الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بدر الدين شنن / من سيحدد خواتم الأزمة السورية

من سيحدد خواتم الأزمة السورية


بدر الدين شنن

لم تتعرض سوريا منذ ا ستقلالها عام 1946 لأزمة مصيرية مركبة ، مثل الأزمة التي تمر بها الآن ، حيث يتزامن فيها الصراع ، من أجل التغيير الديمقراطي والمساواة والعدالة الاجتماعية ، مع الصراع مع الخارج الدولي ، الهادف إلى الهيمنة عليها ضمن مخططاته الاستراتيجية الشرق أوسطية والعالمية ، والتي تجاوزت ، إلى حد كبير ، صعوبات ومخاطر أزمة 1957 . فقد كان التصدي للخطر الخارجي هو الأساس في تلك الأيام ، وقد استجابت الأكثرية الساحقة من الشعب لنداء الوطن والمقاومة . وما حدث من تحركات معاكسة ، كانت موسومة بالخيانة ومحدودة جداً . ولم تكن هناك إرهاصات اجتماعية اقتصادية ذات أهمية لحراك شعبي ضد الحكومة القائمة أنذاك . بمعنى أن أزمة 1957 كانت أزمة مصير وطني ضد عدو خارجي . كما أن هذه الأزمة حدثت في مرحلة نهوض عربي تحرري ، وحضور معسكر اشتراكي صديق ، برزت تجلياته ، في وقوف مصر المنتصرة قبل عام على العدوان الاستعماري الصهيوني الثلاثي بقوة إلى جانب سوريا ، وفي تحرر الجيش الأردني من القيادة الأجنبية البريطانية وتشكيل ” سليمان النلبلسي ” حكومة وطنية في الأردن ، وفي انطلاقة الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي ، كما تجلت في مساندة المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي لمصر ضد العدوان الثلاثي عليها عام 1956 ، ومساندة سوريا في كسر حصار حلف بغداد المفروض عليها .

وقد تمكنت حكومة الوحدة الوطنية الديمقراطية التعددية ، المنبثقة عن ” التجمع القومي البرلماني ” ، الذي كان يضم ، الحزب الشيوعي السوري ، وحزب البعث العربي الاشتراكي ، والحزب الوطني ، وكتلة الديمقراطيين المستقلين بقيادة خالد العظم ، تمكنت من قيادة تلك الأزمة ، رغم ضعف إمكانيات الدولة السورية ، بثبات ووطنية عالية المستوى بامتياز . كما ساهمت المقاومة الشعبية ، التي تجاوز تعدادها المئة ألف مقاوماً في مجتمع تعداده ثلاثة ملايين نسمة ، ساهمت بحماية الداخل من التلاعب بأمنه وبوحدته الوطنية ، وشكلت سياجاً شعبياً مسلحاً في مواجهة احتمالات الغزو الاستعماري ، الذي كان ’يعد له في العراق الملكية وتركيا الأطلسية ـ لتمزيق سوريا إلى كيانات وحصص جغرافية كانت ستلحق بالعراق وتركيا والمملكة الأردنية الهاشمية . وخرجت سوريا من أزمتها عام 1957 منتصرة . وصنعت مع مصر الشقيقة المتحررة أول دولة عربية وحدوية . أي أن خواتم تلك الأزمة قد حددها الشعب السوري الموحد المسلح وحكومته الوطنية الديمقراطية التعددية وجيشه الوطني ، بدعم قومي تحرري ، ودعم دولي مبدئي صديق .

بينما أزمة 2011 ، هي أزمة مزدوجة .. أزمة داخلية سياسية اجتماعية ، شكلت حصرية قيادة الدولة والمجتمع بحزب البعث الحاكم ، وما تأتى عن ذلك من تناقضات أيديولوجية ، وفساد ، واستلاب للحريات ، ومصادرة السياسة ، وإقصاء الآخر ، وتمايزات طبقية حادة ، وفاقة وبطالة شملت أكثر من نصف المجتمع ، شكلت إرهاصات للتفجر الداخلي .. للانتفاضة الشعبية .. التي تجذرت وانتشرت مطالبها المشروعة ، إلى درجة انتزعت التسليم شبه الجماعي في البلاد بضرورة التغيير ، وبناء نظام بديل يتسم بالمساواة والديمقراطية والتوزيع العادل للثروة وفائض القيمة . وهي أزمة مصير وطني أيضاً ، بسبب الممارسات الأميركية – الغربية – الإسرائيلية ، السياسية والإعلامية والمخابراتية والتهديدات العسكرية ، لجر سوريا إلى خريطة الشرق الأوسط الجديد .

وهي أي الأزمة الراهنة ، تحدث في مرحلة انحطاط عربي مزري . إذ يخضع جل الحكومات العربية للهيمنة الأميركية – الغربية ومقتضيات إنجاح المشروع الصهيوني في الوطن العربي .. مرحلة انهيار المشروع القومي العربي تحت ضربات الأنظمة الاستبدادية من طرف ، والضربات الإمبريالية الصهيونية من طرف آخر .. مرحلة تجليات الشرخ الكبير بين السلطات الحاكمة والشعب بعامة . والسلاح المحمول الآن في الشارع ، ليس لاستخدامه ضد تهديدات الدول الخارجية التي تخطط وتعمل لإعادة فرض الهيمنة على الوطن ، وإنما لاستخدامه في الصراع الداخلي لانتزاع السلطة . وهي ، إزاء ذلك كله ، تستدعي بقوة كل الجهود السياسية والثقافية المخلصة للمطالب المشروعة للانتفاضة الشعبية وللوطن ، لكشف وتفكيك حيثياتها وعواملها ومفاعيلها .. أملاً في إيجاد مخرج مبدئي .. حل ديمقراطي عاجل .. عادل .. لمعادلاتها .. وتحديد خواتمها بما يخدم إهداف التغيير الوطني الديمقراطي .

بقناعتي ، بداية لابد من الإقرار ، أن في سوريا أزمة .. ويمكن لكل أن يسميها بما هو مقتنع به .. انتفاضة .. ثورة .. مؤامرة .. لكنها ، بمكوناتها ، ومقوماتها ، وتداخلاتها الداخلية والدولية ، ومنعكساتها على الأرض ، و أي اسم من الأسماء حملت منفردة أو مجتمعة .. هي أزمة . وأن هذه الأزمة تنقسم إلى شقين .. داخلي وخارجي . أزمة صراع داخلي على اقتسام عادل لفائض القيمة والثروة والسلطة ، يدور محوره الأساس ، حول إنهاء الاستبداد وإقامة نظام ديمقراطي بديل يكسر احتكار السلطة والسياسة ويشيع الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ، وأزمة صراع على سوريا يديره الخارج الدولي الإمبريالي الصهيوني الخليجي ، محوره الأساس يدور حول وضع المربع الجيو سياسي السوري نهائياً ضمن خريطة الشرق الأوسط الجديد ، الذي يضمن استدامة الكيان الإسرائيلي ، وإنهاء كل شكل من أشكال المقاومة للمشروع الصهيوني في المنطقة ، ويضمن الهيمنة الأميركية – الغربية على النفط العربي والأسواق العربية ، واستخدام ذلك في مخططات العولمة الرأسمالية الاستراتيجية .

وفي الإقرار بالأزمة بشقيها الداخلي والخارجي ، يكمن مفتاح الحل للأزمة السورية . وإنكار ذلك يعني أن لاحل إلاّ بإقصاء الآخر بأي وسيلة . وعلى ذلك ، بكل أسف ، تبنى سياسات ومواقف الطبقة السياسية السورية ، وتشكل خلفيات ” المعارضات ” وقيادة النظام في الوقت الراهن .

ما يجري الآن في المشهد السياسي ، أن ” المعارضات ” على اختلاف أسمائها وأطيافها في الخارج ، في الوقت الذي ترفض فيه الإقرار بتدخل إقليمي ودولي تآمري في الأزمة السورية ، هي تتفاءل وترحب بمواقف أوباما وساركوزي وكاميرون وآ شتون وأردوغان وحمد ، الضاغطة في الأزمة السورية ، وتطلب منهم المزيد من المساعدات لها ، والمزيد من العقوبات الاقتصادية وغيرها على البلاد ، بل وتطالب بحماية دولية ( بوليس دولي ) أو مراقبين دوليين ، كما على الحدود بين الأتراك واليونانيين في قبرص ، أو على الخط الأزرق بين إسرائيل وجنوب لبنان ، أو بين القبائل المتذابحة لخدمة تجار الألماس في رواندا . ولاتنسى وتلح مطالبة بفرض حظر جوي في سوريا كما حدث في العراق وليبيا قبيل الغزو الاستعماري لهذين البلدين ، وذلك لحماية أنشطتها في الداخل . وهي تستند إلى الدعم المالي والإعلامي الأميركي – الغربي – الخليجي العلني لحراكها وخطابها وشعاراتها ، وتعقد مؤتمراتها في عواصم أجنبية تعلن على الملأ عداءها للنظام وتطالب بإسقاطه ، بل وبعضها يطالب بدأب بالتدخل العسكري الأجنبي حسب السيناريو الليبي . ويمثل هذه ” المعارضات الآن ما أطلق عليه اسم ” المجلس الوطني ” .

وتتقاطع ، أو تشترك قوى معارضة في الداخل مع الطروحات التي تقدمها ” معارضات ” الخارج ، لكنها تقر ” جدلاً ” بوجود المؤامرة الخارجية ، معتبرة إياها تحصيل حاصل للسياسة التاريخية التقليدية للدول الغربية ضد سوريا ، غير أنها ترفض اي حوار مع النظام لإنهاء الأزمة . وقد ذهب أحد قادتها ” رجاء الناصر ” إلى القول ” لقد أصبح الحوار مع النظام وراء ظهرنا . ومرحلة الحوار للإصلاح انتهت الآن . وإذا كان هناك حوار فمن أجل الانتقال إلى نظام ديمقراطي ” . وبالمجمل فإن هذه المعارضة ترفض الحوار مع النظام . وما تقبل به بالمحصلة ، هو فقط التفاوض مع النظام لاتخاذ إجراءات تنازله عن السلطة ، وفي كل الحوال ، تضع شروطاً مسبقة لا تأخذ موضوعياً في الحسبان إمكانية تحقيقها ضمن الظروف الراهنة ، مثل المطالبة بسحب الجيش من المناطق التي تشهد خللاً أمنياً واسعاً ، دون أي إشارة لوجود مسلحين يقومون بأنشطة مسلحة دموية هنا وهناك ، تستدعي تدخل الدولة . وهذه القوى تمثلها ” الهيئة الوطنية التنسيقية للتغيير ” .

وهناك قوى سياسية غير منضوية مباشرة تحت قيادة النظام ، تمارس منذ سنوات حراكاً نقدياً للنظام في الحقل الاقتصادي . وعندما اندلعت الأحداث في البلاد أضافت إلى حراكها النقدي الاقتصادي الاجتماعي بعداً سياسياً يتضمن التعاطي مع التظاهرات الشعبية ، التي تجري في أيام الجمع ، ويتبنى مطالبها السياسية والاجتماعية المشروعة ، وعزل العناصر المسلحة التي تتسلل إلى صفوفها . هي مع الحوار .. وقد اشتركت في أكثر من مؤتمر أو لقاء تشاوري وحواري مع فعاليات سياسية تنتمي إلى النظام أو هي على مسافة قصيرة منه . وتمثل هذه القوى ” الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير ” والمبادرة الوطنية والتيار الثالث والحركة الشعبية . وهذه القوى تدين وترفض التدخل الخارجي بأي شكل كان وخاصة التدخل العسكري ، وترفض وتدين عسكرة المعارضة وسقوط ضحايا من المدنيين والعسكريين ، وتدعو لبناء سوريا جديدة ديمقراطية . وقد اصطلح على تسميتها بالمعارضة الوطنية .

وفي الضفة الأخرى ، يتعاطى النظام مع القوى المعارضة في الداخل والخارج ، على اختلاف مسمياتها وخلفياتها وأساليبها وشعاراتها ، بتغليب الاستحقاق الوطني أولاً تحت عنوان إسقاط ” المؤامرة ” على استحقاقات الداخل الديمقراطية الكاملة الملحة ، ويعتبر ، حسب الممارسات المعلنة ، أن الاستجابة للاستحقاقين الوطني والديمقراطي ، لاتتم إلاّ عبر علاقة حوارية تصالحية ” تحت سقف الوطن ” . أي أنه يرفض الطروحات المعارضة المطالبة بتغيير ديمقراطي فوري ، يضعه عملياً برسم الرحيل وإقصائه . ويفسر كل منحى معارض بهذا الاتجاه ، إما هو جزء مباشر من المؤامرة ،ويخص بذلك ” معارضات ” الخارج ، أو هو ، لعدم استجابته للتعبئة السياسية والشعبية بمواجهة المؤامرة ، يضغف الاستحقاق الوطني ويعوق الاستحقاق الديمقراطي ، وتكريساً لربط الاستحقاقات الوطنية والديمقراطية بقيادته يطرح النظام حزمة إصلاحات إدارية واقتصادية وتشريعية ودستورية ، ويقوم بإجراءت ودعوات للحوار لاختيار آليات وأشكال تحقيق هذه الإصلاحات ، بما يفضي إلى وضع أسس لنظام قادم لاينفي فرص استمرار النظام القائم المعدل ، إن من خلال حكم تشاركي مع تحالفته الراهنة أوالمقبلة ، أو نظام أغلبي تضمنه محصلة دورات انتخابية تحت إشرافه .

ويسهم الخارج الإقليمي والدولي في الأزمة وفي صنع خواتمها ، إن كان لجهة المعارضة أو لجهة النظام . فالمعارضة منذ نزولها إلى الشارع وفتح معركتها المكشوفة مع النظام ، كان واضحاً أنها ، لعدم قدرتها الذاتية والموضوعية ، تعتمد على دعم الخارج المالي والسياسي والإعلامي أولاً ، ومن ثم العقابي الاقتصادي والدبلوماسي ، وصولاً إلى السيناريو الليبي لتحقيق أهدافها . الدعم المالي والإعلامي والسياسي والعقابي تحقق باستثناء السيناريو الليبي ، الذي فشل رسمياً بالفيتو الروسي والصيني على مستوى مجلس الأمن والجامعة العربية ، وفشل شعبياً لما سببه تدخل حلف الأطلسي في ليبيا من ضحايا تجاوز عددها الخمسين ألف قتيل ومائة ألف جريح ومشوه ومفقود وخلفت عملياته العسكرية تدميراً يبلغ مقداره أكثر من مئتي مليار دولار .. ما استدعى التعويض عنه بتوسيع الاشتباك المسلح في الداخل ، الذي لايستطيع الصمود طويلاً أمام إغضاب أعداد كبيرة متزايدة من المواطنين الذين يدفعون ثمن هذه الاشتباكات ، وأمام قدرات النظام العسكرية .

والنظام كان واضحاً أيضاً أنه ، بسبب الفساد والقمع المستديم عبر عقود سابقة ، الذي خلق ” فجوة ” كبيرة بينه وبين أغلبية المجتمع ، إن لم يعوق حركة الاحتجاج الشعبي في الشارع بكل الأساليب ، فإن الأمور ستخرج عن سيطرته ، كما حدث في تونس ومصر وليبيا ، فركز جهوده وقواه على حسم الصراع مع ساحة الخارج المعارضة والإقليمية والدولية ، ليكسب الفوز في الداخل والخارج معاً إعلامياً وسياسياً ومادياً . وتمكن من كسب تقاطعات ومصالح إقليمية ودولية هامة أمنت له الفيتو الروسي والصيني لإسقاط أخطر الحلقات في مخطط إسقاطه ، وأمنت له بديلاً لجهات دولية انقلبت على صداقته أو التعامل معه . غير أن منعكس ذلك على الداخل بسرعة وبشكل شامل غير مضمون ، إن لعدم استطاعة البديل الدولي ” الصديق ” الطاريء التعويض التام عن الدول التي خسر العلاقة معها ، أو لعدم تأثر الداخل الاحتجاجي بهذه الحركة الاستبدالية الدولية . لاسيما وأن هذه الحركة لاتؤمن بالكامل اقتصادياً المصادر والفضاءات الاقتصادية السابقة . خاصة إذا ’أخذ بالاعتبار ، أن روسيا الرأسمالية اليوم ، هي غير الاتحاد السوفييتي الاشتراكي بالأمس ، الذي سلح الجيش السوري ثلاث مرات بأسعار مخفضة كان فيها نسبة كبية من الحسم والسماح إضافة إلى مساهمته بإنشاء البنى الاقتصادية الأساسية ، وفي مقدمتها سد الفرات والسكك الحديدية ومصفاة البترول في حمص ومعامل عديدة ، والصين الرأسمالية اليوم هي غير صين ماوتسي تونغ وشوإن لاي الثورية ، وأن تكتل بريكس الآن هو غير حلف وارصو الذي كان جدار استناد للشعوب المضطهدة .

ما مفاده ، أن دعم الخارج المتعدد ، لم ولن يعوض المعارضة عن العجز في الداخل . وأن ضمان وقف مخاطر التدخل العسكري وسياسة الاستبدال الدولي لايغني النظام عن حل الأزمة بعقلانية وعلمية ومصداقية ، وإعادة بناء الداخل كما يرغب الشعب على أسس ديمقراطية تعددية تكفل المساواة والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية .

وعلى ما تقدم ينهض ، منطقيا .. وبالضرورة .. أمام كل الغيارى الصادقين على الوطن بمكوناته الشعبية والجغرافية ، ينهض السؤال ، إذا كانت هذه هي المواقف والسياسات الفعلية للنظام والمعارضات والقوى الدولية والإقليمية ، فإلى اي مصير ’تدفع إليه سوريا الحبيبة ؟ .. هل ’تدفع إلى مصير الصومال ما بعد سياد بري ، حيث الاحتلالات الدولية والإقليمية ، والاقتتال الداخلي الفئوي والمذهبي والحزبي ، وفشل الدولة وانعدام الأمن والحياة الوطنية الطبيعية ، وانتشار المجاعات المصحوبة بالأمراض والأوبئة ، واستلاب انسانية الإنسان ؟ أم ’تدفع إلى مصير العراق ، حيث جلب وتسبب التدخل العسكري الخارجي ، على خلفية أسلحة الدمار الشامل ، ومن ثم ذريعة إسقاط الديكتاتور وبناءعراق ديمقراطي الانقسامات العرقية والمذهبية ، وسرقة ثروات العراق ، والقتل والتشويه والتيتم والترمل والتشرد لنحو عشرة ملايين عراقي ، وإعادة العراق عشرات السنين إلى وراء ؟ أم ’تدفع .. كم يحلو لعدد من المعارضين السوريين في الخارج ، إلى مصير شبيه بمصير ليبيا التي حملت إليها صواريخ حلف الأطلسي وجنوده القتل والدمار واللصوصية للثروات الوطنية بذريعة حماية المدنيين ؟ .

والسؤال التالي الأكثر ضرورة ومنطقية ، هو من يتحمل حقيقة مسؤولية هكذا توجهات شيطانية لئيمة مدمرة لمقومات وحدة الشعب والوطن ، وإعادة سوريا إلى مرحلة العبودية الأجنبية الاحتلالية ، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً ، وزجها ضمن متاهات وقذارات مدارات العولمة الرأسمالية الإمبريالية ؟ .

وفي هذا المقام ، لابد من تقديم الاحترام والذكر الطيب ، للطبقة السياسية السورية في أواسط الخمسينات من القرن الماضي ، التي أسقطت ديكتاتورية الشيشكلي ، وبنت على أنقاضها دولتها الوطنية الديمقراطية التعددية التي ترتكز على ، برلمان حر مالكاً لقراره ، وحكومة تخضع لرقابة ومحاسبة البرلمان ، وقضاء مستقل ، وصحافة حرة ملتزمة ومستقلة تجسد السلطة الرابعة ، وحياة سياسية تصونها الحريات العامة ، وأحزاب تسهم في الحكم والمعارضة بقرارات وتوجهات الدولة الأساسية .. واستطاعت تحديد خواتم أزمة الوطن المصيرية ، وانتصرت على ضعف الداخل وجبروت وحصار الخارج ، وخلفت إرثاً وطنياً ديمقراطياً تعددياً يحتذى به للأجيال القادمة لابد ، أن ي’يؤخذ بالاعتبار .. عند التفكير الصادق بتحديد خواتم الأزمة الراهنة .

اللحظة التاريخية السورية .. في أيامنا المضطربة الراهنة .. تقرع أجراس ساعة الحقيق .. بالنسبة لكل الطبقة السياسية السورية .. داخل الحكم وخارجه .. في السلطة أو المعارضة .. فإما السقوط الشامل المذل للجميع لحقبة زمنية غير منظورة النهايات .. وإما التلاقي ، فعلاً ، تحت سقف الوطن .. دون التمسك بالشروط والمواقف التناحرية المسبقة .. لإنقاذ البلاد من منزلقات كارثية .. لن يتمكن أحد أن يستثني نفسه من مسؤوليتها وعارها ومذلتها .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...