الرئيسية / صفحات الناس / نازحو المناطق الآمنة: من يضمن سلامتنا إذا عدنا وأين نقيم؟/أمندا برادعي

نازحو المناطق الآمنة: من يضمن سلامتنا إذا عدنا وأين نقيم؟/أمندا برادعي

 

 

ليس من السهل الوصول إلى النازحين السوريين في مخيمات البقاع الذين نزحوا من محافظة إدلب وشمال حمص المشمولين بالمناطق الأربع التي وردت في مذكرة التفاهم التي وقعتها روسيا وإيران وتركيا في شأن إقامة «مناطق آمنة» (مناطق تخفيف التصعيد) في سورية. إضافة إلى درعا والغوطة الشرقية. فغالبية ساكني المخيمات البقاعية نزحوا إليها من مناطق دمشق وريفها والقلمون والجنوب. ومهجرو المناطق الأربع غير واضحة لديهم فكرة العودة لأنهم يعتبرون أن هذه الخطة لا تقدم لهم ضمانات على الأرض باعتبارها إعلامية أكثر مما هي عملية. «الحياة» جالت على عدد من المخيمات في البقاع حيث يوجدون للوقوف على رأيهم من خطة العودة.

تعمل النساء في مخيم العفيش في سهل حوش الأمراء في مدينة زحلة، على تنظيف الخيمة وترتيبها والاهتمام بالأطفال، ويصادف الزائر مزهرية بورود بلاستكية أو أحواضاً معدنية زرعتها النساء بالبقدونس أو النعنع أو الورد. يلوحن بأيديهن ويدعوننا للدخول إلى خيمتهن ظناً منهن أننا مندوبات إحدى الجمعيات. لكن لدى طرح الموضوع عليهن تنقبض قلوبهن كما تعبّر إحداهن. تسأل إسلام التي رفضت الكشف عن اســمها الكامل «خوفاً من العودة»، وهي تســند جسدها إلى خيمتها المتهالكة «الورقة والقلم لتدوين أسمائنا لترجعونا؟ تريدوننا أن نعود؟»، وراحت تنادي والدتها: «أمي، أمي قال بدن يرجعونا!». لكن مع توضيح الهدف لهن يدعوننا إلى الدخول إلى خيمتهن لشــرب الشاي، فهن يحببن زوار المخيم حتى ولو كانوا من الصحافة، وفق قولهن.

إسلام المتزوجة منذ 6 سنوات ولم تنجب أولاداً بعد «كي لا يموت ولدها مثل الأطفال الشهداء» تتمنى العودة إلى سراقب (إدلب). وهي واحدة من نساء إدلب اللواتي هربن مع عائلاتهن قبل 4 سنوات إلى حوش الأمراء، لكنها تشتكي من «المعيشة الصعبة» وتقول: «نفترض أننا ذهبنا ماذا سنعمل، من أين نجلب الخبز والطعام؟ لدي 7 أشقاء هناك وكلهم «باركين» (عاطلون من العمل) وكي يعيشوا يرسلون بناتهن اللواتي لا يتجاوزن 5 سنوات ليعملن تحت خطر القصف بـ «الفعول» أي بحصاد البطاطا والعدس والخيار بـ 1000 ليرة سورية يومياً التي لم تعد تساوي شيئاً. وعمل الرجال في مجال العمار مستحيل. لا عمل للرجال حالياً، لا نريد وقف إطلاق نار فقط بل عودة سورية كما كانت، هل نعود ونموت جوعاً؟».

إدلب

تشير إسلام إلى خيمتها وتقول إنها تنام فيها مع شقيقها وزوجته بأمان و «إذا انتقلنا إلى سراقب سننام في أخرى أيضاً لكن من دون أمان لأننا لا نثق بالنظام السوري، ربما يتوقف القصف يومين ويعود «من طريق الخطأ» كما يتحجج النظام السوري دائماً». وتضيف: «يعمل زوجي في مجال الباطون خلال فصل الصيف ويجني 20 دولاراً يومياً، ندخر من مدخوله لنعيش خلال فصل الشتاء وأنا أعمل في البرية حيث أجني 10 آلاف يومياً في مقابل إيجار الخيمة، ماذا سيعمل زوجي هناك؟».

هنا في سهل حوش الأمراء، يمر الوقت ثقيلاً، أصوات القصف وإطلاق النار التي يحملها سكون الليل إلى ذاكرتهم والمستمرة يومياً وفق ما يقولونه، تضاعف مخاوفهم من العودة، خصوصاً أنها تترافق مع إشاعات عن إمكان تسجيل أسماء من يتقدم لتجديد إقامته في الأمن العام في لبنان تمهيداً لعودة أهالي تلك المناطق إليها.

رجاء ابنة خالة إسلام أرشدتنا إلى خيمتين فقط يوجد فيها نازحون من إدلب وحمص في ذلك المخيم. ترى آمنة مطر التي تعيش في خيمة وزوجها رضوان الذي يعمل في الخشب أن قرار عودتهم إلى تلك المناطق عودة إلى الموت، «لأن النظام قَبِل بذلك التفاهم ليقوم بمجزرة ويخلص منا كل في منطقته».

رأي شادي وحده اختلف عن رأي سائر النازحين من تلك المناطق ويقول: «إذا حصل وقف إطلاق نار من الجهتين أعود إلى منزلي الذي تضرر من القصف في سراقب لأعمل في فلاحة الأرض، لكن لا أضمن وقف النار من الطرفين، فهذا الأمر لا يضمنه إلا الله»، مشيراً إلى أن «أبناء سراقب اليوم يذهبون إلى عملهم ويعودون بسرعة خوفاً من الموت تحت الغارات». ويشدد على أنه «ليس مع النظام ولا مع المعارضة».

لا تثق براء الغاطي التي كان زوجها يعمل في مصفاة حمص بأنه «ستكون هناك مناطق آمنة، لأننا لا نعرف من يقتل من، حتى لو كانت المعارضة وحدها على الأرض فإن الخرق لا بد من أن يحصل، رأينا ماذا حصل في خان شيخون (ريف إدلب) حيث ارتكبت جريمة بحق المدنيين استخدمت فيها غازات سامة».

وتقول: «لا مياه، لا كهرباء، الهواء ملوث بالمواد الكيماوية. هنا نعيش بألف خير. فكرة العودة مستحيلة لدينا، فلا قدرة مادية ولا معنوية لنا لإعادة إعمار منزلنا».

وسط أشجار فارعة تظلل أغصانها مرجة من العشب فتخفف من وطأة شمس حارة تقوم روعة، من بابا عمرو (شمال حمص)، بنفش القطن. تجيب بعدم ثقتها لا بالمعارضة ولا بالنظام، وتعود بالذاكرة إلى الاشتباكات التي دارت بين المعارضة التي كانت في بساتين بابا عمرو من جهة والجيش النظامي الذي كان في مخيم البلدة من جهة أخرى. وتقول: «كنت مدرسة لغة عربية ودين لطلاب من الطائفتين العلوية والسنّية، لكن الآن إذا انتقلت إلى بلدتي فإنني مضطرة للتفكير مرتين بالتعليم فالتطرف أصبح نمط حياة، كما سأكون محسوبة على أحد الأطراف، وإذا شاركت في إحدى التظاهرات أو لا سيعرفون. ففي حال لم أشارك سيقولون إنني محسوبة على النظام والعكس صحيح».

درعا والغوطة الشرقية

في أحد مخيمات تعنايل المشيد من حجارة الباطون والإسمنت، والذي يضم 15 خيمة، يعيش نازحون من درعا في 3 خيم فقط، كانت النسوة نياماً وأزواجهن في العمل. منهن يجدن المخيم سجناً كبيراً يحلمن بمغادرته، ومنهن من وصل كرهها للمخيم حد الندم على خروجها من سورية.

تداعى الأولاد الذين كانوا يلهون في الخارج ليسألوا عن سبب مجيئنا، وإذ بإيمان عليوه تخرج بوجهها المتعب وعينيها الغائرتين وكأنها لم تنم منذ زمن. يجيب ابنها طارق الذي نزح مع عائلته قبل 4 سنوات إلى البقاع بالقول: «أخاف العودة، لا أريد، كنت أسمع أصوات القذائف والبراميل المتفجرة». وتقول إيمان: «هنا الأمم المتحدة تساعدنا، لكن إذا عدنا فلن ينظر أحد إلى حالتنا وفي حال قررت مجموعة من الأهالي العودة نعود معها لكن لن نأخذ قراراً منفرداً، خصوصاً أن زوجي أحضرنا إلى هنا ثم سافر ولا نعرف عنه شيئاً». وفيما تكمل إيمان حديثها تداعت نسوة ليشاركن في الحديث. تقول خلود عليوه إن زوجها فادي يرغب بالعودة وإنه لم يعد يحتمل العيش هنا «ففي درعا كان لنا منزل وأرض» لكن هي لها وجهة نظر مخالفة: «صحيح لنا منزلنا وأرضنا التي نعتاش منها لكننا نخاف على أولادنا من حواجز النظام وروسيا وإيران». وتسهب نزهة الأحمد في الحديث عن ارتفاع الأسعار، مؤكدة أنهن اعتدن على أسعار السلع والبضائع اللبنانية.

الشعور بالخوف تضاعفه حواجز النظام السوري المنتشرة على طريق العودة. لذا، فإن من متطلبات نازحي الغوطة الشرقية غطاء دولي يحميهم من تلك الحواجز.

ويسأل أبو محمد المقيم في مخيم في حوش الحريمة: «روسيا سترعى هذا الاتفاق؟ هي لا تمون على نفسها. نسي العالم كيف تم استهداف قافلة الإغاثة المحملة بالمساعدات الأممية في حلب؟ لن يعود أحد، لو أن تركيا لها علاقة في هذا الاتفاق، لكن الراعي الأساسي له هي روسيا التي أجهضت فرض عقوبات أممية على نظام الأسد من خلال استخدامها حق الفيتو. من دون ضمانات لن نعود. لينظر العالم كيف تحتل إيران الشام، فالإيرانيون يشترون منازل سكان الشام ويقولون لهم ابقوا فيها لكن سيأتي يوم ونسكن فيها. فهم يفكرون للمستقبل لتقسيم سورية!». ويرى أن «الهدف من ذلك إقامة «هلال شيعي» يمتد إلى البحرين».

البقاع الاوسط – الحياة

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كوابيس «إعادة الإعمار» في دمشق وريفها/ جنا سالم

      ما الذي ينتظره السوريون اليوم؟ أو ماذا ينتظرهم؟ الجميع دون استثناء يترقب ...