الرئيسية / صفحات سورية / من يحكم سورية؟

من يحكم سورية؟

 


جواد البشيتي

ثورة الشعب السوري لم تُسْقِط بَعْد نظام الحكم الأسدي الاستبدادي؛ لكنَّها أسقطت أوراق التوت والأقنعة عن عوراته ووجهه، وجَعَلَت حقيقته عاريةً تماماً من الأوهام، التي بفضلها ظلَّت محجوبة عن الأبصار والبصائر عشرات السنين، فأصبح ممكناً الآن إجابة سؤال “مَنْ يَحْكُم سورية؟” إجابة موضوعية مؤيَّدة بحقائق الواقع الجديدة، والتي في الصراع، وبالصراع، بينه وبين شعبه بانت وظهرت.

إنَّ “الأدوات الأمنية” للحكم في أي دولة غير استبدادية هي عينها الحُكم (والتي تَحْكُم) في سورية، فالقوى والأجهزة الأمنية والعسكرية المنفصلة تماماً عن الشعب، والمعادية له، والتي يجتمع فيها اغتصاب السلطة، واغتصاب الثروة، والاستبداد والفساد، هي الحكومة الفعلية الحقيقية في سورية؛ أمَّا الحكومة العادية، و”مجلس الشعب”، و”الحزب القائد”، و”جبهة الأحزاب” التي يقود، و”السلطة القضائية”، فلا تعدو كونها جميعاً أقنعةً تلبسها تلك الحكومة الفعلية الحقيقية، والتي تَظْهَر في وضوح وجلاء في أوقات الضيق والشدَّة كالتي تعيشها سورية الآن بفضل ثورة شعبها التي أكرهت الحُكم الأسدي الاستبدادي على أنْ يتعرَّى من كل ما يَسْتُر له عورة، أو يُجمِّل له وجه؛ فلا عدوَّ خارجياً لهذا الحُكم، ولو كان إسرائيل، يمكن أنْ يَعْدِل العدوَّ الداخلي، أي الشعب، لجهة خطره عليه؛ وليس من مانع يمنعه، من ثمَّ، من أنْ يشتري بقاءه بأيِّ ثمن، ولو كان هذا الثمن التصالح مع العدوِّ الخارجي، أو إحراق وتدمير “الوطن”، وإغراق الشعب في بحر من الدماء، وإثارة كل نعرة من أجل تقويض وحدة الشعب الثائر عليه.

وهذا الحُكم ليس في مقدوره أبداً أنْ يلبِّي ولو أصغر وأبسط مطلب سياسي وديمقراطي للشعب؛ لأنَّه يعرف خيراً من سواه أنَّ أصغر جرعة يتناولها من دواء الإصلاح السياسي يمكن أنْ (لا بل سوف) تودي بحياته؛ و”الكيُّ” عنده، من ثمَّ، لن يكون آخر العلاج، وإنَّما أوَّله؛ فهو أسير مصالح من النوع الذي يجعله مؤمِناً بأنَّ كل شيء ممكن صنعه بالحراب ولو انتهى به هذا الإيمان إلى أنْ يجلس هو على هذه الحراب؛ فلا تعللوا أنفسكم بوهم أنَّ الحكم الأسدي الاستبدادي يمكن أنْ يتصالح مع أي إصلاح يلبِّي ولو قليلاً مطالب الشعب السياسية والديمقراطية؛ ولسوف يمضي قُدُماً في حربه على ثورة الشعب السوري حتى سقوطه، أو حتى القضاء المبرم على هذه الثورة.

وخطابه الإعلامي المُتَّفِق كل الاتِّفاق مع طبيعته وخواصه السياسية الجوهرية إنَّما هو الذي نسمعه الآن، والذي لا مبدأ يقوم عليه سوى مبدأ “الإنكار”، الذي من مشتقاته الكذب والتزوير؛ وممثِّلوه من إعلاميين وأساتذة جامعات لا يتورَّعون عن إنكار ما لا يمكن إنكاره من حقائق؛ فإنَّ الوقاحة هي الصفة التي نراها فيهم جميعاً.

و”المُنْكِر” هو الذي يعرف الحقيقة؛ لكنَّه يأبى الاعتراف بها؛ لأنَّ له مصلحة في إنكاره لها.

عملاً بسياسة الإنكار (ومشتقاتها) يزعمون أنَّ الأرتال من الدبابات والمدرعات التي تحاصِر المدن، وتقتحمها، وتنتشر في أحيائها وشوارعها، ناشِرة فيها الرُّعب والموت والدمار، إنَّما هي في الأصل “نداء”، أو “طلب”، من أهل المدينة، أسرعت السلطة في استجابته وتلبيته. أهل المدينة (درعا وبانياس..) استغاثوا بالحكومة (الأمنية) وطلبوا منها أنْ تهب لإنقاذهم من “الإرهابيين” و”المندسين” و”السلفيين” و”المتآمرين” و”العصابات المسلَّحة” التي تعتدي بالسلاح على الشعب والجيش معاً، فما كان من هذه الحكومة، التي تحرص كل الحرص على تلبية مطالب شعبها جميعاً، ومهما كانت، إلاَّ أنْ لبَّت (سريعاً) طلبهم؛ وكأنَّها “حكومة وامعتصماه” التي لو تناهى إلى سمعها نداء مماثِل من شعبها في الجولان المحتل لأرسلت تلك الأرتال من الدبابات والمدرعات إلى الجولان؛ وإنَّني لأتمنَّى على أهل الجولان المحتل أنْ يوجِّهوا، عبر وسيلة إعلامية ما، نداءً إلى الرئيس بشار الأسد يناشدونه فيه أنْ ينقذهم كما أنقذ أهالي درعا وبانياس، ومدناً سورية أخرى؛ وإلاَّ حقَّ لهم، ولنا، عندئذٍ، أنْ نفهم “الممانعة” بمعنى “مانع بشار إسرائيل”، أي حامى عنها، وذاد.

وعملاً بها، يزعمون أنَّ الشعب في سورية هو كله تقريباً (أو ما نسبته 99 في المئة من الشعب) يقف مع نظام الحكم ورئيسه الشاب “الإصلاحي” بشار الأسد؛ ولعلَّ خير دليل على ذلك هو أنَّ الملايين من أبناء الشعب يلازمون بيوتهم، ولا ينزلون إلى الشوارع؛ ولو كانوا معارضين، أو غير مؤيِّدين، لنظام الحكم لنزلوا إلى الشوارع، فليس من سبب، كالإرهاب والقتل والاعتقال والتعذيب..، يمنعهم.

أمَّا تلك القلَّة القليلة من الشعب التي تنزل إلى الشوارع فهي فئة طاهرة طيِّبة بريئة، لها مطالب عادلة ومحقة ومشروعة (يشاركها فيها ملايين المواطنين السوريين الصامتين) لكنَّ فئة أصغر كثيراً من “المندسين” و”المتآمرين” و”السلفيين” و”العصابات المسلَّحة” تشوِّه هذا الحراك الشعبي (الصغير الحجم) وتُخْرِجه عن سِكَّته، ويتولَّى “قنَّاصتها” إطلاق الرصاص على المتظاهرين والجيش ورجال الأمن؛ وليس من سبيل إلى مواجهة هؤلاء، والتصدي لهم، ودرء مخاطرهم، إلاَّ إنزال الجيش، بمدرعاته ودباباته، إلى المدن بأحيائها وشوارعها.

هذه الدولة الأمنية من رأسها حتى أخمص قدمها فشلت أمنياً إذ نجح “المتآمرون” في تعريض “الأمن القومي” لسورية إلى خطر لا يمكن التصدي له، والقضاء عليه، إلاَّ بإنزال الجيش إلى المدن؛ ثمَّ فشلت أمنياً في أنْ توثِّق هذه “المؤامرة الخارجية” من طريق اعترافات “المتآمرين” الذين أُلْقي القبض عليهم، وبما يسمح لها بتوجيه الاتِّهام، رسمياً وعلناً، إلى دولة ما، أو دول ما؛ فهل من المنطق في شيء التحدُّث عن “المؤامرة الخارجية”، و”أدواتها الداخلية”، مع الاستمرار في عدم توجيه الاتِّهام الرسمي والعلني إلى دولة أو دول بعينها؟!

إذا أردنا للحقيقة أنْ يكون لها سلطان على تفكيرنا فلا يمكننا، عندئذٍ، إلاَّ أنْ نقول إنَّ الجولان هو سورية التي تحتلها إسرائيل، وإنَّ سورية هي الجولان الذي يحتله نظام الحكم السوري؛ وإنَّ لإسرائيل مصلحة حقيقية في بقاء نظام الحكم الأسدي الاستبدادي، على أنْ يكون ضعيفاً في مواجهتها، قوياً في مواجهة شعبه، وثورته عليه.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...