الرئيسية / صفحات سورية / موسكو ودمشق، وطهران بينهما/ نائل حريري

موسكو ودمشق، وطهران بينهما/ نائل حريري

 

 

في هذا الأسبوع بالذات، على مسافة أسابيع قليلة من استئناف المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية النووية، تطلق روسيا آخر محاولات «التذاكي السياسي» التي في جعبتها. إذ تدعو إلى مؤتمر أول في موسكو (للمفارقة، يعطى الرقم واحد سلفاً منذ الآن)، يضم بعضاً ممن تبقى في الجعبة الروسية بمحض المصادفة وقصر النظر: نظام سوري يجلس مع التحالف الأميركي المضاد “في خندق واحد” من جهة، وبعض المعارضين الذين ما زالت بوصلتهم السياسية تتأرجح جيئة وذهاباً من دون هدف، يشاع أن على رأسهم كلاً من معاذ الخطيب وقدري جميل، وهما شخصيتان سياسيتان سوريتان لم تقوما بعد بالتحديث الكافي للمواقف في هذا العام المزدحم، ربما لأن التصريحات السياسية الروسية انقطعت تقريباً طيلة الأشهر الماضية.

ترمز حادثة احتفالات النورماندي الشهيرة إلى القطيعة الواضحة الأميركية الروسية، وما زال المزاج “النورماندي” يحكم بين القطبين بوضوح منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية. لكن الولايات المتحدة الأميركية استطاعت إلى حد ما تأمين مخرج مشرف لهذا الوضع، وأسست تحالفها الذي لا يكترث كثيراً بالمكان الذي تقف فيه روسيا. أما روسيا، فكان عليها أن تحمل الكثير من البطيخ في يديها، وبالتالي ألقت جزءاً من مسؤولياتها في العراق وسوريا في أيدي الشريك الإيراني.

فجأة، بعدما تأسس التحالف ضد «داعش»، عاد وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى إجراء مؤتمراته الصحافية بعد انقطاع، بدلاً من وزير الخارجية الروسي الذي كان عادة ما يتولى مهمة الحديث باسم الحكومة السورية. ولا يمكن لعين المراقب أن تنكر مقدار هيمنة الجناح الإيراني الموالي للنظام على حساب الجناح الروسي. وفجأة أصبح اسم “قاسم سليماني” يتكرر أكثر من اسم الرئيسين بشار الأسد وفلاديمير بوتين معاً، في حين بدأ المبعوث الأممي المشترك “الخاص بسوريا” دي ميستورا رحلته المكوكية بلقاء مع «حزب الله».

أما أميركا، فمفاوضاتها الأساسية اليوم تضع إيران نداً وشريكاً وتفتح أبواب التعاون على آخره (الأمر الذي حاربت روسيا للوصول إليه ثلاثة أعوام من دون طائل). ويبدو أن الأسابيع القادمة ستشهد أولى حركات الانفتاح الحقيقي الأميركي نحو اتفاق مع إيران، التي لطالما صرحت باستعدادها للتعاون إذا قرر الأميركيون أن يلينوا رؤوسهم قليلاً. ولماذا لا يلين أوباما رأسه الآن؟ لقد أصبحت الإدارة الديموقراطية اليوم في وضع توازن قلق، إذ عليها أن تتجاوز محنة الانتخابات النصفية الأخيرة للكونغرس الأميركي وتقنع خصومها الجمهوريين بأهمية الوقوف في خندق واحد لأجل المعركة المصيرية ضد الإرهاب. ذلك لا يأتي من دون ضمانات حقيقية وإنجازات فعلية آن وقت قطافها، تبدأ بإنهاء التوتر الإيراني الأميركي الطويل. وقد وافقت إيران على ثلاثة بنود من أصل خمسة، وهي جادة في التفاوض على البندين المتبقيين، فيما بند ثالث يلوح في الأفق ليحكم علاقتها بالتحالف الوليد، وبند رابع لا بد أن تقتضيه التسوية، يتعلق بقدرة إيران وإمكاناتها في تسيير مشروعها النووي السلمي. حتى نسبة 5 في المئة من التخصيب تحتاج من يديرها ويشرف عليها، تلك هي البقعة التي تركت مخصصة لروسيا. ويبدو أن الولايات المتحدة ليست معارضة لهذا الأمر. المهم ألا تقتضي هذه المساحة تواصلاً مباشراً مع النظام الروسي نفسه.

ليست الولايات المتحدة جدية في حل مشاكلها حتى الآن إلا في ما يتعلق بنقطتين. منذ ما قبل أوكرانيا، كانت قد أكدت أنها لن تتعاون مع نظام الأسد بأي شكل، وبعدها أصبحت أشد وضوحاً في أنها لن تتعاون مع روسيا بأي شكل كذلك. المفصل المشترك بين الاثنين إيراني، فالوضع الأنسب يقتضي أن تمر علاقات واشنطن بموسكو عبر طهران، وأن تمر الاتفاقات المرحلية مع النظام السوري من واشنطن إلى الأمم المتحدة فطهران والنظام السوري. ثمة ما تريده إيران بشدة، وثمة أيضاً ما يمكنها أن تقدمه كذلك في سوريا والعراق واليمن. أما روسيا، فهي في موقع المعرقل للقرار على الدوام، ولم تكن يوماً في موقع صناعته. ربما كانت لديها الفرصة الذهبية كي تكون كذلك في وقت سابق، لكن لم يعد ينفع الندم.

لا تستطيع روسيا اليوم تقديم أي شيء للمسار السوري أو العراقي، بعكس إيران. كذلك لا تتمتع روسيا بموثوقية إيران في الوساطات والضمانات التي دخلتها وأثبتت فيها قدرتها النسبية على لعب هذا الدور، في حين أن روسيا لم تستطع أن تضمن النظام السوري بأي شكل من الأشكال. وإذا كان “مؤتمر جنيف 2” هشاً وبلا قيمة، فإن مؤتمر “موسكو 1” ليس سوى مجرد إثبات وجود إعلامي باهت وسياسي أكثر تعثراً، خصوصاً مع جو “الحوار الوطني” الذي تريد روسيا طرحه بوجود معارضة “معتدلة” و”مقبولة من النظام”.

يمكن لروسيا أن تغرد في سربها الخاص كما تشاء، محاولة إقناع العالم أنها لا تزال قوة عظمى قادرة على الفعل. إذا كان النظام السوري نفسه ينسحب من الأحضان الروسية باتجاه التوأمة السيامية مع إيران، فماذا عن أولئك الآخرين الذين ليسوا شركاء استراتيجيين لروسيا؟

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...