الرئيسية / صفحات الثقافة / موزاييك الحصار/ علي جازو

موزاييك الحصار/ علي جازو

 ضمن منشورات بيت المواطن/ سلسلة شهادات سوريّة، صدر أخيراً كتاب “موزاييك الحصار” للطبيب والشاعر السوريّ عبد الوهاب عزاويّ. إنه الكتاب الأول من كتب هذه السلسلة، تليه كتبٌ أخرى تصدر لاحقاً توثق يوميات الثورة السورية من وجهة نظر كاتب وأديب عاش تجربة حصار صعبة، قبل أن يضطر إلى النزوح خارج سوريا.

يحاول الشاعر عبد الوهاب عزواي رصدَ يوميات الثورة السورية داخل منطقة عُرفت بشحّ أخبارها وندرة وجود إعلاميين ينقلون صورة حقيقية عن أحوال المدينة، ناهيك عن ضراوة المعارك التي خاضها هناك “الـثوار الأوائل” ضد جيش النظام بداية انطلاق الثورة السورية، قبل أن يستولي “جهاديّون” و”ملثمون” على قيم الثورة المدنية والسلمية التي كانت أساس قيامها. لقد عانت مدينة دير الزور وريفها بخاصة من عتمة إعلامية ثقيلة ومخيفة وازت الدمار الهائل الذي لحق بمعظم أحيائها، وعانى سكانها ظروفاً شديدة القسوة، الأمر الذي دفع معظمهم إلى نزوح متتالٍ، سواء من حيّ إلى آخر من أحياء المدينة في المرحلة الأولى، أم خارجها لاحقاً نحو مدينتي الحسكة والرقة، اللتين لم تسلما بدورهما من همجية النظام الأسدي.

يجري تدوين فصول هذه الشهادة الشخصية والحميمة أثناء حصار دير الزور الثاني صيفَ 2012. كان الحصار المهين والموجع سلوكاً ممهنجاً من قبل النظام السوري لإركاع الثورة وتضييق سبل العيش على السكان المدنيين.

يوثق الكاتب الذي يعمل طبيباً، وهو أيضا شاعر معروف، التفاصيل الدقيقة لمشاعره وأفكاره من مجريات الأمور. إنها كتابة وجدانية تارة، تحليلية تارة أخرى في خليط يقارب العبث في وضع عبثي حتى الأعماق. يجتهد الكاتب في الابتعاد عن التعميمات والمواقف السياسية المسبقة ليركّز على التفاصيل الحياتية الدقيقة. وهو يلجأ إلى هذه الشهادة المجهرية للحياة لأنه يرى فيها وسيلة لتفكيك الحصار، للتخفيف من هول كتلته. هذه الكتابة مرافعة، مرافعة طويلة أمام القذائف الصمّاء، أمام اليأس والخوف، مرافعة طويلة كمنام طويل.

إننا أمام أرشيف جديد وهائل لحياة السوريين الفرديّة، لتنقّلهم من بيت إلى آخر، لصرخات زوجاتهم وأسئلة أطفالهم الذين كبروا بسرعة، كيف عاش كل هؤلاء أياماً تنعدم فيها الطمأنينة وتختلط مشاعر الخوف مع الرجاء وقوة البطولة مع هول الرعب. لعل قيمة جديدة تضاف الآن إلى الذاكرة السورية الجمعية التي طالما احتكر النظام تدوينها ومراقبتها. إن قيمة هذه الشهادة تنبع من صوتها الفرديّ، ومن ابتعادها عن اللغة السياسية الجافة، وهي بذلك تقدم نوعاً آخر من واقع الحياة السورية وتناقضاتها الاجتماعية، سواء قبل الثورة، أو أثناءها. هناك سرد مؤلم وجميل لمنامات رآها الشاعر أثناء فترة الحصار، إضافة إلى علاقة خاصة مع إحدى ابنتيه، وزوجته التي درست النقد المسرحيّ، وهي في صحبة زوجها الذي يضطر للانتقال من عيادة إلى أخرى حتى يستمر في العمل، ويتمكن من تقديم المساعدة إلى الجرحى والفقراء والمرضى في وقت واحد.

ثمة وقائع من الصعب أن نقرأها في خبر تلفزيوني أو مقالة صحافية. كتاب موزاييك الحصار يلغي حدّ الصعوبة هذا، ويقدم فرصة كي نختبر من جديد سيرة خاصة/ عامة لم تنل منها قبضة النسيان الذي كان الأساس القمعي، غير الملموس، في حرمان السوريين من شرطهم الاجتماعي والنفسي، ومدى امتلاكهم القدرة التعبيرية الحرة والعفوية، سواء لناحية الهمّ السياسي الضاغط أم لجهات أخرى ثانوية. ربما تكون المشاعر والآراء غير السياسية وغير المباشرة، عدا عن الحالات النفسية التي تنتاب المرء في لحظات عصيبة، أكثر أهمية من أي تحليل سياسي، ذلك أن الفرد الذي هو أساس أي اجتماع سياسي مدني، لن يتمكن من الانضمام إلى الحيز العام والتفاعل معه، ما لم يكن قد امتلأ من قبل بحيّزه اخاص وأشبع من جوعه إلى التعبير عن نفسه دون مواربة ودون خوف.

من الجدير بالذكر أن “بيت المواطن” مؤسسة سورية غير ربحية تسعى إلى نشر ثقافة المواطنة وترسيخ مبادئها وذلك عبر نشر مطبوعات تركز على قيم المواطنة إضافة إلى الاهتمام بالتربية المدنية من خلال توزيع كتيبات للشباب (18 – 25 سنة) تتناول المفاهيم الأساسية المرتبطة بالمواطنة كالمجتمع المدني، الديموقراطية، حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية. كما تدير المؤسسة ملتقيات وحوارات ثقافية مختلفة، من بينها نادٍ سينمائي في بيروت يعرض بشكل دوريّ أفلاماً سورية وعربية وأجنبية، ويلي كلّ عرض عادة حوار مفتوح يتناول واقع الأزمة السورية على ضوء علاقة السينما الفنية والفكرية بها، ومدى قدرة الفيلم على خلق حوار مدني يخفف من شروط العنف السلبية، من جهة، ويفتح نافذة نحو أفق آخر تحترم فيه كرامة الإنسان البشرية، الكرامة التي طالما انتظر السوريون بلوغها، بعدما دفعوا ثمناً ربما يفوق ما يمكن أن ينالوه في مقبل الأيام.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...