الرئيسية / صفحات الحوار / نبيل الملحم: القصيدة إشعاع لحظة والرواية نبات الذاكرة

نبيل الملحم: القصيدة إشعاع لحظة والرواية نبات الذاكرة

روائي يرى في مواقع التواصل الاجتماعي نوعاً من التسلية

رائد وحش

يعرف نبيل الملحم نفسه بـ”رجل مولع بالعيش حتى الموت عيشاً”، ومن يعرف نبيل يعرف جيداً أنه لا يحيد عن هذا المبدأ. عايش تجربة حصار بيروت، وكان قريباً من ياسر عرفات.

لم أكتب سيرتي بعد، ما كتبته هو حياة ناس. جزء من حياة مدينة ووطن وبلد أنا قلق من الموت، أما المستقبل الذي يعني وجودي على قيد الحياة فلا يشكل شاغلاً بالنسبة لي من مواليد السويداء 1953، صحافي تنقل في العديد من الصحف والمجلات العربية، أعد وقدّم بعض البرامج التلفزيونية منها. له مجموعة من الكتب المطبوعة منها: “بوليساريو – الطريق إلى الغرب العربي”، “مسرحية أنا وهو والكلب”، “كتاب سبعة أيام مع آبو”، كتب مسلسلين تلفزيونيين” “ليل السرار” 2003، “أرواح منسية” 2012.

وأخيراً فاجأ الوسط السوري بخمس روايات صدرت كتبها تباعاً هي: “آخر أيام الرقص”، “سرير بقلاوة الحزين”، “بانيسون مريم”، “موت رحيم”، “حانوت قمر”.

السؤال الذي يطرحه الجميع.. كيف كتبت خمس روايات في سنة واحدة؟

هذه الروايات لم تكتب في سنة واحدة، هي انتقلت الى الورق خلال سنة واحدة، هذه الأعمال هي محصلة ذاكرة فرد غامر وجازف وسأل وخاب أمله، شخص أنعشته الأسئلة وفتكت فيه الأجوبة، وإذا كان للاسترسال من معنى فسأسترسل في الإجابة، القصيدة هي إشعاع لحظة، أما الرواية فهي نبات الذاكرة، هي كذلك وحين تكتب روايتك فأنت حاضر في كل الأزمنة، زمنك الخاص، زمن شريكك الروائي الذي هو بطلك، وزمن البيئة التي ستتعايشان فيها معاً.

وتخيّل معي، رجل وحيد لأب وحيد، من بيئة مسترسلة في سؤال الغيب وكأن القيامة تجلس على بابها، ينتقل إلى الحزب الشيوعي في عمر أكثر من مبكّر، وحين تضيق فيه بديهيات حزب يبني كل إنجازاته على البديهيات، يجد نفسه في العمل الفلسطيني، ومع من؟ مع أبو جهاد خليل الوزير، وسطوة ياسر عرفات بما لها من سحر سريّ، وقبلهما ظلال وديع حدّاد وخيال كارلوس والأممية الحمراء التي ستزحف لتجتث السلطة والملكية الخاصة والدولة وتأخذ العائلة بطريقها، ولاحقا سيكون شتاتاً جديداً ومع كل شتات جديد أسئلة جديدة وخيبات جديدة وإحساس عميق بالعبث يأخذك الى اللحظة التي سيغدو فيها العبث هو آخر استخلاص لحياتك العابثة..

تخيّل أن تعيش تحت وطأة (البعث) بما يحمل من تضييق للحياة وآفاقها، ثم تغرق في ايهام نفسك بأنك الحرّ في فم الغول، وتخيّل بعدها عالم نسوي بلا ضفاف ولا حدود، ومع كل خيبة امرأة خيال أخرى لتكون حياتك: رجلاً تطارده امرأة ليطارد امرأة، لتطارده في الحالين الأسئلة.

أسئلة الوجود بجوهره، أسئلة اللحظة المنسحبة من سياقها، أسئلة التاريخ وهو يحطّ بثقله فوق رأسك، ، ومن ثم سؤال الموت، وفي النتيجة ستكون كل هذه الأسئلة مختزلة في سؤال واحد هو سؤال: الوقت.

الوقت هو ما جعل هذه الروايات تكتب في هذا الوقت الذي تسميه أنت (سنة).. بالنسبة لي ليس سنة، بالنسبة لي كل ما في الأمر أنني وقفت على عتبة الغرق بسؤال الموت فاستعجلت في سحب أثاث ذاكرتي وأودعته في الورق ذلك لأن بيتي يحترق.. من يحترق بيته سيسارع لأخذ أثمن مافيه والهروب به.. كل ما هو ذو معنى في حياتي كان الذاكرة ولهذا استعجلت وسحبتها من مستودعها الى مستودع لم يعد لي وحدي.. مستودع يحرسه القارئ أو يهدره، وفي الحالين هذا حقه. ألم يكن كل هذا كافياً لتكون حياتك رواية لا تحتاج منك سوى أن تحيلها الى شهادة على الورق؟

تبدو سيرتك الشخصية سيرةً لمغامر أكثر مما هي سيرة لكاتب، وأكثر ما نرى هذا في الشخصية الرئيسية لرواية “موت رحيم”، ترى كم تمثلك تلك الشخصية؟

ما تظنه سيرتي هو ليس سيرتي، أنا لم أكتب سيرتي بعد، ما كتبته هو حياة ناس. جزء من حياة مدينة ووطن وبلد. أين نقاط التشابه ما بيننا؟ هي كثيرة، لسبب سهل تفهمه. لأنني أشبه القاتل وأشبه الزاهد.. لأنني أشبه الثائر في لحظة ما، وأشبه المتسكع في لحظة أخرى..، وأشبه المتنبي في لحظة سواها، لأنني متعدّد إلى الدرجة التي أستطيع فيها التسلل الى أبطالي وعند ذلك يأتي رجل مثلك ويقول لي: أنت تشبه بطلك. يقول لي ذلك لأنه يعرفني ولو لم يكن يعرفني لما سأل سؤالا كهذا.

بالمناسبة في لحظة ما ستجد بي ما يشبهك.. وأظن أنك تعرف ذلك. أما سيرتي الشخصية فلا أجرؤ على كتابتها. إن مجرد البدء بكتابتها يعني الاعتراف بالموت، بالنهاية، بما تسميه السينما the end وأنا رجل يصرف حياته على فتح الستارة لا إغلاقها.. رجل مولع بالعيش حتى الموت عيشاً.

تتقاطع روايتك “بانسيون مريم” مع “ميرامار” لنجيب محفوظ.. هل قصدت ذلك؟

أنا رجل لا يقرأ، على الأقل لم أقرأ “ميرامار” ولا أعرف أين نقاط التشابه، يسحرني نجيب محفوظ وأظن أنه لو كان للرواية العربية آباء، فمن حقه أن يكون أباً للرواية العربية، ولكنني لقيط ولم أعثر على أب لي.. ماذا أفعل؟

أنت معروف كصحhفي، لا سيما ككاتب عمود. هل ما يحفز الروائي هو ذاته الذي يحفز الصحافي؟ وهل ترى من مستقبل لك ولسواك بعد عصر مواقع التواصل الاجتماعي؟

الزاوية الصحفية هي استجابة للحظة، هي تماماً كالمكنسة في يد عامل التنظيفات، أما الرواية فهي بناء كامل.. بناء بكل التباساته، وعلى كاتب الزاوية أن يدخل اليها ليعزّلها، نعم، الزاوية الصحفية هي تلك الفجوة التي تتسلل منها الى المؤقت.. اللحظة لا الى التاريخ بفضاءاته.. قد تقودك هذه الفجوة الى الرواية تماماً كما مجموع الفجوات التي تفتحها في حياتك. أما عن سؤال المستقبل، فهذا سؤال لا يشغلني على الإطلاق، لست قلقاً من المستقبل.

أنا قلق من الموت، أما المستقبل الذي يعني وجودي على قيد الحياة فلا يشكل شاغلاً بالنسبة لي، وفيما يتصل بمواقع التواصل الاجتماعي فلم تمثّل بالنسبة لي حتى اللحظة سوى نوع من أنواع التسلية، كل ما في الأمر أنها أقل شأناً من طاولة النرد، لم أعثر فيها حتى اللحظة على أية قيمة، إنها بالنسبة لي مجرد رحلة مع مجاميع بشر لا أفكّر إطلاقاً بالسكن معهم.

لماذا تلاحق المشاكل مسلسلك “أرواح منسية”؟

الدراما التلفزيونية بذاتها فعل ساقط، بهويتها وجوهرها ولديّ مايبرّر مثل هذا الكلام، وتبريري مع أنه سيبدو تبريراً مستفزاً، سيتصل بمستهلك هذا النوع من الإنتاج الفني، تصوّر معي واسأل: ما قيمة وقت مشاهد يجلس أمام التلفزيون ثلاثون يوما متواصلة؟ بالتأكيد فإن وقته هو وقت ساذج ومتهافت، ليس وقت زارع شجرة، ولا وقت صانع مائدة، وليس وقت قاطع طريق.. هو وقت مسترخ عنين، فإذا كنت سأصنع بضاعة لمستهلك عنين على هذا النحو، فلا بد أن تكون بضاعتي متشابهة مع مقاييسه، بضاعة عنينة.

وما حدث أنّ “أرواح منسية”، كان المسلسل الثاني لي بعد مسلسل “ليل السرّار”، وفي كليهما وقعت بنفس المشاكل الإنتاجية، مشاكل ما بين منتج وجهة إنتاج شريكة، مشاكل ما بين ممثل ومنتج، مشاكل ما بين منتج ومخرج، مشاكل مع الكل الذي ينهش بالكل، لذلك ستكون هذه آخر تجربة لي بعد خيبتي في التجربتين السابقتين، ولست نادما على أنني دخلت المستنقع وجرّبته.. أنا رجل يشبه الأمريكان في مسألة واحدة.. رجل يحب “الغلط”.

هل يساعدك خيالك الروائي في رسم نهاية ما لهذه الحرب؟ هل ستنتهي؟ كيف؟

ليس خيالي الروائي، تساعدني القراءة الواقعية الصرفة.. هذا النوع من الحروب في ماهيته وجوهره هو نتاج استحالة تنتج استحالاتها اللاحقة، بحيث تغدو البلاد متوالية هندسية من الاستحالات، ولذلك سنشهد أياماً بالغة القتامة، هي منتوج أيام بالغة القتامة، خمسون سنة من حكم البعث ستنتج لنا خمسمائة سنة من أحكام الاستحالة.

موقع 24

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...