الرئيسية / كتاب الانتفاضة / جولان حاجي / ميزان الأذى/ جولان حاجي

ميزان الأذى/ جولان حاجي

 

العائلة النائمة

 

بمفتاحٍ مُعلَّقٍ إلى خصرها، فتحتْ أمُّنا باباً كان الموتُ ينتظرها وراءه.

قبل هذا الصمت، سمعنا ناياً في غرف التراب؛ سمعتَه قبلنا وحذّرتنا: المرأةُ ناي، والرجلُ ناي، والموتُ، الموسيقيّ الأعمى، بفمٍ من ضوء وفمٍ من ريح ينفخُ في ثقوبهما.

لنا الصمت- بغفرانهِ وقسواته. بمنقاره حفر غرابٌ الفتحة الأولى في المؤخرة الأولى والمغارةَ بين الفخذين، حفرَ السرّة والفم والأذنين، ودلّ قابيل إلى فكرة القبر. لنقتل فكرة الغراب قتلنا الغراب- مدرّب الإنسان على الدفن، ملقّنه الأسرارَ والسرقات، معلّمَنا الالتفاتَ كاللصوص إلى البريق، أوّلَ المدفونين في ترحّلنا.

يعزف أخي على ناي أكرهه فترتعش البروق كدمٍ في العروق والأزقة. الموسيقى ليلُ التعاسة ونهارُ الفقر الذي تختخت فيه عظامنا. تتهادى الأغنيات، من زرقة طوروس إلى الحظائر ودكك الطين، ونايات أخي تجوب الليالي خفافاً كعظام أمي التي ستصفر فيها الريح.

 

كم ذرَفتْنا الموسيقى. كم احتملنا هذه الكآبات، كم أنصتنا إلى الأسى مطبقاً على أنفاسنا. قديمةٌ هذه الموسيقى، قديمةٌ لأنها حياتنا؛ بالحزن أيقظتْ أمَّنا من عماء الموت.

أعادها نايٌ أحبَّتْه، فتاةً هادئة هذه الظهيرة تلقي على كتفيها جديلتين رقيقتين، ونحن في وهج البراري، أمام هذا الكهف الذي آوانا، نظلّلُ بالراحات أعيننا وندفعُ بالضحكات سيلَ المخاوف: سنشمُّ في فستانها بنفسجاتٍ صغيرة تبقّعُ أرضاً احترقتْ، وقد تردُّ إلينا عقولَنا زهرةٌ لا نراها، فلا نحشو بالكلمات كلَّ فراغٍ يخيفنا.

أمّنا طفلتنا. أمّنا أيفعُ من أختنا، والصيفُ عرس. مزفوفةً إلى رأس الجبل كثلجٍ تلامسه يدُ الصبح، محمولة في الهواء كريشة أو وشاح خفيف، ظلّها ممحوٌّ بزهور مشمش لا تذبل (قبرتْ جذورَ الشجرة أساساتُ بيتنا الذي اختفى)؛ لا تذبل البتلات المزهرة في بيت ذاكرتنا: على كلّ تويجٍ سقتْهُ أمّنا تترقرق قطرةٌ صغيرة، نجمة فجر تخفقُ في ضياء النهار.

أخي، على فمِ البئر نايٌ يقصُّ به الترابُ أيامنا على الأحجار ويُسمِعني صمتَك. الموتى يعودون ليعيشوا بيننا، وفي غدٍ قريب سيصحبوننا إلى السُّحُب كدموع أمّنا الممسوحةِ بأصابعِ النسيم.

 

شجرةٌ لا أعرف اسمها

 

لا جرسٌ يرنُّ ولا أحدٌ يأتي.

حيث حبستُ نفسي، وضيّعتُ المفتاح،

كم مِن الأيام انقضى

وما راسلني أحدٌ ولا هاتفني.

ما راسلتُ ولا هاتفتُ أحداً.

أنا الذي عذّبتْهُ الكلمات وضمّدتْه وأذْبَلتْه،

أكلّمكِ يا شجرةً لا أعرفُ اسمها:

سيّانِ جوعي وعطشي

ما دمتُ أرضعُ حنانَ صمتك.

 

جئتُكِ وحدي لأجلس تحت واسعِ رحمتك؛

صغيرٌ أنا: تلدني زهرةٌ في بياض النسيان،

وتكفّنني زهرةٌ وتشيّعني النسمة؛

لا ألاطفُ الفتيات ولا يلاطفنني،

ومثلك لا أعرف اسمي.

فقيرةٌ كلماتي

تعلو وتهبط كفُواق رضيع

في ضبابِ لغة أخرى،

وجلدي يكلّمك:

بألف فمٍ صغير يشرب معك ضوءَ الشمس-

شمس أجدادي الذين شابوا

في طفولاتهم لمّا عبَروا الرعب

وأفزعهم انتقامُ الثعابين الجريحة؛

ما درى أحدٌ كم سيطولُ الفزع

وإلى متى ستسبحُ الثعابينُ في مياهِ المنامات

حتى رقَّ القساة، وابيضّتِ الغُرر والأفواد.

شاخ جدّي في شبابه؛

شلّته طلقةٌ طائشة فداووه بالألم:

ساكناً، عارياً،

وسّدوه بساطاً من شعر الماعز،

أقفلوا البابَ والشبّاكين على تراب غرفته

وأفلتوا الدبابير؛

في بيته، أبيضَ تحت شمس نيسان،

انتظر رجوعَ الخطوات إلى قدميه.

 

مثله، مثلك، يطولُ انتظاري،

والوقتُ الميت أخصبُ ساعاتي:

تُراهم سعداء المسنُّون في هذه البلاد التي جئتُها ضيفاً؟

السعادة هنا بيضاء كالشيخوخة؛

أرى الخائفين يغضبون ويصرخون

ووراء حدقتي الداكنتين

إلهان يذبحان سجيناً نائماً

يا شجرةً لا أعرف اسمها:

على تاج شيبي اسّاقطتْ تويجاتك

ولفرط ما انتظرتُ ابيضّتْ جذوري

كشعرِ أمي في سوادِ السنين؛

صامتاً أكلمك-

أنا مَن صار خوفهُ حزناً،

وأنتِ مَن روَّعكِ الجمال فأزهرتِ.

 

أوسترليتز

 

غادرتُ الأمس إلى أمسٍ آخر

جائعاً كضيفٍ سكران

تشرّد في فجرِ نفسه.

على الطريق

أستلقي تحت أشجارِ الكستناء الشاهقة

كطفلٍ يتخفّى تحت سريرٍ ستغطّيهِ الغيوم.

 

بئر في مقبرة بعيدة

 

تحت شجرةِ جوز زرعها غراب

بئرٌ حفرَها مجنونٌ بإبرة

ففاضت حبراً.

 

كانت الكلمةُ.

تتأرجحُ باتجاه الورقة

مثل فانوسٍ يهبطُ بئراً مطليةً بالكلس

حبلهُ في يدِ طفل.

 

حمار زرادشت

(إلى آراس بنكو)

 

كلاب تل كيفي أجفلتِ السهاة أمثالنا. حين لا يقطع أحدٌ السكون والخلاء في ظهيرات الصيف يُسمع نباحها وراء التل، متناهياً إلى أشجارِ السرو حول البئر في تعلكي، حيث يسأل طفل أمه أن تخمد الشمسَ الحارقة بذيل فستانها، ويصل طلبة دوّختهم البراري، فيرمون كتبهم على التراب ضاحكين وسط الظلال، ويسبحون في البركة وقد خلعوا المناديل التي عصبوا بها رؤوسهم مثلك.

ساهياً، داس ابن عمك بالجرّار ساقَ كلب أبيض. ما شفتِ اللعقات جرحاً، ولا شفاه ذرُّ التبن وحشوه بالبن ورمادِ أكياس الطحين. كان كلبك يأكل جُرحه، يمضغه، وندم عينيك يترقرق في نظرته، إلى أن صارت صرخته أنيناً ثم صمتاً.

في أحد الصباحات، رأيتَ كلبك وقدمه المقطوعة تتدلى بين فكيه الداميين، واقفاً مثل حمار زرادشت ذي القوائم الثلاث، يحيا في قاع بحر قزوين وإلى السواحل يصل روثه كهرماناً انتهت مسابحه في أسواق ماردين.

ما رأيت أقرباءك، أمام وجهك خضّلتِ الدموعُ شواربهم فابيضّت كأصداغهم. مثلك الآن، رحيمٌ وجميلٌ حزنك. لا تعاسةَ في هذا الحزن ولا أسف.

فليذهب سعاة السعادة برسائلهم إلى منازل أخرى يعرف قاطنوها صناديق البريد.

 

برْدٌ في الأصابع

(إلى جوان قادو وكوستانزا فيرّيني)

 

لم أذقْ إوزتك المشوية. ليست إوزة الصياد في كارمينا بورانا، لتحدّث الضيفَ من طبق موتها، صامتةً بين الشوكة والسكين. إوزتي أنا عضّت أخي حين دفأ يديه على وهج فراخها. كانت ستأكله مثلما أكلتَ الإوزة التي شويتَ.

بجليده ألصق الليل إوزتي إلى الوحل. أتى الفجر فرأيتها ترفرف في عشها على الضفة الصغيرة، ومنقارها البرتقالي -قوياً ومخيفاً- يزعقُ في قفص الصقيع. أتت عمتي من فوق المدفأة بإبريق الشاي الكبير. على مهل سكبتْ ماء حارّاً تحت زورق الريش الأسير، كأنها تنزع ضمادة التصقت بجرح عميق. ماءٌ قليل أطلق الجناحين الكبيرين. بضعُ رفرفاتٍ قوية تركتْ على ترابنا جليداً مكسَّراً كالزجاج، كخبزِ صباحاتنا الرقيق.

ظنناها لن تعود. لكنها عادت، مثل روح عمي الذي هشّم النافذة. عادت وأطبق الثعلبُ الذي أحبُّ فكيه على رقبتها البيضاء الجميلة. أفزعته صيحاتنا فلم يفترسها. مرميةً على أقراص الروث، رأيناها تبيض في الفجر قبل أن تموت، بيضة ساخنة دفأ بها أخي أصابعه، من دون أن يصدّه أحد، مثلما أحاول الآن أن أتدفّأ بهذه الكلمات.

 

الحظّ

(إلى أحلام الطاهر)

 

التقيتُما أخيراً: أنتِ وقردٌ كعقلة الإصبع. مرَّ بأيامٍ مخيفة فاعتني به. دُفع صوبك في الظلام فبسطتِ يدك، ثم أخفيتِ الكنز وصدَّقتِ الكذبة: الضئيل ينجو، والحياة أمامه طويلة.

نسماتنا عواصفُه. أتتكِ به نسمةٌ حملته من أرض الفرص الضائعة إلى نافذة مستشفى، حيث سلّيتِ أمك بقصص عن قردٍ يشربُ ما يتبقّى من الحبر، ثم يكسر اليراع والدواة ويدخل كالبعوضة أذنَ النسّاخ، معذّباً لصَّ الكتب. أخيراً، أتاكِ القرد المنتظَر، متسلّقاً يلفّ ذيله حول إبهامك ولحيته فرشاةٌ ناعمة تدور بين كفيك.

هشاشته تقلقك. لن يتكلم لأنه خائف من العمل. هشٌّ ويتعبه البرد وترهقه كلُّ كلمة، فلِمَ الكلام؟ داويتِ الصفعة على خده الأيمن. نوّمتِه في حضنك. أودعتِه المنديل وفي جيبك مطمئناً نام؛ لكن إذا سهوتِ ذهبتْ به عطسة إلى جهنّم، وإذا مسحتِ جبيناً أنداهُ الخجل كانت قطرةُ العرق طوفاناً.

مرَّ بأيامٍ مخيفة فاعتني به، في دفء غرفتك، وعيناك الجميلتان لا تصدّقان هذا الجمال. بسبابتك المشيرة كالسهم في شواخص الطرقات تُرينه الثلج البعيد وأنت تتحدثين بالهاتف أمام الشبّاك، ذاهلةً كأنك تسمعين ميتاً يتكلم في منامك. هذا هو صوتي، هاذياً في أرض النسيان. الثلج يهطل. الصنابير يفجّرها الصقيعُ في الباحات، والقرد على ساق واحدة كنسناس حضرموت يقفز من راحتك إلى النور، نور الثلج وراء البلّور، مثلنا نحن الذين عثرنا بحظِّنا: قرداً أعمى يتزن بساق واحدة على حصاة في وحل ضحل.

إذا شُللنا بالقسوة شفانا، وإذا تحت قدميك الصغيرتين لُفِظت حصاةُ الصمت فارمها إلى الوحل الذي أنا فيه. روّضيه بالتصفير، درّبيهِ على الرجوع.

 

يقظات الرابعة فجراً

 

رأيتُهم يُشرعون الباب؛

جلودهم بيضٌ لطولِ مكوثهم في الظلمات،

وفي جيوبهم هدايا أثمنُ من بداياتٍ مضيئة:

رمادُ رسائلَ كُتبتْ لأجلي:

«عُدْ سريعاً، ولا تتأخّرْ».

 

كيف سأعودُ

بيدين ملطَّختين

إلى الماضي؟

 

لن تُجديَ الاعترافات.

ما ودّعتُهم أبداً.

سلكوا دهاليزَ لم أتوقّعها،

لم يتبرّموا بقلّةِ ما أملكُ،

زهورٌ برية في أيديهم استُبدِلت بالأصابع،

يشمُّون رائحةَ الوحدة،

يُسمُّون الكلماتِ زهورَ الألم،

يريدون في كلِّ جدارٍ باباً.

 

لكنّ النهايةَ هي النهاية:

شمسٌ تسطعُ،

عشبةٌ تيبسُ في جدارٍ يرتجف

كأنفاسٍ تخشى سؤالاً وشيكاً.

 

■ هذه القصائد من مجموعة بعنوان «ميزان الأذى» ستصدر قريباً عن منشورات «المتوسط» في ميلانو.

 

كلمات

العدد ٢٨٩١ السبت ٢١ أيار ٢٠١٦

(ملحق كلمات) العدد ٢٨٩١ السبت ٢١ أيار ٢٠١٦

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...