الرئيسية / صفحات سورية / نحو تجاوز فترة الثمانينات البغيضة في سورية

نحو تجاوز فترة الثمانينات البغيضة في سورية

 

ناهد بدوية

سبعون بالمائة من الشعب السوري دون الثلاثين ولم يعيشوا فترة الثمانينات، ولكن أهليهم مازالوا يعيشون تحت وطأة هذه الفترة البغيضة التي عاشتها سورية الحبيبة.

ماذا حصل في الثمانينات؟ وماهو موقفنا منه؟ وكيف يمكن أن نتجاوزه إذا كنا نبغي حياة مختلفة عن تلك الفترة؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي على الشباب السوري أن يطرحها على نفسه. واتخاذ موقف حاسم وقرار واضح وصريح بعدم التورط والدخول في مناخ فترة الثمانينات.

مالذي حصل في أوائل الثمانينات في سورية؟ الجواب على هذا السؤال يحتاج إلى مجلدات، لأن هذا التاريخ لم يكتب بعد. لذلك سوف أحكي الخطوط العريضة فقط التي من الممكن أن تكون مفيدة في رسم المستقبل وذلك عبر الاستفادة من الدروس وتفادي ما يمكن تفاديه من هذا العقد الثمانيني البغيض.

كيف بدأت الأحداث؟ الطليعة وهي مجموعة صغيرة منشقة عن الإخوان المسلمين تبنت الخطاب الطائفي السني والكفاح المسلح ضد السلطة؛ وبدأت بمجزرة طائفية تسمى مدرسة المدفعية، حيث تم اختيار المجندين العلويين ونفذت مجزرة ضدهم. وتتالت الاغتيالات الطائفية بعدها. ثم تبنت فلول الإخوان المسلمين الملاحقين، عبر جريدتهم النذير، شعار الثورة الاسلامية والكفاح المسلح ضد النظام.

في البداية كان رد النظام بأن أعطى المجتمع بعض الحرية وأفرج عن المعتقلين، ولكن المجتمع السوري كله عندما عبر عن نفسه بحرية رفض احتكار السلطة وطرح مطالبه بقوة، وخاصة عبر النقابات بشكل أساسي التي كانت مازالت قوية في حينها. وكذلك تم التعبير عن ذلك عبر الأحزاب السياسية وعبر المثقفين الذين كان لهم دورا بارزا في انتقاد سياسات النظام القمعية والطائفية آنذاك.

وبما أن النظام في حينها لم يكن نظاما طائفيا بل كان يستخدم الطائفية والمناطقية والشعبوية لتثبيت سلطته. فقد اتخذ قرارا بالاحتفاظ بالسلطة والكرسي على حساب الشعب السوري كله بكل فئاته وطوائفه وأقاليمه.

قرر النظام في حينها أن يهزم الإخوان المسلمين عسكريا؛ وان يكسر المجتمع السوري سياسيا. ففي الوقت الذي كان محاصرا مدينة حماة ويرتكب أبشع المجازر فيها كان، يشن حملات اعتقالات واسعة على الأحزاب السياسية المعارضة الأخرى؛ كحزب البعث الديمقراطي والحزب الشيوعي- المكتب السياسي وحزب العمل الشيوعي وكافة المجموعات اليسارية الصغيرة والمجموعات الدينية المسالمة، وكل من يفكر وكل من يصلي، وتم حل كافة مجالس النقابات المنتخبة، وأُلقيت قياداتها في السجن وحل محلها مجالس نقابية معينة تعينا، ليس على شرط الولاء فحسب بل التبعية المباشرة، وبشكل أدق شرط الانبطاحية. وحتى الحزب الشيوعي الموجود في جبهة النظام قُمع عندما أعلن موقفا رافضا، مثله مثل الأحزاب اليسارية والقومية الأخرى، لعملية نزع الحجاب البغيضة التي نفذتها كتائب البعث في شوارع دمشق.

الوحدة الوطنية السورية التي كان يتحدث عنها النظام في الثمانينات كانت متحققة فعلا ولكن في السجون والمعتقلات. فمثلا في سجن دوما للنساء كنا ننام جنبا إلى جنب نساء يساريات وأخوات مسلمات وبعثيات ،وكنّا آتيات من كل أنحاء الوطن السوري ومن جميع قومياته وطوائفه ومدنه وريفه وجباله وأقاليمه. في السجن أكلنا معا الملوخيّة والحرّاء إصبعه والفطاير بسلق وقريشة والكبّة والسوركي..الخ وشربنا معا الشاي والمتّة والقهوة والزوفا.

صراع الثمانينات كان مريرا ومقيتا ومازال يطبع أبناء جيلي كلهم بطابعه، وأنتم أيها الشباب السوري مختلفون. أينما كان موقعكم الآن فأنتم مختلفون. يمكنكم أن تستفيدوا من تجاربنا وسجوننا ولكنكم فعلا وأينما كانت مواقعكم مختلفون. لأنكم موجودون في زمن آخر ولكم مطالب وأحلام طازجة وراهنة وحديثة.

حاولوا أن تضعوا حزب البعث والجبهة والإخوان المسلمين والتجمع وإعلان دمشق* وكل ما هو ثمانيني وراء ظهوركم.

حاولوا أن تصنعوا حاضركم ومستقبلكم كما تشاء حداثتكم ويشاء تعليمكم وحاجاتكم للعمل والحب والكرامة والحرية. واختاروا الشكل الذي تجدونه مناسبا لكم ولا تنساقوا وراء التقليد.

حاولوا ان تقاوموا كل من يحاول أن يجركم الى عقلية فترة الثمانينات من بعض الأطراف على الفيس بوك وفي الواقع الفعلي؛ من بقايا صراع الثمانيات سواء من السلطة أم من المعارضة. لا بل عليكم أن تقنعوهم وتجروهم أنتم إلى موقعكم الحضاري والمتسامح والسلمي والحديث.

أما نحن فقد هرمنا ونحن في انتظاركم.

سوف نلحق بكم بكل تأكيد.

لأنكم سوف تحتاجوننا كشهود في المحاكمات المدنية العادلة التي سوف تقيمونها في حق كل من أسال دما سوريا في يوم من الأيام.

 

ناهد بدوية- من جيل الثمانينات

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...