الرئيسية / صفحات الثقافة / من أغاني الضياع

من أغاني الضياع

 

عمرو كيلاني

كبِرنا،

لم يعد يعدو الزّمانُ بدون أن

نُصغي إلى خطواتهِ

تخز الحصى من حولنا.

صوتُ الحصى، صوتُ انبثاقِ الحسِّ،

صوتُ الصَّوتِ، يرشح من شقوق الصَّمتِ

حينَ يضيقُ بالألمِ.

كبِرنا،

كانتِ الأشياءُ عاريةً، وكُنّا مثلها نحيا

بلا أسماءَ تُخفينا،

وتختزلُ المدى السرّيَ فينا،

في حروفٍ كالزنازين الَّتي

تكسو الوجودَ ملابسَ العدَمِ.

ولمْ تعدِ الحياةُ كما أردناها،

مكاناً لاحتضان جنوننا.

كُنّا، وكانَ الغيبُ يسبِقُنا،

ويَشغلُ أهلنا دوماً،

يروّضنا، ويجعلنا جنود الخوفِ،

يمنَعُنا،

من التَّصديق أنّ بنا،

شياطيناً تُشابهنا،

تدقُّ الرُّوحَ، ترقصُ في خلايانا،

تحاولُ أن تُحرّك صخرةَ الفزعِ الّتي سدّتْ

كهوفَ الذَّاتِ، جاعلةً أمانينا

صُراخاً في مدى الصّممِ.

وأصبحَ يومُنا غدَنا وماضينا معاً.

ما علّمتنا الرّيحُ شيئاً

ـ نحنُ، وادي كلِّ سيلٍ ـ

حين تأتي من سُعال الشّرقِ توجعنا،

وحين تهبُّ من ضجر الغروبِ تُحيلنا موتى

فنبكي: ( أيُّنا خِلْوٌ من النَّدمِ !.)

تشقّقَ كُلُّ ما حاكَتْ لنا أيدي القداسةِ،

عندما فُتحتْ نوافذنا على الجيرانِ وارتطمتْ

مشاعرنا بأنثى اللَّحظةِ الأولى،

تُجرّب عُريها سرّاً،

وتوقظُ حُلمَتيها من سُباتٍ طالَ،

تتعبُ من مصارعةِ الخيالِ،

فترتمي أرضاً، وتُغمضُ للسَّماءِ عيونَها.

لتطير شهوتُها فراشاتٍ تُعانقنا،

وتحملنا إلى أعلى على درجٍ من النَّغمِ.

كبرنا دون أن ندري،

فلمّا سال فينا الماءُ كالمرآةِ،

سِلنا في أواني الشكلِ،

صارَ الخارجُ المحدودُ داخِلنا

وفرَّ الداخل الممتدُّ حتى صار ضالّتنا

ولم نُدركْ خطيئتنا،

قتلنا السرَّ والمعنى.

وأضحى البحثُ عن معنى هو المعنى.

نشدُّ الضّوءَ من أطرافِ حاضرنا

إلى ما فاتَنا. نجري

ونلهثُ كالمجانينِ ابتغاء بدايةٍ بدأتْ

نشدّ الضوءَ أكثرَ، يفتحُ التّاريخُ فاهُ،

فنلمحُ القتْلى

جماعاتٍ يواسي بعضُهم بعضاً.

ونهمسُ: (إنه الموتُ البدايةُ،

إنّهُ السرّ الذي نهذي بهِ، منهُ الحياةُ تشعُّ من مللٍ

وتمضي، ثُمَّ حين تملُّ ثانيةً تعودُ إليهِ مثلَ صدى).

نشدُّ الضوءَ أكثرَ،

يطْلُعُ القتَلة ْ

فتسري خيبةٌ فينا: (إذن، أخذُ الحياةِ هو الحياةُ،

هو البدايةُ حين تبدأُ من نهايةِ ضدّنا

لتكونَ شكلاً واحداً أحَدَا).

نشدُّ الضوءَ أكثرَ، لا نرى أحداً نصيحُ: ( ألا يُفسّرنا

هُنا أحدٌ، لنحيا سالمينَ منَ الشكوك ومن توقّدها بنا؟).

يصحو إلهٌ غاضباً: ( يا أشقياءُ،

تعلّموا أن تحلُموا،

لا تبحثوا عنِّي، لئلَّا تختفي أحلامكم فيكم،

ولاتتقرَّبوا منِّي فلن أسقي ورودي من دمائِكُمُ،

ارجعوا من حيثُ جِئتُمْ، وابدأوا

من نفسكم. تلك البدايةُ، واولدوا

من ليس يولدُ مرَّتيـــنِ فلنْ يكونْ).

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 20 = 21

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...