الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / “نداء القبيلة” .. سيرة ثقافية لبارغاس يوسا/ أحمد عبد اللطيف

“نداء القبيلة” .. سيرة ثقافية لبارغاس يوسا/ أحمد عبد اللطيف

 

 

بعد روايته الأخيرة “الناصية الخامسة”، يبتعد الكاتب النوبلي ماريو بارغس يوسا عن العمل الإبداعي قليلا ليعود بكتاب هو سيرته الثقافية والفكرية، هو خلاصة أكثر من ستين عامًا قضاها في التفكير وتحليل الواقع الأميركي اللاتيني انتقل خلالها من معسكر اليسار المدافع عن الثورة الكوبية والمستبشر بها إلى المنقلب على نتائجها ومآلاتها. لم يستقر يوسا، بحسب حديثه في “البيت الأميركي” بمدريد وأثناء مؤتمر صحافي عقده لتقديم الكتاب، في اليمين، بل استقر في “الليبرالية” كأيديولوجيا منتجة للديمقراطية وقادرة على تأسيس منهج تساوي الفرص.

“نداء القبيلة”، عنوان الكتاب، هو مراجعة لسنوات طويلة من التفكير بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي، لكنه أيضًا سيرة ذاتية للمؤلف لا يتتبع فيها ما هو شخصي وذاتي فحسب، إنما يضع ذلك في إطاره العام ليكسر الحاجز الفاصل بينهما ويقدم سيرة غير مألوفة عن حياة كاتب شغل العالم لأكثر من نصف قرن، ليس فقط بأدبه وبكونه أحد أبرز كتّاب أهم تيار سردي في النصف الثاني من القرن الماضي وأحد منظري هذا التيار كذلك، بل أيضًا بفكره السياسي وتورطه كمثقف عضوي في كل الأحداث التي تخص بلده، بيرو، وقارته اللاتينية. لم يتوقف يوسا عن محاربة الديكتاتورية خلال هذه السنوات، وكانت لديه الشجاعة الكافية للإيمان بالثورة الكوبية والكفر بفيديل كاسترو، وكانت تحليلاته للواقع اللاتيني هي الأكثر صوابًا ونزاهة وواقعية، حتى لو كانت مناقضة لليسار الذي وصفه باليمينية، وهي التهمة التي ينفيها عن نفسه بوضوح في هذا الكتاب، ليبدو رجلاً منحازاً للديمقراطية كأهم منجز سياسي غربي، منجز قادر على إنقاذ أميركا اللاتينية من الديكتاتورية العسكرية، ولا شك في أنه أنقذ العديد من الدول من هذا الوباء، حتى تبدو تشيلي الآن، كمثال، دولة غربية بقيم ديمقراطية، فيما لا تزال كوبا وفنزويلا دولتين وحيدتين في براثن العسكر.

أهمية كتاب يوسا أنه يرصد أكثر من ستين عامًا في هذا التاريخ، لا ليمجد نبؤاته السابقة لأوانها، بل ليرصد تطوراته الفكرية من ناحية ويضع إصبعه في الجرح اللاتيني من ناحية أخرى. أثناء ذلك يقدم مرجعياته الفكرية، وهم سبعة مفكرين كان لهم الأثر الأكبر عليه، منهم أورتيغا إي غاسيت وكارل بوبر. هو بذلك يطرح رحلته من الماركسية إلى الليبرالية، بمرجعيات أسست لليبرالية الكلاسيكية. وهي رحلة شاقة، لكن يوسا اعتاد عليها، فمنذ كان صبيًا وهو يسير عكس الاتجاه، ما دفعه ليسافر إلى باريس ليقرر أنه كاتب رغم ما لاقاه من معارضة، حتى عندما حقق شعبية ما، لم يغب من يسبّه لا لأنه لم يعد”السارتري الصغير الشجاع” لشغفه بـ جان بول سارتر، بل لأنه بات عميلًا ضد الثورة الكوبية. وكان في تلك الفترة يأخذ هذه الشتائم والسخرية مأخذ الجد. لكنه في أحد أيام 1990، كما يحكي، وبعد هزيمته في الانتخابات الرئاسية البيروفية أمام فوخيموري، حكى لصحافي في جريدة باريس ريفيو ما حدث له مع بابلو نيرودا ذات يوم في لندن عند الاحتفال بالشاعر التشيلي الشهير. كانا على سطح مركب، وكان يوسا غاضبًا يقول:”قرأت مقالًا حرق دمي ليس لأنه يشتمني فقط بل ويقولون الأكاذيب عني”، حينها رد نيرودا:”أنت الآن رجل مشهور، أريد أن تعرف ما ينتظرك: كلما زادت شهرتك، زاد الهجوم عليك. وأمام كل مديح ستتلقى ثلاث شتائم. لديّ درج حافل بكل نوع من الشتائم والسخافات والشرور التي لا يمكن أن يحتملها أحد. لقد وصفوني بكل شيء: لص، منحرف، خائن، مجرم، قواد.. كل شيء! وحين تصير مشهورًا يجب أن تتجاوز كل ذلك”.

مرت عقود على هذا اللقاء، انتقل بارغس يوسا من الشيوعية والماركسية إلى الليبرالية، وفي نهاية هذا التحول، وبدءًا من منتصف السبعينيات عندما تعرضت كوبا لـ “حالة بادييا” قطع الكاتب البيروفي علاقته بالثورة، وترك المواقف التقليدية في اليسار واقترب لألبير كامو أكثر من سارتر، ونفذ وصية نيرودا. حينئذ لم يصفوه بالمنحرف، بل بالليبرالي.

بطريقة ما، يمكن اعتبار الكتاب ردًا على تصنيفه، أو بكلمته: “نوعاً من العشاء مع سبعة أساتذة ساهموا في تحويلي إلى العقيدة الليبرالية التي أشعر الآن بأني فخور بها، مثل فخري باعتناقي الإيمان بـ فوكنر وبورخس وفلوبير. كل هؤلاء هم “قبيلتي”: أورتيغا إي غاسيت، آدم سميث، فريدريك فون هايك، كارل بوبر، ريمون آرون، إشعيا برلين وجان فرانسوا ريفيه.

“نداء القبيلة” هو نقاش لهؤلاء، دعوتهم إلى مائدته، وإن كان منحازًا، سياسيًا، إلى بوبر وبرلين وهايك، أكثر من الباقين. يقول يوسا في أول الكتاب:”رغم أنه لا يبدو كذلك، إلا أنه كتاب سيرة ذاتية. ما يجعله كذلك أن الكاتب النوبلي لم يستعرض أفكار عرابيه، بل وضع هذه الأفكار داخل حياته ذاتها، الشخصية والسياسية.

وفي 311 صفحة يشرح يوسا، كمفكر عميق ومثقف كبير، الأسباب التي جعلته يختار الليبرالية، وهناك لا يؤله أساتذته، بل يتحاور معهم.

إنها رحلة فكرية عميقة، جديرة بالقراءة، وجديرة بالاختلاف معها.

ضفة ثالثة

 

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...