضد الرئيس ناظم القدسي، وكان قانون الطوارئ، سيئ الذكر، أحد “إنجازات” هذا الانقلاب، والذي كان إلغاؤه ـ قانون الطوارئ ـ أحد أهم المطالب التي بدأت بها التظاهرات.

الجيل الذي تربى في ظل البعث، لم يكن لديه الكثير من المساءلات النقدية، فتح عيناه، أمام صورة البعث، خصوصاً الجيل الذي وُلد مع استلام الأسد الأب للحكم، هذا الجيل الذي لم يعرف طيلة حياته، سوى رئيس واحد للبلد، عاش شبه يقين الاستسلام لقانون رئيس الأبد.

قيام الثورة السورية، في آذار 2011، قلب الموازين، وأطاح البديهيات.

ريم، الطفلة التي رأيتها آخر مرة في حلب، تلعب وتلهو، ببراءة الأطفال، الذين لم يدخلوا بعد عالم الكبار، المفتوح على المعاناة، في ظل الأنظمة المستبدة. ريم، التي لم ألتقِ بها لاحقاً، منذ تركتُ حلب قبل سنوات، كانت في السادسة عشرة من عمرها، وها هي اليوم تظهر فجأة أمامي في الفيسبوك، تحمل وعياً مختلفاً، يهزّ أي بديهيات باقية لديّ، وهي تتحدث بمراجعة واعية ناضجة، من دون أن يكون لها ارتباط مباشر بالعمل النقدي البحثي السياسي، هو مزاج فردي بحت، تحرّر بفعل الثورة، من إرث سنوات البعث، مزاج صبية اكتشفت وجهاً مختلفاً لحرية التعبير، التي تقوّي مهارتها وولعها بالفن التشكيلي، إذ أقرأ في صفحة معلوماتها، حصولها على دبلوم الفنون الجميلة. تلك الطفلة الدمية، الخارقة الجمال، كأنها سندريلا الصغيرة، كبرت، وصارت أجمل من سندريلا في قصص الأطفال الملونة، التي كانت ريم تقرأها. تكتب في صفحتها :

(( في مثل هذا اليوم اذار من كل عام كنا نقيم الاحتفالات في المدرسة الابتدائية وتعلو أصواتنا( آذار يا رفاق…… ميلاد الحزب العملاق …. يا طلائع بعثية غنوا أحلى غنية)….لم أكن انتبه لمعاني الكلمات. كان كل ما يهمني أن لا يكون عندنا حصص في هذا اليوم، وفقط أن تعم الاحتفالات بساحة الباحة، وأن ألقي كلمة عن حب الوطن، وأب الوطن بعد أن أصيغها بالمنزل من جريدة البعث من أنامل صحافيين يكبروني بعشرات السنين، وأعلو درج مدرستي ليراني الجميع أتكلم، ويصفقوا لي كلما أكثرت كلمة الأب القائد ….. غداً سأخجل من أولادي عندما سيدرسون ميلاد تعددية الأحزاب وعندما سيصفق الطلاب لابنتي لإكثارها من كلمة شهداء سوريا في كلمتها التي اقتبستها من جريدة الحرية مثلا … سأروي لها أنكم الجيل الذي استفاد من أخطائنا يا حبيبتي ……)).

من هنا، من مرآة ريم ، التي كبرت بسرعة، وصارت أمّاً ناضجة، خلعت عن نفسها الانتماء البديهي لجيل البعث، لتمنح نفسها انتماء جديداً، تحمله ابنتها لاحقاً، هو انتماء الحرية.. من ريم يمكننا التحدث عن التحوّل الثقافي الذي أحدثته الثورة.

رغم الموت والخراب، أحدثت الثورة السورية انقلابات فكرية مهمة لدى الجيل الجديد خصوصاً بعد ذاك، الجيل الذي لم يرَ سوى رئيس واحد في حياته، ثم ابن الرئيس. بينما، هذا الجيل الجديد الذي وُلد في قلب ثورات المعلوماتية، والتكنولوجية، ويعرف لغات العالم، اطّلع على تجارب بلدان الآخرين، حيث تُجرى انتخابات دورية، ويعرف المواطن وجوهاً جديدة في القصور الرئاسية، يغادر الرئيس السابق، مسلّماً تقاليد الحكم، ضمن طقوس حضارية، لرئيس منتخب جديد، من دون دم أو تظاهرات أو رصاص أو حاجة لأي عنف.

هذا الجيل، والجيل الذي قبله، جيل البعث، المولود مع البعث، والذي قبله أيضاً، كل هؤلاء، وعلى فرادتهم، وضمن خصوصيات كل منهم، قلبت الثورة بديهياتهم وفتحت أمامهم باب الأمل.

من أهم التحولات الفكرية، هذه المراجعات الذاتية، مراجعات أجيال لأنفسها، مراجعات وأسئلة ومواجهات يومية( أين أنا مما يحدث؟)، لم يعد بإمكان السوري الفرار نحو اللامبالاة، أو اللاانتماء، بل عليه الاختيار، بوصفه مواطناً ينتمي لهذا البلد.

مدارس العبثية الفكرية، واللإانتماء التي نظّرنا لها طويلاً في جلساتنا الثقافية، وكتاباتنا، منحازين الى العدمية الفكرية.. كل هذا تنحّى جانباً، وأصبح الجميع معنيّاً بالحدث.

أعادث الثورة الانتماء، وهذا من ضمن تحولاتها أيضاً، من جيل مهزوم، منكسر، خائب، بسبب الفساد في سراديب الحياة المهنية، إلى جيل مؤمن بفرصته، وبالعدالة المقبلة.

كسرت الثورة مفهوم النخبة، فهي ثورة شعب، لا ثورة نُخب، وبهذا تكسّر الرمز، لم يعد المثقف الرمز موجوداً، المثقف الأب، الوصي، العارف، المتيقن، المنظّر، بل هي ثورة المثقف الهامشي، المسحوق، الذي كشفت الثورة عن إمكانياته الخبيئة، المركونة في الظل.

هي ثورة شعب، لا ثورة أفراد، ثورة ضد الذاتية، والنرجسية، والفوقية الثقافية، لم يعد يجرؤ المثقف في عصر الثورة، على ادّعاء اليقين والمعرفة، ولم يعد بإمكانه ممارسة الاستعلاء والفوقية بوصفه مركز المعرفة، بل كسرت الثورة الحاجز بين الهامش والمركز، وأخرجت النجوم الكبار، الواصلين بفعل الشللية والعلاقات والمحسوبيات، من المشهد، لتضع مكانهم أشخاصاً موهوبين، متمكّنين.

قد لا نتلمس هذه الفوارق بسهولة، لأن الثورة لا تزال قائمة، ولأنها لم تُنجز بعد، ولم تتحقق كلياً، لهذا فثمة من يتسلق، ويركب حائط الثورة، ليسهّل مروره، إلا أن الفوارق الثقافية الجمّة، والهزّات التي أحدثتها الثورة، خلقت تيارات نقدية مستمرة وحيوية داخل الثورة ذاتها، أتاحت لنا أن نسمع أصواتاً ثائرة، من داخل الثورة، على الثورة، ولا تقبل بتمرير الأخطاء. لهذا، ورغم أن لا آباء لهذه الثورة ولا منظّرين ولا مرجعيات وصائية، إلا أن كل فرد منتمٍ إليها، يشعر بأناه داخل المجموع، أناه غير المنفصلة عن مصلحة المجموع، ولكنها ليست النرجسية الاستعلائية، بل هي من نوع جديد، هي نرجسية الانتماء الجمعي لوطن يشارك كل فرد منتمٍ للثورة، بصناعته. هذه الأنا الدقيقة جداً، المنصهرة والمُحافظة على نقديتها، هي حماية الثورة، من تكرار نموذج النظام ذاته، لخلق رموز وتكريس هيئات وصائية جديدة على الفكر والثقافة. هذه الأنوات العاملة معاً، ضمن ما يشبه الانسجام “الهرموني” غير المنظّم، وغير المُتّفق على تفاصيله، إلا أنه بمثابة” مانيفستو” ثوري، نما من خلال الحوارات في الصفحات الفيسبوكية، واللقاءات المباشرة، وأسس لثقافة حوار، غير هادئ ربما، وغير ديموقراطي تماماً، إلا أنه مفتوح وبشدة، على احتمالات الديموقراطية والتعددية الفكرية.

أفرزت الثورة ثقافة جديدة، كسرت البديهي، أطاحت بالرمز والشخصنة الفكرية، ضربت بالنرجسية والأبوية المتعالية عرض الحائط، وأسست، أو هي في طريقها إلى تأسيس ثقافة منفتحة، مباغتة، ثقافة جديدة، لها ملامحها غير البديهية، والقابلة دوماً للتدقيق والتصحيح والتعديل.

هذه الثقافة الجديدة هي اللحاق بالشارع، التعلم في كل يوم، والحذر من الثبات التنظيري. في كل يوم، يقدم الشارع، خبرات جديدة، ومواد، وعناصر، على المثقف التيقظ لاستقبالها، واستيعابها، وإعادة صياغتها في قواعد فكرية، غير نمطية، وغير متقولبة، ذات مرجعيات مرنة.

كسرت الثورة نموذج المثقف العالِم، العارف، الرائي، النرجسي. المعرفة اليوم، متجددة وطازجة ويومية ومُباغتة، على المثقف أن يكون جاهزاً في كل لحظة، للتفاعل معها، التأثر بها، والتأثير فيها، بدلاً من التنظير من خلف جدران زجاجية أو بلاستيكية، عازلة، كغرف العمليات الفكرية، التي يخشى المثقف عليها منها من غبار الشارع ودخان الجماهير وتلويث الشعب…. بل عليه الآن، الإنخراط وسط معمعة التغيير، التي صارت قابلة لاقتحام كل شيء. السياسة، الدين، والثقافة، إذ، لا أبد، ولا ثابت، ولا واحد… لا قانون، إلا المتغير الدائم، وكل شيء محمي بالنقد.

() روائية سورية

فصل من الذاكرة دمشق صرتنا وحبل سرتنا

هاني فحص()

أنا عاملي، من عاملة، أو جبل عاملة، أو جبل عامل، مهجر القبيلة العربية اليمنية المتحضرة، التي تشأمت فيمن تشأم من قبائل اليمن بعد سيل العرم غطفان وغسان ولخم وجذام الخ- واستوطنت عاملة على كتف الجليل، وعبرت الكتف الى عمق الجليل.. ووصل التداخل الى حد الالتباس الجميل، فقال المؤرخون العرب، مرة: جبل عاملة جزء من الجليل، ومرة ثانية : جبل الجليل جزء من عاملة، ومرة ثالثة: جبل عاملة وهو جبل الجليل.. أي بالمساواة أو المطابقة.. وعندما احتل الفرنجة الشام قسموها ونظموها إدارياً فأتبعوا جبل عامل، منبتي، بإمارة القدس، كأنهم قرأوه جيداً، قرأوا استقطابه القدسي، بعدما تمعنوا في جليلية يسوع الملك، واختياره لأرض الآسيين في الجليل، ليكون قريباً من الذين اعتزلوا، احتجاجاً على تحريف اليهودية والمنحى الفرّيسي.. ولعل ذاكرته وأفقه العابر للحدود، هو الذي أتى به الى صور وصيدا ليشفي الكنعانية، التي نبهها الى أن إيمانها هو الذي شفاها، واضعاً نفسه في خدمة الإيمان، بدلاً من أن يكون الإيمان في خدمته، شأن الأنبياء الكذبة..

أنا عربي مسلم شيعي هاشمي من سلالة الحسين ذي الدمعة بن يحي الشهيد بن زيد الشهيدين زين العابدين بن الحسين الشهيدين علي وفاطمة.. الى الذروة الباذخة في النبي الأمي العربي، الذي نبهنا مبكراً الى العروبة الثقافية العابرة للعرق نحو بقية الأعراق، والتي ليست هي بأم ولا أب، وإنما هي عروبة أو عربية اللسان، أي المعرفة.

جئنا الى سهل حوران من اليمن طلباً للأمان فأمِنّا، ومنه انتقلنا، كأننا لم ننتقل الى جبل عامل الموصول بالجولان.. وبعد الحرب الأولى والتجزئة، صار جبل عامل إدارياً هو جنوب لبنان، بعدما مر بولاية عكا وصفد ودمشق وبيروت.. فاستقر في كنف لبنان الكبير.

ولأننا شاميون، لم ندخل سريعاً ولا حتى طوعاً بداية في الكيانية اللبنانية.. وقلنا : هي مصطنعة، قاومنا من اصطنعها (الفرنسي) ومن استقبلها.. ولكن الاصطناع هو تفسير لكثير من الكيانات في نشأتها، غير أنه لا يكفي لتفسير رسوخها وتطورها.. من هنا وبعدما تخطينا لبنان الكيان الوليد عابرين الى سوريا الكبرى بحدودها الطبيعية، كما عبر علماؤنا ووجهاؤنا وزعماؤنا، الذين اجتمعوا في (وادي الحجير) عام 1920م. وأعلنوا رفضهم للتجزئة، وتشبثهم بالوحدة.. بعدما تخطينا وأسهمنا في بناء الكيان، قررنا التوفيق العميق بين كيانيتنا أو وطنيتنا اللبنانية، وبين ذاكرتنا وحلمنا الوحدوي، من دون تسرع أو توهم أو مغامرة أو مقامرة.. فنمنا على سرير لبنان نرقب شمس العروبة وقمر الشام ونجوم آسيا، مصيخي السمع لنداءات من إفريقيا وتأتينا عبر مصر..كنانة الله وباب الحرمين.. ورسمنا لوحة مشاعرنا بالرمل والثلج، بزهر البرتقال وسُلاف الرطب والتفاح.. وتلفعنا عروبتنا على إسلام حضاري إنساني مفتوح على فضاء ابراهيمي رحب.. أما تشيعنا فلم يكن إلا مذهباً، اي طريقاً أو طريقة في فهم الإسلام والإلتزام به، فإن أجحف أحد في حقنا، أو شدتنا عصبية أو قطيعة، كان لنا من أئمة أهل البيت وعلمهم وأخلاقهم معتصم من الفرقة والإنشقاق عن السوية.. وإلزام والتزام بالإندماج والتناصر والشراكة.

لقد اتخذنا التشيع في الإسلام ومنه لا شعبة بل فرعاً بل نهجاً يغلَّب مصلحة الأمة على مصلحة الفئة، مستحضرين التزام علي “لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن جور إلا عليَّ خاصة”، وأولينا الأولوية للدولة، لا للسلطة بلا دولة.. أيضاً متمثلين بعليّ “لا بد للناس من أمير”.

حصلت مشادة بيننا وبين الشيخ ظاهر العمر ثم انهمكنا وإياه بقيادة ناصيف النصار في معركة ضد أحد الظلمة من الولاة (أحمد باشا الجزار) قبل قرنين ونيف من الزمان.. وكنا من قبل ومن بعد قد تعاملنا مع السلطة العثمانية من دون عقد، عارضنا لما فيها من جور، شأن بقية العرب والمسلمين، وعندما طغى الجور وارتفع منسوبه رفعنا من وتيرة معارضتنا وحجمها، دون أن يصب حبنا في طاحونة العدو.. بل كنا إذا ما تصدى الخارج، أي خارج، لهذه السلطة بالعداء والصراع، سرعان ما نتنازل ونأخذ موقعنا في الصف الواحد مقابل الخارج المعتدي، وعلى لساننا وفي الأعماق منا المأثور من قول علي (ع) عندما أشيع في صفين أن جيوش ملك الروم تهاجم أطراف الشام، قال علي (ع): “والله لو فعلها ابن الأصفر ملك الروم لوضعت يدي في يد معاوية أو لقاتلت معه”.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، كان الإرباك قد بلغ غايته في أداء الدولة العثمانية، زمن عبد الحميد، فانعكس ضعفاً وتفككاً وامتد جوراً. وعسفاً يميل البعض الى التخفيف من مسؤولية عبد الحميد عنه، لكونه وارثاً ومستهدفاً لا مؤسساً مرتكباً فقط، وقد أصابنا في جبل عامل الكثير من الآثار السلبية لهذا الوضع، فكيف تعاطينا معه؟

رأينا الغرب وراءه، يريد من ورائه إسقاط الدولة العثمانية، لا عقاباً لها على جور ترتكبه إزاءنا وإزاء الأطراف الأخرى من ديار السلطنة، بل عقاباً على ما حققته من وحدة وإن كانت قائمة على التغليب والتهميش، وهنا أجرينا حساباتنا وحكمنا معيار المصلحة والمفسدة، مصلحة الأمة، فكنا مع عبد الحميد، بانين في ذلك أو متزامنين مع موقف ومسعى القائد المجاهد جمال الدين الأفغاني (السني الشيعي معاً بشجاعة وانسجام يغري العقلاء)، الذي رأى الغرب يتوحد ليعد موحداً لعدوانه على الدولة العثمانية مركزاً وأطرافاً.. وكان السيد الأفغاني من قبل يناصب الدولة العداء لاستبدادها وظلمها ويريد أن يسقطها هو، بيده ولحسابه حسابنا- لا أن يسقطها الغرب بيده ولحسابه أو بيدنا لحسابه , ولملم السيد مبادئه وشرفه وحميته وعلمه ووعيه وذهب الى الأستانة ليقف الى جانب عبد الحميد مشيراً ناصحاً كاد أن يثمر لولا أن تدخل الصهاينة والماسونيون والجشع السلطوي الأسري ليحدثوا الشرخ بينه وبين عبد الحميد الذي اقترف خطيئة الغضب على الصهيونية والمعاندة لهرتزل ولم يفرط بفلسطين ولكنه كان مسحوراً بالحفاظ على (تخت) آل عثمان، ما جعله يستنكف عن الإصلاح والدستور.. وقد كان من إنجازات جمال الدين على هذا الطريق ما أحدثه من فتحة واسعة في السد الذي كان قائماً بين الدولة العثمانية وإيران القاجارية باتجاه الوحدة في مواجهة العدوان الغربي، قياساً على التجربة التي تمت بعد محاصرة دمياط من قبل الصليبيين بين الدولة الفاطمية والدولة العباسية ممثلة بالسلطان الشهير نور الدين محمود، وغني عن البيان أن جمال الدين كانت له يد في مصرع ناصر الدين شاه ايران الذي انكفأ في لحظة عن هذا المسار الوحدوي فقتله ميرزا رضا كرماني تلميذ جمال الدين ومريده في المكان نفسه الذي سبق للشاه أن سجن فيه السيد جمال وعذبه في إحدى ضواحي طهران..

هذا ليس حدثاً فرداً في تاريخنا الذي يتعامد فوق الجراح والفوارق والمسافات. بل له جذور وتقاليد سابقة وتجليات متعددة، مضمونها الأساس المصلحة المضبوطة بفقه توحيدي وأخلاقية نبوية إمامية، تعطي الأولوية للخطر الخارجي بما يقتضي ذلك من تعطيل تلك الصراعات الداخلية والمشاحنات.

بعد معركة “جالديران” في الربع الأول من القرن السادس عشر الميلادي، واحتلال تبريز عاصمة السلطنة الصفوية من قبل العثمانيين وهروب الشاه اسماعيل الى أصفهان، عاد العثمانيون بعد أكثر من قرنين ليجدوا في المصداقية الشيعية في العراق إشكالية لا تحل بالعنف والعداء، وكان لا بد من تعديل في التوجه العثماني في العراق على تعقيدات كثيرة وشائكة، وحصل التعديل فعلاً، وتصدى العلماء لدورهم التوحيدي فكان الشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء- المرجع الشيعي الأعلى، رسول خير بين الطرفين العثماني والصفوي، لم يرسله أحد، بل ندب نفسه للرسالة، فقرب ما قرب وحلّ ما حلّ من إشكالات ومشكلات ووفر كثيراً من المتاعب والخسائر والدماء والمصالح، وعنه ورث حفيده المرجع الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء هذا الموقف التوحيدي عندما أمّ المصلين المؤتمرين في القدس عام 1936 وهم قادمون من أقطار العالم العربي والاسلامي في مواجهة التحدي والعدوان الصهيوني ومن بعد جاءت مذكرته الشهيرة الكتاب- (المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون) وثيقة ناصعة في مواجهة محاولة الغرب العدوان على الاسلام بتقويض قيمه السياسية التحررية من الداخل.. وقبله وعندما أعلن السلطان محمد رشاد التزامه بالدستور العثماني عام 1909 وعاند السلطان القاجاري محمد علي شاه وتنصل من التزاماته والتزامات أبيه ومنع انعقاد المجلس النيابي المنتخب على أساس الدستور، كتب كبار مجتهدي الشيعة وأساتذة الحوزة الدينية في النجف في العراق رسالتين، الأولى الى محمد رشاد تسلم عليه بالخلافة العامة بشرط الدستور والديموقراطية، والثانية الى القاجاري الذي نعتته بالجنون، تهدده بخلعه إذا لم يلتزم بالدستور والديموقراطية وهو الحاكم الشيعي الوحيد في العالم.

وامتدت المواقف والمسالك والمعايير عاملة فاعلة الى ما بعد سقوط عبد الحميد ووصول الاتحاديين الى السلطة بما فيهم من سوء وعنصرية وعصبية وماسونية.. وعندما أكل المخلصون الطيبون من المشاركين في المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913 الطعم الاستعماري، توسل الاتحاديون التتريكيون بخصمهم العروبي المسلم الشيعي الصلب عبد الكريم الخليل(1) ليذهب الى باريس ويقنع المخلصين من المؤتمرين بأن لا يكون الاستقلال الذاتي غطاء لنوايا التجزئة والاحتلال، وذهب واقنع وأحدث إرتباكاً في المؤتمر بعدما كان أحد المؤتمرين المسيحيين القادمين من أميركا الجنوبية بصفاء وبُعْد نظر عظيم قد قدم اقتراحاً بإدراج بند الأخطار الخارجية على بلاد الشام على جدول المناقشة فسقط الاقتراح بالأكثرية الساحقة أو الاجماع !! لأنه حسب التعليل- ما من خطر على بلاد الشام سوى الخطر العثماني!! عشية الحرب الأولى ؟.

وكانت الحرب، وسقطت السلطة العثمانية التي كنا قد أصبحنا معها كغيرنا، من المسلمين لأن عدوها هو الغرب.. (أذكر المرحوم عجاج نويهض عام 1981 وقبل سنة واحدة من وفاته كيف كان يروي لنا ويبكي ذكرياته عن الأمير العظيم شكيب أرسلان وهو يخطب في قرى المتن الاعلى يستحث الأهل على التطوع للدفاع عن الوطن وهو يبكي بكاءً مراً وكيف انه جهز كتيبة قاتل بها في ليبيا..) وبكاها السلطة العثمانية- عالمنا المرجع التقي نزيل دمشق وعالِمها وحبيبها السيد محسن الأمين بقصيدة طويلة.

وحاولنا إنقاذها في العراق وهي على مشارف السقوط دون حساب للربح والخسارة، في ثورة العشرين التي قادها علماؤنا بنبل وبسالة وشهامة ما زلنا نفتخر بها وسنبقى.

وطوال فترة حكم الاتحاديين كان الشريف حسين، وبسبب صلف الاتحاديين قد وقع في قبضة مكماهون، وكنا في الخط المقابل، الى أن سقط الاتحاديون، فانفتح باب التناقض والتناحر بين حسين واسرته وبين الغرب، وانكشفت المؤامرة وأصبح الحسين وأسرته، موضوعياً في مواجهة الغرب، وهنا أصبحنا مع الشريف حسين دون تردد لأننا ضد المستعمر لو أن الرجل كان كما قال، وعندما أراد المستعمر أن يدرجنا في مشروع التجزئة بإعطائنا دويلة شيعية في جبل عامل، وأرسل لنا لجنة كينع كراين لتستفتينا -أفتينا قيادة وقاعدة، علماء وزعماء وجمهوراً واسعاً، أفتينا بالوحدة.. وعندما اشتدت الوطأة علينا، عقدنا مؤتمر الحجير وطيرنا مذكرتنا من هناك الى فيصل في دمشق والى العالم والتاريخ، على يد العلماء قائلين: ان جبل عامل جزء من سوريا بحدودها الطبيعية.. ونكرر هذه الأحداث لنؤكد بأننا استقر وضعنا ووعينا على جدل عميق وحيوي بين الكيانية والشامية أو السورية أو العروبة، فلا استقالة من شيء لخاطر شيء آخر.. وإنما هو التوازن بين العام العربي والشامي وبين الخاص اللبناني صيانة لكل منهما بالآخر.

قفزاً على المراحل والعقود والسنوات والأيام والأحداث والتواريخ والمناسبات.. من منا لا يذكر فرحنا بالثورة المصرية.. والجزائرية.. ووو ؟؟؟

ورحلاتنا أطفالاً على ضيق ذات اليد الى دمشق للمشاركة في أعراس الوحدة والدبكة على ضفاف بردى والعيون معلقة على شرفة قصر الضيافة و”حموي يا مشمش”! من منا، نحن جيل أطفال الوحدة وفتيانها من لا يقول لزوجته وأطفاله لو مرّ الف مرة على طريق دمشق بيروت هذه ميسلون ويوسف العظمة؟ ويمتد حبل الذكريات.. سعيد العاص وأحمد مريود وابراهيم هنانو وحسن الجزار وسلطان باشا ووو. الى آخر الثورة العربية الى أدهم وصادق وسليمان النابلسي وسليمان الحلبي وسليمان خاطر وأبو علي أياد وأبو جهاد، الخ.. والله وبالله وتالله لم يكن فرحنا بعبد الناصر فرحاً بالاشتراكية بل كان فرحاً بالوحدة وحسب.. لم تكن علاقتنا بالوحدة مشروطة إلا بشرط العدالة والحرية والديموقراطية.

ومن دمشق صالح العلي والقسام وجول جمال وبدوي الجبل وفارس الخوري كنا ندلف الى بغداد، من دمشق حبل سرتنا الى العلم والأدب.. من السيدة زينب وحجر بن عدي الى النجف وكربلاء ومن الحميدية والمسجد الأموي والمعمدان ويوحنا فم الذهب وابن عساكر وابن عربي ونور الدين وصلاح الدين، الى علي ونهج البلاغة والسبط الشهيد والأحفاد، ونعود مفعمين علماً وأدباً ولغة عربية وقراراً بالجهاد ضد الفرنسيين والصهاينة واحتضان المقاومة الفلسطينية والصبر على الخطأ لأن جبل الجليل شقيق جبلنا ورفيقه الى الأبد لم يغب عن عيوننا وشوقنا أن نرى القدس من قممه.. ولهجة عراقية ومصطلحات يومية من “الاستكانة”، لكوب الشاي ذي الخصر اللطيف والفم المذهب الى “النومي بصرة” الحامض العماني.. الى المائدة وأصناف الطعام من المسمّى الى القيمة الى الفسانجون والقيمر وتشريب الباقلة والرطب العمراني والبرحي.. الى المراثي التي تصل بنا الى آخر الحزن فنفرح ومن فرحنا نقاتل الأعداء من الصهاينة الى حكام الجور والإستبداد والفساد في كل زمان ومكان..

عندما نفقد أباً عزيزاً نصغي الى سكينة بنت الحسين في (الحسجة العراقية):

هضيمة يا بويا والله هضيمة / أنا صير من زغري يتيمة

أتاري الأبو يا ناس خيمة / يفيي على بناته وحريمه

وعندما نرى أطفال سوريا مشلخين بقذائف دفعوا ثمنها من ثمن طعامهم وملابسهم وأحلامهم.. لا يبقى لنا شعر يتسع لقلوبنا المتفجرة وأحزاننا المدلهمة.

ونذهب الى شعر حزين مفجوع، الى حزن شعري أكثر عمومية وأليق باستقبال أحزاننا الكونية.. التي تغرق أرواحنا في بحورها الطامية وأجسادنا.. ولكنها لا تغرق أحلامنا بالخبز والحرية والدولة الراعية للتعدد والوحدة المجتمعية.. ونجد صلاح عبد الصبور في انتظارنا.. ونردد معه:

” وثوى في جبهة الأرض الضياء / ومشى الحزن الى الأكواخ تنين له ألف ذراع / كل دهليز ذراع.. من اذان الظهر حتى الليل.. يا لله، في نصف نهار، كل هذي المحن الصماء في نصف نهار، مذ تدلى راس زهران الوديع ؟”.

والاسم الرمزي لزهران هو حمزة الخطيب، والاسم الرمزي (لدنشواي) هو درعا..

ويأخذنا صلاح الى حزنه المعتّق عندما تسكن مآقينا صور المذابح والمجازر واللون الغالب فيها طفولي أبيض داكن دافئ مشرّب بالورديّ والأخضر يشبه لون الحليب الذي يدفق من حبيبات كرز الزبداني أو زيتون يبرود أو أثداء أمهات حمص وأدلب تائهات في الصحارى يسألن الريح والرمال والعقبان عن أطفالهن الرضع أين يرقدون ؟ وفي أي قبور ينامون؟ وهل هم ينامون، أم يسهرون لعل فجر حلب ينبلج ويسافرون ليدركوا دمشق من داريا قبل شروق الشمس في مدينة الشمس.. دمشق ؟

” فرشت فوق ثراك الطاهر الهُدُبا / فيا دمشق لماذا نبدأ العتبا / حبيبتي أنت فاستلقي كأغنية / على ذراعي ولا تستشعري التعبا”.

ويأتي الصدى من قاسيون ذاهباً الى الغوطة الى حمورية وبيت نايم:

” أحلم يا دمشق بالرعب في ظلال قاسيون / بالزمن الماضي بلا عيون / بالجسد اليابس، بالمقابر الخرساء “تصبح يا دمشق”.

” يا حبُّ لا.. عفوك يا دمشق / أيتها الخاطئة القديسة الخطايا “.

فهل ينقضي حزننا بهذا الحب والشوق وهذا الغضب ؟

ابداً.. ويصر صلاح على الحضور مدندناً بحزن مصري معتق.. ورقرقة نيلية على بلاغة صمت بردى، الألثغ المتأتئ، المخنوق:

” يا صاحبي إني حزين / طلع الصباح فما ابتسمتُ / ولم يُنِرْ وجهي الصباح “.

” وأتى المساءْ.. والحزن يولد في المساءْ لأنه حزن ضرير”.

لماذا.. لأن إبلا الشام وأوغاريت الأقدم في العالم وفي الأرضين.. تؤول الى خراب… يخربها صبية لعبوا في حواريها، ولكن حجارتها كانت ألين من قلوبهم وعقولهم. ويأتي صوت أمل دنقل، من ألفية القاهرة والخوف عليها، الى انتفاضة سوريا والحرص عليها من شر كل أعدائها وبعض أصدقائها الظاهرين أو المتربصين. حتى لا تأكل الأخطاء ما تزرع الدماء من حنطة وقطن وياسمين وبيلسان وورد جوري في أحواش القيمرية والشعلان وركن الدين وباب توما واليرموك والحراك والشيخ مسكين وبنّش ..

“عندما تهبطين على ساحة القوم لا تبدأي بالسلامْ.. فهم الآن يقتسمون صغارك فوق صحاف الطعام ؟.

“بعد أن اشعلوا النار في العش والقش والسنبلة.. وغداً يذبحونك بحثاً عن الكنز في الحوصلة “.

أبداً.. أبداً.. وبعداً لهم وتباً.

“شآم أهلوك أحبابي وموعدنا / أواخر الصيف ان الكرم يُعْتصر

شآم يا ابنة ماضٍ حاضر أبداً / كأنك السيف مجْد القول يختصر”.

وقبل الموعد.. كانت درتنا.. درة الشرق جارة الجولان والجليل وجبل عامل.. مطلاتها على حيفا ويافا والقدس. والأقصى والقيامة.. والمذود في بيت لحم وغزة هاشم.

“ظمئ الشرق فيا شام اسكبي / واملأي الكاس له حتى الجمام / أهلك التاريخ من فضلتهم / ذكرهم في عروة الدهر وسام “.

“رد لي من صبوتي يا بردى / ذكريات زرن في ليّا قَوام / لحظة ارتاح لنا الحور فلا / غصن إلا شج أو مُستهام / وتهاوى الضوء إلا نجمة / سهرت تطفي أُواماً بأُوامْ / تقف النجمة عن دورتها / عند جفنيك وينهار الظلام / سائلين حين عطرت السلام / كيف غار الورد واعتل الخزام / أنا لو رحت أسترضي الشذا / لانتشى لبنان عطراً يا شآم “.

وعندما تضيق بنا السبل والأوطان والسجون والأفكار والضلوع والمشاعر.. عندما نشتاق الى النجف وحواريها والكوفة ونخيلها وبغداد ودجلتها وأبي نواس والكميت ودعبل الخزاعي والحلاج والكرخي وأبي حيان التوحيدي والشريف الرضي والجواهري والرصافي ورفائيل بطي وأنستاس الكرملي ومصطفى جواد وغائب طعمة فرمان والسياب في العراق، وعبد الحسين العبد الله وموسى الزين شرارة وعلي الزين والحوماني وفتى الجبل وجورج جرداق وبولس سلامة ومعروف سعد في جنوب لبنان برّ الشام جبل عامل، أخي الجليل وشقيق الجولان، نصرخ مع مظفر النواب :

يكضن ورد يا ديرتي لحسنك وموتن عالتبن

شوقي الك شوق القطا التايه وموعات الدهن

همِّينه أذوق مّيتك واركض بزخات المزن

دونك يحز بلوزتي الخنجر.. عيب اون

واذا ما اشتقنا الى الأحبة أهلاً وقرىً ومدناً وحاضرة حاضرة، أبداً كدمشق وبغداد قلنا مع مظفر:

من ظني كظك بالحلم عنبر فحت

ردت أجيسك جست روحي وفرفحت

ويفتخر ثلاثة من أولادي الخمسة على أخوتهم بأنهم عاشوا في العراق بعضاً من عمرهم.. وتفتخر إحدى ابنتي على الجميع بأنها ولدت في الكوفة.. في حي كندة، في حي الكندي والمتنبي على مقربة من الشهيد ميثم التمار الذي صلب على النخلة، ومسجد الكوفة حيث قتل ابن مرجانة علياً (ع)، وقصر الإمارة البائد كغيره من القصور.. على مقربة من شط الفرات والكناسة وآثار ديارات النصارى وحيرة المناذرة وبيت علي بن أبي طالب (ع) الذي ما زال قائماً.. في الستينات كنا نتمشى على الرمل، نطالع شجر العاقول ونبات الحنظل ونقرأ التاريخ في رمل الكوفة.

ذات أصيل رأينا أحد أمراء البيان العربي المرحوم الشيخ أمين الخولي مرتبكاً قرب منزل الإمام علي (ع) قلنا ما بك أيها الأستاذ ؟ قال : الولية حتقتل نفسها.. وجدناها.. الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ- تمرغ راسها وجبينها في تراب جدران بيت فاطمة الزهراء (ع) وتبكي حتى النشيج.. تبكي من الفرات الى النيل.. الى بردى والعاصي والليطاني.

من أحمد شوقي أمير الشعراء العرب (الكردي) :

“سلام من صبا بردى أرق / ودمع لا يكفكف يا دشمق / وللحرية الحمراء باب / بكل يدمضرجة يدق”.

الى محمد مهدي الجواهري النجفي سلطان الشعر العربي وسيد العمود المعاصر:

“أنا ابن كوفتك الحمراء لي طنب بها وإن طاح من أركانه عَمَدُ “

“جرى ثائراً ماء الفرات فما ونى / عن العزم يوماً موجه المتدافعُ / حرام عليكم وِرده ما تزاحمت / على سفحه تلك الوحوش الكوارعُ / كما فرق الشمل المجمع حادث / فقد يجمع الشمل المغرق جامع “.

كنا نحب قاسيون لأنه المكان الذي نرى منه لوحة دمشق مكتملة ألواناً وتكاوين وتقاسيم غوطة ومرجة وقلعة.. عراقة غابرة، حضارة غابرة، ومستقبل غابر.. والغابر في العربية يستعمل في الضدين، أي في الماضي البعيد والآتي البعيد. كالبعث الذي يكون عبثاً ويكون بعثاً وقد مر العبث ولم يبق إلا أن ننتظر طائر الفينيق -السوري أصلاً- ينبعث في قاسيون ويحلق فوق الغوطة.. ومن أعاليه يرى كل أهل دمشق ويراه كل أهل دمشق.. يا دمشق.. يا جـُلَّقنا.. يا دمشقنا ” على أمواتك المتناثرين بكل منحدرِ.. سلام جال فيه الدمعُ والوجدُ.. على المتبدلات لحودُهمْ.. والغاديات قبورهم طُرُقا.. وطيب رقادهم أرقا.. يحن الى النشورِ.. ويرقب موعد الربِّ “.

دمشق :”أسألها، دمشق لا تجيبْ، لا تنقذ الغريب، هل مرّ إن يمرْ.. مات بلا صوت هنا أو سرْ “.

() كاتب وعالم دين لبناني

() وبعد أن انكشف له الواقع “الاتحادي” التتريكي تصدر طلائع النضال ضدهم من دون تفريط بقناعة الوحدوية بشرط العدل والحرية للأطراف العربية فكان أول الشهداء .

تشريقة

فرج بيرقدار()

سآتي إلى حمصَ بعد قليل

سأدخلها آمناً

بحماية أبنائها

ويقيني بهم

وقرابةِ عشرين عاماً

من الغيب والهينمات الغريرةِ

عشرين عاماً

تنكَّر لي في مفارقها

حرسٌ دجَّجوني بأسلحةٍ

لا أراها

ومرّوا عليَّ بأسلحةٍ

لا أراها

ولكنني سوف آتي إليها

على أي نحو تشاءْ.

أليس لهذي المدينةِ أن تشتريني

ولو بقليل من الوَرْس والآس والمَرْحَبَات؟

سآتي إليها ولو لاجئاً

إذ تغيَّرَ معنى اللجوء

وغادر قاموسه اللغويَّ القديم

فكيف أهندسُ قاموسَ حمصَ

وليس لمثلي إمام له ما له من صلواتٍ

تبدِّد شكي

وليس له غير ربٍّ

يرتِّل آياته في سريرته

ريثما ينجلي فجرها عن معالمها

ليقول لنا:

آمنٌ كل من قال أو لم يقل:

تؤمنون ولا تؤمنون.

فكل الذين أضاءوا مواعيدها

بشموع أصابعهم

كي ترى غدّها، أهلُنا.

وحمصُ كما أمّها سورِيَا

فوق كل الظنون.

سآتي إلى حمصَ وحدي

سآتي إلى حمصَ ألفا

سآتي إليها حناناً وزُلفى

فحمصُ التي عمَّدتني

وحمصُ التي أسلمتني

يليق بها

أن أكون لها

ألف حبٍّ وحزنٍ ونهرٍ من الذكريات

لتشفى وأشفى.

() شاعر سوري

بانوراما الموت والوحشة

رشا عمران()

-1-

وما كان لشيء أن يحول دون تفتتي..

كنت أ راقب أعضائي موزعة على البلاط..

تلك اليد أعرفها جيدا وأعرف أصابع القدم اليسرى المبعثرة وأعرف الشامة السوداء في أعلى الظهر، الشامة التي كنت ابرزها دائما كلما نسيت اسمي..

أعرف بقعة الدم أسفل الجدار وأعرف السرة الملقاة تحت السرير كمنديل عتيق..

وحده الرأس بكل تفاصيله..الرأس المعلق أمام الشاشة السوداء كمسمار في فراغ الحائط

كان غريبا عني…….

-2-

ثم كنت أحاول أن أستنبت حياة هنا..

عزّقت أرضا ورششت بها التفاصيل كما البذار…

وكل صباح أفرد ما بي من الرطوبة على مساحة المكان وأطلق الأسماء على أجزائها لعلها تصدق أسماءها مثلي..

اليوم..اليوم تماما انتبهت كيف تميل شتلاتي القزمة باتجاه واحد فقط….

المقبرة

وكنت أراقبهم..

يأتون إلي من أول الليل..

يقتحمون صمتي كما الحجيج..

أعرفهم من أحزمتهم البيضاء..

من الحناء الكالح على أجسادهم..

أميز ظل الخوف في عيونهم والذهول على أفواههم الفاغرة..

يأتون إلي من أول الليل..

لا شيء معهم غير ترجيع طقطقة عظامهم وهي تئن تحت الركام

وغير مفاتيح لغرف يخبّئون فيها مؤونتهم

من الموت

لا يقفون !!

ناديتهم بأعلى صوتي..

قرأت لهم قصة الجميلة والوحش…

أخبرتهم حكمة الهندي العتيق…

فردت لهم ما خبأته من الدلائل والاشارات..

لكنهم كمثل نمل يسير في طريق مستقيم

مروا أمامي

تاركين لي خطا طويلا من التمتمات ألاحقها

كي لا أسقط في موتي

الوحيد

أمشي في الشوارع..

أعبر المدن المقطعة..

أقرأ أسماء القرى التي أعرفها..

أجلس على الأرصفة المخربة..

أدخل بسهولة في زواريب البلدات الموحشة..

هنا البحر المحايد

وتلك هي البادية..

أصعد في جبل متوسط الارتفاع

ثم أهبط سهلا يمتد نحو السماء..

لكنني ما ان أرمش بعينيي لا أجد غير ظل يتمايل على الجدار

في غرفتي شبه المعتمة

ثمة رأس في الدرج الأول

وجذع في الدرج الثاني

وساقان في الثالث

وتحت السرير ثمة يدان كاملتان

وثمة فائض من الدم على جدران الغرفة….

وحده ذلك القلب الحار تسرب من النافذة شبه المفتوحة

تطفئ الشاشة

تشغل الراديو

تعبث بمفاتيح الكومبيوتر

تعيد تشغيل الشاشة

تكتب بضع كلمات في الحب وتمحيها بكاملها

تمسك الموبايل،تلمس اسما أليفا وتلغي الاتصال

تنفر بثبات على الطاولة

تمسك بفنجان القهوة، تشعل سيجارة،تطفئ السيجارة،

تستند على الخد البارد،

تحك الجلد القلق،

تمسح ظل دمعة عن الجفن،

تعيد كتابة كلمات مبللة عن الحب…

اليد التي قطعتها قذيفة حاقدة قبل أيام ما زالت تحتفظ بذاكرتها….!

أقتفي آثارهم واحدا واحدا

أتبع لون أقدامهم على الاسفلت

ألاحق روائح أشلائهم على الأرصفة،

أميز بقع ذهولهم على الحجارة،

وعلى الجدران أحصي ما تبقى من ظلالهم كي لا أخسر مهارتي في اختبار الضوء لكنهم… كل يوم يفتحون أبواب التراب ويختفون

بينما أنا أتنقل وحيدة بين أبوابهم

وأموء كقطة شارع في ليل مدينة مدمرة

لم يأت أحد ذلك اليوم….

انتظرتهم طويلا

هيأت لهم المكان

فرشت ذاكرتي سجادة على الدرج

علقت قلبي على الباب كي لا يتوهوا

لكنني انتظرتهم طويلا

ولم يأت أحد منهم ذلك اليوم

كان علي أن أنتبه إلى الحيز الذي استثمره الدود في روحي

كي أخادع الانتظار

كان علي أن أردد: هم أضاعوا جهتي

كي أنتظرهم في الأيام القادمة

ذهبوا جميعا

البنات

البنون

الزوج الصالح

رضا الوالدين

صور عتيقة للسلف

بضعة ألعاب مازالت مبللة بلثغة طفولة ما

بسط وطراريح ومفارش مبقعة بآثار الأحاديث اليومية

ذهبوا جميعا

لم يبق شيء

غير رائحة شايهم الأخير

وغير مرآة تعكس دروب رحيلهم

في الشاحنات الفاجرة

كان علي أن أتكور كجنين في رحم جاف

أن أرفع رأسي قليلا كي أتدرب على مواجهة الفراغ

أن أرسم بعيني عقارب تدلني على وقت لا أعرف عنه شيئا

أن أشغل يديّ على الجدران الملتصقة بي علني أخترع حيزا يقيني من الانكماش

كان علي أن أمسح الغبار عن خيالات من سبقوني كي لاأعتاد على وجهي

وأن أصغي إلى ترجيع أنينهم جيدا كي لا أصاب بالصمم

كان علي أن أنتظر قطنة تدخل من شق موارب أسفل الباب وأمسح بها جلدي كي لا أصاب بالحقد

كان علي ان أعتاد ملمس الحشرات كلما بدأت لملمة ما يتساقط من شعري عن بنطالي الباهت

وأن أعتاد على ملمس الرمل في جلدي كواحد من تمارين الانوثة

كان علي أن أصدق كل هذا وأحفظه كما لو كان جملتي المفضلة

كي أكتشف كل لحظة أنني،أنا هي صديقتي

في

زنزانتها المنفردة………..

-1-

ولد مذهول على البساط

طفلة على السرير الصغير

عجوز تستند إلى حائط مائل

ثمة عكازة عند الباب الموارب وكرة تشعر بالملل

وعلى الحائط

صورة رجل وامرأة في ثياب العرس

بقعة حمراء على زاوية الصورة

كما لو كانت شارة الحداد

-1-

يداها اللتان كانتا تحضران الصباح

يداها اللتان كانتا ترتبان تفاصيل اليوم

اللتان كانتا تلقيان بالدمع المخبأ تحت الوسائد من النافذة

اللتان كانتا تحصيان الأدعية وتوزعانها بلمسات الدفء على الوجنات الصغيرة

واللتان كانتا تنتشلان خيوط الحاجة من البيت الحميم

يداها اللتان تحضنان صورة عائلية هي آخر ما تبقى في البيت الحميم

يداها الآن

تلملمان ما تبعثر من حبات قلبها تحت الركام

-1-

وفي آخر الليل أعيد أعضائي المبعثرة إلى أمكنتها

قد أضع أصابع اليد اليمنى في القدم اليسرى،

وقد أخطئ في ترتيب تفاصيل وجهي،

وقد أضع القلب مكان إحدى الكليتين…

لكنني إذا ما استيقظت صباحا سأدرك أنني

استيقظت كجثة مكتملة

أمام المرآة

لا أرى

غير

جثتي

كل من أطعمتهم من جسدي

تحولوا إلى تراب

الأطفال الذين أنجبتهم

الأطفال الكثر الذين

أنجبتهم

كأنني أم الشهيد

أنزل القبر

قبله

الحفرة في غرفتي

الحفرة الصغيرة

كان يكفي أن اضع فيها بعض الماء

وأوراق نباتاتي المهملة

كي أرى ثمانين نسخة مني

منتفخة وزرقاء

وبرصاصة في الرأس

ابتعدت قليلا عن مركز الذاكرة

أسفل السرير

أسفل الخزانة

أسفل الطاولة

أسفل الباب

أسفل الكنبة

أسفل السجادة

أسفل كل شيء في غرفتي الضيقة

ثمة ليال طويلة مضت

وأنا ألملم حبات عقدي العتيق

العقد الذي ألبستني إياه إحدى جداتي

حينما كنت قصيرة

-2-

ثم أنني

كنملة سوداء طويلة

كنت أزحف على الميلان الضيق أسفل الحائط

بدأب غريب

وانا أجر خلفي عيني اليسرى

عيني

الشاهدة على الجريمة

-2-

كتمثال نصفي

مقطوع اليدين

كنت أنتصب عند بوابة المقبرة

أراقب الموتى وهم يدخلون

وأراقبهم

وهم يخرجون

بينما النمل بخطه الأسود الرفيع

كان يكتب أسماءهم واحدا واحدا

ويملأ الثقوب بأعدادهم

الثقوب

التي حفرتها مسامير أوجاعهم

في الجهة اليسرى من جذعي

-2-

وكنت قد تركت الباب مفتوحا

ونمت

قلت: ربما يأتون فجأة ليدخلوا في نومي

الموتى

الموتى الذين لم يعد لهم مكان

في ذاك التراب

-2-

حتى أنني لم أعرف الفرق

هل هو الليل

أم العتم تسرب من قلبي المنخور

-2-

بثوب أبيض طويل

وعينين مغمضتين

وأذن واحدة فقط

تحلق امرأة فوق الشجرة المعلقة على الحائط المقابل

بينما يداها الغائبتان عن المشهد

كانتا تنزعان القطعة المسماة:قلب

وتلقيان بها في النهر الأسود

الذي يسيل

أسفل الحائط

الحائط

المقابل

لأريكتي

وكل مساء

أخرج اللعبة البلاستيكية التي أخبئها في الدرج الأيسر في زاوية الغرفة

أقرن مفتاحها حتى النهاية

وأضعها على البلاط

الخيالات الدائرية تملأ الغرفة حولي

تعربش على الأريكة والكراسي والجدران

تحتل سريري وفرشتي ووسادتي

تسحب اللحاف عني فأرتجف من البرد

ثم في الصباح

حين افتح عيني

لا أرى غير ممر ضيق يدل إلى قبر مفتوح

وعلى الجانبين

تتراكم آلاف النسخ من وجهي

مدماة ومشوهة بفعل الدوران

بينما على الحائط أعلى القبر المفتوح

تنتصب لعبتي البلاستيكية

كوحش مستفز يشم رائحة ضحيته القادمة

ألف نفسي بالقش الطري

وأدق المسامير على جلدي

وأدهن أطرافي بالبني الغامق

ثم آخذ الزاوية الفارعة من الطاولة

وأنتظر

وهكذا..

أتحول إلى شيء من أشياء غرفتي الصامتة

وأوقف كل محاولاتي الفاشلة

لأنسنة وحشتي

لم انتبه اليه

وهو يحفر الأرض بأظافره

ويخبئ دموعه تحت البلاط

حينما مستني الرطوبة كما الكهرباء

رأيت مجرى صغيرا يمتد من وسط الغرفة إلى سريري

وثمة زورق وحيد على هيئة الكفن

يتهيأ لاصطحابي

فجأة صحوت ورأيت ظلي على الجدار

محاطة بالورد الأصفر

يدي اليسرى على صدري

وباليمنى كنت امسك بيد الطفل

الذي رأيته في منامي يحفر الأرض بأظافره

ويخبئ دموعه تحت البلاط

ليس ثلجا ما تراكم في وسط الغرفة

تلك هي أنا

ملفوفة بمئات الأكفان

أستعد لصورة

جماعية.

()شاعرة سورية

 سنتان على آذار سوريا.. ربيع مخضّب بالدم وانتصار مؤجّل

يوميات حلب

محمد فؤاد()

(13 آب 2011)

الكتابة ألم.

والدم الذي ينقط على الشاشة يلوث المشهد ويترك على الكنبة مايشبه بقع القهوة الجافة نلمسها بأصابع مرتجفة كي لا تنتقل الينا العدوى

نستند بظهور مكسورة كأننا ذاهبون الى الجحيم بعيون مغبشة بالاحمر الداكن.. لكنه بنيٌّ أيضاً ويترك على الروح ما يشبه الصدأ

نمسح على الرؤوس الهرمة ونهرب من لفظها ثم نلعق الملح الذي يسيل من العيون.

الذين يزحفون من طرف الشارع الى طرف الشاشة يتركون على الاسفلت أثراً أخضراً سرعان ما يكبر مثل سياج من الحبق، يرموننا بوردة ويموتون على عجل كي لانخجل منا

… اخلعْ نعليك الآن وامشِ على قطع الزجاج.. هذا هو الوادي.

(12 حزيران 2012)

“طلعتْ قذيفة….. غمضتْ عيوني وفَتّحْتُنْ….. لسا عايش

غيري على بعد كم كيلومتر جَربْ يعمل متلي.. بس ما حسن يفتحن…….. أبداً”

(11حزيران 2012)

“رفاق القراءة نائمون.

تتجول وحيداً بين رفوف المكتبة

دون إشارات تدل على المخرج.

الأنين على اليمين من الرف الثالث

فصل كامل مطرود من الرواية،

والضحك عنوان مأسوي

لكتاب في الفلسفة.

تسيل السياسة كالمخاط من رف لآخر

لا وقت للملاحم

لكتاب الإمتاع والمؤانسة

حيث ماتشادو يدفع الغلاف المقوى برفق

كي لاتسقط الصحون

..

نحن أشبه ما نكون بمسودات الكتب

مليئين بالمقاطع التي تحتاج الى تنقيح”

(23 حزيران 2012)

يموتون بصوت خافت

بأدنى ضجة ممكنة

اليوم الطلاب الصغار إحسان صادق وماهر عزاوي وانس الاغا.. عبروا الممر على رؤوس أصابعهم كي لا يقلقوا نومنا وأغلقوا- بصوت مكتوم – خلفهم باب الحياة الثقيل.

الطلاب الصغار غداً لن يكونوا مادة لقصيدة او خبراً في شريط يعبر سريعاً من اليسار الى اليمين

لن يشبعوا – حتى- موتاً

(1 تموز 2012)

البارحة بعد ليلة أرق – كالعادة- طويلة نمتُ وحلمتُ بأن جندياً أوقفني على حاجز وقال لي رأيتك في الهند وصفعني على خدي بقوة حتى أدماني ، حينها شممت رائحة لحم محروق، نظرت الى يدي فوجدتها متفحمة تماما، نكزها الجندي فسقط نصفها كأنها رماد سيجارة وضحك .. ونظرت اليها ثانية وبكيت

..

ولم أستيقظ بعد.

(7 آب 2012)

على شرفة البيت أجلس، حلب أمامي سوداء وموحشة، قرقعة صحون في العتمة تعني ان ثمة حياة تحدث على طاولة. لا نأمة سوى رشقات رصاص متقطعة من مكان ما وقذيفة واحدة يسبقها صفير غريب… ثمة من يترك الان هذا الكوكب بحلق جاف.

حلب أمامي سوداء وساكنة، الظلال العملاقة هذه ربما لأشجار ربما لغيلان قادمة من حكايات بعيدة في الطفولة ربما هو بخار اسود ينفثنه الآن نسوة ينتظرن اولاداً صاروا أرقاماً في نشرة الاخبار

حلب.. لا نقرة عود.. لا قدٌ يميس.. لا كأس في ” العندليب”() .. لا ندامى .. ولاغناء

..

..

..

واحداً فواحداً

يستيقظون،

وحوش العتمة

() العندليب: بار شعبي في حلب يرتاده كتاب وفنانون

)14 تشرين الثاني 2012(

الساعة الآن فجراً في حلب.

والسهارى (إن كان ثمة مَنْ نائم) يحصون القذائف وألوانها…

(هل الموت بالقذيفة الحمراء أشدّ وطأة من الزرقاء؟)

ماالذي يعني أن تسقط 61 قذيفة في أقل من ساعة؟ هل هناك ما يكفي من البشر ليموتوا …أم لابد أن نستدين؟

هل من الضجر؟

أم من الخوف؟

أم من الجنون؟

أم من الحقد

يرمي القاذف الجحيم على نوم الناس

كما يرمي رجل وحيد حصى في الماء.. بلا مبالاة ولا اكتراث؟ سوى لقتل الوقت …

..

..

من ذا يجرؤ على قتل الوقت؟

(3 كانون الثاني 2013)

الطريقُ منكوش من الوقوع على الركبتين والأصوات عمياء تتخبط بالجدران

اليد التي كانت عص

ا تُرمى ايضاً كحبلٍ

والجثة في الطريق ليست لتلك العين الواحدة على أعلى السطح

ثمة من سمح لها ان تسقط كيفما اتفق

هكذا

وأن تترك بحيراتٍ صغيرةً تعلق بأحذية الرياضة

(4 كانون الثاني 2013)

خيط الدم الذي يهبط من أعلى الجبل

يبقع الأيدي كخطيئة أبدية

ويصّاعد كبخار من الجحيم

..

من لم يرَ منكم الدم

لن يرى أبداً

)28 شباط 2013(

بحرف الهاء فقط .. يمكن أن تصنع حبلاً طويلاً من الضحك.

() كاتب وشاعر سوري

 الاختناقُ بالدموع

دارا عبدالله()

حاجز الخوف

كنَّا مختبئن وراءَه، يا من كسرتم “حاجز الخوف” ورحلتم، أرجوكم أعيدوا بنائه من جديد.

مجنون “الفدرالية”

العلمُ الكرديُّ المفرودُ من سطح البناية على واجهتها، أخفى عري الاسمنتِ غير المكسي، أمامَ البناية في حيِّ “المصارف” بمدينة القامشلي، طاولةٌ نظيفةٌ تجلسُ خلفَها “قياداتٌ” من “المجلس الوطني الكردي”، إنَّها ندوةٌ سياسيَّة عن “الثورة السوريَّة والحقوق الكرديَّة”.

الأشياءُ أكثرُ ممَّن تلزمهم هذه الأشياء، ثمَّة فائضٌ في كلِّ شيء، الأبنيةُ أكثرُ من البشر، والأحزابُ أكثر من المنتسبين، والمقابرُ أكثر من الموتى، وفي تلك الليلة كانت الكراسي أكثر من الحضور.

لا استحالةُ التحقيق تفضحُ بؤسَ المفهَوم، بل صعوبةُ اللفظ أحياناً، شيءٌ عنيدٌ يقاوم كفيزيولوجيَّة الفم، لفظةُ الكردي لكلمة “فدراليَّة” و”كونفدراليَّة” تبدو ثقيلةً وغليظة، كركاكة ياباني يقرأ القرآن.

ثمَّة مجنون يصطاد كلَّ ندوات المجلس و يتسلَّل دائماً خلف تلك القيادات و يلوِّح بيديه أمام الحضور بطريقة مُضحكة، السياسيون خلف الطاولة ما زالوا يتحدَّثون عن “اللامركزيَّة السياسيَّة” و”الفدراليَّة”، والمجنون خلفهم يرفع يديه ملوحاً، أصبح الناس يقولون.. حيثما يكونُ المجنون تكونُ ندوة سياسيَّة.

الخلود بالقتل

يتخيَّلُ القاتلُ عدداً لا نهائيَّاً من البشر، ويهمسُ لنفسه: لن أموت قبل أن اقتلهم جميعاً. القتلى وقت القاتل المخزَّن، والقتل اتِّقاءٌ شرّ الموت.

هاجِسُ المَقابر

اشتباكُ التسميتين “سري كانييه” و”رأس العين” جارٍ للاستحواذِ على المكان، هل الممحاةُ عرقيَّةٌ بعثيَّة أم قوميَّة كرديَّة؟ أيُّ حرفٍ شيَّع جثَّة الآخر، العربيُّ المكتوب بالكردي المنطوق أم العكس؟ العارفون يريدون أن يحدِّدوا بدقَّة لمن كان المكانُ أوَّلاً! مدينةٌ بُنيت على مهلٍ، و تكفَّل عرَقُ العملِ في مطاعم دمشق بتحويل الطين المنهَك إلى إسمنتٍ أكثرَ هشاشةً. التبغ الداخل إلى رئاتِ الأكراد العاملين في مطاعم دمشق كافٍ لتحسين مزاج نصف سُكَّان الكرةِ الأرضيَّة، رئاتٌ تمايزت إلى عوادم سيَّارات فاخرة. لم كلُّ هذا الخوفُ من انفصالِ عمَّال “الأركيلة”؟!

الخليفةُ السادس خيَّاط العمامات، قِبلة المعارضين السوريين الباحثين عن جبَّة. أيُّ ضميرٍ يمتلكُ ذلك الذي كان ينحب بكاءً حتَّى البارحة على مصير حاكم دمشق، و يذرفُ سيولَ الدموع الآن بلوعةٍ حارقةٍ على الشعب، أيَّةُ سلاسةٍ تجعلك تنتقل كالماء من الأقصى إلى الأقصى. لنقل الحقيقة، نكصَ الشارع عن وعٍد برفاهيَّة في الحياة، واستسلم لوعد “نصرة” الدين حيث “الرفاهيَّة في الموت”، أمَّا الصمت العاق للنخب الفكريَّة عما يجري من ارتكاباتٍ جسيمة، فهو خوف من “شقّ” الصف المتراصَّ بملاطِ الخطأ، استسلمت الطليعةُ لعضلات الحناجر. وإذا قال كرديٌّ: أنا كردي، ردَّدوا: احذروا من يقظةِ البركان الخامد، مخطِّطو تقسيم البلدان. الكلُّ يراقب شفتي الكردي ويصيحُ بصوتٍ جارحٍ للهواء: “أنَّه يقول فدراليَّة إنَّه انفصالي”. أكرادٌ هم فائضٌ عن حاجة الله على الأرض.

ألفٌ وأربعمائة حصانٍ طروادي ملتحٍ دخلوا مدينة رأس العين وكتبوا” الله أكبر” على مسامير البيوت، اللحى الطويلة متناسبةٌ مع ضمائر قصيرة، كيف سيقبل الأكراد الانتصار لجماعاتٍ مغلوبةٍ على أمرها، تتبعُ خليفة مهجوساً بكيانٍ كردي صاعقٍ لأكراده، صعبٌ لخيال الكردي أن يخرجَ من هاجس المقابر. قمَّة الهرج يختصره حائط كرديّ طينيّ كُتِبَ عليه “برسم البيع”، بخَّ المسلَّحون عليه كلمة “الله أكبر” ، أصبحت الجملة “الله أكبر برسم البيع”.

التعذيبُ بالنّظر

خمسُ أمكنةٍ مُتشابهةٍ لا تنقطعُ عنها الكهرباءُ في دمشق، المدارسُ والسجون والمشافي والثكنات العسكريَّة والمدينة الجامعيَّة، العتمةُ تبعثرُ التعاسة، والضوء يجعُلك الشاهد الوحيد.

مُتظاهِر

رقصاتُ السوريين عندَ دفنِ ضحاياهم، طقسُ التلذُّذ بالألم، ذوبانٌ تامٌّ للنرجسيَّةِ في المجموع، “الله أكبر” في الهتاف هو تذكيرُ القدر بعُزلةِ وتعاسةِ الخليقة، الإلحادُ هنا غيرةٌ على القدر، تبرئةٌ له.

هِجرة

الهجرةُ أسوأُ من البقاء، الراغبُ في الهجرة فقيرٌ، والميسورون حملوا حقائبهم ويتابعون أخباركَ العاجلةَ من إحدى المقاهي، الهجرةُ انتهاكٌ للكرامةِ، هزيمةٌ، ستكونُ خفيضَ الرأس مسلوبَ الكلام في بلاد الهجرة، في لبنان كيف ستقنعُ مؤيَّداً للثورة السوريَّة أنَّ هنالكَ فئةٌ في سوريا قرفتْ من كلِّ شيء و تريد فقط الكهرباء والخبز والمازوت؟ كيف ستقنعُ مؤيِّداً للنظام السوري أنَّ السوريين كلهم ليسوا معجبين “بذكاء” و “حنكة” “الدكتور”؟ المفيدُ في الهجرةِ ربَّما مراكمةُ بعض التجارب الجنسيَّة من أجلِ تحويلها إلى قصائد أيروتيكيَّة ليقرأها أولاد الوطن، المشكلة الأساسية للهارب من الاستبداد و الباحث عن الحرية في بلاد الحرية … هي الحريَّة.

سوريون

في لبنان تقتلهم العواصف، لو ذهبوا إلى أميريكا سيُحرَقون بحمم البراكين، في اليابان سيضيعون في شقوقِ الزلازل، في أوروبا سيُجرَفون بسيول الأمطار، أفضل لهم البقاء في سوريا والاختناق بالدموع.

خرائط

الخريطةُ السوريَّة تشبه مُسدَّساً، اللبنانيَّة وجه عجوزٍ يصرخُ باتّجاه سوريا، التركيَّة بقعةُ دمٍ متجلِّطة تمدَّدت بمياه المطر، العراقيَّة مثل حذاء الجنود القادمين من الحرب، الأردنيَّة مثل حيوانٍ جائعٍ يريد أن يبتلع السعوديَّة، القطريَّة مثل أثر قدمٍ لحيوانٍ غامض، الروسيَّة مثل أخطبوطٍ يريد أن يلتهم البحر. الأشكال المرتسمة من الخرائط ليست لهواً من التراب، قدرُ الدول شكل خرائطها.

مبادرة سياسيَّة

مُحالٌ اتّفاقُ الجميع، لا يوجدُ في العالم شيءٌ ليس نقيضاً لشيءٍ آخر، العدم هو نقطة الالتقاء الوحيدة في الوجود.

الضحيَّة بالحظّ

تخطِئُ الأقدارُ أحياناً في اختيارِ ضحيَّةٍ، خللٌ بنيوي في تشابك الأقدار جعلها ضحيَّة، ضحيَّة كانت مخصصةً للانتصار، وحصل خطأ سلبَها الحظُّ، ضحيَّةٌ كانت ستصبحُ جلاداً، تخبِّئُ علامات سيادة تسلُّطية سريَّة لا يمحيها الدهر، ليست كل ضحيَّة ضحيَّة. ثمَّة إشكال واقعي موجع : كلُّ حريَّةٍ هي في العمق مقيَّدة لحريَّة أخرى، كل الضحايا الذين يموتون ارتباطاً بحريَّةٍ، هي في الواقع مناهضة لحريَّةٍ أخرى.

مخدِّر الضمير

البحرُ يريدكَ ماءً للغريق، القاتل يريدك رصاصةً للقتيل. مرتكب الخطأ دوماً يبحثُ عن شريكٍ في الذنب.

رائحة الاستبداد

ثُلَّةٌ من العناصر المخمورة اقتحمَت المهجعَ مساءً في فرع الأمن العسكري بدمشق، أخرجُ أحد العناصر ورقة من جيبه، وحدَّد مجموعةً من الأسماء، و طلبَ منهم تحضير طقوس آخر العمر، لأن حكم الإعدام قد تمَّ إقراره، همهمةٌ مذعورةٌ عمَّت المهجع، وضجيجٌ قلقٌ انتشرَ بين السجناء، قام المطلوبون بالوضوء والصلاة والدّعاء، أحدهم تكوَّر في زاويةٍ ما وأجهش في البكاء، وآخرٌ كان يطلب بالضبط أن يقولوا لابنه الكبير أن يعتني بوالدته جيداً.

تم اقتيادُ السجناء إلى ساحة السجن الخارجيَّة، وجوههم ملتصقةٌ بالحائط، لقَّم العناصر بنادق الكلاشينكوف وأطلقوا الرصاص باتجاه الهواء، لقد كان أمراً في غاية التسلية بالنسبة لهم. (أحد القتلى الأحياء كان تباغته نوبةُ صرعٍ انفجاريَّة في كلّ مرَّةٍ يسمع فيها صوت تلقيمة البارودة).

في لحظات التوتُّر الشديد والانهيار النفسي، ترتخي كل المصرات العضلية في الجسم بما فيها المصرات الشرجية، أحدُ الناجين من المجزرة الكاذبة، أحد القتلى الأحياء ارتخت كلّ مصرّاته لحظة إطلاق النار.

رائحة الفودكا المنبعثة من العناصر المخمورة تجذِّرُـ”علمانيَّة” النظام في مواجهة “الإسلاميين المتشددين”، رائحة الكحول تعني بالضبط رائحة السلطة والاستبداد، في تلك الليلة بالذات أزاحت رائحة خراء السجين رائحة فودكا عنصر الأمن.

() كاتب سوري

 سنتان على آذار سوريا.. ربيع مخضّب بالدم وانتصار مؤجّل

المكان الذي تأتي منه الدموع

أكرم قطريب()

ألواح هوميروس

المستقبل لم يأت بعد. إنه في البلاد النائية حيث لا يمكن أن تتسلق عليه كحائط مدرسة هرباً من درس رياضيات. ما يحزنني أنه لن يزور بلادي ولو على حصان خشبي، بابا نويل رأس السنة. أو بتلك السهولة التي تجعل الشعوب عشائر تعزف على آلات متكسرة. بينما رأس أبي العلاء المعري يتهاوى بغير حق. لم تكن مزحة حين رأيت رأس صاحب “سقط الزند” حزيناً ولا ورثة له غير أمة يجتاحها احتفال غامض، وهي تقلد الطاغية الذي يتلاشى ظله بمفرده وجمعه. لا أحد يكسب المعركة حين تسرق ألواح هوميروس بعناية من المتاحف وثمة من يخطط للمعركة بغض النظر عن الآدميين الذين سيموتون في حادث القطار. البراءة من اختصاص الجاز. والبلاد حين تتحول إلى شركة محدودة المسؤولية يلزمها خطة ذكية للإنقاذ وصوت بقوة جيمس براون على المسرح أو بحة صادق حديد على الربابة. الزواحف والأغنام المفاجئة التي خرجت للرعي، والوجوه المقطبة، والدجاج الذي كان دجاجاً ويحاول أن يقلد النسور على قمم الآنديز، والذين يركبون هوب هوب الشهرة لا يهمهم أحد من أولئك الذين يهرم أطفالهم في المخيم الكبير الذي اسمه سوريا. في التلفزيون حاول أن لا تسقط في الحفرة ولا تلتقط صوراً للفجر وأنت تعبر تحت الحراسة المشددة إلى غرفة النوم.

بوهيميا

كل صيف كان عليّ أن أشّمر عن ساعدي وأسعى في مناكبها. عملت جابياً على خطّ حماه. وكان الميكرو لصاحبه المولع بالأرانب والحمام (مصطفى. د)، دلني عليه صديق ابن عمي وكان “حميماتياً” أيضاً. بارتياح شديد سأبدأ حلماً كان يراودني حين عودتي من المدرسة وأنا أرى معاوني الباصات يفردون يداً في الهواء وكأنهم يقفون على رف صخري بعيون أدمعها الهواء. آلة كمان تعزف موسيقا غامضة لم أكن أفهمها. في عمر أربعة عشر عاماً كان عليّ أن أكون مسؤولاً عن نفسي، أحوش الصيف كي أجمع الليرات لشراء بدلة الفتوة (رداء المدرسة العسكري) والبوط الأسود وحذاء رياضي لأجل حبيبتي كرة القدم، والدفاتر المدرسية ذات الرائحة الغريبة. مصطفى السائق يقود الميكرو وعينه إلى السماء والركاب يرقبونه بحذر في المنعطفات الخطرة وأكثر ما يخشونه رؤية سرب حمام يرتفع فوق الحقول على الطريق. مرات عديدة كان يقف فجأة ويتركنا لمصيرنا في العراء وكأنه على سطح بيته يرفع يديه للأجنحة في السماء وهو يبكي و يصيح. يوماً ما صعد إلى الميكرو عمي ومعه صديقه ثم جلسا في البريمو: المقعد الذي بجانب السائق على اليمين مباشرة، هنا أبيت أن آخذ أجرة الطريق منهما، فنظر المعلم إليّ نظرة تقدح شرراً وعينه في المرآة تعدّ الرؤوس المتماوجة. لم أنس تلك النظرة التي جعلتني أتجمد للحظات وأحسب أن القيامة على بعد خطوات. رعب يصعب تصويره. من الست ليرات أجرتي اليومية، رفعت صوتي في وجهه حين وصولنا إلى منطقة الكراجات على ضفة العاصي:- إقتطع الأجرة من يوميتي. بعد سنتين بدأت الأحداث في حماه. تذ كرت مصطفى وأ سراب الحمام التي كان يطاردها والميكرو الأزرق، جسارة تشبه مجاورة الحلم والموت والإمتنان للخيال .. وللتراب الخفيف الذي مشيتُ عليه، وللسماء التي بقي فيها أجنحة تطير..

هكذا مثل ميكانيكي

السر نوع من الثقل يجعلك محني الرأس ونعساناً دون أن تدري. ما يغيظك أن الأنذال هم من ينبهونك أن لا تقع. تكتشف بعدها أنهم يريدونك عارياً وهم يحدقون فيك كي يطردوا كسل نومهم. وبعضهم من يشرح لك المكان الذي تأتي منه الدموع. الشاعرة التي كنت أحسبها حبيبتي، والصديق الذي تعرفت عليه في فرنسا وشربنا مع صديقته الأميركية البيرة في نيويورك، والبروفيسور العراقي الذي يحاول أن يكون شاعراً أو روائياً بالقوة، الترجمة الدقيقة للوحشة أن تكون قاطع طريق وأنت تملك ناصية لهجة العبارة :هكذا مثل ميكانيكي يتحفك بالفاتورة الباهظة ثمناً لإصلاح سيارتك الكاديلاك موديل1986.

تولستوي وقطار الحجاز

ما الذي تستطيع احتماله وأنت تأخذ من القتل حكمة نقاء الطبيعة المتوج بالعار.الذين يتحدثون باسم الشعب آن لهم أن يصمتوا، بلا شك، ولا مانع من دعوة تولستوي من قبره فيعيد كتابة روايته “الحرب والسلام”، لكنه سيحتاج قطار الحجاز لجلب عمال المناجم من أصقاع سيبيريا كي يعثر على الإمبراطورية القديمة المطمورة وهي تخفي موتاها مع ضحكاتهم وأسنانهم الذهب، وبفعل الرطوبة سيتم اكتشاف هياكل عظمية يشبه شكل انبساطها الآلات الموسيقية المصرية القديمة. موتى على عجلِ بأذرعهم المفتوحة يؤدون التحية لشخص يعرفونه، الروح لها صلابة الخشب لكنها تُحرق بسهولة، ولأنها عارية تلتهمها النيران، تتعرى مثلها مثل الجسد وهذا يكفي المكان الموحش أن يسكن فيه

بشرٌ يشبهوننا وأنت تزداد وحدة كلما قابلتَ أحداً منهم، ولن يساعدك المترجم على شرح جمال ظلالهم وهم يفاجئونك قدر الإمكان برسائل وداع يتركونها تحت الوسادة أوأمام الكاميرا. الوجوه التي لم تلفت انتباهكَ في المدينة الصغيرة ولم تفكر يوماً بملامحها تستسلم للخدر دون حاجة للخيال أو حتى للصحيفة التي ستصفهم مثل نجوم السينما، بينما مزيفو النقود يحاولون شراء البحر أو استحواذه بعقد إيجار طويل الأمد.

سلاميس

(إلى جبران سعد)

كل من رآكِ أراد أن يستبدل اسمكِ بالليل. قرابة الألف نجمة في حجر الأساس حين كنا نهربُ منكِ كي نفرد الفخاخ في البرية لاصطياد الظلال ومشهد نزول الشمس على الحراج وشركة المطاحن، دون أن نعرف كيف نصف جمالك بكلام قليل أو حتى كيف نلفظ اسمكِ الروماني القديم.

الموطن الأصلي للريح

(إلى لمى التي لا أعرف أين هي الآن)

الشامة التي على كتفكِ تشبه التحية العميقة، وثمة من يريد أن يسرقها وضح النهار من المتحف الذي انتصبت فيه تماثيل آلهة الحب نصف المحطمة بسبب القذائف العشوائية. هنا ستترنح سرتكِ وتصير مجرد وميض قريب من السماء أو ذكرى للغة أوغاريت التي تحترق مخطوطاتها ويحترق المنحدر البعيد للطفولة التي يحب أبناؤها البكاء بصمت دون أن يراهم أحد، ثم يرمون لكِ الأزهار البرية و نظرة أخيرة وعبارات الوداع وعليّ أن أواجه صعوبة إحاطتك بذراعيّ بينما السهوب تستحيل إلى ثكنات مفتوحة وخنادق وهدفاً لمرمى الطائرات القريبة. لم أفهم الحب إلا حين تركتكِ طواعية ولا أستطيع أن أوفر لك الحماية من المال والسلطة وشركات التأمين والأساطيل التي تنتظر في البحر كي تكشف عن الثروة السمكية وسبب اكتئاب الرجال وهم يبصقون في المغاسل دماً، ولن يدقق أحدٌ في المخطوطات والإسمنت المسلح المغشوش الذي ينهدم على رؤوس سكان المناطق النائية. كل ما أملكه أستطيع أن أضعه على الطاولة مع علاقة المفاتيح، وفي قلبي مكان أقل حراساً من دمشق التي كنت أنتظركِ أمام باب من أبوابها. أو في سوق المهن اليدوية الملاصق للتكية السليمانية والمتحف الحربي حيث مدافع قديمة من أيام غورو ومجسمات حربية غير نافعة بقيت من التاريخ، بينما البلاط والعشب وصنابر المياه سيرسمها المستشرقون بإخلاص عجيب دون أن يتحسسوا آلام الحجارة والزوايا الصامتة والجليد العائم بلا مقاومة على سحنات البشر الذاهبة على عجلٍ، في الظل تهب نسمة باردة كأنها آتية من سفوح جبال الأورال. في المدينة التي كانت الموطن الأصلي للأقوام والريح، ويفرح الأجانب لرؤيتها قبل أن يسلكوا طريق الصحراء بحثاً عن الله والأنهار الحارة :هذا مادلت عليه أختام الفخار والكسرة المتبقية منكِ، ولا أحد يفضل السلم على الحرب. كل ما أبتغيه أن أمشي في الشارع الطويل حيث تنبعث رائحة نعناعكِ وزنجبيلكِ وإذا بالغريب يترك وصيته لدى بائع القماش ويضطر للمغادرة بعد أن يشرح للمارة أنه هو نفسه يوحنا المعمدان الذي يتمدد في الجامع الأموي، فيحسبونه مجنوناً، يتحلق الصبية حواليه بدائرة ويكاد يفلت ويختفي من بين أيديهم.ولن يراه أحد فيما بعد. قالوا أنهم شاهدوه يصعد إلى السماء، مثل ورقة مقصوصة من كتاب ” تاريخ دمشق ” المركون على الرف.

الهرب على ظهر سفينة

ماالذي ستقوله الكشوفات فيما بعد عن الذين ينتحرون بسبب الديون المتراكمة وكتب الشعر المكدسة في المستودعات، والأجساد المرمية في ثلاجة شركة الخضار والفواكه، أو مجرد التفكير بالهرب على ظهر سفينة ستبحر إلى اليونان: أبعد مكان كنت أحلم بالسفر إليه. وسيلة النظر إلى الكواكب ليلاً تستحضر معجزة الآثام والتمارين الأولية لكيفية إعادة رسم الشوارع والحدائق والسجون لأجل العدالة، والشفاه العارية لنساء من عطارد، واختراع السلم الأهلي بين الجيران في شارع ما من الشوارع، بينما كثيرون بوسعهم أن يفصلوا ثياباً لخيالاتهم، والذي يدفع غرامة مخالفة السير لن يغسل الصحون ولن يكون مسؤولاً عن انقطاع الكهرباء ولا عن رقصة الشعب التنكرية وسط الظلام.

صيادو الأرواح

أيتها السلطة المطلقة، كل ما يريده موتاكِ أن يغتسلوا دون تحمّلكِ نفقات سجنهم.

الديكتاتورية أثقال بيعت للشعب بالتقسيط المريح غصباً عنه.

العقاب فن درج عليه أولياء الأمر لرفع مستوى التدابير الإحترازية التي تجعل من المواطن متعهداً لآلامه ومنتجاً وممثلاً وجابي ضرائب وشوفير تاكسي بعد الدوام لا يشقُّ له غبار في عصفورية “إلى الأبد”.

لم يغادرالسوري زنزانته الإنفرادية طيلة عقود، حتى وهو يأخذ قيلولته أو يتشمّس تحت صندوق الشكاوى وظلم الذين اشتروا حياته بثمنٍ بخس. تدمير المكان الآن يجمع في صورة رمزية شكل الخيال المريض الذي اعتاد مبارزة طواحين الهواء، والإصغاء إلى التصفيق الطويل في مجالس الشعب، ولأن البلد ليست بئر غاز وخزنة ذهب أو رزم أموال مرمية في صحراء.

ليست هيلانة الإغريق.

ولا طروادة المدن.

أتذكرالآن الاستراحات على الطريق السريع…حلويات بائتة منذ دهر وشاي بفناجين مكسورة الأذن كالتي كنا نشربها في مقصف الأزروني داخل سور كلية الحقوق. اللغة والوجوه والأشجار وواجهات البيوت وحيدة. شتاءً يتعذر رؤيتها في الضباب.

هذا شعبي تُسحبُ روحُهُ من تحت قدميه

لا تتركوه لوحده.

درجت عسكرة المجتمع السوري كاستراتيجية ملتبسة لتكريس مفهوم البطولة التي يصعب تحديد مكان حدوثها.

غرامة الألم في هذه الرحلة العجيبة دُفع ثمنُها ولم يتوقف القصاص من الناس الذين عاشوا لدهر في الثياب العسكرية الغامضة بصمت وهم يشاهدون مسلسلات السهرة بعد نشرة الأخبار، ودروس اللغة العربية قبل أن يذهبوا إلى السرير.

السوري حتى وهو يبكي تخال دموعه معلّقة من المعلقات الجاهلية، موزونة على بحرٍ لا سفن فيه ولا نجوم.

بين مربعات الحجارة والموت أرى الأجساد معلقةً كأجراس الكنائس في الحارات الضيقة.

سماء محمولة على ظهر شاحنة مع البضائع والأسماك.

أيتها التفاحة التي نضجت بسرعة.

أيها الألم ياصاحبي.

الأوطان بضائع ومشاريع نهب ضخمة لها ملّاكها.

منتهى الواقعية أن تعود أربعين سنة إلى الوراء لتشاهد فيلم “المخدوعون ” في سينما الأمير بحمص.

كلما خطرت إلى ذهني كلمات مثل” الخطة الخمسية “و” التوازن الإستراتيجي ” أتذكر مطعم “بوز الجدي” في الشعلان، هناك ستدرك كلام الحكماء، ثم سينصحكَ أحدهم أن تنفد بريشكَ لأن المكان يضيق بأصحابه وأنه من الجنوح أن تأخذ قميصكَ إلى الخياط عصراً فخلف شبابيك السجن ثياب زائدة على الحاجة، وأصحابها صعدت أرواحهم وأجسادهم سراً إلى السطح كي تتشمس مثلها مثل عناقيد العنب

أرواح القتلى لاتنام.هي الزبيب الذي نأكله أوقات الملل.

وجهكِ الذي أحببته بشدة أراه يطير فوق سطوح المنازل.

هذا الخيط الذي يسمونه الحب

هذا الخيط الذي يسمونه الحب، لا يرتفع إلا في الأرواح العظيمة. غلبه الأسى وهو ينتظر من يرفعه فوق السطوح مع طيارات الورق.

الدراويش يحسبونه الله أو رغيف خبز، العبيد سيصنعون منه حبل مشنقة لمن لا يروق لهم. وصوت أسمهان يرتفع على البسطة وهي تقلد صوت الطيور. أسمهان التي أغرقها المخرج في النهر.

زيارة مصر

(إلى علاء خالد)

كنت دائماً أحلم بزيارة مصر، نشيد ملحمي مغطس بشوكولاه حرب أكتوبر وأسطورة الإهرامات وأمل دنقل وأنف أبي الهول الذي كسره نابليون وعبور قناة السويس وقصة حب أنطونيو وكليوباترة واللهجة الساحرة لناسها الذين يطيرون من الفرح دون أن تدري على الرغم من حوادث القطارات التي تحدث. شعب يضحك بالفطرة حتى وهو يحمل على كتفيه صورة جمال عبد الناصر أو يتفرج على نجوى فؤاد ترقص في المنام. يرمى الحجاب على تمثال أم كلثوم ثم يعود إلى البيت كي يشاهد نشرة الأخبار. في اليوم التالي ينزل إلى الشارع ويدخل الحانة كي يتذكر آلهة اليونان.

غريب على الخليج

لي ابن عم يشبه إلى حد كبير بدر شاكر السياب، كنت كلما رأيته أحسب نفسي أمام صاحب” مطر مطر وفي العراق جوع”، الوحيد من أقربائي، على الرغم من أنه لم يكمل تعليمه، الذي أصدقهُ وأصغي لكل كلمة يقولها حتى ولو كانت عن تربية المواشي والمجانين الذين يكثر عددهم في مدينتي والحمام الغريب الذي يحط فوق حقل الذرة القريب من بيتنا، كنا نذهب لاصطياد العصافير في الأقنية الرومانية ونلتقط صوراً بالأبيض والأسود ثم سأتذكر أن أمي أرسلتني القصاب، وكما يحدث عادة، لن أعود إلا ليلاً وخالي الوفاض وحتى الخمسين ليرة لن أستطيع الحفاظ عليها بعد يوم طويل هدرته في السينما ومشاهدة فيلم “إعدام طالب ثانوي” وفيلم ثان لإغراء التي لأجلها كنت مستعداَ أن أهجر حارتي كي أتزوجها وأقيم لها عرساً على سطح بيت عمي لأنه فسيح وقريب من السماء.

على شاشة التلفزيون كانت البصرة تحترق وصوت فؤاد سالم يصدح في الباص، الذاهب إلى دمشق عصراً،: “ياعراق”.

شوارع غريبة

(إلى لينا…)

أمة الشعر تخاف طباعة الشعر لأنها أمة لا تحب الخسارة.

فالإبن الذي ورث عن أبيه كتب جبرا ابراهيم جبرا وسونيتات شكسبير توقف عن طباعة الدواوين، ودار العطشان تطبع فقط كميات محدودة، أما دار سفينة الصحراء فلديها خطة نشر حتى العام 2200 ميلادية.

تمشي في شوارع غريبة هناك في كولومبيا أو جنوب فرنسا أو البرازيل ولا يعرفك قريب أو بعيد، بشرٌ مثلنا سيفتحون لك صدر البيت ثم يلتقطون معكَ الصور التذكارية وكأنك أنهيت للتو كتابة الإلياذة، ثم ستركب الطائرة عائداً إلى وطنك الأم كي يستقبلك موظف المطار مستفسراً إن كنت تحمل أدواتٍ كهربائية في حقيبة الكتف.

() شاعر سوري

 الزهرةُ منذُ عامين

عماد الدين موسى()

– الزهرةُ

التي

منذُ عامين.

– الزهرةُ

التي

أينعتْ كشمسِ الظهيرةِ

منذُ عامين.

– الزهرةُ

التي

فقدتْ

لا بتلاتها فحسب

بل غصنها أيضاً.

– الزهرةُ

التي

ما من يدٍ حنونة

تربتُ على خدّها.

– الزهرةُ

التي

ما من نبعٍ يسقي ترابها،

لذا اكتفتْ بالهواء الملوّث بالبارود.

– الزهرةُ

التي

ما من عاشقٍ

فكّرَ في قطفها

أو تقبيلها..

(مجرّد تفكير).

– الزهرةُ

التي

ظنّتْ أنها حصاة.

– الزهرةُ

التي

من لحمٍ ودمّ…

التي

أكلَ لحمها الغرباء

وشربوا دمها.

– الزهرةُ

التي

لمْ يَقُلْ لها طائرٌ ما:

” صباح الخير”…

كي يسري الحبّ في عروقها.

– الزهرةُ

التي

قيلَ أنّ عمرها عشرات السنين…

لكنها نبتتْ

قبلَ عامين فقط.

– الزهرةُ

التي

دهست عظامها دبّابة

في رسمٍ لعلي فرزات.

– الزهرةُ

التي

تُغنّي كطائرٍ في قفص

وترقص مذبوحةً.

– الزهرةُ

التي

لم يتغزّل بها

لا بابلو نيرودا

ولا جاك بريفير

ولا حامد بدرخان

أو أي شاعر آخر

على الإطلاق.

– الزهرةُ

التي

كتبتْ سيرة البحر على اليابسة

وروتْ للسماء

حكاية الأرض المحترقة.

– الزهرةُ

التي

تركتْ الأبوابَ مفتوحةً

أمامَ جميع الاحتمالات البشعة.

– الزهرةُ

التي

لا حولَ ولا قوّةَ.

– الزهرةُ

التي

خرجتْ إلى الشارع..

ما من أَحَد

يقدر أن يعيدها

إلى حضنِ أمها/ الغابة.

() شاعر سوري.

————

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...