الرئيسية / كتاب الانتفاضة / رفيق شامي / من يحمي الأطفال من هذه الأيدي القذرة: نداء مستعجل قبل أن يفوت الأوان: رفيق شامي

من يحمي الأطفال من هذه الأيدي القذرة: نداء مستعجل قبل أن يفوت الأوان: رفيق شامي

 

رفيق شامي

تجبرنا بعض التطورات احيانا على ترك ما نحن فيه من ترح وفرح وحتى ذلك الذي خططنا له اسابيعا كاملة وصممنا على العمل به يصبح لا قيمة له…على الأقل مؤقتا. وكمثال بسيط، لازلت منذ أسابيع أبحث وأدقق بجدية في سبب مناعة الإخوان المسلمين وكل السلفيين ضد تجارب التاريخ، ليس فقط لايتعلم السلفيون من تجربة الآخرين، بل هم لا يتعلمون حتى من تجاربهم الأليمة. وأردت أن اسدي لهم نصيحة لكي لا يسحقهم التاريخ العديم الرحمة تجاه كل من لا يتعلم… فهم ليسوا أشد مراسا ولا اثبت فكريا وسياسيا وإقتصاديا وعسكريا وثقافيا ولا حتى تاريخيا من الستالينية التي أصبحت في خبر كان رغم قنابلها الذرية الكافية لتدمير الأرض خمس مرات… هذه النصيحة لا أوجهها بسخرية بل بجد، رغم تضاد فكري مع فكر الإخوان أو لنقل بسبب هذا التضاد ارجو لهم أن يبقوا كجزء من الطيف السياسي الإجتماعي للشعب السوري. هكذا افهم الحرية والديمقراطية: صراع دائم نحو الأفضل للمجتمع وبإحترام حرية الرأي الآخر.

وددت أن اثبت لهم بالدلائل خيانة إخوان مصر ومرسيهم الحقير وأن أسألهم لماذا لم يشجبوا بشدة هذه الخيانة إن كانوا يريدون الإحتفاظ بمصداقية. وأردت ان اظهر لهم ان إخوانهم في تونس سيحاسبون من الشعب التونسي البطل على إغتصابهم لأجمل ثورة… وأن عليهم إذن أن يفهموا هذا الجرم التاريخي لكي لا يقعوا في مطبه.

وددت أن أحذرهم من ظواهر سلبية تصل إلى حد البربرية لأخوتهم المتطرفين في المناطق المحررة.  وودت إضافة سؤال عن سبب صمتهم تجاه ما يحدث هناك ولماذا لا يتبرأون منه علنا لرسم خط أحمر بين الإخوان ومنافسيهم  المسلحين. لكي لا يأتوا بعد ثلاثين سنة ويقولوا انه لا علاقة لهم بالجهاديين. فحتى اليوم لم يفهم الإخوان عبرة مأساة وكارثة حماة. هل يمكن لعاقل في صفوف الإخوان الصمت عن هؤلاء الذين يجلدون ويضربون سوريين في المناطق المحررة هكذا وبدون قانون ولا قاضي ولا محامي بل بعودة كريهة لظاهرة “العسس” السعودية؟ هؤلاء الذي يدعي عليهم جاري السوري الطيب القلب وهو دمشقي مؤمن درس حتى الصف العاشر وهرب ليصبح عاملا في مصنع سيارات. يدعي بلهجته الشامية كلما سمع بهكذا خبر: “الله يكسر إيدهم التي يرفعوها ضد هذا الشعب المسكين”. معه حق، فهذا  الشعب الذي عانى طوال خمسين سنة من جلادين… وقام بثورته بشجاعة لا مثيل لها … لا يستحق أن يجلد إلى نهاية الزمن وقيامة القيامة.

أما أن يجلده من صمت حتى الأمس وإنطلق اليوم مزودا بسلاح دُفِعَ ثمنه في الخليج ليبالغ في ثورية مصطنعة بعقاب من يشرب الخمر أو يغني أغنية حب او يغازل حبيبته فهذا إحتقار لكل ما حلم به الثوار السوريون ودفعوا أرواحهم ثمنا له: الكرامة . تمنيت أن اقرأ من إخونجي واحد كلمة جريئة يبين لهؤلاء المجرمين أنهم أعداء الإسلام الذي يجلدون الناس بإسمه وأن يسألهم علنا وبصوت واضح: من انتم حتى تجلدوا شعبا دفع ثمن كل شبر محرر من أرضه بدمه… من فوضكم بذلك؟

أردت تذكيرالإخوان بتاريخهم في سوريا وأنهم دون ديمقراطية شعبية يشكلون فيها وعن جدارة وحق جزءاً صغيراً للمحافظين لن يكون مصيرهم سوى القتل والسجن والتشريد…اردت تذكيرهم وبكل إحترام رغم رفضي لمبادئهم أن عليهم ألا يهتموا بقرصنة المجالس فكل هذه المجالس زائل، بل بإنجاز برنامج إقتصادي إجتماعي ثقافي لسوريا حرة ابية… فلن تساعدهم آنذاك أقوال رنانة عن الماضي ولا أقوال رسل وكتب دينية وحتى لن يكفيهم إخلاصهم لسوريا لحماية السوق السورية من سيطرة الصين عليها وإستغلال ما بقي منها من الغرب. وأردت تذكيرهم أن كسبهم لعطف جماهيري عبر سيولة نقدهم السعودي والقطري وتمرسهم في العمل السري ودهاليز السياسة قد يفيدهم الآن في مرحلة المعارضة وينفخ أوداجهم لكنه سينهار كبيت من الورق متى وقفوا في دولة حرة ذات هيبة علنا تجاه واجبات معقدة لبناء مستقبل البلد… في مثل هذه الدولة على كل حزب أن يبين وبالقرش مصدر أمواله وبالتالي لن يساعد أي حزب سوى نشاطه بين الجماهير وإمتلاكه لبرنامج افضل من منافسيه ومتى  أجبرهم المجتمع على جواب كل أسئلته حول حقوق المرأة ( 1/1 كحقوق الرجل) والعدالة الإجتماعية (وهم لا يملكون سوى الشفقة والصدقة على المحتاجين اي أنهم لا يريدون إطلاقا تغيير النظام الذي ينتج هؤلاء الفقراء) والتصنيع المناسب وحرية الثقافة والفن…إلخ. فإن السعودية لن تساعدهم، فهي لا تملك جوابا يقنع السوريات والسوريين الأحرار.

كل هذا أردت كتابته …لكن صورة واحدة  القت بكل خططي جانبا وأجبرتني على كتابة هذا النداء… إنها صورة طفل صغير سوري يحمل سلاحا ويدخن سيجارة… عندما فتشت تحت مصطلحات مثل “طفل سوري مع سلاح” أو “الأطفال والحرب” وجدت عدة فيديوهات وصور مخزية مخجلة لأطفال وهم يلعبون امام العدسة المصورة وبإشراف بالغين حقيرين دور المقاتل الشرس وبعضهم لم يتجاوز عمره الست سنوات. كدت أبكي لمنظر فتاة صغيرة  لاتستطيع إلا بجهد رفع القنبلة اليدوية… ومقاتلين يجلسون حول طفل يدخن ويعطي مقابلة يترجمها احدهم بإنكليزية مشرشحة لكي يتعرف العالم على حضارة السلفيين… وهذا هو الأغرب … أغلب الفيديوهات منتجة من مجموعات جهادية ومقاتلين سلفيين يحي فيها طفل مسلح القتال من أجل الإسلام بكلمات جوفاء ببغائية لا يعرف معناها… وإذا قرأت تعليقات وتبريرات بعض مشاهدي هذه الفيديوهات لأُصِبت بغثيان فهذا يبرر ذلك بالتاريخ وذاك يأتي بفرضية يخجل داروين منها …أن الشعب السوري بطل ابا عن جد وأنه لذلك لا يلد إلا ابطالا وهؤلاء الأطفال هم البرهان على ذلك…

يا إلهي! إلى أي حد وصلت بربرية هؤلاء البالغين لكي ينسوا حقوق الطفولة، وهل ينفع الكلام بعد مع هؤلاء البرابرة؟

تراهم يضحكون لا بل حتى يتباهون بأنفسهم كديك حبش غبي وهم يهيئون الأطفال لمثل هذه االتمثيلية ولو كان فيهم ذرة حس إنساني لبكوا إنهيارهم لهذا الدرك من الوحشية. كيف تنام قيادة ( او علي أن اقول قيادات) الجيش الحر عن مثل هذه التطورات في صفوفه؟ أين الخطاب الناري اللازم للإتلاف اولمفكر أو فصيل من فصائله لحماية الطفل ضد هذه الظواهر المرضية، تظهر وبكل وضوح إحتقارها لمثل هذا الإغتصاب المسلح للطفولة؟ ام ترانا سنختبئ وراء كذبة رخيصة للتهرب من المسؤولية وندعي أن الشبيحة قاموا بذلك لكي يخربوا صيت الثورة؟

بالطبع لا يقوم ملائكة وقديسون بالثورة فهي من صنع الناس وهي التي فجرت طاقات مذهلة لهذا الشعب الأبي، لكنها أفلتت بذات الوقت قوى ظلامية من عقالها، وهذا يحدث في كل الثورات. هذه القوى الظلامية نمت وترعرعت في أحضان المجتمع المحكوم من طاغية. وتجد في الإنفلات الحاصل اللحظة المناسبة لتنتقم من المجتمع الذي أذلها فتخرج بكل بربرية العصور دفعة واحدة، تقتل، تعذب، تسرق، تحرق كما يحلو لها… وقد يقول أحدهم هذه الظاهرة تقتصر على  بؤر صغيرة يضخمها الإعلام المعادي… قد يكون هذا محقا لكن الحذر من هكذا بدايات لبؤر واجب الساعة الضروري، وعلينا جميعا ان نسعى لكي لا تتحول هذه البؤر لدويلات خارج القانون والإنسانية… وهذا – برأيي – من أولى واجبات الحكومة الإنتقالية وجيشها الحر… وإلا فإن سفينة الثورة التي صمدت أمام عواصف السكود والشبيحة والمخابرات والصين وروسيا وتغابي الغرب وتعاميه ستغرق قبل وصولها لبر الأمان إذا ما حفر الجرذان والفئران أرضها بأسنانهم الحادة وبدون أن يعي أحد خطرهم.

على الحكومة المؤقتة أن تقول لهؤلاء بوضوح: لا يا اصحاب السلاح، هذا الحديد الذي تملكوه لا يعوضكم عن عقل وضمير ومدنية. فمتى أصبح السلاح وحده مبرر للثورة وحاملها تحولت المسألة لقتلة يحاربون قتلة.

أنادي كل من يحب الحرية، وكل من يحترم الإنسان أن يتخذ موقفا علنيا واضحا: إن توريط الأطفال بالأعمال المسلحة جريمة يعاقب عليها القانون وأن القانون في دولة مدنية يلاحق قضائيا إستغلال الطفل. الدولة تقوم بذلك، ممثلة ضمير المجتمع، لأن الطفل لا يملك القوة التي تسمح له بالدفاع عن نفسه.

وأقول للمسلحين: إذا كنتم لا تزالون تحتفظون بشيء من الإنسانية  التي نهض الشعب السوري دفاعا عنها بشجاعة لا مثيل لها رافعا قامته وجبهته الجميلة ضد طغيان العسكر والمخابرات فعليكم فورا الإعتذار علنا من كل الأطفال لما الحقتوه بهم من ضرر وأن تكفوا عن سرقة ضحكة الأطفال البريئة بقوة سلاحكم الذي ما تجرأتم على حمله لولا الثورة السورية وشعبها البطل الأعزل…وانتم تخونون باللعب البربري بأطفال لا حول لهم ولا قوة، أبسط مبادئ هذه الثورة وهو إحترام الإنسان، فإحترام الطفل هو أول مقدمة لإحترام الإنسان.. فكيف لكم أن تقنعوني أنكم ستحترمون مستقبلا خصمكم السياسي إذا كنتم الآن وانتم لم تصلوا بعد للحكم تحتقرون أجمل صور الإنسان الا وهو الطفل…

كتبت قبل أسابيع في إحدى الصحف الألمانية، الأطفال هم الخاسرون الوحيدون في كل حرب أهلية…وهذه الصورة البذيئة لطفل مسلح تبرهن ما اقول.  لقد قرأت تعليقا نقديا (وللأسف تنشر أغلب المواقع والصحف نقلا عن صحف بريطانية أو إيطالية الخبر بشكل حيادي مقرف وكأن الأمر لا يعنيها او كان المسألة حوار علمي عن إنتاج الحليب الجاف) لكن حتى هذا المقال النقدي أو ذاك على مثل هذه الصور تراه يصب غالب محتواه في أن مثل هذه الصور يسيء لسمعة الثورة. لكن أي ثورة نقصد؟ تلك التي قامت رافعة جبهة الشعب السوري ليقف مع كل الشعوب التي ناضلت من أجل حريتها، أم نقصد سلطة أمراء الحرب؟  ومن جهة ثانية ما قيمة السمعة تجاه ما يقوم به هؤلاء الذين يسرحون ويمرحون تحت ظل الثورة وبإسمها من تهديم للطفولة، من إغتصاب لكل ماهو بريء في هؤلاء الملائكة وتحويلهم لأطفال عسكر بعد تجريدهم من كل حس.

هل إبتدع هؤلاء الحقراء هذه العسكرة للطفولة؟ أبدا فهم أغبى من أن يبتدعوا شيئا. لقد قام تجار الأسلحة في إفريقيا وزبانيتهم من القتلة بإسم التحرير بإغتصاب الأطفال وطفولتهم  وتحويلهم لقتلة محترفين لا يخشون شيئا. وفي البرازيل وغيرها من بلدان أمريكا اللاتينية إكتشفت قيادات المافيا التي تتاجر بالأرواح والمخدرات أن الأطفال يمكنهم أن يقوموا وعلى أحسن وجه بمهمات القتلة المحترفين والمهربين. وحتى إذا أعتقلوا من قبل الشرطة فإنهم لا يحاكمون إلا كأطفال ولا يتجاوز الحكم عليهم حتى في حالة القتل ثلاث إلى أربع سنوات…وهكذا أصبح هؤلاء الأطفال من ابرع القتلة والمهربين. فجأة يأتي أحدهم إلى مطعم ما ويطلق النار بكل برودة دم وكأنه تحت تأثير مخدر على صحفي أزعج المافيا أو على غريم ينافس المافيا التي ارسلت هذا الطفل…يقتله هكذا دون ان يعرفه…ودون أن يشعر كما بين أحد الأفلام الوثائقية حتى بندم او عذاب ضمير…لماذا قتلته؟ سأل الصحفي احد هؤلاء الأطفال فأجابه الطفل: لأنه سيء. وكيف عرفت انه سيء؟ لأن من يحسن إلي قال ذلك وهو رجل طيب جدا أنقذني من الجوع…

…هذا ما أنتم بصدد إنتاجه يا أصحاب السلاح!

إتركوا الأطفال وكفوا عن العبث بهم فهم رمز الطيبة والبراءة والحرية والأمل، أي هم صورة مستقبلية للشعب السوري الحر.

المانيا مطلع نيسان 2013

يحيي كاتب هذه الأسطر أي نسخ وإعادة طباعة هذه المداخلة في أية صحيفة، طبعا بأمانة مهنية مع الإشارة إلى المصدر، لكنه لا يعترف على اية منها إنما على الأصل الذي ينشر دوما في صفحات سورية

خاص – صفحات سورية –

3 تعليقات

  1. حزني على معلولا؛
    حين استضاف أهلها الآراميون الأكارم بعض البدو، رفعت الصوت متأففاً. ردوا بأن لدي رفضاً غريزياً للمهغاريثا…
    معلولا تذبح بسكين صدئة؛ ولا أحد يسمع عويلها:
    مار تقلا تلهث على أيدي الوثنيين الجدد؛
    مار سركيس؛
    بربارة!
    سيقال إني أتعاطف مع المسيحيين: نعم! أتعاطف مع كل الأقليات في سوريا، خاصة السنة المدنيين، الذين يشنع بهم المهغرايثا الجدد أكثر من أي طرف آخر: ألا ترون استهداف دمشق المدنية في الأسابيع الأخيرة؟؟
    كلمات وجدناها تصرخ فينا عن معلولا: اشتقنا لك يا معلولا – هل صار فجك مستودع سلاح لبعض الإرهابيين؟
    وجودك معجزك؛
    بقاؤك معجزة؛
    تعلقنا بك معجزة:

  2. فلورنس غزلان

    ولأنك سمحت لمثلي أن ينقل مع الاحتفاظ بحقك وحق الموقع بكل تأكيد…لأني سأضع اللينك فقط لمن يرغب بالقراءة في صفحتي.
    أحييك صديقي …ياصوت الحق والنور
    ابق على فرح ..ومنك ومن أمثالك نستشف الأمل
    فلورنس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 4 = 1

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...