الرئيسية / كتاب الانتفاضة / برهان غليون / من المسؤول عن فشل الهيئة العامة للائتلاف في مؤتمر استنبول

من المسؤول عن فشل الهيئة العامة للائتلاف في مؤتمر استنبول

    برهان غليون

    تأسس الائتلاف لأن المجلس الوطني فشل في أن يكون إطارا جامعا لقوى الثورة والمعارضة، وأغلق مؤسسوه الباب على أنفسهم وحولوه إلى أداة للصراع السياسي، ليس ضد النظام، وإنما ضد الاطراف الاخرى من قوى الثورة والمعارضة التي لا تتفق مع آرائهم ووجهة نظرهم. وبدل أن يوحد قوى الثورة والمعارضة أصبح وسيلة لتقسيمها، وتحول محور الصراع من جمع القوى الديمقراطية وتوحيدها في وجه النظام إلى صراع من حول المجلس الوطني وقادته. وصار التشهير به وانتقاده عن حق أو باطل الهدف الاول للذين عجزوا عن دخوله والتشهير بمن ترفض قوى المجلس الوطني إدخالهم هدف قادة المجلس أيضا. الطرف المستبعد يتهم المجلس بالخضوع لإرادات خارجية والاستسلام لهيمنة القوى الاسلامية والطرف المتضمن يتهم قوى المعارضة الأخرى بعدم الجذرية في الموقف من النظام، بل بالتواطؤ معه والاستعداد لخيانة الثورة، من خلال استعداده للحوار او التفاهم مع النظام وعقد تسويات تفرط بحقوق الشعب الثائر وتخون تضحيات أبنائه. هكذا صار المجلس الوطني مصدر تشويش وتشتيت للرأي العام السوري وفقد وظيفته بعد ان أصبح يفرق أكثر مما يجمع، قبل أن يفقد شرعيته في الداخل والخارج، لأنه فشل في القيام بمهامه والوفاء بما أنشيء له.

    حصل هذا للمجلس الوطني بالرغم من الانجازات الكبيرة التي حققها، وفي مقدمها تشكيل إطار ذي صدقية، يجمع نسبيا قسما كبيرا من أطياف المعارضة بعد ستة اشهر من الفراغ والتمزقات والتجاذبات. وبالرغم من النجاح في الترويج لأفكار الثورة وحقيقتها الديمقراطية في الخارج، وهذا ما مكننا من أن نفرض على الدول التي لم تكد تستقل عن النظام السوري الاعتراف بنا والتعامل معنا كممثلين لثورة عظيمة تستحق كل الدعم. وعلى هذا الأساس خضنا معارك ديبلوماسبة عديدة وخرجنا منها بنجاحات مشهودة، كان آخرها تشكيل تجمع أصدقاء الشعب السوري. فبعد التصويت على ثلاث قرارات لصالح الشعب السوري والثورة في مجلس الأمن عطلها الموقف الروسي، كان لا بد من تشكيل مجموعة اتصال تتعامل مباشرة مع القضية السورية من خارج مجلس الأمن كما حصل في العديد من الأزمات الدولية السابقة. وكان أول إنجاز لهذه المجموعة التصويت على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في ٣ حزيران يونيو ٢٠١٢ الذي حمل الأسد ونظامه المسؤولية عن الجرائم الشنيعة الحاصلة في سورية، وطالب بتحقيق مطالب الشعب السوري الشرعية.

    يكاد الائتلاف يكرر، لكن من دون أي إنجاز، تجربة المجلس الوطني بحذافيرها، لكن في فترة حاسمة من الصراع بين الثورة والنظام تتطلب الحسم السريع والمبادرة والدعم المتواصل للثوار. ولم يعد من المحتمل أو المقبول أن تستمر جلسات الائتلاف وهيئته العامة لأسابيع طويلة من اجل إقرار ضم بعض الأعضاء إليه، في الوقت الذي يحتاج فيه الائتلاف للعمل ليل نهار لمواجهة التحديات العسكرية والإغاثية والسياسية التي تواجه الثورة والمعارضة. ماحصل في الأسبوع الماضي ٢٣-٢٨ في استنبول كان مأساة بالمعنى الحرفي للكلمة، وعار على الإئتلاف وجريمة ضد الثورة. لقد عطلت كل اعمال المؤتمر بهدف التوصل إلى اتفاق لضم مجموعة من المعارضين، بصرف النظر عن اهميتهم، إلى الائتلاف. وتحول الأمر، بسبب مناورات المجموعات المتنافسة على الهيمنة على الائتلاف، وجميعها لا تزن شيئا في ميزان الصراع الدائر داخل سورية، من نزاع داخلي بين أطراف المعارضة على المواقع الائتلافية إلى مواجهة بين الدول الحليفة، وبشكل خاص بين الدول العربية الأكثر دعما لنا. وبمقدار ما زاد تصميم المدافعين عن مواقعهم داخل الائتلاف على إغلاق هذا الأخير على الطارقين بابه، زاد احتداد المواجهة بين الدول التي لم تعد تهتم بالمجموعات المستنجدة بها وإنما صارت تنظر إلى المعركة على انها تحد للارادات وتحديد للمواقع والمراتب الاقليمية. وبسرعة تحول النزاع داخل المعارضة على الهيمنة على الائتلاف إلى صراع داخل تجمع أصدقاء سورية على الهيمنة على قرار الثورة، وتحولت مجموعات المعارضة بالتالي إلى أدوات لخدمة هذا الغرض.

    وظيفة الائتلاف، الذي يجمع، ومن المفروض أن يجمع، كل القوى العاملة من أجل هدف التغيير الواحد، ان يقوم بحشد الدعم السياسي والاغاثي والعسكري للثورة والشعب المنكوب. ويعني هذا الحشد تجميع اكبر عدد او طيف من القوى المساندة للثورة، سواء القوى السورية نفسها أو القوى الحليفة التي يمكن أن تقدم الدعم للثورة. وبمقدار ما ينجح الإئتلاف في توسيع دائرة المساندين والمؤيدين والمشاركين في دعم الثورة، من أي جهة جاؤوا ومهما كانت مشاربهم، يكون انجازه، ويستمد المزيد من القوة والشرعية. فالائتلاف إطار للعمل وحشد الجهد وليس برلمانا هدفه تمثيل الشعب السوري أو تمثيل قوى الثورة والمعارضة السورية. التمثيل مطلوب ومهم بمقدار ما يكون ضروريا لحشد الدعم وتقوية الائتلاف بتعميق شرعيته. وضم أعضاء ليسوا ضروريين لتحقيق هذه الاهداف، فقط لتعزيز قوة هذا الفريق أو ذاك لتمكينه من السيطرة أو الهيمنة، لا يؤثر سلبا على عمل الائتلاف فحسب ولكنه يحرف الائتلاف عن أهدافه ويحوله إلى ساحة إضافية للصراع السوري السوري الجانبي، والآن العربي، ويمنعه من تحقيق أهدافه الحقيقية.

    هذا التنازع على تأمين كل مجموعة وسائل الهيمنة على الائتلاف داخل صفوفه وفي مواجهة القوى الراغبة بدخوله هو مصدر الشلل الرئيسي الذي عرفه الائتلاف منذ تأسيسه الى اليوم. وهو الذي حول الائتلاف من اداة لحشد الدعم وبناء التحالفات العربية والدولية الى وسيلة لتمزيق هذه التحالفات وتوتير العلاقات بين الدول الداعمة لنا. فكل فريق يحاول ان يكسب دعم هذه الدولة او تلك له، ويدفعها الى الصراع مع الدولة الاخرى التي يتهمها بانها تدعم الفريق المنافس له. والنتيجة أن وقت الائتلاف أصبح بالكلية مكرس للنزاع على مقاعد ومواقع ورئاسات وهمية، وصرنا نحن السبب في تدمير التحالفات الدولية وفي تأجيج النزاعات بين البلدان الحليفة لنا وفي تعميق الخلافات في ما بينها بدل ان نعمل كل ما نستطيع لتوحيدها خلفنا.

    في هذه المعادلة ايضا يخرج المستقلون مثلنا، ممن لا ينتسبون لاحزاب او كتل متنافسة، ولا يتقاتلون على تحسين مواقعهم، والذين لا هم لهم سوى خدمة القضية الوطنية العامة، يخرجون من المعادلة كليا، ولا يعود لهم دور اخر سوى فك الاشتباك بين التكتلات والفرق المتنازعة أو مشاهدتها وهي توجه الحراب والسباب بعضها للبعض الآخر. هكذاأصبح عملنا في الائتلاف تماما عكس ما هو مطلوب من. فبدل الحشد والدعم، أصبحنا نصرف معظم وقتنا ومواردنا في ترتيب وضع الائتلاف الداخلي وحل الخلافات وامتصاص التوترات، ولا يبق لدينا وقت للقضية الاساسية التي اجتمعنا من اجلها.

    هذا ما يفسر أيضا تزايد تدخل السفراء الأجانب في شؤون الائتلاف وحضورهم الدائم في كواليس جميع اجتماعاتنا. فبمقدار ما تتعمق الخلافات والمنازعات والولاءات الخارجية لكسب المزيد من الدعم او المواقع من قبل المكونات، يزداد تجرؤ السفراء على التدخل. ويستطيعون بسهولة تبرير هذا التدخل بالحرص على عدم تفجر الائتلاف، وتقريب وجهات نظر المجموعات المتناحرة، والمساعدة على التوصل إلى اتفاقات مضمونة أو قابلة للحياة، أو المساعدة على دفع الاطراف التي يعرفونها ويدعمونها الى التفاهم.

    ان النزاعات الطفولية، غير المعقولة وغير المقبولة، على المواقع والمناصب، بما في ذلك سعي أي تكتل إلى زيادة عدد اعضائه في الائتلاف من دون سبب سوى ضمان نفوذ أكبر، يظهر ان الهم الأول هو الهيمنة الداخلية لا خدمة الثورة والثوار. وهو يظهر السفراء الأجانب في كل مرة وكأنهم هم الأحرص على المصالح العامة السورية، ويضعهم بالفعل في موقع التوفيق بين المصالح المتنازعة، ويزيدهم قناعة بشرعية تدخلهم. وبذلك تتم مصادرة الوظيفة الرئيسية للسيادة الوطنية. فالحاجة تفرض نفسها لقوة خارجية، أي من خارج المجتمع للتوفيق بين مصالح أطرافه المتنازعة والتوصل إلى تفاهم يضمن السلام والاستقرار وبالتالي تسيير الاعمال، طالما عجزت أطراف المجتمع نفسها ان تفرز من نفسها إطار الوحدة والتفاهم والتوافق ومفهومه. وهذه هي وظيفة الدولة وأساس وجودها وشرعيتها. وكلما تفاقم التدخل من قبل قوة خارجية لرأب الصدع وجمع الأطراف من الخارج، فقد المجتمع مناعته تجاه التدخلات وسلم نفسه أو سلمت الأطراف المختلفة قيادها للقوى الخارجية، وصعب التوصل إلى إقامة مركز مشترك يجمع بين مصالحها ويؤسس لدولة وسلطة واحدة متماسكة مقبولة وشرعية.

    باختصار سلوكنا كاطفال غير ناضجين وغير مسؤولين هو الذي يشجع على هذا التدخل.

    فالدول تتدخل في حالتين الدفع لقبول توجهات او خيارات سياسية محددة او وضع اشخاص معينين تابعين لها او تعتقد انهم أقرب الى توجهاتها او تلبية حاجات التعاون والتفاهم المشتركين. تدخل السفراء الاجانب عندنا يتجاوز ذلك بكثير. هم يكادون لا يتركوننا في اي اجتماع كما ترافق الام ابنائها المعاقين. ومعظم تدخلاتهم صارت لتذكير المجموعات المتناحرة بأن هناك قضية أكبر من مصالح كتلهم ومواقعهم الفردية. ولن يتوقف هذا المشهد إلا عندما يبلغ المعارضون، أو من احتلوا موقعهم ومعظمهم لا علاقة لهم بالمعارضة ولا حتى بالسياسة وليس لديهم فكرة لا عن الدولة ولا إدارتها ولا الشأن العام ولا المصالح العامة، فما بالك بالوطنية، ولا يرون في مواقعهم سوى مناسبة لتحسين فرصهم في الحصول على الموارد والنفوذ، أقول لن يتوقف تدخل السفراء العرب والأجانب اليوم، وتدخل الدول الاجنبية غدا، في شؤون المعارضة وشؤوننا جميعا مالم نبلغ نحن انفسنا سن الرشد السياسي. والرشد السياسي بعكس الطفولة، هو الخروج من التمحور حول الذات، والتطلع نحو الآخرين المحيطين بنا من قوى وطنية وغير وطنية، والتمييز بين المصالح الخاصة والمصلحة العامة التي تخص بناء المجتمع كدولة وبناء الدولة كمركز لتسوية كل الخلافات وتجاوزها، وهو ما نسميه الوعي الوطني او المدني، والتمييز بين قوى الصديق، مهما اختلفت عنا، وقوى العدو مهما بدت في الظاهر مؤيدة لنا. ومن دون ذلك لا يمكن أن توجد سياسة ولا دولة ولا قيادة وطنية ولا أساس للشعور بالمسؤولية الأخلاقية والسياسية. وسوف يتزايد نزوع الدول الخارجية إلى التدخل في شؤوننا ما لم تحصل عند المجموعات المتنازعة على تقاسم الموارد والنفوذ، ولا أقصر الموضوع هنا على مجموعات الائتلاف، شعور أعمق بالمسؤولية العمومية والوعي بالمصالح الوطنية، وهذا يعني شعور الانتماء إلى جماعة أكبر، والعمل في إطارها واحترام الأسس التي تصون وحدتها واستمرارها. وهذا هو أساس نشوء الأمة أو الجماعة الوطنية. .

    لا يمكن أن نستمر للأبد بالتعلل باننا لم نمارس السياسة خلال عقود طويلة ماضية بسبب الاستبدا الوحشي، ولا أن نقبل بأننا معارضة ضعيفة او عديمة الخبرة الى مالا نهاية. نحن جميعا مسؤولين، وينبغي ان يشعر كل عضو انه مسؤول، إما بسبب أنانيته أو إمعيته أو صمته، عن الوصول الى هذا الوضع المحزن. ولا يمكن بلوغ الرشد السياسي، أي نشوء الشعور بالمسؤولية العمومية الذي ينظم الحقوق الخاصة والعامة، ويؤسس للسلوك من منطلق إخضاء الصراع على المصالح الخاصة لمقتضيات الحفاظ على الدولة والنظام العام ووحدة الجماعة الوطنية واستقلالها واستقرارها والسلام والأمن الاهليين، من دون الخروج من الثقافة البدائية، القائمة على سيطرة قيم الانتفاع الآني وتلبية الرغبات والشهوات المباشرة، الأنانية والوقتية، والانتقال نحو ثقافة المدنية التي تجعل من إرضاء الحاجات المعنوية، وفي مقدمها خدمة الجماعة، مصدرا للرضى، كما تجعل من حياة كل فرد مشروع بناء مستمر يعكس المقدرة على التفكير من منظور أخلاقي يتجاوز تلبية غرائز السيطرة البدائية والشهوة، وإدراك معنى العمل في الأفق المتوسط والطويل.

    لن يقلع مركب الائتلاف ويخرج من الميناء الذي لا يزال مكبلا فيه منذ نشوئه ما لم يخرج من منطق اقتسام المنافع والغنائم والنفوذ الذي أسس لسياسة المحاصصة والمزاحمة والمنازعة على التمثيل من دون ممثلين حقيقيين، وجعل نشاط الائتلاف يدور كله في نطاق شراء الولاءات والمحسوبيات والصداقات، وأفقد سلوك معظم أعضائه أي بعد أخلاقي أو سياسي أو مبدئي.

    ونقطة البدء في أي إصلاح رفض الاعتراف بالتكتلات، ورفض مسايرة منطقها والتساهل معه، والتعامل، بالعكس من ذلك، مع الاعضاء كافراد متساوين يمثلون أنفسهم، ويصوتون حسب ضمائرهم، وتجنب اي مطلب ينبع من منطق المحاصصة وتعديل الاوزان أو التنافس على المقاعد. وهذا يعني الانتقال من إئتلاف يكرس الاقطاعات وزعامات المجموعات ويحشد من حولها لا على التعيين، إلى ائتلاف يجمع بين ثوار ومناضلين فاعلين من كل قوى الثورة والمعارضة، قادرين على الوفاء بالالتزامات المنوطة بالائتلاف، والدفاع عن مباديء الثورة، وحشد الدعم من كل الانواع ومن كل مكان لانجاز المهام المطلوبة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 2 = 5

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...