صفحات الثقافة

من داخل أحياء حمص المحاصرة

    عمر شاكر

حَمَلَتْه وهناً على وهن، ولكن ليس في أحشائها، انما بين ذراعيها. كانت دموعه معولاً يمزق روحها وصرخاته الجائعة حبل مشنقة يمنع عنها الهواء. مشت بالقرب من الحائط خوفاً من عين حاقدة ترصد الارواح فتنتظر فرصة سانحة لقنصها. لم يكن لها درب تلتجئ إليه. كانت دموعها ترسم خطواتها، وأشلاء قلبها تمهد الطريق. لكن إلى أين؟ يا الله، إلى أين؟ قالت لنفسها.

لم يبق بين هذه الجدران أحدٌ من معارفها بعدما نزح الجميع وبقيت برفقة وليدها. أما زوجها فقدّم حياته بذرة غد أجمل لوليده الوحيد.

داخل أسوار الحصار أنجبت وليدها. داخلها نضب حليبها من الحزن والخوف والقهر. استعاضت عنه بما كان متوافرا من حليب. لم تكن تميز بين الحليب المُعدّ للأطفال وذاك المُعدّ للكبار أو حتى للريجيم. كان همّها الوحيد أن تمسك أنفاس وليدها عليه. اليوم، بعدما نفد الحليب ولم يبق لديها ما تسكت به أحشاء صغيرها الصارخة، خرجت هائمة على وجهها تبحث في الفراغ عن أمل يعيد السكينة إلى جفون ابنها. بعدما تقرّحت قدماها وهي تبحث، رأتها إحدى النسوة المسنّات. أوقفتها تسألها عن حالها. فانتحبت وهي تسرد قصتها. عانقتها السيدة كما لو كانت والدتها. قالت لها: ما في خواص من الكل. مشي الحال يلّي برّا نسيونا. الكل نسينا. تعي يا بنتي ما لنا غير بعض. تعي طعميلك ياه.

انفرجت أساريرها عن ابتسامة واهنة: عندك حليب يا حجة؟

جرت مسارِعةً دمعة في وجه السيدة وقالت لها: يي يا بنتي ما في أكتر من الولاد الرضّع الجوعانين، مشان هيك عم نطعميون مية الرز المسلوق. تعي يا بنتي.

دخلت المنزل الذي تقطنه هذه السيدة. انها لا تعرفها. لا تعرف اسمها. لا تعرف من أي حي أتت. لا تعرف عنها شيئا. لكنها اليوم أمّها في الحصار.

أطعمت ابنها ماء الأرزّ المسلوق، فشربه بشراهة وشوق لا يوصفان، ثم ما لبث أن أسلم جفنيه لأيدي الملائكة وذهب في نوم عميق.

الأمّ والسيدة جلستا تحصيان بصمت، ليس ليالي الحصار، بل عدد الذين خذلوهما. انه الخذلان!

النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى