الرئيسية / صفحات العالم / من مقديشو إلى دمشق

من مقديشو إلى دمشق


د. عبدالوهاب الأفندي

(1) هل كانت مصادفة أن الأسبوع الماضي شهد خلال يومين متعاقبين (الخميس والجمعة) مؤتمرين دوليين، الأول في لندن لإنقاذ الصومال، والثاني في تونس لإنقاذ سوريا، وكان جانباً كبيراً من الحضور (وعلى رأسهم وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون) هم نفس الحضور؟ وكما هو معلوم، فإن الصومال قد تحولت في عام 1991 إلى النموذج الأبرز للدولة الفاشلة بعد الانهيار الكامل لمؤسسات الحكم وتعذر إعادتها إلى الوجود بفعالية حتى اليوم، وهو مالم يحدث في أي مكان آخر في العالم بهذا الحجم ولهذه الفترة المتطاولة. وقد كان هدف مؤتمر لندن دعم آخر محاولة لإحياء واستعادة الدولة في الصومال.

(2)

إذا كان هناك أي شك في أن للمؤتمرين ارتباطا ببعضهما، فإن المشاركين والمعلقين سارعوا إلى تأكيد العلاقة. أحد كبار المشاركين قال للإذاعة البريطانية إنه من الضروري المسارعة لتدارك الوضع في سوريا قبل أن تتحول إلى صومال جديد. وقد أصدرت مجموعة الأزمات الدولية تقريراً بالتزامن مع لقاء تونس حذرت فيه من انهيار الدولة السورية وعواقب ذلك على المنطقة.

(3)

هناك أكثر من أوجه تشابه بين الحالة السورية والحالة الصومالية، بدءاً من التوجهات، مروراً بالوسائل، وانتهاءً بخط سير الأزمة. فقد كان الصومال، قبل أن يستولي فيه الجيش بقيادة الجنرال محمد سياد بري على السلطة في أكتوبر 1969، بلداً ديمقراطياً واعداً، وواحداً من الدول القليلة، التي نشأت من وحدة طوعية لبلدين مستقلين. اتبع بري في أول أمره سياسة يسارية متطرفة، وقام بإعدام عشرة من أبرز علماء الدين في الصومال بعد أن انتفض الشعب ضده لسنه قوانين للأحوال الشخصية خالفت الشريعة الإسلامية في عام 1975، ثم ركب موجة القومية الصومالية، حيث قام في عام 1977 باحتلال الأقاليم الصومالية في اثيوبيا قبل أن يهزم بعد تدخل كوبي.

(4)

في أول عهده أعلن بري الحرب على القبلية، ولكنه لجأ إلى استخدامها كأداة للاستمرار في السلطة، حيث قرب عشيرته من الأوغادين واستهدف بقية العشائر، وكانت النتيجة انهيار حكمه ومعه الدولة وهروبه من الصومال في عام 1991 بعد أن دمر البلاد وقسمها وأفقرها.

(5)

سوريا أيضاً كانت بلداً وحدوياً، بادرت بالوحدة الطوعية مع مصر في عام 1958، كما كانت فيها وحولها قوىً تدعو تدعو لوحدة بلاد الشام، أو سوريا الكبرى. وقد تحقق بعض من تلك ‘الوحدة’ عبر إلحاق لبنان بسوريا، والسعي المستمر لإخضاع القوى الفلسطينية لسلطان دمشق. هنا أيضاً هيمنت على البلاد سلطة ‘وحدوية’ ذات توجه يساري في الظاهر، ولكنها استبطنت الهيمنة الطائفية، بل والأسرية على مقاليد البلاد، مما أدى بالضرورة، كما كان الحال في الصومال، إلى إذكاء النعرات الطائفية والعرقية. وكما كان الحال في الصومال، فإن هزيمة المشروع ‘القومي’ (إخراج سوريا من لبنان كما الصومال من اثيوبيا) بداية النهاية للنظام.

(6)

كان من الواضح منذ الأشهر الأولى للثورة السورية أن السيناريو الصومالي هو الأرجح، بسبب استغلال النظام السوري للطائفية بصورة فجة، وإصراره على البقاء في السلطة بأي ثمن، هو نفس المسلك الذي دمر الصومال. ويلاحظ أن النظام السوري كان يريد أخذ الثورة في الاتجاه العسكري الطائفي منذ البداية، كما يتضح من توزيع ملصقات وبيانات تحذر من الصراع الطائفي منذ بداية انتفاضة درعا السلمية المدنية. وقد هاجم النظام درعا بالدبابات، وروج لفرية وجود أسلحة في مساجد درعا، وهي كذبة لم يصدقها حتى جنوده.

(7)

حتى لو كان النظام السوري يعتزم التوصل إلى حل توافقي مع خصومه، وهو ما لم تظهر عليه آية، إلا أنه بعد ما ارتكب من فظائع يعلم أن ظهره إلى الحائط، وأنه لم يعد له مخرج من السلطة إلا مخرج القذافي. ولهذا فإنه لم يعد يتورع عن ارتكاب كبيرة. وهذا بدوره يجعل من الصعب على بقية دول العالم السكوت على جرائمه أو قبول التعامل معه.

(8)

هناك من يرى أن السيناريو المحتمل في سوريا هو أقرب إلى السيناريو الأفغاني، خاصة مع اقتراب دول خليجية وغيرها من فكرة تزويد الثوار بالسلاح، وهو ما سعى المجلس الوطني السوري إلى الالتفاف حوله بخلق آلية مركزية لتوحيد القوى المقاتلة وتوحيد قناة إيصال السلاح إليها.

(9)

المخرج الوحيد من كل هذه السيناريوهات، أو ما أسوأ، هو أن يسارع الجيش السوري إلى الانحياز لثورة الشعب، والتخلص من العصابة الحاكمة تمهيداً لإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية توحيدية بعيدة عن القمع والطائفية والفساد والإفساد. وقد تترجح كفة هذا الخيار مع تصاعد المواجهات المرتقب.

(10)

ما لم يحدث هذا، فربما لا يطول الوقت قبل أن نسمع القيادة السورية تتوسل، ولكن بعد فوات الأوان، التدخل الأجنبي للتعامل مع عواقب انفراط عقد البلاد والفوضى الشاملة التي سيصبح النظام وأنصاره أكبر ضحاياها بعد ما ارتكبوا من جرائم أخرجتهم من حظيرة الإنسانية. وكأني بعين الشبيحة الإعلاميين إياهم وهم يتصايحون عبر سكايب من مكان مجهول: أين أنتم يا عرب؟ أين المجتمع الدولي؟ الناس تقتل يا عالم! ثم ينقطع الاتصال.

(11)

لعل أهم العبر من مصير الصومال والبوسنة وليبيا وغيرها، هو أن كيد الطغاة هو دائماً في تباب. بري بدأ عهده بإعدام العلماء، ثم عاش ليرى العلماء وهم يحكمون في مقديشو. جنرالات الصرب سعوا لإبادة مسلمي البوسنة، ثم انتهى بهم الأمر إلى المحاكم والسجن، بينما ضحاياهم في قصور الحكم. القذافي أراد تدمير مصراتة وقال لجنوده إنه يريد أن يرى بحرها يتحول إلى اللون الأحمر، ولكن رجال مصراتة كانوا على رأس من أخرجه من طرابلس. وإذا استقرأنا هذه الوقائع، فيمكن أن نقول أن بشار سيشنق في بابا عمرو دون غيرها من مدن سوريا.

القدس االعربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 1 = 5

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...