الرئيسية / كتاب الانتفاضة / رشا عمران / من سيرة الوهم/ رشا عمران

من سيرة الوهم/ رشا عمران

 

 

عليّ أن أنكر كل ما حدث بيننا. عليّ أن أصدّق أنني لم أعرفك يوماً، وأن الكنبة التي أجلس عليها الآن لم تعرف لون ثيابك، وأن السرير الذي سأنام عليه بعد قليل لم يحتفظ برائحتك، وأن الباب الذي سأخرج منه غداً صباحاً لم يفتح لك، والشارع أسفل بيتي لم يحفظ خطواتك. عليّ أن أصدّق أن ما حدث لم يحدُث يوماً. هكذا، سأستمر في لعبة الوهم التي كنت فيها، فالحب ليس أكثر من وهمٍ نعرفه جيداً، لكننا، لفرط تكبّرنا ننكره. ولأكمل هذه اللعبة، سأخبرك ما لا تعرفه عني: أنا امرأة حين أحبّ أشبه جميع النساء، أقامر بما عندي من راحة البال، ولا أفكر بالخسارة المؤكدة. المرأة حين تحب تضع جانباً كل حسابات الحياة، تعيش شغفها، كما لو كانت تلك اللحظات هي لحظات حياتها الأخيرة. لا يهمها ما تكون عليه من ضعفٍ وهشاشةٍ. المرأة حين تحب، يصبح ضعفها هو قوتها، تتخفّف من كل ما يعيق تدفق شعورها، هل تعرف الريشة؟ تشبه المرأة العاشقة الريشة، لها الخفة نفسها، لا تؤثر عليها الجاذبية، ولا يعنيها أن تفسّخ الريح أطرافها، هي معنيةٌ فقط بالصوت الخافت الذي تخلّفه حركتها في الفراغ.

الحب فراغ، تملؤه المرأة بما لديها من أعاجيب. في الحب تصبح المرأة، لخفّتها، صانعة أعاجيب. عكس الرجل، إذا أحب ثقل، فتسحبه الجاذبية، ويصبح مجرّد متفرجٍ مستمتع على أعاجيب المرأة. أنا امرأة حين أحب أشبه كل النساء، بيد أن لي عالماً من الكلام. لو أننا كنا معا، كنت ستراني وأنا أضع الكلام فوق بعضه كمعمارية محترفة، ثم بلحظة نزقٍ أهدّ ما بنيته، لأعيد بناءه بطريقةٍ أخرى. هكذا أحاول دائماً أن ألعب في مساحة الوهم. الحياة لعبة، كنا سنتفق على هذا، لو أننا كنا معا. اللعبة التي تجعلك أنت أيضاً، حين تحب تشبه جميع الرجال، الرجال الذين يفكرون كثيراً قبل المقامرة بما لديهم من راحة بال. الرجال الذين يفكّرون كثيراً بالخسارة، فينكفئون ويبتعدون ويصمتون ويراقبون. لو كنا معاً، كنت ستتأمل ما أفعله، وتتخيّل حواراتٍ تجريها في مكان آخر، كما لو أنك لم تكن لتكون معي، كما لو كنت شخصيتك الأخرى، أو شخصياتك الأخرى التي لم أعرف عنها شيئاً. للرجل شخصيات متعدّدة، تظهر حين يبدأ بالمراوغة، حين يفكّر بالهروب، المرأة لا تهرب، قلة هن النساء اللواتي يهربن.

المرأة تواجه نفسها بضعفها وبهشاشتها، تعترف بخساراتها وأخطائها، تعترف بمشاعرها وتظهر عواطفها، حتى حين تكره وتحقد، تخرج كل ما في داخلها من الشر. هذا الكشف هو ما يحميها من الانهيار مع كل خسارةٍ جديدة. الرجل لا يفعل هذا، يخشى الاعتراف ويهرب منه. ليس الاعتراف بالعواطف، بل بالضعف والهزيمة والخسارة. المرأة علنية واضحة، تعيش طبيعتها، ولا تضمر عكس ما تظهر. الرجل باطني، يفكّر، ويعيش عكس ما يفكّر به. يعيش في الدور الذي كتبه له الزمن والتاريخ والمجتمع والدين والسلطة والسياسة. لهذا، تكثر النساء من الشكوى من الرجال، ويقول الرجال إنهم لا يفهمون المرأة. لهذا، نلعب اللعبة مع الوهم، وحين نمل من اللعب، نقول إن ما فعلناه حقيقي، وليس هذا تحدياً للوهم، بقدر ما هو تحدٍ لأنفسنا التي تميّز جدا الوهم من الحقيقة، ونحن نُزايد عليها بما تميّزه. لو كنا معاً، ربما كنا تحدثنا عن كل ما سبق، غير أنني لم أعرفك يوماً، والكنبة التي أجلس عليها لم تميّز لون ثيابك، والسرير الذي أنام عليه لم يحتفظ برائحتك، والباب الذي سأخرج منه لم يفتح لك، والشارع أسفل بيتي لم يحفظ خطواتك، متأكدة من هذا. لهذا، يضيق العالم بي، كلما تذكّرت أنك لم تكن معي، وأن كل ما كان هو وهمي الشخصي، فأنا اخترعتك، واخترعت لك شكلاً وصفاتٍ وظرفاً ومهنة، ثم وضعت حياتي داخل هذا الوهم، وعشت سعيدة، حتى صحوت اليوم ولم أجدك، مع أن لا شيء تغيّر، فسريري لا يتسع سوى لي، ولم تكن لتنام عليه بجانبي. إذاً، ما الذي جعلني أسقط في هذا الحزن، حين اكتشفت أن ما سبق كان مجرد سيرةٍ جديدةٍ من سير الوهم؟

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دعد حداد: مرآة أنثوية متشظية في عقود الخراب السوري/ مازن أكثم سليمان

    ■ إن أي فعلٍ تأويلي متمعنٍ ينبغي أن يقلب مستويات القراءة تقليبا مستمرا، ...