الرئيسية / صفحات الثقافة / ملف من اعداد “صفحات سورية” عن جائزة نوبل للآداب لعام 2017 والتي حصل عليها الروائي الياباني كازو إيشيغورو

ملف من اعداد “صفحات سورية” عن جائزة نوبل للآداب لعام 2017 والتي حصل عليها الروائي الياباني كازو إيشيغورو

 

إيشيجورو.. سيرة أدبية وموسيقية تتوجها نوبل

“في رواياته التي حملت قوة عاطفية عظيمة، كشف الهاوية الموجودة تحت الحس المتوهم بالاتصال بالعالم”.

لجنة نوبل

إذا كنت لم تعرف كازو إيشيجورو من قبل، ستندهش من استباق اسمه بصفة “الكاتب البريطاني”، رغم الإيقاع الأسيوي الواضح لاسمه وملامحه التي طيرتها وكالات الأنباء اليوم مصحوبة بخبر فوزه بجائزة نوبل للأدب لعام 2017.

دهشتك ستتبدد عند قراءة سريعة للأخبار التي أوضحت أنه كاتب ياباني يحمل الجنسية الإنجليزية ويبدع نصوصه بها. ورغم أنه يقول عن نفسه إنه ليس إنجليزيًا جدًا؛ فهو في الواقع ليس يابانيًا جدًا أيضًا. يقول إيشيجورو: “أنا لا أشبه كثيرًا الإنجليز، لقد نشأت بين أبوين يابانيين، في منزل يتحدث اليابانية، أبواي لم يعرفا أنهما سيظلان في هذا البلد لوقت طويل، شعرا أنهما مسؤولان عن استمرار تواصلي مع القيم اليابانية”.

كازو إيشيجورو الذي حصل اليوم، الخميس، على جائزة نوبل في الأدب لعام 2017، وُلد في ناجازاكي في اليابان عام 1954، وانتقل مع أسرته إلى إنجلترا عام 1960، وكبر وتخرج في جامعة كِنْت ليصبح اسمًا هامًا في عالم الرواية المكتوبة بالإنجليزية، وواحدًا من أهم كتاب الأدب المعاصرين، حتى وضعته جريدة “تايمز” في المركز 32 ضمن قائمة أفضل 50 كاتبًا بريطانيًا منذ عام 1945.

خلال مسيرته الأدبية الطويلة الممتدة منذ 1982، نشر لإيشيجورو 7 روايات، توسطها عمله الأشهر لقارئ العربية “بقايا اليوم” Remains of the day الصادرة عام 1989، وتحولت إلى فيلم ناجح حمل الاسم نفسه من إخراج جيمس أيفوري وبطولة أنتوني هوبكينز وإما تومبسُن، وترجمها للعربية الراحل طلعت الشايب.

لكن بخلاف هذا العمل؛ حققت روايات إيشيجورو الست الأخرى ومنها “منظر باهت للتلال” وهي أولى رواياته ونشرت في 1982، و”فنان العالم الطافي” و”عندما كنا أيتامًا” و”لا تتركني” و”العملاق المدفون” نجاحات كبيرة، قادته للحصول على 10 جوائز أحدثها “نوبل”، ومن أبرزها جائزة البوكر التي نالها في 1989 عن روايته الأشهر “بقايا اليوم” وترشح لها ثلاث مرات أخرى.

إلى جانب الروايات يكتب إيشيجورو القصة القصيرة، وقدم سيناريوهات أصلية لخمس أفلام، كما كتب كلمات عدة أغنيات للإنجليزية ستايسي كِنت وتعاونا معًا في كافة أغاني ألبوم “إفطار في ترام الصباح”. وربما كانت كتابته للأغاني إرضاءً لطموحه القديم باحتراف الموسيقى، وهو حلم قديم سبق حرفة الأدب دفع إيشيجورو للعزف في عدة حفلات قبل أن يجبره تكرار الرفض على إرجاء حلمه القديم.

سر قذر

في حوار قديم نشرته صحيفة “جارديان” في يناير/ كانون الثاني 2015، قال إيشيجورو إن لديه “سر قذر”، كشف للجارديان عنه قائلًا: “في الحقيقة أنا أعيد كتابة نفس الكتاب مرارًا.. لا شيء يتغير، هو نفس الموضوع، القشرة فقط تتغير”.

لكن رأيًا أكثر تعاطفًا مع كتابات إيشيجورو، قدمه المترجم الراحل طلعت الشايب الذي ترجم له رواية “بقايا اليوم” الصادرة طبعتها العربية عن المركز القومي للترجمة. قال المترجم الراحل في مقدمته للترجمة “إيشيجورو كاتب شديد الاقتصاد، لا يقدم إلا التفاصيل الضرورية، بل إنه كثيرًا ما يقول شيئًا وهو يعني شيئًا آخر […] وهو كاتب مدهش في تقديم شخصيات ثانوية تحيط بأبطاله فتبرزهم عن طريق العلاقة التي تربطهم معًا”.

في حوار مع ذا باريس ريفيو نُشر في العدد 184 ربيع 2008، يصفه كاتب الحوار بأنه “شخص في غاية التهذيب والصبر يتمتع بقدرة دائمة على الدهشة من حياته القديمة التي عاشها في شبابه”.

في هذا الحوار، يقول إيشيجورو عن أسلوبه في الكتابة “هذا الأسلوب لقى تشجيعًا من أساتذتي كلهم أثناء الدراسة، عدا أستاذ واحد محافظ قادم من أفريقيا، كان شديد التهذيب وهو يقول لي: سيد إيشيجورو، هناك شيء غير منضبط في أسلوبك، لو أنك كتبت بهذه الطريقة في الامتحان لا أعتقد أنك ستحصل على درجة مُرضية”.

عقب تخرجه عمل إيشيجورو في مساعدة المُشرَّدين حيث التقى بزوجته “لورنا” الإخصائية الإجتماعية، وفي هذا الوقت كتب مسرحية إذاعية باسم “بطاطس وعشاق” لم تلق أبدًا نصيبًا في الوصول للجمهور. وفي غمرة اليأس من الحصول على مهنة ناجحة ككاتب إذاعي؛ وقع أمامه بالصدفة إعلان عن دورة دراسية للكتابة الإبداعية يدرسها مالكولم برادبوري في جامعة ويست إنجاليا، ومن هنا، ولدت سيرة الروائي حائز نوبل.

يهتم إيشيجورو بالعلم من منظور اجتماعي، صرح في حوار له مع الجارديان أنه يخشى أن تؤدي التعديلات الجينية إلى وجود جنس أرقى من الأجناس الأخرى في العالم، وأن هذا سيدمر -بالتالي- الفكرة الليبرالية.

مفاجأة نوبل

بحسب جريدة الجارديان كان اختياره للفوز بنوبل اليوم مفاجئًا، على الأقل بالنسبة لمكاتب المراهنات التي وضع الهواة فيها رهاناتهم على أسماء مثل مارجريت أتوود وهاروكي موراكامي.

تأتي جائزة إيشيجورو لتوقف سيل من الهجوم على “نوبل” ولجنتها المانحة، بعد عامين أثارت فيهما توجهات الجائزة الجدل، ولاقت امتعاضًا من البعض لأنها ذهبت لصحفية ثم لمغنٍ ليس الأدب التقليدي هو مجال عمله.

 

كازو إيشيجورو: كيف كتبت “بقايا اليوم” في أربعة أسابيع!

ترجمة: عبدالله الزمّاي

يضطر كثير من الناس للعمل لساعات طويلة، بيد أنه حينما يتعلق الأمر بكتابة الروايات، فهناك إجماع على أنه بعد أربع ساعات أو ما شابه من الكتابة المستمرة تتناقص عوائد العمل، وقد كنت دائمًا أتفق مع هذا الرأي إلى حد كبير، ولكن مع اقتراب صيف 1987م اقتنعت أن ثمة حاجة إلى نهج مكثف، ووافقتني زوجتي “لورنا” في ذلك.

حتى هذه اللحظة منذ أن تخليت عن عملي النهاري قبل خمس سنوات،كنت قد تمكنت بشكل جيد إلى حد معقول من الحفاظ على إيقاع ثابت في العمل والإنتاجية، لكن موجة نجاحي الأولى التي شهدتها بعد روايتي الثانية جلبت العديد من أسباب الإلهاء، حيث وضعت العروض المحتملة للترويج للعمل وحفلات العشاء ودعوات الحفلات والرحلات الخارجية وجبال من رسائل البريد حدًا  لنظام  العمل اللائق الذي كنت أتبعه، وكنت قد كتبت فصلًا افتتاحيًا لرواية جديدة في الصيف الماضي، لكن الآن، بعد مرور حوالي عام، لم أتمكن من إنهائها.

لذلك خطرت لي أنا و”لورنا” خطة، فقررت إلغاء جدول أعمالي  لمدة أربعة أسابيع بلا هوادة وأن أمضي بما أسميناه بطريقة غامضة “الحادثة”، وخلال فترة “الحادثة”لن أفعل شيئًا سوى الكتابة من التاسعة صباحًا إلى العاشرة والنصف مساء من الاثنين إلى السبت، كنت أتوقف لمدة ساعة لتناول الغداء وساعتين لتناول العشاء، كنت لا أقابل أحدًا، ناهيك عن الرد على البريد، ولا أقترب من الهاتف، ولا أستقبل أحدًا في المنزل، أما “لورنا” فعلى الرغم من جدول أعمالها المزدحم فقد قامت خلال تلك الفترة بإنهاء حصتي من أعمال الطبخ والأعمال المنزلية، وبهذه الطريقة، كنا نأمل، أن أتمكن ليس فقط من إنهاء مزيد من الأعمال من الناحية الكمية، بل الوصول أيضًا إلى الحالة النفسية التي كان يصبح فيها عالمي الخيالي أكثر واقعية بالنسبة لي من الواقع الفعلي.

كنت قد بلغت حينها الثانية والثلاثين من العمر، وكنا قد انتقلنا مؤخرًا إلى منزل في “سيدينهام”جنوبي لندن، حيث كانت المرة الأولى في حياتي التي أكرس فيها نفسي للدراسة، فقد كتبت أول روايتين لي على طاولة الطعام، التي كانت في الواقع نوع من الخزانات الكبيرة مثبتة على رف مرتفع بدون باب، ولكنني كنت أشعر بسعادة غامرة وأنا أمتلك مكانًا يمكنني فيه نشر أوراقي من حولي كما تمنيت ولا أضطر إلى جمعها و إزالتها في نهاية كل يوم، وقد كنت أعلق الرسوم البيانية والملاحظات في كل مكان على الجدران المقشرة وأعود للكتابة.

وقد كانت هذه في الأساس هي الطريقة التي كتبت بها رواية “بقايا اليوم”، فطوال فترة “الحادثة”، كنت أكتب بشكل حر غير مبالٍ بالأسلوب، أو ما إذا كنت قد كتبت في الظهيرة شيئًا  يتناقض مع ما كنت قد وصلت له في الصباح، كانت الأولوية مكرسة ببساطة إلى ترك الأفكار تطفو وتنمو، الجمل القبيحة والحوار البشع والمشاهد التي ذهبت أدراج الرياح أنا سمحت لها جميعًا بالبقاء وحرثت لها.

وفي اليوم الثالث، لاحظت “لورنا” أنني أتصرف بشكل غريب خلال فترة استراحتي المسائية، في يوم الأحد الأول انطلقت في مغامرة في الهواء الطلق، في طريق “سيدينهام” العام، وضحكت بشكل متواصل حين كانت “لورنا” تخبرني بحقيقة أن الشارع قد أنشئ على منحدر، حيث كان الناس يتعثرون فوق بعضهم أثناء الهبوط من المنحدر، في حين كان الصاعدون يلهثون ويترنحون من فرط الجهد. كانت “لورنا” مشغولة بفكرة انه مازال أمامي ثلاثة أسابيع أخرى لأقضيها بالطريقةذاتها، لكنني شرحت لها أنني كنت بحالة جيدة، وأن الأسبوع الأول قد تكلل بالنجاح.

واصلت ذلك لمدة أربعة أسابيع، وفي نهايتها كانت الرواية قد اكتملت تقريبًا، وعلى الرغم من أن الأمر كان بالطبع يتطلب المزيد من الوقت لكتابة الرواية كاملة بشكل لائق، فإن الانتعاشات الخيالية الحيوية جميعها قد اعترتني خلال “الحادثة”.

أود القول أنه بحلول الوقت الذي بدأت فيه “الحادثة”، كنت قد قمت بكمية كبيرة من البحث: كتب عن البريطانيين ومنهم،عن السياسة الداخلية والخارجية في فترة ما بين الحربين، والعديد من الكتيبات والمقالات عن تلك الفترة، من بينها مقال بقلم “هارولد لاسكي(1)”عن”مخاطر كونك رجلًا نبيلًا”، كنت قد داهمت رفوف الكتب المستعملة في المكتبة المحلية (مكتبة كيركدايل،التي لا تزال مستقلة ومزدهرة) لتقدم الكتب الإرشادية عن الريف الإنجليزي من الثلاثينات والخمسينات، وقد بدا لي القرار بالبدء فعليًا في كتابة الرواية – والبدء في نسج القصة نفسها- دائمًا قرارًا حاسمًا، ما هو القدر الكافي من المعرفة الذي يجب أن يمتلكه الفرد قبل البدء في الكتابة؟ حيث أن البدء في وقت مبكر للغاية قد يسبب نفس القدر من الضرر المتمخض عن البدء متأخرًا للغاية، وأنا أعتقد أنني كنت محظوظًا في رواية “بقايا اليوم”، حيث جاءت فترة  “الحادثة” في الوقت المناسب تمامًا، عندما بلغت حد المعرفة الكافية.

وحينما أرجع بالذاكرة إلى الوراء أرى  كل أنواع التأثيرات ومصادر الإلهام، أذكر من بينها اثنين كانا من أقلها وضوحًا:

في منتصف السبعينيات عندما كنت مراهقًا, كنت قد شاهدت فيلمًا يدعى “المحادثة”(2), وهو قصة مثيرة من إخراج “فرانسيس فورد كوبولا(3)”،حيث كان “جين هاكمان(4)” يؤدي دور خبير مراقبة مستقل، يقصده الأشخاص الذين يريدون تسجيل محادثات الأشخاص الآخرين سرًا، كان “هاكمان” يسعى متعصبًا لأن يصبح الأفضل في مجاله – الفتى الأول في أمريكا- ولكن بدأت  فكرة أن الشرائط التي يمنحها لعملائه من أصحاب النفوذ ربما تؤدي إلى عواقب وخيمة بما في ذلك جرائم القتل تستحوذ عليه بشكل مطرد، وأعتقد أن شخصية “هاكمان” في هذا الفيلم كانت نموذجًا أوليًا لشخصية ستيفنز(5)،رئيس الخدم.

ظننت أنني قد انتهيت من رواية “بقايا اليوم”، لكني سمعت ذات ليلة “توم وايتس(6)”يغني أغنيته ” ذراعا روبي”، وهي أغنية تتحدث عن جندي ترك حبيبته  نائمة في الساعات الأولى من النهار ليهرب بعيدًا على متن قطار، قصة ليس فيها شيئًا استثنائيًا، ولكنها أغنية يغنيها صوت أمريكي أجش من النوع المتشرد غير المعتاد على إخراج ما في جعبته من مشاعر، وهنا جاءت اللحظة التي أعلن المغني فيها أن قلبه قد كسر، وهي لحظة مؤثرة للغاية، بسبب التوتر بين المشاعر نفسها والمقاومة الهائلة التي يحاول التغلب عليها لكي ينطق لسانه بما في قلبه، يغني “وايتس”سطور الأغنية بروعة شافية، وتشعر بعمر كامل من الرواقية التي يعتنقها رجل قوي تتداعى في مواجهة الحزن الساحق، وقد سمعت هذا، وقررت تغيير القرار الذي اتخذته بأن “ستيفنز” سوف يظل متكتمًا على عواطفه حتى النهاية الأليمة، قررت أنه عند نقطة ما–يتعين علي اختيارها بعناية تامة– سوف يتحطم ساتر دفاعه الصلد ليتمخض عن الرومانسية المأساوية التي كان يخفيها حتى ذلك الوقت.

هوامش:

واحد من أهم المنظرين السياسيين في القرن العشرين توفي عام 1950م. (المترجم)

فيلم تم إنتاجه في الولايات المتحدة وصدر عام 1974م. (المترجم)

مخرج وكاتب سيناريو أمريكي حاز على جائزة الأوسكار عدة مرات اشتهرت بثلاثية “العراب”. (المترجم)

ممثل أمريكي شهير اعتزل التمثيل عام 2004م. (المترجم)

بطل رواية “بقايا اليوم”. (المترجم)

مغني وملحن أمريكي. (المترجم)

 

 

 

كيف ترجم المصريون كازوو إيشيغورو؟/ ممدوح رزق

كان كازوو إيشيغورو اسماً غريباً قبل أن يفوز أخيراً بجائزة نوبل للآداب (2017)، لكنّ مصر من الدول التي انتبهت الى أعمال هذا الكاتب الياباني- البريطاني، وبدت سبّاقة في ترجمة رواياته، إذ ترجمت له أربعة أعمال من أصل سبعة، ثلاثة منها صدرت عن المركز القومي للترجمة وهي: «بقايا اليوم» بترجمة لافتة أنجزها الراحل طلعت الشايب (2000)، «مَن لا عزاء لهم» (2005) و»عندما كنا يتامى»( 2008) ترجمة طاهر البربري، «فنان مِن العالم الطليق» ترجمتها المصرية هالة صلاح الدين وصدرت عن دار أزمنة -عمان (2006).

وما إن أعلنت هوية النوبلي الجديد حتى شخصت الأبصار نحو مصر، الدولة العربية التي عرفت إيشيغورو وترجمته ضمن مشاريعها الرائدة في ترجمة الأدب العالمي. ولا شكّ في أنّ فوزه عام 1989 بجائزة «مان بوكر» البريطانية عن روايته «بقايا اليوم»، التي صوّرت لاحقاً فيلماً سينمائياً من بطولة أنطوني هوبكنز كان سبباً في انتباه المترجمين اليه. وقبل أن نغوص في فكّ رموز هذه الرواية التي كرّست اسمه كاتباً عالمياً، لا بد من القول إنّ أعمال إيشيغورو تنحو عامة إلى إعادة تقييم مبادئ الحرب والسلام. تبدو رواياته هادئة غالباً، يحكمها النّفّس الإنكليزي الذي تشربه من الحياة في مدينة الضباب. أراؤه تختبئ غالباً خلف أصوات رواته فلا تبدو نبرته عالية ولا خطابية. ومع ذلك، فإنه يتحرك في كل أعماله خلف تيمات إنسانية عميقة منها أثر الفقدان وتصديق الوهم، مسألة الكرامة في عالم تسوده الطبقية والهرمية، معنى الرضى الزائف عن الذات، إمكان السعادة أو الغفران في حياةٍ لا تخلو من الحروب والأوجاع، الخسارات الفردية في مواجهة الأحكام الملغزة للتاريخ.

وفي كلّ هذه الموضوعات، ظلّ إيشيغورو محافظاً على سمات جمالية وأسلوبية ميّزت عوالمه الروائية التي عبّر عنها باللغة الإنكليزية بدلاً من اليابانية، لغته الأمّ.

ثيمة السفر

في روايته «بقايا اليوم»، (الراحل طلعت الشايب، المركز القومي للترجمة)، لا يستثمر كازوو إيشيغورو ثيمة السفر في سياقها التقليدي كفرصة مضمونة لمراجعة الذاكرة، ومحاكمة الماضي حيث غادرت الذات تجسيده المكاني موقتاً، بل يجعل منه موضوعاً للمساءلة: هل هو نوع من التحرّر ولو في نطاق محدود، أم أنه ـ في حقيقته الأعمق ـ إعادة تجديد للخضوع؟ هل يمثل الابتعاد المقترن بالتأمل والفهم المختلف أسلوباً للانفلات من سيطرة قدرية على الزمن، أم أنه ترسيخ قهري ـ أكثر حدة ومراوغةـ لحتمية هذا الرضوخ؟

«ربما نكون قد فهمنا على نحو أفضل سرّ غرام أبي بقصة رئيس الخدم الذي لم يهتزّ عندما اكتشف وجود نمر تحت طاولة العشاء، ذلك لأنه كان يعرف بالغريزة أن في موضع ما في تلك القصة يوجد الجوهر الحقيقي لمعنى الكرامة».

إن «ستيفنس»، رئيس الخدم الإنكليزي بمقدار ما كان يحاول الخطو بعيداً مِن صرامته الوظيفية أثناء الرحلة بواسطة الاستعادة، والتشريح المضاد لوجوده بمقدار ما كان يبدو أنه يستخدم هذا الخروج لترويض الهواجس العدائية، التي تناوش هذه الجديّة الحاكمة لشخصيته وحياته العملية. ربما نفكر في أن رحلة «ستيفنس» داخل الريف الغربي لم تخلق هذه الحاجة إلى مراجعة الذاكرة، وإنما كانت مجالاً ملائماً لأن تصبح هذه المحاكمات المخبوءة، والتي يسهل استنتاج أنها تمثل جزءاً جوهرياً من ماضي الرجل، أن تصبح واقعه الخاص والعابر بقدر الوقت الذي سيستغرقه هذا السفر. علامات الجوع إلى التورط في العالم الممتد خارج القصر، والتي كانت أقرب إلى المركز السرّي للعالم، أو بالأحرى كان النزاع مع قمعها الفوري، أو مع قتل تماديها هو ذلك المركز.

هنا تعلن سلطة المكان (قصر دارلنغتون)، التي تمّ تجاوز حدوده المتعينة عن هيمنتها غير المحكومة بأطر. تثبت عدم ارتباطها بحيّز جغرافي بمقدار ما هي مشيئة تُشكل غرائز الحياة لدى بشر كـ «ستينفس». الدوافع المقدّسة التي لا تقوده دائماً إلى الإيمان بأنه أدى دوراً مثالياً تجاه العالم فقط، بل تجبره أيضاً بواسطة الجدل مع هذا الإيمان على التمسك به. هذا الحفاظ على اليقين لا يتجذَّر لدى رئيس الخدم بوصفه واجباً اضطرارياً، أو هروباً من مواجهة متحسّرة للأخطاء، وإنما تحوّله الرحلة ـ بكل ما تدّعيه من تحرر ـ إلى اكتشاف غير متوقع للجدارة، دعم استثنائي لفكرة الذات عن نفسها، والتي ينبغي عليها بالضرورة أن تكون ممتنة للمهمة الوجودية ـ خدمة (اللورد دارلنغتون) ـ التي منحت الذات هذه المكانة، حتى لو كانت مهددة، أو محل شك. «أنا مندهش لرد فعلك هذا يا مس كنتون، والمؤكّد أنه لا حاجة إلى تذكيرك بأن واجبنا المهني لا يسير وفق أهوائنا وعواطفنا وإنما وفق رغبات من نعمل عنده».

استفهامات

تتحدد الاستفهامات المتعلقة بما يؤديه السفر حقاً في الرواية وفقاً للتفاصيل التي يسترجعها «ستيفنس»؛ إذ تمزج طبيعة تحليلها بين رؤية رئيس الخدم حقيقته التاريخية التي تتعدى حضوره الفردي، وبين الضبابية المنتهكة رونق هذه الصورة. بين محاولة تسوية التعارضات القائمة بين الحقيقة التاريخية لوحدته، ونقائضها، وبين إنكار هذه الحقيقة كلياً. ليس الألم متعلقاً هنا بهذا الصراع فحسب، وإنما بالوعد المغدور للخلاص الذي كان يفترض بالرحلة أن تحققه، والتي أثبتت أن مسارها ليس أكثر من التفاف للرجوع إلى الأصل مكتسباً ما يشبه الشغف الناضج والخبيث، الذي قد لا ينجم إلا مِن الوهم بالابتعاد. كأن «ستيفنس» حصل على بداية جديدة لحياته القديمة مشيَّدة على ما هو أبعد مِن الركائز الاعتيادية لوجوده السابق، أي المسافة المجازية المثقلة بالرجاء واليأس، التي يمكن الذات أن تتفحّص الماضي من ورائها لتختبر وتجادل المعاني التي كوَّنت الذاكرة، وفي مقدمها (الكرامة)، حتى لو كان المصير المتوقع أو الثابت هو العودة على رغم كل شيء. «إلا أنني لم أسمح البتة بأن تدخل مدبرة القصر وتخرج من غرفتي هكذا طوال اليوم. غرفة رئيس الخدم ـ كما أعرف ـ مكان له أهميته الخاصة. هي قلب كل الأنشطة التي تدور في القصر، ليست أقل من مركز العمليات… مركز القيادة في المعركة».

يستخدم كازوو إيشيغورو في «بقايا اليوم»، التي تتألف في نسختها العربية من 357 صفحة، اللغة المماثلة لوظيفة «ستيفنس»، أي أنها تتسم بما يجب أن يحظى به الخادم العظيم، القادر على تحقيق التوازن ـ وفق ما جاء في الرواية ـ بين اليقظة والتظاهر بعدم الوجود. كأن لغة الرواية تخدم غرضين مزدوجين: الحفاظ على هوية «ستيفنسن» مع تشابك حالاته المتغيرة أثناء الرحلة، وفي الوقت نفسه تثبت طبيعته كخادم لشيء يتعدى اللورد دارلنغتون، أو مستر فراداي؛ المالك الجديد للقصر، أي أنها تضعه طوال الوقت في نطاق البُعد الغيبي لوظيفته كخادم لغاية مجهولة، غير مدركة، تنتهي بالموت.

«لقد كرستُ وقتاً طويلاً بالطبع من أجل تحسين قدراتي أو مهاراتي في الممازحة، ولكن ربما لا أكون قد تعاملتُ مع ذلك بالالتزام الواجب. وربما أبدأ المران بحماسة جديدة عندما أعود إلى دارلنغتون هول» غداً».

على جانب آخر لا يجب استبعاد الرغبة في التعويض الملموس كهدف أساسي للسفر، سواء في ما يتعلق بحب ستيفنس لـ «ميس كنتون» مدبرة القصر السابقة، وسعيه إلى إعادتها إلى العمل، أو على مستوى الإقرار الذاتي بحقيقة (اللورد دارلنغتون) كشخص مجرد من العظمة، أو بالتخلص من تزييفات الوعي التي سيطرت على ماضي رئيس الخدم. ولكن عند رصد هذا، يمكننا أن نتناول تلك الإرادة كتأكيد الوعد الذي اعتبر ستيفنس أن بوسع هذه الرحلة تحقيقه. ليس هذا فقط، بل علينا أن نرصد ذلك في ضوء تحول التعويض إلى انتباه لما يمكن أن نعتبرها حكمة للابتعاد؛ ما الذي يقودنا إلى الخروج، أو بالتعبير الأشمل: السعي نحو الانزواء المختلس الذي يتخطّى ما رُســــم لنا من خطوط مكانية، والذي قد لا يكون سفراً بالأخص، وإنما تراجعاً أو انسحاباً بأي كيفية عما كان مقدراً لأعمارنا أن تتورط في حصاره؟ لماذا علينا أن نتشبث بالطموح في استجابات منقذة لهذا الابتعاد؟ ولماذا يتكفل الابتعاد بإعادة تقديمنا كعناصر نمطية من وليمة عامة للتاريخ على رغم الإشارات التي يبديها كأطواق نجاة؟ هل هو ابتعاد حقاً أم وسيلة ماكرة، غير مستوعبة، لتجديد الولاء؟

الحياة

 

 

حوار نوبل.. كازو إيشيجورو: بوب ديلان هو بطلي الأعظم

ترجمة عن موقع جائزة نوبل

كازو إيشيجورو: مرحبًا يا سيد سميث، كيف حالك؟

آدم سميث: في حال طيبة. شكرًا جزيلًا لك على تلقي الاتصال، هذا لطف منك. مبروك على جائزة نوبل.

إيشيجورو: نعم. شكرًا لك، آسف على فترة الانتظار، هناك فوضى شديد للأسف. فجأة ظهر العديد من الصحفيين وهم يقفون في طابور بالشارع.

سميث: يمكنني تخيل ذلك. بالطبع لا بد أن يومك تغير تمامًا بطريقة غير متوقعة. كيف تلقيت الخبر؟

إيشيجورو: كنت أجلس في المطبخ أكتب بريدًا إلكترونيًا لصديق حين رن جرس التليفون. في البداية لم أكن متأكدًا تمامًا، وكلائي الأدبيون كانوا يشاهدون البث الحي وشهدوا الإعلان. لا أعتقد أنهم كانوا يتوقعون ذلك، كانوا ينتظرون فقط معرفة الفائز بالجائزة هذا العام. وبدأت أستقبل الاتصالات، وفي كل مرة كنا نحاول أن نتأكد إذا كان الأمر شائعة أو إذا كانت أخبار مزيفة، أو ما هي حقيقة الأمر. ثم بدأ الأمر يتأكد شيئًا فشيئًا. في هذا الوقت اتصلت بي شبكة بي بي سي، فأخذت المسألة بجدية. كان الأمر أشبه بكون سفينة ماري سيليست هنا، كل شيء كان في مكانه حتى الساعة الحادية عشر، ثم بدأ كل شيء، ومن ساعتها بدأ الصخب، الآن يشكل الناس طابورًا في الشارع بانتظار إجراء حوارات صحفية.

سميث: بالتالي هل بدأت استيعاب الأمر؟

إيشيجورو: لا، لا، لا أظن أنني سأستوعب الأمر لوقت طويل. أعني، هذا شرف كبير إلى حد مضحك، كبير بأعلى قدر ممكن. لا أعتقد أنك ستحصل على جائزة أكبر من نوبل. أعنى أن أحد التعليقات التي سأقولها أن الكثير من هذا الفخر يرجع إلى أن الأكاديمية السويدية، على ما أعتقد، تظل بعيدة عن الجدالات السياسية وهكذا. وأظن أنها واحدة من الأشياء القليلة التي ما زالت تلقى احترام العديد من الناس في أنحاء العالم، بالتالي أظن أن حس الشرف النابع من استقبال الجائزة يرجع إلى القامة الحقيقية للأكاديمية السويدية. وأظن أن هذا إنجاز كبير في ذاته، إذ استطاعت الأكاديمية السويدية طوال هذه السنين أن تحافظ على قيمتها الكبيرة، في كل مسارات الحياة التي تكرمها. وهناك سبب آخر في أنه شرف عظيم لي بسبب… كما تعرف، جئت بعد قائمة ضمت الكثير من الأبطال العظام، كُتَّاب عظام بحق. أعظم كُتَّاب في التاريخ حصلوا على الجائزة. وكما تعرف، ينبغي أن أقول إنه أمر رائع أن أحصل عليها بعد عام من فوز بوب ديلان بها، لقد كان بطلي منذ كنت في الثالثة عشر من عمري. ربما كان بطلي الأعظم على الإطلاق.

سميث: من اللطيف أن تنضم إلى هذه الصحبة.

إيشيجورو: نعم، وأنا بارع في تقليد بوب ديلان، ولكني لن أقوم بذلك الآن.

سميث: خسارة، كنت أحب أن أشاهد ذلك. ولكن على الأقل يمكنك أن تؤدي ذلك في ستوكهولم في ديسمبر/كانون الأول، من فضلك.

إيشيجورو: بالطبع، سأحاول ذلك.

سميث: ينبغي عليك ذلك، هذا توقيت غريب في بريطانيا في هذه اللحظة. هل يضيف هذا أهمية خاصة في تلقيك للجائزة؟

إيشيجورو: أعتقد أن له أهمية، في الحقيقة قبل أن أرفع سماعة التليفون لأرد عليك، كتبت ما يشبه البيان المخصص للصحافة، وكنت أحاول أن أفكر فيما يمكن أن أقول في ثلاث جمل، وأظن أن التوقيت مناسب لي، لأنني أشعر… أنا في حوالي الثالثة والستين من عمري، ولا أذكر الوقت الذي لم نكن واثقين فيه من قيمنا في العالم الغربي. كما تعرف، أظن أننا نمر بزمن يتسم بعدم الثقة الشديد في قيمنا وقياداتنا. لا يشعر الناس بالأمان، بالتالي آمل أن تسهم أشياء مثل جائزة نوبل بشكل ما في تأدية أدوار إيجابية في العالم، وللقيم الراقية في العالم، وهذا سيسهم في نوع من من الاستمرارية والرقي.

سميث: أعتقد أنك بطريقة ما كتبت طوال الوقت عن قضية موضعنا في العالم، وعلاقتنا ببعضنا، علاقتنا بالعالم. ربما كان هذا أكثر موضوع بحثته، هل هذا صحيح؟

إيشيجورو: نعم، سأقول نعم، أظن أنني أعني.. إذا ضيقت هذه الفكرة قليلًا، أعني أن هذا من المرجح… أحد الأشياء التي تعنيني دومًا هي كيف نعيش في عوالم صغيرة وعوالم كبيرة في الوقت نفسه، أن لدينا مساحة شخصية نحاول فيها أن نجد التحقق والحب، ولكنها تتقاطع حتمًا مع عالم أكبر، يمكن أن تهيمن عليه السياسة أو حتى العوالم الديستوبية. بالتالي أظن أنني كنت دومًا مهتمًا بذلك. نحن نعيش في عوالم صغيرة وعوالم كبيرة، وكما تعرف، نحن لا نستطيع أن ننسى أيًا منها.

سميث: شكرًا لك، وأعتقد أننا سنتحدث عن هذه الأشياء في وقت لاحق.

إيشيجورو: نعم.

سميث: في هذه اللحظة، عليك أن تفكر كيف ستتصرف مع هذا الكم من الصحفيين. هناك فكرة آخيرة، هل تشعر بطوفان الاهتمام الذي توشك على تلقيه؟

إيشيجورو: أعتقد أنني أتعامل مع الأمر بإيجابية. أعني أنه بينما سيؤدي ذلك إلى القليل من عدم الاستقرار، لأني لم أكن أعلم حين استيقظت هذا الصباح أن اليوم سيختلف عن أي يوم عادي. أعتقد أنه شيء عظيم أن الصحافة والإعلام يتعاملان مع جائزة نوبل في الأدب بهذه الجدية. سأشعر بالقلق الشديد إذا حل يوم يفوز فيه شخصًا ما بجائزة نوبل في الأدب ولا يأبه أحد بذلك. هذا سيدل على أن هناك أشياء فظيعة حدثت للعالم.

سميث: اليوم الذي يُحتفى فيه بالأدب هو يوم رائع.

إيشيجورو: نعم، وأعتقد أنه يمكن للأدب أن يكون شيئًا عظيمًا، وفي بعض الأحيان يكون دافعًا للأشياء السيئة أيضًا. كما تعلم، أظن أن جائزة نوبل في الأدب موجودة لتحاول تأكيد هذا الدافع الخيِّر فيه.

سميث: عظيم، شكرًا جزيلًا لك، ونحن ننتظر بنفاد صبر الترحيب بك في ستوكهولم في ديسمبر.

إيشيجورو: نعم، أترقب ذلك. من اللطيف التحدث إليك يا سيد سميث.

سميث: شكرًا جزيلًا لك.

إيشجورو: لتصحبك السلامة.

 

 

كازو إيشيجورو: لا أكتب روايات تاريخية

أمير زكي

في عام 2015، وقبل عامين من حصوله على جائزة نوبل في الأدب، حاورت جابي وود الكاتب الإنجليزي كازو إيشيجورو، بمناسبة روايته الأخيرة “العملاق المدفون” التي نشرها بعد فترة انقطاع استمرت عشر سنوات. يتحدث إيشيجورو في الحوار عن سبب كتابته للرواية الأخيرة في مكان غريب وزمان سحيق، وعن الأشياء الكبيرة التي تفضل الشعوب أن تخفيها من تاريخها، وعن ضيقه ممن يقرأون أعماله بحثًا عن الدقة التاريخية، وتترجم المنصة الحوار كاملًا.

ترجمة عن تليجراف

“سألني شخص ما عما كنت أفعله في فترة الانقطاع”، يقول كازو إيشيجورو بضحكة طفولية: “فكرت في أنه صحيح أنها كانت فترة انقطاع امتدت عشر سنوات منذ روايتي الأخيرة، ولكن بشكل شخصي أنا نفسي لم أقض عشر سنوات منقطعًا”.

أعتقد أن هذا يشرح الأمر بعض الشيء، إيشيجورو واحد من أفضل الروائيين الأحياء في بريطانيا، وهكذا يجعلنا نترقَّب. يشرح لي عندما أزوره في منزله بجولدرز جرين: “أقضي وقتًا طويلًا حتى أجد مشروعًا أعتقد أنه سيكون جيدًا بما يكفي. أظن أنني تجاهلت الكثير من الأفكار. كثيرًا ما تكون لديّ أفكار أو قصة – وحتى الانفعالات التي تخرج منها – ولكن لا تكون لديّ القطعة الأخيرة من البازل”.

“العملاق المدفون” أول رواية له منذ رواية “لا تدعني أرحل” قوبلت بتوقُّع لاهث وبعض الارتباك، لأنها بحسب قوله تجري “عند نهاية إنجلترا” قبل أن يمحو الأنجلوساكسون البريتونيين، فيما اعتبره بعض المؤرخين إبادة جماعية. كانت الأرض كئيبة وموحشة، يسكنها الغيلان والتنانين، والمتبقين المنهكين من بلاط الملك أرثر. إذا كان المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية غير متوقع، فأكثر شخص لم يتوقعه هو الكاتب نفسه. يقول: ليس هذا ما تعودت عليه”. في الكتاب، يتعرض غرب البلاد، وربما ما يجاوزها، لوباء النسيان، هناك ضباب نعرف أنه يتشكل من أنفاس تنين أنثى تدعى كويريج، التي لا بد أن تُذبَح إذا أراد الناس أن يتذكروا أي شيء. ولكن من يجرؤ على تذكر كل شيء، وما هي مخاطر ذلك؟

غلاف “العملاق المدفون”

كانت الفكرة تدور في عقل إيشيجورو منذ 15 عامًا. يقول: كتبت كل هذه الكتب عن أفراد يكافحون مع ذكرياتهم الشخصية، ولايعرفون متى يخبئون ماضيهم ومتي يواجهون هذا الماضي بنوع من الإصرار. ولكن ما أردت أن أفعله حقًا هو أن أكتب عن هذا النوع من الكفاح على المستوى الاجتماعي. عندما تنظر لمعظم البلاد تجد أن هناك أشياء كبيرة تود لو تدفنها”.

في أحد أجزاء كتابه الأخير، يصل إلى مساءلة الفكرة اليهودية المسيحية عن الذنب. يقول: “على الرغم من أنني لست مسيحيًا، تعجبت في بعض الأحيان من هذا الأمر. فكرة أن يكون لديك إله رحمته غير متناهية أذهلتني كفكرة مناسبة، وذلك في نظام أخلاقي بمركز إمبراطورية مضطربة”. ولكنه وجد إنه إذا جرت أحداث الكتاب في فرنسا ما بعد الحرب أو جنوب أفريقيا أو يوغوسلافيا أو اليابان، سينحرف المعنى ويقتصر فقط على هذا المكان، ولكنه أراد شيئًا أكثر كلية.

ثم في أحد الأيام كان يقرأ نسخة قديمة من قصة “جوين والملك الأخضر”. بينما كان جوين يمتطي حصانه وينتقل من قلعة إلى أخرى – هذا الذي كان يستغرق حوالي ثلاث ستانزات (مربعات شعرية) – كان هناك وصف لبريطانيا الموحشة في ذلك الوقت، كان يسافر عبر المستنقعات والأراضي الضحلة، وأثناء نومه كان معرضًا لعناصر الطبيعة، وفي طريقه كان يقاتل التنانين والذئاب والغيلان والثيران والدببة. يقول إيشيجورو إن هذه الفقرة القصيرة “فتحت لي عالمًا كاملًا، وفكرت إن هذا أمر طيب، وتساءلت إن كان هذا هو المكان الذي كنت أبحث عنه طيلة الوقت”.

ولكنه تبنى الفكرة مع بعض التحفظ: “لم أفكر كثيرًا، أنا أحب التحدي. ثم قلت يا إلهي، ينبغي أن يرتدوا أخفاف، وأي نوع من السيوف ينبغي أن تكون معهم؟ وكيف سيتحدثون إلى بعضهم؟ أثبتت التفاصيل أنها ستمثل مشكلة كبيرة”. وبعد أن كتب ثلثها بدأت تراوده الشكوك. وعلى الرغم من أنه لم يكن يميل لفعل ذلك في كتبه السابقة، جعل زوجته الذكية والنشيطة لورنا تقرأ ما كتب. يقول وهو يضحك: “لا أعتقد أنني سأفعل ذلك مجددًا، ولكنها أكدت مخاوفي. قالت لي: لا يمكن أن تجعلهم يتحدثون بهذه الطريقة، هذا غير طبيعي”. بالتالي نحّى الرواية جانبًا لعدة سنوات، حتى شعر إنه بإمكانه العودة إليها “بدون أن يرغم نفسه كثيرًا”.

إيقاع “العملاق المدفون” يتسم بالرَوِيّة، وبلا شك سيجد بعض القراء صعوبة في التعود على عالمها الحر البطيء. ولكن الكتاب يتجه إلى شيء عظيم ويكسر القلب، ليس ذروة محددة، ولكن حركة شطرنج تترك شقوقًا في الرقعة نفسها. كل المساعي التي تتحرك إليها الشخصيات – أن تذبح التنين، أن تجد ابنًا، أن تصل لأم، أن تنتقم، أن تستعيد ذاكرتها – ليست سوى مشتتات عن الحقيقة الضمنية، وهي أن المشكلة ليست في التنين، إنما في البشر الذين فرضوا سحرها، وأن خطة هؤلاء الذي فرضوا السحر تختلف عما تتوقع، لأن نتائج التخلص من السحر ستكون وحشية. ما يبدو كأنه سرد لرحلة؛ يقترب أكثر من كونه حبكة لفيلم وسترن أو فيلم عصابات: أي جانب ينتمي إليه أي شخص؟ وما الذي يحمونه؟ ومتى بدأت تلك الصراعات القديمة؟ وفي النهاية مَن هو البطل؟

في البداية، تبدو قصة رمزية أو على نمط القصص الشعبية المباشرة، ولكن الشخصيات المبنية بعمق على مادة أسطورية، غير ملائمة لذلك. على سبيل المثال، كلا من المحارب الساكسوني وستان، وجوين فارس الملك آرثر ذي الثياب الرثة، يبدوان وكأنهما يعرفان آكسل، البريتوني العجوز الذي يبدأ به الكتاب. في كل مرة يستعيدان شيئًا عنه في ذاكرتهما، ويبدو أن القارئ وصل إلى دليل ما. ولكن هل تحاول هذه الشخصيات أن تتذكره حقًا، أو هل يعرفان تمامًا من هو. نحن لا نعرف إذا كان الضباب قد أثر على كل الناس بقدر متساو. حتى قبل أي فعل مباشر، فالأرض هي ميدان معركة للعقل، مكان يتلاشى فيه رشد الناس على مستويات متعددة، حيث الأبطال مرضى، لأنهم لا يعرفون من هم، أو ما الذي كانوا يتشاركونه مع من حولهم.

في النهاية، نعرف أكثر عن طبيعة أكسل في حياته المبكرة. في الروايات الأقل مهارة كنا سنجد الكثير من المعلومات عن ذلك. أما هنا، فالمكانة التي ارتقى إليها في المجتمع ليست بذات أهمية بقدر حوادث الفقد التي مر بها مع زوجته بياتريس. تكاد حرب أن تندلع في البلد كله، سببها الكراهية واسعة المدى، ولكن مآسي آكسل وبياتريس ربما كانت أكثر مما يمكن تجاوزه.

موضوع الرواية ليس فقط النسيان، ولكنه التذكر الزائف أيضًا. نعرف هذا من وقت مبكر، لأنه عندما ينطلق الزوجان في رحلة للعثور على ابنهما، لا تكون لديهما فكرة أين يعيش، ولا يذكران لماذا لم يعد يعيش بينهما. ومع تقدم الرحلة، تحظى قصتهما بالإلحاح والتفصيل – لا يعيش ابنهما بعيدًا للغاية، وهو ينتظر قدومهما بنفاد صبر، لا بد أنه يتساءل عما يبقيهما بعيدًا، على الرغم من عدم وجود أي مصدر لتلك التأكيدات. ولأن هذه هي القصة التي يعيشان عليها، فلا بد أن تحظى بالزخم.

على الرغم من أن المعجبين برواية “الهوبيت” أو “لعبة العروش” لن يجدا التفاصيل الكثيفة التي ربما يرغبون فيها، سيدرك المعجبين بإيشيجورو الكثير هنا؛ قد يكون هذا منطق حلم، أو ذكرى مدفونة، فرغبة المرء في مد الزمن الذي يقضيه مع من يحبه، والحس الملح بالواجب أو هاجس الذنب المبرر، فرواياته محكومة بما لا يمكن الوصول إليه. تدع بياتريس النسيان بـ “الضباب”، وهذه كلمة مناسبة لما ابتكره إيشيجورو في أعماله، الظل الذي يلقيه في خلفية عقل المرء. بهذا المعنى، تمثل أنفاس كويريج استدعاء مختصر لما أظهره لنا إيشيجورو على مر السنوات، وهذا تراكم من نوع ما.

تجارب معملية

… يمكنك القول إن هناك عنصرًا معمليًا في كل الأعمال الأدبية[…] هناك جانب بارد قليلًا في كتابة الأدب، عليك أن تكون منفصلًا قليلًا لتقول: كيف سيتصرف البشر في هذا الموقف؟

في أحد أركان غرفة جلوس إيشيجورو يوجد عدد من الجيتارات على الحوامل. يمسك بواحد منها، ويبدأ بعزف مقطوعة بلوز خفيضة. يقول لي إنه عندما كان مراهقًا كان يعزف الموسيقى، ويشاهد العديد من الأفلام، ونادرًا ما كان يقرأ، وعلى الرغم من ذلك يشير لي أن هذا ليس أمرًا غير معتاد على صبي. لم يبدأ الأمر سوى في بداية العشرينيات، عندما اكتشف فجأة دستويفسكي وشارلوت برونتي، لينغمس في الكتب. الكثير مما تعلمه عن الكتاب جاء من كتابة الأغاني. مر بـ “مرحلة القلق المراهقة” و”تيار الوعي”، وفي النهاية عندما سجل “مقطوعة سيئة” جدًا في غرفة نومه، كان عدم الاكتمال هو أسلوبه. في هذا الوقت بدأ كتابة الأدب. روايتاه الأوليان “نظرة شاحبة للتلال” و”فنان من العالم الطليق” تبدوان كأنهما مكتوبتان لصوت، يشير إلى أنه تخيلهما كمونولوجين مطولين.

على الأقل، هذه هي القصة هي التي قالها لنفسه على الدوام، ولكن مؤخرًا حين كان يرتب أوراقه لوضعها في أرشيف، صادف أن عثر على ما أطلق عليه “الراويتين المفقودتين”. يقول: “هذه هي مسألة قمع الذاكرة الفردية”، يضحك، ويشير إلى “العملاق المدفون”، في الحقيقة يشير إلى أعماله كلها: “لقد ظننت أن هذه الأمور عادية – ابتكرت سردًا يخصني أدى إلى عدم اكتمال الروايات السابقة لـ (نظرة شاحبة من التلال). في الحقيقة هناك ثلاث مسودات من كل رواية. كانت هذه صدمة خفيفة بالنسبة لي، أنها وجدت بهذا الشكل المكتمل. الرواية الأولى كانت بشعة، كئيبة للغاية. لملايين السنين لا يمكن أن أظن أن كاتبها سيكون كاتبًا في المستقبل. ثم كانت الرواية الثانية، وهذه كتبت بحرص، ما جعل الأمر مربكًا بشكل أكبر”.

إيشيجورو، الذي يذهلك بأنه غير منكفئ على ذاته، يضم الآخرين إلى تجربته؛ يقول إنه لهذا السبب[كون رواياته الأولى بشعة]، فإنه إذا قرأ كتابة لشخص لا يعتقد أنه جيد جدًا، يكره أن ينصحه بالتوقُّف. “أظن أنه من الصعب للغاية أن تعرف ما الذي سيحدث للناس ككُتَّاب. لا يتحسن الكتُّاب تدريجيًا حتى يتجاوزوا نقطة محددة. مع الموسيقيين يمكنك عادة أن تعرف إذا كان هذا الشخص لا يتمتع بالموهبة الموسيقية. ولكن مع الكتاب هناك علاقة صعبة بين مادة الموضوع وأين يقف الشخص في حياته”.

بعد تخرجه من الجامعة بوقت قصير، عمل في ملجأ للمشردين والتقى بزوجته المستقبلية، والتحق بفصل دراسي للكتابة الإبداعية بجامعة إيست آنجليا (لم يلتحق به عدد كاف من الطلبة) فدرس على يدي معلمته آنجيلا كارتر (التي كان طبعات كتبها نافدة في ذلك الوقت). من الصعب أن تتخيل روائيين مختلفين إلى هذا الحد، كارتر بإفراطها الحر، وإيشيجورو بتهربه المستمر – ولكنها صارت أكثر من أثَّر في حياته المهنية.

يقول: “لقد مررنا بكل تلك الجدالات الكبيرة، كانت تقول لي دومًا إنني لا أضيف تفاصيل كفاية”. ولكنها من البداية كانت تعامله باحترام الكاتبة المهنية: “أذكر أنني كنت أدخل عليها وأقول: هل تعتقدي أنه يمكن للقطط الميتة أن تطفو؟ لأنني بحاجة لمعرفة ذلك بسبب مشهد محدد. وكانت تتعامل مع الأمر بجدية شديدة”.

الشخص الذي كان إيشيجيرو وأصدقائه يطمحون في الوصول إلى قامته هو إيوان مكيوان، الذي بدا أنه يكتب للجيل الأصغر، وبدا أنه يقدم نموذجًا جديدًا، يقول بطريقة جافة: “كنا واعين أن مارتن آميس كاتب شاب محتفى به، ولكننا لم نكن نقرأه للعديد أسباب”. كان ممثلو المؤسسة الثقافية هم آيريس مردوك ووليام جولدينج ودوريس ليسينج.

“أما من هم أشبه بف. س. نايبول وج.ج بالارد، بديا خارج ذلك تمامًا، كانا أشبه بشخصيات مستقلة. ربما كان نايبول مهتمًا بالخارج أكثر، يركز على المكان الذي تنطلق منه الطلقات، هناك في العالم النامي، وليس عن الفارق بين فتاة من الطبقة الدنيا وصبي من الطبقة الوسطى لا تمضي علاقتهما بشكل طيب. الآن أنظر إلى كل هذا ولا أشعر أن الأمور كانت مباشرة إلى هذا الحد. ولكن علينا أن نتجنب الطريقة الواقعية الاجتماعية الصريحة في الكتابة”.

بالطبع تكمن الصعوبة في أن القراء يميلون لأن يكون لهم عادات واقعية اجتماعية صريحة، وكافح إيشيجورو ألا يقرأه الناس حرفيًا. على سبيل المثال سيكون من الواضح بالنسبة للعديد من الناس أن المكان القديم لرواية “العملاق المدفون” أو الافتراض المستقبلي في “لا تدعني أرحل” هي أشياء خيالية، ولكن يرجع ذلك إلى أن إيشيجورو يدفع الأحداث إلى حدود متطرفة. يقول: “لديَ دومًا مشكلة مع المكان، طوال عملي. لأنه في البداية أردت أن أكتب روايات تدور في اليابان، كانت هناك حاجة عاطفية كبيرة لأصنع يابان تخصني وهكذا”. (غادر إيشيجورو اليابان عندما كان في الخامسة من عمره، لكنه نشأ في بريطانيا مع قصص الساموراي والحكايات الأخرى التي كانت ترويها أمه. في إحدى المرات قرأت له قصة إيفانهو كلها بالترجمة اليابانية). “ولكن الناس في الغرب يعتبرونها تمثيلًا وثائقيًا. أنت تعرفين إنهم يقولون إذا ذهبت إلى اليابان في رحلة عمل، اقرأ رواية (فنان من العالم الطليق)، ستساعدك في فهم العقل الياباني، كن أقول في نفسي: (انظروا هذا مجرد أنا أثناء لهوي بالطبيعة البشرية، أو أي شيء آخر). لم يكن يريحني أن يعتقد الناس أني صحفي أو مؤرخ. وفكرت أنه بالانتقال إلى مكان غربي لكتابة عمل مثل (بقايا اليوم)، يمكن للناس أن تقيس المسافة بين الدقة التاريخية وعالمي المتخيل”. ولكنه يضحك من هذه الفكرة: “ولكن لا، يقولون: هذا رائع، هكذا كان يتحدث الخدم عن واجباتهم”.

كان الإصرار على ابتكار كل الأشياء خاليًا من الجدوى. يقول “منذ رواية ‘من لا عزاء لهم’ (روايته الرابعة التي نشرت عام 1995) صرت أكثر وعيًا بمسألة أن الناس تقرأني حرفيًا، حتى أنني توجهت إلى عالم أغرب، عالم خيالي بشكل واضح، لأعلن الكيفية التي أود أن تُقرأ رواياتي بها، لا تحاولوا أن تنظروا للحقيقة التاريخية بشكل جدي، حاولوا البحث عن شيء آخر”.

أتساءل عن هذا الشيء الآخر؟ فيجيب إيشيجورو ببساطة شديدة: “أحاول أن أعمل بشكل كبير بواسطة الانفعالات. أحوال فقط أن أقول للقراء: هل تعتقدون أن هذا هو ما تشعرون به؟ إذن عليكم أن تشعروا بهذه الكيفية، أن تكون شخصًا في هذا النوع من المواقف، هل تدركون ذلك؟ وعلى الرغم من أن هذا طموح متواضع. أظن أنه من المهم للغاية أن يتواصل الناس مع بعضهم على هذا المستوى. أن يقولون: أظن أن هذا هو ما تبدو عليه الحياة، هل تشتركون في هذه المشاعر؟ إذا شرحت الأمر بهذه الطريقة، هل تشعرون بهذه الانفعالات أيضًا؟”

لأن الزوجين في قلب رواية “العملاق المدفون” وضعا تحت ضغط اختبار مفترض – هل يحبان بعضهما بما يكفي؟ هل ما زالا يحبان بعضهما لو..؟ تذكرت تجربة الاستنساخ في “لا تدعني أرحل”، وكان لدي هذه الفكرة غير المريحة والغامضة أن روايات إيشيجورو نفسها هي تجارب إنسانية، وكل قراءه يتجمعون حول ميكروسكوب غير مرئي. في غرفة جلوسه، يتفكر في ها الأمر: “أفترض أنه يمكنك القول إن هناك عنصرًا معمليًا في كل الأعمال الأدبية”، يشير إلى أنه: “إلى حد ما هي تجارب فكرية، وصحيح، يمكنك اختبار تجارب بعينها بدون أن تمر بها. هناك جانب بارد قليلًا في كتابة الأدب – عليك أن تكون منفصلًا قليلًا لتقول: كيف سيتصرف البشر في هذا الموقف؟”

من المهم أن نقدّر حقيقة أننا نراقب إيشيجورو وهو يستكشف الأفكار في لحظتها. نحن نحتفي بهذه الكتب بشكل فردي، وهي تصدر للعالم، ومن السهل أن ننسى الامتياز في هذا. أخمن أن تُقرأ “العملاق المدفون” بشكل مختلف خلال 10 أو عشرين سنة من الآن. نحن غير متأكدين تمامًا من هذا، حتى نقرأ أعماله في ذلك الوقت وندرك أهميتها. ولكني مستعدة للمراهنة على أنه من بينه جميع كتاب القرن الحادي والعشرين، سيكون هو الكتاب المتبقي، هو الذي طرح الأسئلة عما يربط الناس ببعضهم، الذي قال شيئًا عميقًا عن التاريخ، وشيئًا غير انفعالي عن الحب.

 

 

سينما كازو إيشيغورو: سحر مفردات وجماليات صُوَر/ نديم جرجوره

أن يتذكّر بعضُ المهتمّين وجوهَ ممثلات وممثلي الفيلمين المقتبسين عن روايتين من رواياته، أو مُشاهدةَ أخريات وآخرين في أفلامٍ مُنجزة بناءً على سيناريوهات له، أكثر من تذكّره الروايتين أو السيناريوهين بحدّ ذاتهما؛ فهذا يعني أن الصورة السينمائية مستمرةٌ في منح مُتَعٍ بصرية أقوى وأعمق وأقدر على التأثير من الكلمات، وإن تمتلك أساليب كتابيةٌ عديدةٌ بهاءَ سحرٍ، وبراعةَ إمكانياتٍ في حثّ متخيّلِ القارئ على اختراعِ صُوَره بفضلها، أحياناً. والمتع هذه منسحبةٌ على النفسي والروحي والتأملي والعقلي والثقافي والانفعالي، كونها منفتحة على مشاعر وتفكير، وعلى جمالياتٍ تخترق محجوباً أو مبطّناً، وتعيد صوغ فصولٍ من الحياة بلغة الحياة، لكن بمزيدٍ من رفاهية الجمال وقسوته البصريتين.

وأن يقتنع بعضٌ آخر بجمالية المُشاهدة السينمائية قبل القراءة الروائية، إنْ يرَ في القراءة متعاً كتلك التي يشعر بها أثناء المُشاهدة أو لا، فهذا يعني أن السينما أقوى من أن تُختَزل بمُشاهدةٍ عابرة، إذْ تكون المُشاهدة هذه أعمق من أن تعبُرَ ذات المُشاهِد، وروحه ووعيه والمتخيَّل الخاص به، من دون أثر.

تساؤلات

لن يكون سهلاً حسم الأفضلية: أهي المُشاهدة قبل القراءة، أو العكس. لكن فوز الكاتب البريطاني الياباني كازو إيشيغورو (1954) بـ”جائزة نوبل للآداب” (2017)، دعوة إلى استعادة التساؤلات كلّها، المرتبطة بعلاقة الأدب بالسينما. وأفضلية المُشاهدة قبل القراءة، أو العكس، لن تبقى التساؤل الوحيد، لأن تفاصيل كثيرة تنبثق من العلاقة نفسها، طارحةً ملاحظات حول كيفية الاقتباس، ومدى ضرورة أو عدم ضرورة التزام النص الروائي الأصلي في كلّ اقتباس، والهامش الإبداعي المتاح للسينمائيّ في عملية الاقتباس، وحقّ الروائي في التدخّل في كتابة السيناريو وإخراج الاقتباس، علماً أن روائيين عديدين تُتاح لهم المشاركة في كتابة سيناريو الاقتباس، باتفاق (عمليّ ـ مهنيّ) بينهم وبين المخرجين والمنتجين.

فوز كازو إيشيغورو بـ”جائزة نوبل للآداب” مدخلٌ إلى إعادة قراءة اقتباسين سينمائيين لروايتين له، هما: “بقايا النهار” (1989) و”لا تدعني أرحل أبداً” (2005)، بالإضافة إلى سيناريوهين اثنين له أيضاً، هما: “أحزن موسيقى في العالم” (2003) للكندي غي مادِّن (1956)، و”الكونتيسة البيضاء” (2004) للأميركي جيمس إيفوري (1928)، مخرج “بقايا النهار” عام 1993، علماً أن الأميركي مارك رومانك (1959) مخرجُ “لا تدعني أرحل أبداً” (2010).

بهذا، لن يكون إيشيغورو الروائي الوحيد الذي يكتب سيناريوهات سينمائية (وطبعاً لن يكون لا أول روائيّ، ولا الروائي الوحيد الذي تُقتَبس أفلامٌ عديدة من رواياته). إذْ يُشار إلى المصريّ نجيب محفوظ (1911 ـ 2006)، الحاصل على “نوبل للآداب”، أيضاً، عام 1988، وكاتب روايات تُقتَبس لاحقاً للسينما، وله سيناريوهات خاصّة به مُنجزة في أفلام، تحتلّ مكانةً مهمّة وثابتة في ذاكرة السينما المصرية والعربية؛ وإلى الأميركي بول أوستر (1947)، غير المكتفي بالكتابة السينمائية، بل أيضاً بالتمثيل والإخراج؛ وإلى الكولومبي غبريال غارسيا ماركيز (1927 ـ 2014)، الفائز، هو الآخر، بـ”جائزة نوبل للآداب” (1982)، وكاتب سيناريوهات سينمائية (من دون تناسي اقتباساتٍ سينمائية من رواياتٍ له)، ومؤسِّس “المدرسة الدولية للسينما والتلفزيون في كوبا”، و”مؤسَّسة من أجل سينما أميركية لاتينية جديدة” في هافانا، ومنظِّم ورشات عمل متعلّقة بكتابة السيناريوهات؛ وغيرهم.

هذا ليس عابراً. انخراط روائيين، عرب وغربيين، في العمل السينمائي، قديم ومهمّ؛ وإنْ يكن عدد العرب أقلّ من ذاك الخاصّ بالغربيين، في مجالي الاقتباسات السينمائية من رواياتهم، وكتابة السيناريوهات أيضاً. الرواية بحدّ ذاتها مقتربةٌ من العالم السينمائي، صُوراً ومتخيّلاً وبناءً درامياً وشخصيات وتوليفاً، ويكاد البعضُ يُضيف أن هناك، في الرواية، اشتغالات على الضوء واللقطة والكادر أيضاً. لذا، يُساهم كازو إيشيغورو ـ ولو بشكلٍ متواضع وهادئ ـ في صناعة سينمائية، سيبقى الاقتباسان أفضل وأهمً وأعمق وأجمل من كتابته السيناريوهين.

المفارقة الأولى كامنةٌ في أن زمن أحداث الفيلمين المقتبسين عائدٌ إلى خمسينيات القرن الـ20، بينما السيناريوهان يذهبان إلى ثلاثينياته، إنْ يكن الحدث الدرامي والإنساني والحكائيّ قائما في أميركا، في فترة الانهيار الاقتصادي، الممتدة بين عام 1929 والحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، كما في “أحزن موسيقى في العالم”؛ أو في شنغهاي، زمن الغزو الياباني، كما في “الكونتيسة البيضاء”. في حين أن الجغرافيا المشتركة بين الروايتين ـ الفيلمين المقتبسين منها، هي إنكلترا، إذْ تدور أحداث “بقايا النهار” في مدينة “درالنغتن” (شمال شرق إنكلترا)، وأحداث “لا تدعني أرحل ابداً” في “هايلشام” (سوساكس الشرقية).

انعكاس أزمنة ومتغيّرات

فخمسينيات القرن الـ20 مليئة بمحاولات شتّى للخروج من خراب العالم، عبر اجتهاد العلم والمعرفة والسلوك البشري، والبحث عن خلاصٍ لبشرية واقعة في جحيم الأرض؛ من دون تناسي تراكمات ما قبل الحرب العالمية الثانية، وفساد أسيادٍ وأنظمةٍ ومؤسّسات وأفراد، وارتباكات عيشٍ وتخبّطات عمل. في حين أن ثلاثينيات القرن نفسه معطوبةٌ بانقلاباتٍ، يبحث صانعوها عن مسارات مختلفة، ومصائر تتلاءم وطموحات ملتبسة، في عالمٍ مرتبكٍ يُعاني ـ من بين أمورٍ عديدة ـ سلبيات الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918)، وعاجزٍ عن بلورة خطاب إنسانيّ يتمرّد على هذا الخراب ومفاعيله القاتلة، ويسعى إلى بناءٍ متكاملٍ ينفضّ عن الحروب والمجازر، وينقِّب في أحوال الفرد والجماعة. لكن بعض هذا كلّه يحدث في مرحلة لاحقة للحرب العالمية الثانية، فيُصاب كثيرون بهوس العلم والمعرفة، الذي يرتكب، أحياناً، “فعلاً جرميّاً”، من أجل تطوير هذين العلم والمعرفة.

بين ثلاثينيات القرن الـ20 وخمسينياته، يمرّ العالم برمّته في تحوّلاتٍ، تضع أوروبا أمام مرآة ذاتها، وتجعل أميركا في مواجهة نفسها. ورغم أن روايتي كازو إيشيغورو تبتعدان عن شمولية التنقيب في المتغيّرات، بتركيزهما على خصوصية الفرد، الذي يجد نفسه أمام أسئلة الحياة والمقبل من الأيام والهوية والموقع الإنساني في عملية التطور العلمي، وإنْ على حساب عيشه وحياته؛ إلاّ أن السيناريوهين منغمسان ـ عبر الفرد وحكاياته، وعبر ارتباطه بالجماعة وتبدّلاتها ـ في أحوالِ عالمٍ تائه وسط غليان المرحلة، وشقاء الحالة، والبحث الدائم عن أجوبة معلّقة على أسئلة العيش اليومي.

لكن تحديداتٍ ـ زمنية ومكانية وجغرافية واجتماعية وثقافية ـ كهذه، لن تُعطِّل جوهر الحكايات المرسومة بلغةٍ أدبية، لن يتحرّر السينمائي جيمس إيفوري، مثلاً، منها بشكلٍ مطلق، فيتجنّب اقتباساً حراً لـ”بقايا النهار”، مُبدِّلاً تفاصيل قليلة للغاية، من دون التأثير لا في الجوهر الإنساني للحبكة، ولا في مفاصل ومنعطفات ونواة عديدة فيها. وإذْ يحافظ مارك رومانك على هذا الجوهر، فإن اقتباسه السينمائي لرواية “لا تدعني أرحل أبداً” يُعتَبر اقتباساً بديعاً رغم قسوة المضمون، لن يكتفي (الاقتباس) بابتكار صُوَر للكلمات وعوالها ومساراتها ومعانيها، لأنه يُعيد صوغ المشهد الإنساني بمَشاهِد مُطعَّمة بتعابير تمزج الشعريّ بالإنساني، وتضع البوح الفردي ـ عن الخوف والرغبة في العيش ومعنى الموت والعلاقات الإنسانية والحبّ والمشاعر ـ في خانة الأسئلة المعلّقة، في زمن ملتبسٍ، يخوض، هو أيضاً، معركة حياة ووجود.

يتناول “بقايا النهار” حكاية ثنائيّ (أنتوني هوبكنز وإيما تومبسن) يعمل لدى اللورد دارلنغتن (جيمس فوكس)، ويجد نفسه في مواجهة تبدّلات عميقة وحادة، إثر وفاة الأخير. بينما ينقل “لا تدعني أرحل أبداً” حكاية مزدوجة: فالعلم متطلّبٌ، والاختراعات قادرةٌ على تجاوز المتوقّع والمعقول والمنطق البشري أحياناً، إلى درجة سلب حيوات أناسٍ من أجل عيشِ آخرين. ولكي يتمكّن العلم من تحقيق المبتغى، تتولّى مؤسّسة كبيرة تربية متشرّدين “تخطفهم” من الشوارع الفقيرة، وتؤمّن لهم عيشاً أفضل بمستوياته كلّها، وحياة صحية سليمة للغاية، قبل أن تبدأ مرحلة انتزاع الأعضاء الحيوية منهم، لمنحها لآخرين.

هاتان الحكايتان ظاهرتان. المتداول في السياقين الدراميين مفتوحٌ على مسائل أخرى، في الإنساني والانفعالي والفضائحيّ والاجتماعي، كما في الصوغ البصريّ الجماليّ البديع، خصوصاً في لقطات عديدة من “لا تدعني أرحل أبداً”، رغم “اتّهام” البعض له بإسرافه في الميلودراما البكائية، من دون أن ينتبه هذا البعض إلى الفعل الميلودرامي الكامن في حساسية الواقع، الذي ينقلها الاقتباس السينمائي من قوة الكلمات إلى سحر الصُور، مع أن في الكلمات والصُور معاً كمّاً من البؤس والشقاء، يؤدّي إلى ارتفاع حدّة الميلودراما البكائية، التي تظهر في الفصل الأخير من الفيلم تحديداً.

وإذْ يغوص “أحزن موسيقى في العالم” في مرحلة مرتبكة (الانهيار الاقتصادي في ثلاثينيات القرن الـ20)، كي يكشف معالم المواجهة الفردية لواقع مزرٍ وممزّق، عبر منافسة على “أحزن” موسيقى وأغنية، في مناخٍ عابقٍ بالعلاقات المتصادمة أو المتكاملة (تمثيل مارك ماك كيناي وإيزابيلا روسّيليني)؛ فإن “الكونتيسة البيضاء” يضع قصّة حبّ بين كونتيسة روسية (مبتورة إحدى القدمين) وديبلوماسي إنكليزي يفقد نظره، في توازنٍ ـ درامي وإنساني ـ مع غزو ياباني للصين، والعالم السفلي لعيشٍ مختلف (تمثيل رالف فينيس وناتاشا ريتشاردسن).

مرايا صُوَر واشتغالات

المُلاحظ أن الاقتباسين السينمائيين يمتلكان خصوصيات جمالية عديدة، يكمن أبرزها في الاختيار البديع لممثلات وممثلين، يتمكّنون ـ بفضل قدراتٍ تمثيلية، وبراعة إدارة، وعمقٍ إنساني في تركيب الشخصيات ـ من تقليص المسافة بين الشاشة الكبيرة والصالة، إلى حدّ الامّحاء، غالباً. وهذا يُلغي كلّ مسافة إبداعية بين أجيالٍ سينمائية، فتتساوى، إلى حدّ كبيرٍ، جماليات التمثيل الخاص بأنتوني هوبكنز (1937) وإيما تومبسن (1959) وكريستوفر ريف (1952 ـ 2004) وجيمس (ويليام) فوكس (1939)، في “بقايا النهار”، بجماليات شبانٍ يخطون خطواتٍ ثابتة وفاعلة ومؤثّرة في المشهد السينمائي، أمثال كاري موليغان (1985) وكيرا نايتلي (1985) وأندرو غارفيلد (1983)، في “لا تدعني أرحل أبداً”.

وهذا لن يقلّ جمالياتٍ عن الاختيار الموفَّق لممثلي “أحزن موسيقى في العالم”، الثنائي الأساسي مارك ماك كيناي (1959) وإيزابيلاّ روسّيليني (1952)؛ و”الكونتيسة البيضاء”، رالف فينيس (1962) وناتاشا ريتشاردسن (1963 ـ 2009) وفانيسا ريدغريف (1937).

هذا يُحسب للاقتباسين، من دون التغاضي عن حرفية الأداء وجمالياته المهنية والفنية والإنسانية، في الفيلمين الآخرين. الـ”كاستينغ” متلائمٌ، ليس فقط والحدّ المقبول، بل وما هو أجمل وأفضل وأقرب إلى ثنايا الشخصيات ومسامها وأرواحها وشغفها وحراكها. فالثنائي هوبكنز ـ تومبسن، مثلاً، يعكس جوهر الشغف المخبّأ، والحنكة المبطّنة، وروعة الإبهار في ابتكار أساليب تعبير وبوح، في مقاربة النصّ السينمائيّ الأصلي؛ بينما يذهب الثلاثي موليغان ـ نايتلي ـ غارفيلد إلى ما هو أبعد من الظاهر، في الوجه والملامح والمشاعر، تعبيراً عن أسى وفجيعة وخوف وقلق، يظهر بتناغم رائع مع تصوير (آدم كيمِّل، 1960) يخترق المحجوب والمسكوت عنه، ويكشف روعة الطبيعة بألوان العدسة، ويستمدّ حيوية المقاربة من مسارات أناسٍ ذاهبين إلى حتفهم، فترافقهم الكاميرا كمن يرغب في توثيق كل لحظة ممكنة من حياة كهذه، ومن موت كهذا.

والجماليات الأدائية تلك نابعةٌ، بشكلٍ أو بآخر، من الحساسية الجميلة والعميقة للشخصيات الروائية، المرتكزة (الحساسية) على اشتغالٍ نفسي وعلمي وجمالي وتأملي مكتوب بسلاسةٍ تمزج عمق الفرد وروحه ومخاوفه وأشباحه وكوابيسه ورغباته وأهوائه وانفعالاته ومصيره، بعمق الحدث وخلفياته، والمحيط وتشعّباته، والعالم وتبدّلاته.

إلى ذلك، فإنّ للمشهد الخلفي حضوراً لن تقلّ أهميته عن تلك الخاصّة بالسرد والمكان والفضاء والاشتغالات المختلفة. فالحكايات الظاهرة ـ في واجهة المشهدين الروائي والسينمائي (اقتباساً، أو كتابة مباشرة للشاشة الكبيرة) ـ مدخلٌ إلى مقاربة أحوال بلاد واجتماعٍ وبيئاتٍ وخفايا، تكشف شيئاً من حراك زمنٍ ما، واجتماعٍ ما، وبيئة ما؛ وتقترب من تحوّلات تطاول أنماطاً عديدة من المحاولات الدوؤبة للخروج من خراب الدنيا، ودمار المدن، وانهيارات البشر.

أما السؤال عن مدى التزام النص الروائي من عدمه في الاقتباس السينمائي، فلن يكون الجواب عليه حاسماً. إذْ يبدو التزام جيمس إيفوري بالغالبية الساحقة من الرواية في اقتباسه “بقايا النهار” أشبه بتحويل المفردات والتعابير المكتوبة إلى صُور حسّية، تتجاوز النص إلى المشهد ومقوّماته، وتمنح الكاميرا (توني بيرس ـ روبرتس، 1944) رفاهية التوغّل في ثنايا الذات والروح والعلاقات والمصائر. في حين أن مارك رومانك يظهر أكثر حرية في السير في حقل ألغامٍ، إنسانية أساساً، مُقدِّماً شهادة قاسية عن رغبة الحياة المصطدمة بقوة العلم ووحشية الإنسان، وعن جمالِ روحٍ محطَّمة، تمتلك الكاميرا سحر مرافقتها في رحلة الخراب والجمال والخيبات.

هذا جزءٌ من نقاشٍ يطول. فالاقتباسان السينمائيان مليئان بإشارات تحتاج إلى مزيدٍ من تنقيبٍ في أكثر من مستوى، لعلّ أول تلك المستويات يكمن في المنافسة القائمة بين لعبة الكتابة وجمالية الصُور. والسيناريوهان مشحونان بإسقاطاتٍ تبدأ بالفرديّ البحت، كي ترسم معالم بيئة وجماعات وتحوّلات عميقة، في عالمٍ قائم في انقلاباته الدائمة.

*ناقد سينمائي

ضفة ثالثة

 

 

 

نوبل للآداب لكازو إيشيغورو: الروائي الياباني الأكثر امتلاكا للغة شكسبير

من عبد اللطيف الوراري وعبدالدائم السلامي

يبدو أن الأكاديمية السويدية، مُمثَّلةً بحكمائها الثمانية عشر، قد اتعظت كثيرا ممّا حصل لجائزتها في الآداب لسنة 2016 من ازدراءٍ من قِبَلِ الأمريكي «بوب ديلان» الذي تجاهل مراسمَ التتويجِ بالفوز ولم يتفاعل معها إلا بعد مرور عدّة أسابيع. وهو أمرٌ جعل حفل تسليم تلك الجائزة باهتا وضامرَ الإشعاع الإعلامي. ولتلافي مثل هذا الإحراج استقرّ رأي هؤلاء الحكماء على منح جائزة نوبل للآداب لعام 2017 لكاتب أوروبيّ «ذي أخلاق أدبيّة» على حدّ تعبير أحد الصحافيين، وهو الروائي البريطاني، ذو الأصل الياباني، كازو إيشيغورو، الذي وصفته السكرتيرة الدائمة للأكاديمية السويدية، سارة دانيوس، في إعلان فوزه بأنه «كشف، في رواياته العاطفية القوية، الهاويةَ التي يقف عليها شعورُنا الواهم بالرفاهية في العالم».

وُلد إيشيغورو سنة 1954 في مدينة ناغازاكي اليابانية، ولمّا بلغ عامه السادس سافر أبواه «شيزو إشيغورو» و»شيزوكو إيشيغورو» إلى إنكلترا للاستقرار فيها مؤقَّتا، إلاّ أنّ ظروف العمل هناك قد رغّبت هذه العائلة في الاستقرار في المملكة المتحدة. بدأ إيشيغورو يتعلّم الموسيقى منذ الصِّغرِ، وصار في عامه الرابع عشر عازفَ آلة الغيتار، ومن ثَمَّ كان طموحه أن يُصبح نجما من نجوم الرّوك، وهو ما حفزه لأنْ ينتمى إلى فرقة موسيقية شبابية في سنّ الواحدة والعشرين، ويكتب لها بعض الأغاني، وقد اكتظّت غرفته آنذاك بآلات الموسيقى وكتبِها، وكان في تلك الفترة أيضا يمُجُّ الأدب ولا يُقبل على قراءته، ولا يعرف من الكتّاب إلا الشاعر والروائي الأمريكي جاك كيرواك، فضلا عن كتّاب حركة «الجيل الضائع» أمثال سكوت فيتزجيرالد وارنست همنغواي وعزرا باوند.

أوّل تماسِّ مع الكتابة بالنسبة إلى إيشيغورو كان عبارة عن «مذكِّرات» كتبها عن رحلته إلى أمريكا وكندا. وبعد أن التحق بجامعة «كنت» وتحصّل منها على شهادة الليسانس في الفلسفة، نال شهادة الماجستير في الكتابة الإبداعية من جامعة ّإيست أنغليا» عام 1980. وفي خلال تلك المرحلة حضر درسًا حول «الكتابة الإبداعية» قدّمته الأستاذة والروائية البريطانية أنغيلا كارتر، التي وصفها بأنها مُلهمتُه ومعلِّمتُه، وقال عنها إنها «سيدةٌ عظيمة عرفتْ كيف تجعلني أفهم أنه لا توجد قواعد ثابتة للكتابة الأدبية، وأنه لا سبيل إلى أن أكون أديبا سوى سبيل الطموح». ويبدو أنّ هذا اللقاء مثّل تحوّلاً في اهتماماته الإبداعية، حيث صار منكبًّا على قراءة الآداب البريطانية والأمريكية، وراح يكتب نصوصًا قصيرة مثّلت بالنسبة إليه «تدريبا» على كتابة الرواية. وفي عام 1982 تحصّل إيشيغورو على الجنسية البريطانية وتزوّج الأسكتلندية لورنا ماكدوغال التي يعتبرها أفضل قارئة لأعماله، وقد أنجبت له ابنته ناعومي.

الفضاء الثالث

غير أن قراء الأدب المكتوب بالإنكليزية لم يُفاجأوا كغيرهم، فهم يتلقّون كازو إيشيغورو باعتباره واحداً من أبرز كتاب فن الرواية المعاصرين، فقد سبق له أن نال جائزة البوكر الأدبية عام 1989 عن روايته «بقايا النهار» التي حوّلها جيمس إيفوري إلى فيلم سينمائي، وجائزة «صنداي تايمز للتفوّق الأدبي» عام 2008، وفي عام 2005 أدرجت صحيفة «التايمز» اسمه ضمن قائمتها الشرفية لأعظم خمسين مؤلفاً يكتب بلغة شكسبير منذ عام 1945. عدا أن أعماله منذ ثلاثة عقود ما فتئ يقابلها استحسان نقدي وأكاديمي رفيع، وقد أدرجت الدراسات التي تناولتها ضمن (الفضاء الثالث) بتعبير هومي بابا؛ حيث يحمل صاحبها البريطاني من أصل ياباني تأثير الثقافتين اليابانية والإنكليزية بشكل غير قابل للفصل. فقد ولد كازو إيشيغورو في مدينة ناكازاكي المنكوبة بالقنبلة الذرية، ثم انتقل رفقة أبيه، وهو في السادسة من عمره، إلى إنكلترا، البلد الاستعماري الذي سيصبح وطن قلبه. قبل أن تلتحق بهما بقية الأسرة، ويستقرون في بلدة سري.

روائي التذكر والنسيان

ابتداءً من مطلع الثمانينيات ، تحدد بالنسبة إلى كازو مسار حياته وعمله، ومستقبله الأدبي باللغة الإنكليزية التي غدت مع الوقت لسان تعبيره الأعمق عن الفنّ الذي يريد أن يوصله إلى العالم ويتواصل به معه؛ فن الرواية، بل إن عمله الأدبي أصبح يجسد جوهر الثقافة البريطانية.

أصدر روايته الأولى «ضوء شاحب على التلال» في عام 1982، التي أبرأ فيها ذمته لبلده الأصلي وترك ذكرياته عنه حيةً في ذهنه، وقد جعل شخصياتها تتعافى من دمار القنبلة الذرية، التي ضربت ناكازاكي، بما فيها والدته التي تكبّدتها وعانت منها. ولم تكن باكورة أدبية تتخللها عثرات البدايات كما جرى عليه المعتاد، بل حملت في طياتها بذور موهبة أدبية حقيقية وأصيلة؛ حيث استرعت انتباه النقاد إليها، ومُنحت لها جائزة «الجمعية الملكية للأدب». ثم تتابعت رواياته في الصدور، ومعها بدأ نجمه يسطع في كل مرة، ليس روائيّاً وحسب، بل كاتب سيناريوهات لأفلام سينمائية حملت رمزية وإيحاء بعيدا ينعش خيال قرائها ومشاهديها على السواء، بقدر ما يشحذ وعيهم بمزيد من الكشف والتبصر.

فرواياته تستلهم الحبكة الكافكاوية إلى حد ما، إذ تنوع في الذهاب والإياب مجرى الأحداث في مسعى لالتقاط تقلُّباتها وأشكال تحوُّلها من خلال الحفر في دهاليز الشخصيات، سواء الشخصية أو التاريخية، وهي تستحضر ذكرياتها الماضية. وفي هذا الصدد، يتذكر قراؤه شخصية جيمس ستيفنز الذي يشهد ظهور الفاشية في إنكلترا خلال فترة ما بين الحربين في روايته «بقايا النهار»، أو النظرة التي يلقيها المؤلف على اليابان، ولاسيما ناكازاكي مسقط رأسه غداة الحرب العالمية الثانية في روايته «ضوء شاحب على التلال»، وفي روايته «العملاق المدفون» ترك شخصياته تتحدث ببلاهة.

فقدان الذاكرة؛ هذا هو الحافز الذي يحمل الروائي على التعبير عن عالمه وموضوعاته المعقدة بشكل غير مباشر، وأحياناً مخادع وماكر. فهو يبحث في المناطق المحايدة لكي يبرزها في صورة مستفزة، ويجعل العقل السردي متوتّراً بشكل لا شفاء منه بين التذكّر والنسيان. إن مثل هذه التقنية عند كازو تسمح للشخصيات نفسها أن تكشف عن إخفاقاتها في سياق السرد، بله تجعل القارئ يتعاطف معها. وهكذا، تنتهي روايات إيشيغورو بدون حل الصراع الذي تخوضه هذه الشخصيات، فتذعن لواقع الآلام وتضطرّ إلى دفن قضايا المصير التي تشغلها في الماضي، متوهمة بأن ذلك سيسبب لها الراحة ونهاية العذاب النفسي. وقد ترجمت أعمال كازو إيشيغورو إلى أكثر من ثلاثين لغة، بما فيها اللغة العربية التي ترجمت إليها رواياته: «بقايا اليوم، من لا عزاء لهم، عندما كنا يتامى، فنان من العالم الطليق».

يُوصف الروائي كازو إيشيغورو في الأوساط الثقافية بأنه «الكاتبُ اليابانيُّ الأكثر بريطانيةً من الكتّاب البريطانيّين»، وهو وصف مُحيلٌ على مدى تملّكه لغة شكسبير، وكثرة تعمّق نصوصه الروائية في الواقع البريطاني، بل إنه وجد في الإنكليزية سبيلَه إلى التعبير الصافي عمّا يرغب في قوله. وقد تجلّى كلّ ذلك في روايته الأولى «ضوء شاحب على التلال» الصادرة عام 1982، إذْ تظهر بطلتُها أرملةً يابانيةً تسمّى «إيتسوكو»، وقد هاجرت إلى الريف الإنكليزي بعد أن رفض زوجها «جيرو» السفر معها على إثر صدمة ناغازاكي النووية، ذلك أنه فضّل البقاء في بلدته ومواجهته مصيره بين أهله. وبعد انتحار ابنتها الكبرى «كيكو»، تعيش هذه البطلة حالةَ تداعٍ للأحداث التي شهدتها في حياتها، وهو تداع مثّل موردًا حكائيا توزّع فيه نزوعُ الشخصيات على نوعين: نزوع الحنين إلى الماضي الإمبراطوري المجيد في اليابان، ونزوع إلى فهم ما يجري في العالم الجديد الذي طغت عليه ثقافة تسليع المادة والأفكار والأحلام. وقد لفتت روايات إيشيغورو انتباهَ النقّاد إليها، حيث وجدوا فيها كتابة تمتح عجينتَها من واقع الناس، وتصوغُها صوغًا جديدا ذا مناخات كافكاوية تتعرّج فيها الأحداث وتتقلّب فيها الشخصيات، لترصد التذبذب الحاكم لمَعيشِ الناس، ومظاهر تعقّد علاقاتهم، ويظهر ذلك خاصة على إثر تنامي الفاشية في إنكلترا خلال فترة ما بين الحربين، يكتب إيشيغورو ذلك بأسلوبٍ جامعٍ بين المأساة والسخرية جمعًا أليفًا. يُشار في هذا الصدد إلى أن هذا النوبليّ قد تحصل على جائزة «غراناتا» عن أفضل مؤلفين شباب بريطانيين عاميْ 1983 و1993، وعلى جائزة «وايتبريد» عام 1986 عن روايته الثانية «فـــــنان من العـــالم العائم»، وعلى جائزة البوكر عن روايته الثالثة «بقايا النهار» عام 1989. كما أصدر روايات أخرى منها «عندما كنّا يتامى» و»لا تدعني أرحـــــل» و«العملاق المدفون»، و«آثار اليوم» التي تحوّلت إلى فيلم سينمائي أخرجه جيمس إيفوري وقام بدور البطولة فيه الممثل أنتوني هوبكنز، وقد ترجمت جلّ روايات إيشيغورو إلى أكثر من ثلاثين لغة.

القدس العربي»

 

 

 

الياباني المنفصم وعبء نوبل/ عبده وازن

ما إن أُعلن اسم الروائي كازو ايشيغورو البريطاني الياباني الأصل، فائزاً بجائزة نوبل للأدب حتى اجتاح آلاف اليابانيين مواقع التواصل الإلكتروني طارحين سؤالاً واحداً: من هو هذا الروائي الياباني المجهول الذي قطف نوبل 2017؟ لم يكن ايشيغورو معروفاً في وطنه الأم إلا في نطاق ضيق جداً، على خلاف شهرته في بريطانيا، وطنه بالتبني، لاسيما بعدما فاز بجائزة مان بوكر الشهيرة عام 1989 عن روايته «بقايا اليوم». لكنّ هذا الروائي لم يتمكّن من تجاوز جذوره الضاربة في أديم اليابان، في مدينة ناكازاكي، مسقط رأسه، التي شهدت مأساة القنبلة النووية الأميركية عام 1945. بل لم يستطع تناسي سنيّ طفولته ويفاعه التي وسمتها تقاليد أسرته اليابانية التي حملها في دخيلته. ومهما أقنع ايشيغورو نفسه بانتمائه البريطاني وصدّقه فهو عاش حالاً من الانفصام أو «الاقتلاع»، الذي عبّر عنه خير تعبير في روايته الأولى «رؤية شاحبة للتلال» (1982).

شاء ايشغورو في روايته الأولى هذه أن يسترجع ذكرى وطنه الأول من خلال شخصية اتسوكو، المرأة اليابانية التي هاجرت بلادها الى بريطاينا ووجدت نفسها وحيدة بعدما ترمّلت مرتين وأنجبت فتاتين، الأولى من زوج ياباني والثانية من زوج بريطاني توفي أيضاً تاركاً لها منزلاً في الريف. ابنتها الأولى كييكو لم تألف الحياة البريطاينة وظلت منجذبة الى وطنها الأول (على خلاف ايشيغورو) ولم تحتمل العيش منفصمة ومقتلعة في هذا المنفى، فانتحرت. أما الابنة الثانية النصف يابانية وتدعى نيكي، فاختارت بعد موت أبيها بيل، الحياة في لندن بعيداً من أمها. لم يبق أمام هذه الأرملة إلا أن تتذكّر ماضيها ولو كان شبه مأسوي نتيجة قصف مدينتها ناكازاكي.

ولئن دارت وقائع معظم روايات كازو ايشيغورو في بريطانيا، أو انطلقت منها حتى بدت إنكليزية جداً، روحاً ومناخاً، فهو لم ينثنِ عن العودة إلى اليابان في رواية أخرى هي «فنان العالم العائم» (1987)، التي تسلك مسلك الذكرى ايضاً عبر شخصية الرواي الذي يدعى مازوجي أونو. رسام معروف، خدم في الجيش الياباني وعاش ويلات الحرب، يجد نفسه عجوزاً أمام أولاده ولا سيما ابنته نوريكو التي يحلم بتزويجها. يستعيد ماضيه ويسائله من غير أن ينسى شارع العالم «العائم» وهو الحي الذي أمضى فيه أجمل لياليه الحمراء. ولا يفوته طبعاً أن يسترجع مأساة الحرب العالمية الثانية والقنبلتين النوويتين ووقائع ما بعد الحرب.

يَعدّ كازو ايشيغورو نفسه بريطانياً ويقدم انتماءه هذا على أصوله، متحدثاً عن بريطانيا وكأنها الوطن– الأم البديل. لكنه، كما تدلّ روايتاه اليابانيتان جداً، لم يُشفَ من جرحه القديم، مهما بدا بريطانياً وعاش وكتب وشارك في معارك الدفاع عن «المملكة» القديمة. هذه الحال عرفها روائيون كثر، ظلوا منقسمين بين هويتين ووطنين. ولكن ماذا حمل كازو ايشيغورو إلى الأدب البريطاني؟ ماذا أضاف إليه؟ هل يمكن أن يُقارن مثلاً بروائي يدعى سلمان رشدي؟ أو بروائي يدعى نايبول؟

في أول تصريح له بُعيد فوزه، لم يذكر ايشيغورو الروائيين اليابانيين الكبيرين اللذين سبقاه إلى جائزة نوبل، ياسوناري كاواباتا وكنزابورو أوّي. أعرب عن سروره الكبير بإدراج اسمه بعد الشاعر والمغني الأميركي بوب ديلان الذي يحبه كثيراً ويدمن سماعه منذ فتوته.

فوجئ ايشيغورو مثل سواه بإعلان اسمه فائزاً ولم يصدّق «الإشاعة» حتى ورده الخبر اليقين. حتى ناشره البريطاني لم يصدّق. إنه «الحظ» ولكن محاكاً أو مركّباً في كواليس الأكاديمية السويدية.

هل تكون الجائزة عبئاً على ايشيغورو كما كانت عبئاًعلى سواه من الفائزين؟

الحياة

 

 

ماذا لو كتب إيشيغورو باليابانية..هل كان سيفوز بنوبل؟/ جمال الدين طالب*

جدد فوز الكاتب البريطاني (الياباني الأصل) كازو إيشيغورو بجائزة نوبل للأدب بهذا العام 2017، الجدل حول الجائزة و”مركزيتها وانغلاقها اللغوي والثقافي”.

قد لا يطرح موضوع القيمة الأدبية لهذا العام مقارنة بمفاجأة العام الماضي “غير المستساغة” لكثيرين، حين تم اختيار المغني الأمريكي بوب ديلان، لكن منح الجائزة للعام الثاني على التوالي لمُعبرٍ باللغة الإنكليزية يثير التساؤلات حول هيمنة الكتاب باللغة الانكليزية على سجل الجائزة بـ 29 فائزا مقابل 14 يكتبون بالفرنسية.

هل لغة شكسبير وبدرجة أقل موليير هما اللغتان الوحيدتان القادرتان على “التعبير على العواطف العميقة”، مثلما جاء في حيثيات قرار الأكاديمية السويدية منح إيشيغورو الجائزة، حيث كتبت أنه “كشف في روايات مشحونة بعواطف قوية، الهاوية الكامنة تحت شعورنا الوهمي بالتواصل مع العالم”.

الأكاديمية وصفت رواياته أيضا بأنها “بديعة” وتمزج بين الكاتب التشيكي فرانز كافكا والروائية الإنكليزية جين أوستن (مركزية غربية أخرى!).

وفي فقرة لافتة، قد تطرح للمفارقة مدى ارتباط جائزة نوبل للآداب نفسها بالعالم، تشيد الأكاديمية بقدرة إيشيغورو ( 63 سنة) على الكشف عن “شعورنا الوهمي بالارتباط بالعالم… في روايات ذات قوة عاطفية هائلة تمس الذاكرة والزمن وأوهام النفس″.

وقد يقفز تساؤلان هنا: ماذا لو اختار إيشيغورو الكتابة بلغته الأم ، أي اليابانية ، هل كان سيحظى باختيار وإطراء الأكاديمية السويدية…وفي ماذا يتفوق إيشيغورو على الكاتب الياباني هاوركي موراكامي، الأكثر رواجاً يابانيا وعالميا ، والذي كان اسمه مرشحاً للفوز بالجائزة عكس الكاتب البريطاني، الذي تجاهلت الأوساط الأدبية اسمه كليا هذه المرة. ومثلما قالت دار النشر التي تصدر كتبه في السويد للإذاعة العامة “كان الأمر غير متوقع بتاتا. طُرح اسمه لفترة طويلة لكن ليس هذه السنة”. وللإشارة فإن الرواية الثانية لإيشيغورو “فنان العالم العائم” (1986) تدور أحداثها في مدينة ناغاساكي اليابانية بعد مرور سنوات قليلة على الحرب العالمية الثانية.

الكاتب قال للصحافة البريطانية، في منزله، بلندن، إن الفوز بالجائزة يشعره “بإطراء مذهل”، وإن “فوزه يأتي في وقت يسود فيه العالم الارتباك بشأن قيمه وقيادته وأمانه. أتمنى أن يشجع حصولي على هذا التكريم الكبير قوى الخير ولو بدرجة محدودة”.

وصرح لهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) إنه سمع بالأمر في وسائل الإعلام وأن زوجته كانت عند مصفف الشعر وهرعت عائدة إلى المنزل بعد أن اطلعت على الخبر على هاتفها المحمول.

اشتغل لعشر سنوات على رواية لأنها لم تعجب زوجته

2

واللافت هنا أن إشيغورو، كان كشف قبل سنتين ان سبب استغراقه في كتابة روايته الأخيرة “العملاق المدفون” الصادرة في 2015، عشر سنوات، يعود إلى رفض وانتقاد زوجته لورنا ماكدوغال لمخطوط الرواية الأول، الذي قال الكاتب إنه اشتغل عليه لسنوات بمعدل 80 صفحة كل سنة، وأنه كان سعيدا بما أنجزه.

وذكر اشيغورو، الذي كان يتحدث مرفوقا بزوجته، في مهرجان شيلتنهام الادبي في بريطانيا، ان شريكة حياته، وهي مرشدة اجتماعية، أبلغته بعد الاطلاع على المخطوط، أن عمله ليس بالجودة اللازمة و أن عليه اعادة كتابته من جديد ومن البداية!.

وأكد الكاتب أن”قرار زوجته كان قاسيا، لكنه اضطر للعمل من جديد على الرواية.

وتدور أحداث الرواية في الفترة الفاصلة بين رحيل الرومان عن بريطانيا وقدوم الانغلو ساكسونيون اليها.

وقد ولد إشيغورو  في اليابان في 1954، وانتقل إلى العيش في بريطانيا مع عائلته وهو في الثامنة من العمر. واختار الكتابة بالإنكليزية ، وحاز على جائزة “البوكر” التي تحتفي بالكتاب المعبرين بالإنكليزية عام 1989 بروايته “بقايا الأيام”، والتي تم تحويلها إلى فيلم رشح لجائزة أوسكار ولعب بطولته أنتوني هوبكنز وجسد فيه شخصية رئيس خدم مقهور في بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية. وتم ترشيح إيشيغورو  لجائزة “البوكر” خمس مرات أخرى.

وروايته ما قبل الأخيرة “لا تتركني أبدا أذهب” صدرت في 2005، كما أصدر مجموعة قصصية في 2009.

*كاتب جزائري مقيم في لندن

القدس العربي»

 

 

 

كازو إيشيغورو.. النسيان الفردي والذاكرة الجماعية/ أمير داود

بدت جائزة نوبل للأدب هذا العام أقل صخباً وإثارة للجدل مقارنة بالعام الماضي بعد الإعلان عن فوز بوب ديلان، إذ ما إن هدأ جدل منحها إلى ديلان، كاتب الأغاني والموسيقي الأميركي، حتى أثار ديلان الجدل مرة أخرى برفضه استلام الجائزة العريقة في أكثر من مناسبة، قبل أن يوافق على استلامها بعد أربعة أشهر من موعدها الرسمي المحدّد!

إلا أن منح “الأكاديمية السويدية” جائزة نوبل للكاتب البريطاني من أصل ياباني كازو إيشيغورو (ناكازاكي، 1954) الخميس الفائت، لا يخفّف من منسوب المفاجأة أبداً، خصوصاً مع اسم لا يكاد يذكره الإعلام في سباق الجائزة، مقارنة بأسماء تبدو ثابتة في كل عام، كالروائي الياباني هاروكي موراكامي، والكيني نغوجي وا ثيونغو، والسوري أدونيس، وهو الأمر الذي أصبح معتاداً بل ومتوقّعاً من جانب الأكاديمية.

لكن كازو إيشيغورو الفائز بجائزة “البوكر” عام 1986، يظهر معروفاً بدرجة ما للقارئ العربي من خلال أربعة أعمال مترجمة هي “فنان العالم العائم” و”بقايا النهار” و”عندما كنّا يتامى” و”من لا عزاء لهم” من أصل أعمال سبعة، هي حصيلته من الروايات التي امتازت بأنها “تكشف الهاوية التي تعزز شعور الإنسان الوهمي في علاقته مع العالم في أعمال تمتلك قوة عاطفية عظيمة” بحسب تعبير أكاديمية نوبل.

تنطلق أعمال كازو إيشيغورو الذي ترجمت أعماله إلى قرابة أربعين لغة، من انهماكه في العمل على تسليط الضوء على أسئلة النسيان الفردي والذاكرة الجماعية؛ انهماك يستدعي العودة بالزمن مرّة إلى حيوات وأزمنة سابقة، وما يرافق ذلك كله من مشاعر ولحظات إنسانية فاصلة، ومَرّة بالانطلاق بالزمن إلى الأمام، وتحديداً في اختراع شكل بشري قادم، ثيمته الأساس التطوّر العلمي الذي يرافق الفرضيات البديلة: لو لم يحدث كذا، كانت البشرية ستكون كذا!

لكن صاحب “بقايا النهار” (1989) ينفي هوسه بتقديم شكل بشري جديد ومتخيّل بالقول: “إنني أكتب ما يمكن أن أسميه روايات “التأريخ البديل” مثل: كيف كانت صورة أميركا والعالم ستبدو لو أنّ كينيدي لم يلاقِ حتفه اغتيالاً؟ إنّ روايتي تتحدّث ببساطة عن الشكل الذي كانت ستبدو عليه بريطانيا لو أنّ أمراً علميّاً أو اثنين حصلا بطريقة مختلفةٍ عمّا حصلا به فعلاً”.

ويضيف: “لم أجد نفسي أبداً واقعاً تحت ضغط الإغراء بكتابة حكايات مستقبليّة، ولستُ أمتلك ما يكفي من الطاقة في التفكير بالشكل الذي ستكون عليه السيّارات أو مقابض الأكواب في حضارتنا المستقبليّة”.

وبالتركيز على بعض الموضوعات الثابتة في معظم أعماله، تظهر قضية الانتحار موضوعة أساسية مستنبتة في ذروة أحداث الروايات، وخصوصاً في “منظر شاحب للتلال” و”فنان العالم العائم” التي يعلّق عليها كاتبها بالقول: “كان على هؤلاء أن ينتحروا ساعة دقّت طبول الحرب، فهم مسؤولون عن إلقاء اليابان في هوّة الجحيم”، الأمر الذي يظهر انتحار هؤلاء في أعماله وكأنه استعادة حزينة لمآلات اليابان وهزيمتها عام 1945، في محمول عاطفي كثيف للّوم والتحسّر على مآلات بلده الأصلي، بالإضافة إلى إدانة فعل انتحار الطيارين اليابانيين، أو ما أطلق عليه حينها: “طيارو الكاميكاز” الذين ألقوا بأنفسهم وطائراتهم على سفن الحلفاء في الحرب، متخيّلاً على ما يبدو مصير اليابان فيما لو أنها لم تدخل الحرب وبالتالي خسارتها الفادحة.

تبدو روايته الأولى “مشهد شاحب للتلال” (1982) تجسيداً لحياته الشخصية وبالتحديد لحالة القطيعة التي عاشها الرجل عن بلاده اليابان، خصوصاً مدينته ناكازاكي بعد الهزيمة اليابانية في الحرب العالمية الثانية، والكارثة النووية التي حلّت في المدينة، إذ إن قصة الرواية تدور حول عائلة يابانية تهاجر إلى لندن، لتختبر بعدها حدث انتحار الابنة، ولعلّ هذا الحدث يظهر مستنبتاً في الرواية، ليؤدي دوراً مجازياً للتعبير عن مآلات القطيعة عن الوطن، في رواية تميّزت بمحاولتها الكشف عن هواجس المغتربين.

ولعل فيما قالته “الأكاديمية السويدية” حول أسلوبه: إنه يمزج بين أسلوب الكاتب التشيكي فرانز كافكا، والروائية الإنكليزية جين أوستن والقليل من مارسيل بروست؛ ما يشكل مفتاحاً مهمّاً للإطلال من زاوية مختلفة نحو كتابة يُجمِع نقّاد كثيرون حولها أنها جديدة ولا سيما في تقنياتها الروائية.

تسلّط رواية “من لا عزاء لهم” (1995) الضوء على حالات تدفّق تيّار الوعي المتسارع، في حين تبدو مشاهدها مربكة إلى حد الالتباس، بالإضافة إلى بطء سير أحداثها، نظراً لانشغال صاحبها بالتركيز على حالات تطوّر وعي شخوصها، في مقابل أحداث بالكاد تمضي إلى الأمام، وهي رواية يقول فيها إنه يحاول إعادة كتابة حياة عازف البيانو، الذي يصل إلى قرية صغيرة للقيام بعمل مهم ليلة الخميس ثم تختلط الأحداث بين الواقع والحلم.

في حين تظهر رواية “حين كنّا يتامى” (2000)، وكأنها رواية بوليسية، لتتحول بعد ذلك إلى ما يشبه رواية عائلية ثم سرعان ما تتحول إلى رواية تتحدث عن الحرب. هذه واحدة من تقنيات الكاتب الذي يضع نفسه في موضع محرّك دمى الرواية، إنها في الحقيقة لا تريد أن تصل إلى أي مكان من تلك الأمكنة، حتى يكتشف القارئ في نهاية الأمر القدرة المدهشة التي يمتلكها الكاتب في فهم العالم، إنها “نظرة فنان إلى العالم عندما يكون كل شيء مشوّهاً. العالم كله مجسد في الكتاب الذي يبدأ من نقطة ثم ينحني في نقطة أخرى” يقول إيشيغورو.

في روايته الأخيرة “العملاق المدفون” (2015)، والتي جاءت بعد توقف دام عشرَ سنوات، يسلط إيشيغورو الضوء على حالات النسيان الوطني والذاكرة الفردية، في رواية تتمرّد في أساسها على روايات الخيال العلمي، إذ لا يكتفي هنا بالعودة في التاريخ إلى حقبات زمنية تراكم غبار النسيان حولها، بل يعمد إلى زج كائنات غرائبية إلى المشهد الروائي، تلعب الوحوش في هذه الرواية ككوابح نفسية لبطلي القصة في رحلة بحثهما عن الابن المفقود.

في منطقتنا العربية وصل أدب كازو إيشيغورو من خلال السينما قبل أن تترجم رواياته، ولا سيما “بقايا النهار” المأخوذ عن روايته التي نشرها عام 1982، وحوّلت عام 1993 إلى فيلم سينمائي من بطولة أنتوني هوبكنز. بالإضافة إلى سيناريو فيلم “الموسيقى الأكثر حزناً في العالم” الذي عُرض عام 2003 من إخراج غاي ميدين، ثم “لا تدعني أذهب أبداً” الذي أنتج سنة 2010 وأخرجه مارك رومانيك ولعبت بطولته كيرا نايتلي.

العربي الجديد

 

 

كازو إيشيغورو: الحالم المتوّج بنوبل للآداب/ محمود عبد الغني

مخاتلة التكهنات

مع اقتراب موعد الإعلان عن الجائزة الأدبية العالمية المرموقة، كل سنة، تسري تكهنات حول الفائز المحتمل. وقد ظهرت هذه السنة على اللائحة أسماء جديدة مثل الكيني نغوغي واثيونغو، بجوار أسماء قديمة تمسك بالحبل منذ سنوات: فيليب روث، وعاموس عوز، وهاروكي موراكامي، وإسماعيل كادريه، وأدونيس. لكن حراس معبد نوبل برعوا هذه السنة أيضاً في إبداع مفاجأة جديدة، فقرّروا منحها لكاتب بريطاني من أصل ياباني، هو كازو إيشيغورو، وهو أقل شهرة من جميع السابقين، وقلما تنبأ به المتتبعون للآداب العالمية، لكنه أيضاً الفائز بجائزة “بوكر” البريطانية سنة 1989، عن روايته الثالثة “بقايا النهار”، التي اقتبست للسينما سنة 1993.

لكن، يمكن اعتبار فوز إيشيغورو أقل مفاجأة من السنة الماضية التي فاز فيها المغني، بوب ديلان، لتبقى المفاجأة من نوع المفاجآت الصغيرة. فعادة يتم انتظار الفوز الذي يكون حليفاً لكاتب منتشر ومسوّق بشكل مستمر، مثلما هي حالة الكاتب الياباني، هاروكي موراكامي، صاحب المتون السردية الطويلة وكثيفة الورق، والحاضر العالمي في كل المكتبات، والمثير المدهش لشهية المترجمين. لكن هذه السنة، مع كازو، يمكن اعتبار الفوز هو من نصيب الكاتب المقل، الذي لا يصدر رواية جديدة إلا بفارق زمني يصل إلى خمس سنوات عن الرواية السابقة، مثلما كان فوز الفرنسي، باتريك موديانو، تتويجا للرواية القصيرة أو متوسطة الحجم، إذ إن رواياته لا تتجاوز مائتي صفحة. ورواية من هذا الحجم هي قصيرة مقارنة مع نزوع الرواية المعاصرة نحو تكثيف الحجم، وتنويع الشخصيات، وتعدّد الأصوات. إذن، يمكن النظر إلى الجائزة من هذه الزاوية، باعتبارها تقريظا وتتويجا لسلوك كاتب، وعلاقته مع وتيرة النشر، والسينما، والترجمة…إلخ.

أصل ياباني، لغة إنكليزية

ولد الكاتب البريطاني من أصل ياباني كازو إيشيغورو في ناكازاكي يوم 8 نوفمبر/تشرين الثاني من سنة 1954، ثم انتقلت عائلته للعيش في بريطانيا سنة 1960. كانت عائلته تتصور أنها رحلة مؤقتة، سرعان ما تعقبها عودة للإقامة الدائمة في البلد الأصلي. لكن الإقامة في بريطانيا طالت أكثر مما كان يتوقع والداه. تعلّم في طفولته العزف على البيانو، فبدأ يعزف في ملاه ليلية بلندن على الخصوص. حاز شهادة جامعية في الآداب والفلسفة سنة 1978. ولم يتوجه نحو الكتابة الأدبية إلا سنة 1979، حين أنشىء برنامج للكتابة في جامعة “إيست أنغليا”. وهنا بدأ الطالب الشاب، الذي لم يكتب شيئاً من قبل، يتعلّم  بسرعة قواعد هذا المجال. فبدأ في كتابة القصة، ونشر في الثمانينيات ثلاث روايات جعلت منه نجماً أدبياً وسط موجة من الكتاب الإنكليز مثل: مارتن أيمس، جوناثان كاو، جوليان بارنس وإيان ماكواين.

لم يُكتب لكازو العودة إلى اليابان ولو زيارة خاطفة إلا سنة 1987. وكان وقتها قد أصدر روايتين عن اليابان، صدرت الأولى “أضواء شاحبة على التلال” سنة 1982، بفضلها أثار انتباه النقاد والأدباء والمترجمين والقراء على حد سواء، إلى ولادته الروائية المستحقة، إذ وصفتها جريدة “تايمز” بأنها “رواية يابانية ذكية”، ووصفت المؤلف بكونه “حاد الذكاء ويمتلك لغة رشيقة”، والثانية هي ” فنان من العالم الطليق” سنة 1986.

عالمه الروائي

فازت روايته الثالثة “بقايا النهار” 1989، بجائزة “بوكر” البريطانية. أما روايته الأولى “أضواء شاحبة على التلال”، التي نُشرت سنة 1982، فقد ترجمت إلى اللغة الفرنسية بعد سنتين من صدورها. والفرنسيون يعرفون جيداً قيمة سنتين من الفرق الزمني الذي يفصل بين التأليف والنشر والترجمة. تحكي الرواية عن “إيتسيكو”، امرأة يابانية نجت من قنبلة ناكازاكي (وهي رواية مستمدّة مما روته والدة المؤلف). وقد استقبلت الصحافة الأنكلوفونية بحرارة  عذوبة هذه القصة ذات الحبكة المتماسكة. هذا إضافة إلى كونه كاتبا شكلت الغرابة عنصراً ثابتاً في أعماله.

بعد أربع سنوات، نشر رواية “فنان في العالم الطليق”، ترجمت إلى الفرنسية سنة 1987، أي بعد سنة واحدة من تاريخ نشرها، 1986. وتتحدث عن اليابان ما بعد الحرب. فمن خلال قصة رسّام، تناول الصراع بين جيلين، جيل مقتنع بأن الحرب كانت ضرورة، والثاني يريد طي الصفحة. فيعود البطل، ماسوجي أونو، إلى ماضيه، يترصد أخطاءه، لكن دون أن ينجح في محاربة الحنين إلى الفترة السابقة. عرفت الرواية نجاحاً باهراً في بريطانيا. لكنه لم يكن ذلك النجاح الذي عرفته تحفته الروائية “بقايا النهار”، سنة 1989، التي ترجمت هي الأخرى إلى الفرنسية في السنة الموالية، 1990. وتحويلها إلى فيلم سنة 1993، مثَّله أنطوني هوبكينز وإيما تومبسون، جعل الرواية تكتسب عدداً جديداً من القراء من العالم أجمع.

مرت ست سنوات، فنشر روايته “الذي لا عزاء له”، ترجمت إلى الفرنسية سنة 1997. ثم روايته “عندما كنا يتامى” سنة 2001، وتحكي قصة الاختفاء المأساوي لوالدي السارد، المولود هو الآخر في الصين والمستقر في لندن في ثلاثينيات القرن الماضي. كما لو أن آسيا البعيدة قيمة مهيمنة في كل تخيّلاته وتأثيراته الساحرة.

في سنة 2005 نشر إيشيغورو رواية “بالقرب مني دائما”، وهي رواية حب مزلزلة، تدور أحداثها في إنكلترا في سنوات التسعينيات. وبعد عشر سنوات من الصمت، نشر رواية “العملاق يختفي” ظهرت سنة 2015. وبذلك فإن لجنة نوبل تكون قد منحت جائزتها لكاتب يغير عوالمه باستمرار، ويعود بحكاياته إلى الطفولة في الغالب، رغم أن قضاياه تكاد تتشابه.

إيشيغورو في العربية

بالإضافة إلى حضور إيشيغورو في اللغات العالمية، كان له حضور في اللغة العربية عبر ترجمتين: “بقايا النهار” بترجمة طلعت الشايب، ونشر المركز القومي للترجمة سنة 2009. وقد خصّ الشايب ترجمته بمقدمة ضافية أبرز فيها أهمية الكاتب، وتنوع عوالمه وأساليبه. والترجمة الثانية كانت لروايته “فنان من العالم الطليق”، بترجمة هالة صلاح الدين حسين، وقد صدرت عن دار أزمنة بعمّان، الأردن. وهي الرواية التي أثبتت بالفعل أن الكاتب يحمل تأثير ثقافتين: اليابانية والإنكليزية. وهي رواية حازت جائزة “ويتبريد” في نفس سنة صدورها، 1986، وهي السنة التي كانت قد رُشّحت فيها لجائزة “بوكر”. وفي سنة 1995 حازت جائزة إيطالية اسمها “سكانو”.

لجنة الجائزة، هل تحب المفاجآت؟

يؤكد الكاتب الفرنسي، برونو كورتي، في جريدة “لوفيغارو” (عدد: الجمعة 6 أكتوبر/تشرين الأول الجاري) أن أعضاء لجنة نوبل يحبون المفاجآت. ففي السنة الماضية بلغت المفاجأة ذروتها بفوز المغني بوب ديلان. وهو الفوز الذي أخرج أكثر الكتاب تكتُّماً إلى الاحتجاج على هذا الجنوح غير المعهود، بل وهناك من نشر مقالات مليئة بالانفعال، فكيف تتوج اللجنة رجلا لم يعرف عنه أنه أديب، وتترك عالماً روائياً وشعرياً ومسرحياً، ممتداً ومختلفاً مثل الأوقيانوس، وتذهب للغناء الذي لا تربطه بالأدب إلا وشائج ضعيفة؟

عدّد برونو كورتي، بانفعال ظاهر، عدداً من الأسماء ذات الأحقية: فيليب روث، دون ديليلّو، كورماك ماكارثي، أنطونيو لوبو أنتونيس، كلوديو ماكريس، خافيير مارياس، عاموس عوز، من بين آخرين. لكن يعود كاتب المقال ليهدئ من الروع قائلا إن تاريخ الجائزة مفعم بالنسيان القاتل: بروست، فرجينيا وولف، كافكا، سيلين، مالرو.

لكن ما يلفت الانتباه في فوز كازو إيشيغورو هو حداثة سنه؛ فكل الصحف والأخبار تؤكد، أولّاً، أنه يبلغ 62 سنة، غير مكتفية بإثبات تاريخ الميلاد. وقلة إنتاجه ثانيا: سبع روايات بين 1982 و2015، ثم فوزه بجائزة “بوكر” البريطانية. وبقدر ما لهذه الركائز من نقاط القوة، لها من نقاط الضعف. فقد ذهبت “لوفيغارو” إلى حدّ القول إنه ضئيل الإنتاج.

ولكن هل هذا معيار لمنح الجوائز، أم أن الأمر يتعلق بالنوعية وتأثير الكتابة نفسها في قرائها، وربما قبل ذلك، في النوع الأدبي نفسه؟

ضفة ثالثة

 

لتحميل بعض روايات كازو إيشيغورو من الرابط التالي

 

بعض روايات كازو إيشيغورو

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...