صفحات الثقافةوليد بركسية

“قلم حمرة”: ربيع التغيير في الدراما السورية/ وليد بركسية

 

 

ليس مستغرباً أن يشكل مسلسل “قلم حمرة”، حجر الأساس لنقلة نوعية في السياقات الدرامية العربية على صعيد كتابة السيناريو بالتحديد. فقد قلب الأسلوب الجديد، أنماط الدراما السورية الروتينية ورتابتها في السنوات الأخيرة. واستطاع المسلسل الذي كتبته يم مشهدي ويخرجه حاتم علي، حصد نجاح ملحوظ على المستويين الجماهيري والفني معاً، رغم استبعاده عن قنوات واسعة الإنتشار من دون تفسيرات منطقية، واقتصار عرضه على “السومرية”.

المسلسل الذي صُوّر بالكامل في مدينة جبيل اللبنانية، قد يكون أول الأعمال التلفزيونية السورية (ومن الأوائل عربياً) المندرج في إطار الدراما النفسية الخالصة. هو نوع درامي تأخر ظهوره طويلاً في المنطقة بعد سنوات من تقديم الأنماط الاجتماعية العامة للجمهور، بتكرار عبثي، عبر الشاشة الصغيرة. نوع تتحدد معالمه الرئيسية بالتركيز على عالم الإنسان الداخلي، بكل ما يحويه من عواطف وأفكار وغرائز، من دون إفراد مساحات زمنية كبيرة للحديث عن الهموم المجتمعية بالمطلق، كما درجت العادة.

المفهوم السابق يتجسد بصرياً في الشاشة، بالحوارات الداخلية الكثيرة والعميقة التي تجريها الشخصيات مع نفسها. تمر المشاهد الطويلة التي يرصد فيها المشاهد مونولوغات سردية لأفكار “ورد” (سلافة معمار)، وهي تسرح بأفكارها بعيداً من العالم المحيط بها، بسبب عدم اهتمامها به أصلاً. ونرصد بجاذبية في اللقطات التالية، أحلام اليقظة التي تمر بها “ورد”، والتي يتوقف فيها الزمن للحظات تنفصل فيها عن ذاتها إلى شخصيتين تراقب إحداهما الأخرى وهي تقوم بما لا تجرؤ على القيام به في أرض الواقع، مثل الرقص. ولا يتوقف الأمر على “ورد” وحدها، بل يتعداه إلى الكثير من شخصيات المسلسل الثانوية بدرجات متفاوتة، ليشكل ذلك الأسلوب العمود الفقري للعمل برمته.

التقنية السابقة ليست جديدة تماماً. فهي مستمدة من مدارس أدبية وسينمائية راسخة. ويبدو واضحاً ارتكاز المسلسل على الكوميديا الفرنسية بالمطلق، وعلى فيلم “إيميلي بولان” الشهير بالتحديد. ولا يواري المسلسل ذلك، بل يعلنه صراحة في الحلقات الأولى التي تشاهد فيها الشخصيات فيلم “إيميلي” مرات عدة، علانية. كل ذلك يجعل المسلسل والفيلم يشتركان في روح واحدة من نواحي الموسيقى والإخراج والصور، خصوصاً أن القصتين مختلفتان إلى حد لا يصدق في العملين.

ويستمر تأثير السينما الفرنسية في عدسة المخرج حاتم علي، واختياراته البصرية، وحتى الموسيقية، بما في ذلك الألوان الطاغية على الشاشة بشكل باهت وطريقة تصوير الشخصيات في السيارات بشكل يقسم الشاشة إلى قسمين، واللقطات الرشيقة المتتالية لأفكار مختلفة تجمعها الموسيقى بإيقاع مفرح.. حتى أن المشاهد يتوقع ظهور المهرجين الإيمائيين من خلفية المشهد للرقص على أنغام الموسيقى في أي لحظة.

العمل، ورغم كل ما يحمله من مأساة تنطلق من رصده للواقع السوري المعاصر عبر قصة جديدة بشخصيات لا تعرف المنطقة الرمادية في أفكارها، يمكن أن يصنف في إطار الكوميديا السوداء. تصنيف غريب لعمل يفترض أن يجسد المأساة التي يعيشها معتقلو الرأي في السجون السورية من جهة، وحياتهم العادية قبيل الإعتقال من جهة أخرى. تاتي الكوميديا من أفكار الشخصيات نفسها عبر تيارات تدفق الوعي المستمدة من رموز الأدب البريطاني في العشرينيات من القرن الماضي، برموزه فيرجينيا وولف وجيمس جويس.

الخصائص السابقة تتواجد بكثرة في الدراما الغربية، ويمكن ملاحظتها في أنواع درامية كثيرة بما فيها مسلسلات الأكشن والجريمة، مثل “ديكستر” الذي بُنِيَ بالكامل على الحوارات الداخلية للشخصيات المتناقضة بين الخير والشر على سبيل المثال. ولا يختلف الأمر في “قلم حمرة”، حيث تعاني الشخصيات تمزقاً بين الرغبة والواجب، أو بين “الأنا” والمجتمع. ويشكل هذا الصراع منبع كل الكوميديا والتراجيديا والأحداث في العمل. أما فكرة “الفلاش باك” لعرض تفاصيل العمل، فتبدو مرتبطة بهذا ككل لأنها في النهاية تدور في ذهن كاتبة سيناريو مفترضة.

ويبدو هذا الجدل مثيراً للإهتمام. فلا يدري المرء، متى يتابع قصة “ورد” نفسها، ومتى يتابع قصة كاتبة السيناريو الأصلية يم مشهدي (يشابه هذا ما كتبته فيرجينيا وولف في “رواية لم تكتب بعد”). ولا يدري حتى إن كانت كل تلك التفاصيل التي تمر أمامه حدثت حقيقة أم هي مجرد أفكار في رأس “ورد” التي تعاني الأمرّين في زنزانة انفرادية وسط الظلام والبرد والمرض.

الشق الفكري في حاجة إلى ممثلين من طراز رفيع لتجسيده بصرياً، وهو ما نجح نجوم العمل في رسمه على الشاشة. واللافت في موضوع اختيار الممثلين هو ابتعادهم في العمل عن النمطية التي أحاطتهم في الفترة الأخيرة. فنلاحظ عابد فهد في دور المكتئب والمحطّم نفسياً، وهو بعيد جداً من الأدوار السادية التي تميز بها أخيراً في أعمال مثل “الولادة من الخاصرة” أو “لعبة الموت”. كما تبرز كاريس بشار، العائدة بعد غياب، في دور الأم القوية التي تكافح لأجل أولادها غير المبالين بها أصلاً. إضافة الى ناظلي الرواس، التي تقدم دور “العانس” المكروهة من الجميع، وهو دور تكسر به صورة المرأة المخملية قوية الشخصية التي رافقتها منذ ظهورها القوي الأول في عملي “جلسات نسائية” و”بنات العيلة”. ويضاف إليهم الأداء المختلف للفنان رامي حنا الذي يبتعد عن أدوار الشخصيات المتوازنة والتي نمّطته لعقود. ويقدم هنا دوراً مليئاً بالجنون والعمق والتناقضات.

إضافة الى هؤلاء، يقدم أحمد الأحمد دور العاشق المشهور في أدواره الكوميدية في “هومي هون” و”الخربة” تحديداً، ليبتعد عن الكوميديا ويقدم أداء هادئاً لشخصية عاشق من طرف واحد بعمق وحساسية بعيدة من الانفعال الذي يلائمه عادة.

المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى