الرئيسية / صفحات سورية / من يقبل حزب العدالة والتنمية حاكماً على رقاب الشعب السوري؟

من يقبل حزب العدالة والتنمية حاكماً على رقاب الشعب السوري؟

 


طارق حمو

بدأت الشكاوى تظهر على السطح في مخيمات اللاجئين السوريين في منطقة الاسكندرون السورية المحتلة. آلاف المدنيين السوريين الذين فروا من الآلة القمعية للنظام السوري إلى الحدود التركية، وجدوا أنفسهم في قبضة قوة أخرى، جمعتهم في مخيمات أقيمت على عجل، وضربت حولهم طوقاً بالإسلاك الشائكة ومنعتهم من الإتصال بالعالم الخارجي. وفد منظمة العفو الدولية منٌع من دخول المخيمات والإلتقاء باللاجئين هناك، كما منعت السلطات التركية وسائل الإعلام وبعض المعارضين السوريين من التوجه للمخيمات واللقاء بالفارين من بطش نظام بشار الأسد. اللاجئون السوريون احتجوا على هذه المعاملة وأعلنوا “اضرباً عن الطعام” مطالبين بفك الحصار المفروض عليهم والسماح للوفود الإعلامية بزيارتهم بشكل دائم وليس فقط أيام زيارات المسؤولين الأتراك، والتي تصل “الأريحية” التركية مداها الأقصى حينما تسمح للإعلاميين والمصوريين بمرافقة هؤلاء وتغطية جوانب زياراتهم للمخيمات، وخصوصاً تلك “الأفيشات” الانسانية التي يلجؤون فيها إلى المسح على رؤوس الأطفال أو ابداء التأثر الشديد بمعاناة أخوانهم السوريين!.

الحكومة التركية بدأت بوضع سياج على الحدود معلنة بذلك عدم رغبتها في استقبال المزيد من اللاجئين السوريين. وسائل الإعلام والصحفيين القريبين من الجيش التركي يتحدثون عن “منطقة عازلة” تدرس أنقرة اقامتها داخل الأراضي السورية. منطقة عازلة تحرسها قوات الجيش التركي. أي قواعد عسكرية في الأراضي السورية. الرئيس التركي عبدالله غول لم يخف هذه النية حينما قال بأن بلاده “مستعدة للتدخل سياسياً وعسكريا” إذما تطورات الأزمة في سوريا أكثر وأكثر.

***

تركيا لديها خطط متكاملة للإستحواذ على كامل سوريا( سواء بوجود نظام الأسد الذي أصبح ضعيفاً مكشوفاً وفاقدا لجزء كبير من الشرعية، أو بتصدر قوى أخرى سورية تجهد أنقرة الآن في تجنيدها وإمداداها بخطط وفنون الإدارة واحتكار السلطة)، والهدف التركي هو اختراق سوريا وضمان إلحاقها تابعة للسياسة التركية. هناك طبعاً وعلى رأس الأولويات التركية: الشعب الكردي في سوريا. ثمة خط أحمر تركي في إيجاد أي واقع حكم ذاتي أو اعتراف بالهوية القومية لهذا الشعب، سورياً. لذلك منح حزب العدالة والتنمية “كتالوكاً” في الديمقراطية لنظام الأسد تضمن خبرة الحزب الإسلامي الحاكم في تركيا في تأسيس الأحزاب والادارات المحلية. فالأحزاب وفق هذا “المانيفستو” التركي لايجب أن تٌشكل على أسس قومية أو مناطقية، كما يجب أن تنال آلاف الأصوات وفي كل المحافظات على السواء، وهذا يعني بأن الكرد لن ينجحوا في تشكيل أي حزب خاص بهم، أو إذما إستطاعوا فعليهم إجتياز مائة حاجز وحاجز والتخلص من مشاكل كبيرة تودي بطاقتهم التنظيمية وتذهب بحماسهم الكبير في التغيير. كذلك، لن تسمح أنقرة (ودائماً عبر النظام الضعيف الخانع الفاقد للشرعية، أو قوى الإسلام السنّي والقومويين العرب) بتشكيل واقع حكم ذاتي أو “ادارة ذاتية موسعة” في شمال وشمال شرق سوريا. وهناك كذلك خطة عدم تقبل الكرد كقومية ثانية في البلاد. ونحن شاهدنا كيف تصدى الإخوان المسلمون للشخصيات الكردية التي أرادت تضمين عبارة “الكرد قومية ثانية في سوريا” في البيان الختامي لمؤتمر أنطاليا للمعارضة السورية، وأجبروا هؤلاء على تقبل عبارة أخرى تشير إلى كل القوميات والأثنيات السورية، لكي يتلافوا ذكرتعريف الشعب الكردي بوصفه “القومية الثانية في البلاد”.

***

النظام السوري هو المسؤول الأول عن تعريض أمن البلاد الإستراتيجي للخطر الماحق. هو الذي تنازل عن لواء الأسكندرون بدون مقابل، وهو الذي تنازل عن حصة سوريا في مياه نهري دجلة والفرات وقبل إعتبار أنقرة لهذين النهرين الدوليين “نهرين تركيين”، وهو الأمر الذي دمر الزراعة في 3 محافظات شرقية وشرد أهلها من المزارعين ورعاة المواشي المقتدرين المستورين وحولهم إلى عمال واجراء يقاسون الهوان في عشوائيات حلب ودمشق. النظام السوري هو الذي قتل الشعب وسيرّ بالجيش لقمع الجماهير وسفك دماء الآلاف ودفع ببعض السوريين دفعاً إلى حضن تركيا والرهان على سياستها التي لم تكن يوماً في خير سوريا كشعب وككيان.

تركيا الآن تمسك بخناق النظام السوري وهي تضع شريحة كبيرة من المعارضة السورية في جيبها. تركيا ترسم لسوريا مستقبلاً بائساً، تماماً كالمستقبل الذي رسمه الرئيس الراحل حافظ الأسد للبنان ذات يوم. ليس من الغريب أن ترسم تركيا سيناريوهاً مدمراً لحرب أهلية داخل سوريا، وذلك لتفتيت الكعكة السورية وإنتقاء القطع الدسمة منها ولتصدير مشاكلها الداخلية وخلق مساحة مناورة أفضل لديها تمكنها من أدوار كبيرة أمام الأميركيين والأوروبيين. أنقرة تكثر من الحديث في أدبياتها عن “الحرب المذهبية في سوريا” وعن “دولة العلويين” و”دولة المركز السنيّة” والشعب السوري كله يرفض مثل هذا الكلام وهو متمسك بدولته الوطنية التي يريدها على أسس ديمقراطية جديدة.

***

تماسك السوريين وعدم رهانهم على الدور التركي سيكون الرد المناسب لسياسة أنقرة المعادية للوطن السوري. يجب أن تبرهن القوى العربية المعارضة بأنها لن تقبل بالمشاريع التركية الرامية للنيل من المكون الكردي واقصاؤه مستقبلاً. حساب أنقرة من كرد سوريا له جوانب أقليمية أخرى. إنه حساب مفتوح تريد أنقرة أن تنتقم من خلاله من أربيل ودياربكر وتمنع تكرار الإنموذجين الكرديين في كردستان الجنوبية (العراق) حيث الفيدرالية، وفي كردستان الشمالية (تركيا)، حيث السلطة والتمثيل الحقيقي لحزب العمال الكردستاني.

الكرد السوريون هم وطنيون ويجدون أنفسهم مع بقية مواطنيهم في خندق واحد، لكن إذما أحسوا بأن هناك من يريد أن يقفز فوق مطاليبهم ويعرضهم للبيع ويستعين عليهم بتجربة حزب العدالة والتنمية لإقصائهم وتهميش دورهم، فلن يسكتوا وسيستخدمون كل الأوراق التي بحوزتهم معتمدين على أخوانهم في الجنوب والشمال. الكرد وقبل أن يعترفوا بحدود سايكس بيكو التي فصلتهم عن أبناء قوميتهم، عليهم أن يحصلوا على ضمان بمنح الحقوق وتعهد بعدم الغدر والطعن في الظهر. في داخل النظام السوري وفي داخل المعارضة السورية لا أحد يتحدث عن حق سوريا في لواء الأسكندرون وحصتها الإستراتيجية من ثروة المياه، ولاأحد يٌلجم انقرة إذما تدخلت في الشأن السوري الداخلي وتحدثت عن “الكرد السوريين” وقدمت مشاريعا وفنوناً لإقصائهم، وهذا مايُثير مخاوف الكرد وشكوكهم في نوايا مواطنيهم الذين يقدمون أنفسهم كبديل عن النظام القائم.

هناك حملة منظمة في الإعلام العربي وفي “إعلام” المعارضة السورية لتلميع صورة تركيا ومحاولة تصويرها كديمقراطية كاملة تنشدها الشعوب العربية في ثوراتها الناهضة. حزب العدالة والتنمية التركي يحقق النصر في الإنتخابات فتتراقص القوى والأحزاب العربية الدينية منها وغير الدينية. الحزب الإسلامي التركي إستطاع إختراق العرب بحرفية عالية وسحر آخاذ بارع، أين منه سحر المسلسلات المدبلجة التي هزت مجتمعات العرب الراكدة.

قوى الشعب الكردي في سوريا توحدت في إطار سياسي واضح المعالم وهي في اتصال مع بقية قوى الأمة الكردية لبحث الخيارات ودراسة كافة الإحتمالات، فإذا كانت سوريا القادمة على أساس المواطنة والحقوق والإعتراف بالآخر، كان بها، وإذما تحولت لبيت مشرع الأبواب على التدخلات التركية، وبعض أهله يتعاونون مع الأجنبي لإقصاء أخوانهم وإبعادهم، فحينذاك لكل حادث حديث. الكرد لن يعدموا الإسلوب المناسب للرد والنضال.

أي إنتفام تركي من فيدرالية الجنوب وثورة الشمال بتطويق كرد سوريا والنيل منهم والحيلولة دون قطفهم لثمار النضال الطويل، سيكون له ثمن فادح وكبير، وليعلم الجميع ذلك. والكلام النهائي أسمعوه من أهل القوة وأولئك الموجودين على الأرض وليس من “البعض الكردي المستقل” من الذين تلتقون بهم في مؤتمراتكم وتشرحون لهم عن “الديمقراطية” و”الدولة المدنية” وتقسمون أمامهم بقيم “الإخوة” و”المحبة”عملاً بمبدأ “التقيّة” ومن ثم تتندرون عليهم حينما يمنحونكم ظهورهم…

ايلاف

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

51 − 47 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...