بيانات الانتفاضة

نداء ملحّ


الإخوة أعضاء المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق الوطنية

 تحية نضالية وبعد

 بعد مضي ما يقارب سبعة أشهر على انطلاقة الانتفاضة الشعبية في سوريا ترسخت حقائق أساسية لا بد لأية قوة سياسية أن تعيها وتنطلق منها وتبني عليها وإلا اصبحت خارج إطار الفعل والتاريخ .

أولى هذه الحقائق : أن الحراك الشعبي الذي انطلق كمظاهرات طرفية في جنوب سورية وتوسع إلى انتفاضة شعبية امتدت إلى ساحل سورية وقلبها في حمص وانتقل إلى شمالها وشرقها ، أصبح الآن ثورة شعبية شاملة لكل أرجاء سورية من اقصاها إلى أقصاها رغم الكتل الشعبية التي ما تزال تنتظر وتتململ باستعداد الانخراط بدورها في هذا المد الجارف .

وثاني هذه الحقائق : أن هذا الحراك الشعبي بانطلاقته وعنفوانه قد فاجأ كل القوى السياسية في سورية – نظاماً ومعارضةً – وسبقها في تصاعده حركةً وأهدافاً ، وبالتالي لا تستطيع أياً من هذه القوى أن تدعي أنها حرّكته أو تقدر على ضبطه والتحكم به أو التأثير فيه مالم تتبنى أهدافه وتنال ثقته من خلال خطابٍ واضح الانتماء للثورة وتحرّكٍ سريعٍ يواكب عنفوانها .

وثالث هذه الحقائق : أن النظام في سورية لم يستوعب دروس الثورات الشعبية العربية التي سبقت هذ الأحداث ، ولم يلتقط رسائل الحراك الشعبي الأولى المطالبة بالحرية والكرامة والتي لم تتعدّ ما كانت تطرحه المعارضة السورية سابقاً في نضالها الطويل والمرير مع هذا النظام والتي كانت تتلخص في تغيير وطني ديموقراطي يشمل إلغاء حالة الطوارئ وإلغاء المادة الثامنة من الدستور وإقرار التعددية السياسية وضبط الفساد ؛ أي بكلمة أخرى تغيير بنية النظام دون إسقاطه. فلقد خيل للنظام أن الحلول الدموية التي استطاعت إخماد أحداث الثمانينات ستنجع هذه المرة أيضاً وقد غاب عنه اختلاف طبيعة الانتفاضة هذه المرة عن تلك وكذلك اختلاف معطيات العصر الراهن التي غاب منها المعسكر الاشتراكي الذي كان عامل توازن هائل في الوضع الدولي ومساند فعال للنظام وكذلك ثورة المعلومات والاتصالات التي جعلت كل ما يدور في العالم منقولاً مباشرة أمام سمع الدنيا وبصرها . وأدى اعتماد الحل الأمني هذا إلى تصعيد الاحتجاجات إلى انتفاضة عارمة ومن ثم إلى ثورة شاملة .

ورابع هذه الحقائق : أن النظام بإنكاره وجود انتفاضة شعبية من أصلها وإصراره على نظرية المندسين والسلفيين المحركين من الخارج وتطوير هذه النظرية إلى وجود عصابات مسلحة يعزو إليها حوادث العنف والقتل الشنيع التي ترتكبها قواه الأمنية المتوحشة وقطعان شبيحته التي أطلق عقالها لتعيث فساداً وتخريباً ، قطع كل الخيوط التي تكفل له خط الرجعة إلى حل أمني ينهي الأزمة في أحسن الأحوال أو يحفظ خروجاً آمناً لرموزه في أسوأها ، وفقد بذلك شرعيته لدى جماهير الشعب . كذلك لم يعد ممكناً بعد ذلك إلقاء اللوم في القمع الوحشي والجرائم الشنيعة التي ارتكبت ولا تزال ترتكب إلى جزء منه كالنظام الأمني مثلاً ، مثلما أنه لم يكن ممكناً حتى قبل الثورة أن يشار إلى الفساد كظاهرة تقتصر على بعض عناصر النظام بينما هي خاصة بنيوية تشمل النظام من رأسه إلى قدمه .

وخامس هذه الحقائق : أن الثورة قد حددت بوضوح وجلاء أن مطلب التغيير الديموقراطي لم يعد ممكناً إلا برحيل هذا النظام بكامل اركانه ورموزه وأنها لا تقبل بما هو دون ذلك ، ليس فقط لأن النظام قد سد باب الحوار كما هو بادٍ للعيان وإنما لأن النظام بالأصل غير قابل للإصلاح بطبيعته وبسلوكه الذي راينا .

وسادس هذه الحقائق : وفي ظل الإمعان في القتل والتنكيل الذي يمارسه النظام على الجماهير العزلاء ولجوئه إلى ما يمس شرف الناس من اختطاف للنساء وهتك الأعراض وقتل الأطفال وتقطيع الأوصال مما لم يحدث في أعتى أنظمة الاستبداد في التاريخ ، وفي ظل جبروت سلطة القمع واحتلال المدن وتوجيه الدبابات نحو المنازل والأشخاص أصبح مفهوماً أصوات الاستغاثة وطلب الحماية من أية جهة محلية أو عربية أو دولية ، كما أصبح محتملاً أن يلجأ الناس إلى وسائل الدفاع عن أنفسهم في ظل شعور خانق بأنهم متروكين وحدهم أمام آلة القتل والدمار هذه .

وسابع هذه الحقائق : أن النظام إضافة إلى ما سبق وهو يلعب على ورقة الطائفية ويورط بعضها في مجازره يسوق البلاد إلى حرب أهلية مقيتة يرى فيها نجاته من مصيره الذي بدا يلوح أنه محتوم .

وثامن هذه الحقائق : أن الثورة الشعبية وجماهيرها اتجهت بآمالها إلى نخبتها التي طالما واجهت هذا النظام في السابق لتصوغ لها أهدافها وفق الحقائق السابقة وترسم لها استراتيجية الخلاص من هذا النظام الفاسد المستبد وتتوحد في جسم سياسي بديل يقود الانتقال إلى دولة مدنية ديموقراطية . من نفهم لهفتها وإلحاحها في هذا الصدد ومن هنا أيضاً نفهم تأييدها لمن يرفع شعاراتها كاملة وواضحة ويتعهد بتأمين النصرة والحماية لها .

لقد كان الأمل معقوداً على تشكيل هيئة التنسيق الوطنية بقواها التي تمتلك تاريخاً حافلاً في مواجهة النظام فيما سبق وما قدمته من تضحيات في هذا الصدد وما تتمتع به من مصداقية وطنية معترف بها أن تقوم بهذا الدور أساساً وأن تكون دينامو ائتلاف وطني يجمع كل القوى الوطنية المناهضة للنظام ، ولكن حصيلة حركة هذه الهيئة منذ تأسيسها – وحتى قبل تأسيسها – كما تجلّت في تصريحات ونشاطات رموز فاعلة فيها وفي أدبياتها ، لم تكن على المستوى المأمول ، بل وصلت إلى عزلة متزايدة عن جماهير الحراك الذي أخذ يعطي ولاءه لقوى أخرى .

أما أسباب هذا فيعود إلى أن قوى الهيئة الرئيسية لا تزال عند المطالب التي كانت ترفعها قبل الحراك وفي بداياته ، ولا تزال ترى تغيير بنية النظام ممكنة كما كانت تطرح في خطابها السابق ولم تدرك عمق التغيير الذي جاءت به الثورة والتي اثبتت أنه لتحقيق مطالب التغيير الديموقراطي هذه لا بد من إزاحة عقبة من طريقها وهو هذا النظام ، وأن الحوار معه تحت اية شروط عبث لا طائل تحته . وفي ظل خبث النظام وادعاءاته الإصلاحية الكاذبة وحيله المتكررة اخذت الجماهير تنظر بعين الريبة إلى من ينادي بما يقل عن السقف الذي تطرح ، وترى في دعوات الحوار ولو في ظل شروط الهيئة المعروفة أطواق نجاة تُرمى للنظام للخروج من ورطته ، بل وبدأت بالتشكيك الذي يصل إلى التخوين ، وجاءت تصريحات بعض قادة الهيئة الملتبسة لتعمق مثل هذا الانطباع .

إن أنكار هذه الحقائق المؤلمة والتعامي عنها سيدفع بالهيئة لا محالة إلى العزلة الكاملة والخروج من دائرة الفعل وسيفقدها حتى القدرة على إنجاز ما ارتضت به من سقف منخفض من مطالب التغيير .

إننا ونحن نلتزم كل الثوابت الوطنية التي كافحت من أجلها قوى هيئة التنسيق نرى أن لا مناص من تصحيح مسار الهيئة باستيعاب الحقائق المذكورة سابقاً والارتقاء بخطابها إلى مستوى خطاب الثورة وهو خطاب موضوعي كما راينا وليس غوغائياً ، واستعادة ثقة قوى الحراك الشعبية بالحوار الجاد مع بقية القوى السياسية وفي مقدمتها قوى المجلس الوطني والاتفاق على برنامج وطني واضح ومحدد ، وعدم التعلل بحجج الإقصاء والمناورات ، وإصدار بيان يوضح هذا .. كذلك فإن على الهيئة أن تلزم بعض شخصياتها الذين أثاروا البلبلة بتصريحاتهم أن يلتزموا بالخط العام للثورة أو يمتنعوا عن الإدلاء ، كما أن على الهيئة أن تتخلى عن نمط حركة السلحفاة في ردود أفعالها في ظل أوضاعٍ تتسارع فيها الأحداث بسرعة الصاروخ .

إننا ندرك أن وضع الداخل دقيق وحساس وخطر ، ولكنه قدر الذين يريدون التغيير وهم يستطيعون التكيف معه كما يفعل الآخرون ، وهنا أيضاً يمكن تقاسم الأدوار فالخارج يستطيع أن يقوم بكل ما لايستطيع الداخل أن يقوم به ، وفي هذا المجال لا بد من التنويه أن المسؤولية الوطنية ليست مقصورة على اشخاص بعينهم وأن الداخل ليس هو الوحيد الأوحد فيها فالوطن ملك للجميع والثورة حق للجميع وواجب على الجميع .

إن هذا نداء ملحّ نقوم به لتدارك الوضع الذي لم يعد ممكناً السكوت عليه ، ولابد من تلبيته وأخذه بكامل الجدية وإلا فإن نتائج استمرار هذا النهج ستقود إلى الإضرار بالثورة التي هي معقد الأمل في التغيير والتي نعد أنفسنا جزءاً منها وتخوضها كوادرنا الشبابية الذين سنفقدهم بهذا السلوك ، وعلينا أن نعقد العزم على أن لانفرط في ذلك أبداً .

التوقيع:

مجموعة من أعضاء هيئة التنسيق الوطنية وأنصارها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى