الرئيسية / صفحات الرأي / ندين القَتَلة لكننا نقول “ولكن”!/ وائل مرزا

ندين القَتَلة لكننا نقول “ولكن”!/ وائل مرزا

 

 

يُصرّ البعض على أن تكون، كعربيٍ وكمسلم، محروماً من “ترف” التفكير في قضايا مثل قضية “شارلي إيبدو” بشكلٍ يتجاوز إلحاحات اللحظة الراهنة، ثقافياً وسياسياً وإعلامياً. قد تكتب عشرات المقالات التي تعرّي الفكر المتطرف من جذوره، وتحديداً المنسوب منه إلى الإسلام، على مدى سنوات. ربما تدعو، عاماً بعد عام، إلى مراجعاتٍ حاسمة وشمولية للمنظومة الفقهية والتراثية الإسلامية التقليدية التاريخية، بعد إشارتك إلى جذور الارتباط فيها بالغلو والإرهاب. يمكنك أن تضع، بشكلٍ متكرر، على طاولة التشريح الفكري، كل من يمثل ذلك الفكر بالأسماء الصريحة أفراداً وجماعات. لا ضير في أن تفعل هذا، انطلاقاً من إيمانك بحرية الفكر والتعبير، ورغبتك في البحث عن المشترك الأخلاقي والثقافي العالمي. ولا بأس في أن تواجهك، على الطريق، اتهاماتُ التكفير والعمالة والخروج عن الملة، لأنك “في الحقيقة معهم ولست معنا”. قد تكتب أيضاً مقالات ودراسات عديدة تحاول الحفر، من خلالها، في الإشكاليات الفلسفية والمعرفية التي يعاني منها الغرب، والتي تظهر تجلياتها العملية بشكلٍ مضطرد. وربما تدعو، باستمرار، إلى حتمية المراجعات على مستوى الحضارة الغربية، لمعرفة جذور الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية التي تضربها بشكلٍ متكرر، ومفاصلَ ارتباطها بأزمات العالم. وقد يمكنك، تجنباً لفخ التنظير المجرد، استخدام مبضع التشريح العلمي والفكري والثقافي لسلبيات “الغرب”، مع حالات محددة فيه، بأسمائها، دولاً ومسؤولين ومؤسسات.

لا مشكلة في القيام بذلك، انطلاقاً من إيمانك بحرية الفكر والتعبير، ورغبتك في البحث عن المشترك الأخلاقي والثقافي العالمي، ولا حرجَ في أن تواجهك، على الطريق، اتهاماتُ الرجعية والظلامية وعداوة التنوير، لأنك “في الحقيقة لست معنا، فمن الواضح أنك منهم في نهاية المطاف”.

على رغم هذا، تأتي حادثةٌ مثل مأساة صحيفة “شارلي إيبدو” لتحاصرك وتضعك في زاوية لا خيار لك فيها سوى “الاصطفاف”. فإما أن تُدين الجريمة والقائمين بها، بكل ما يمكن استخدامه من تعابير الشجب والهجاء، ومن دون كلمة “لكن”. الأجمل أن ترفع شعار “أنا شارلي” بطريقةٍ ما. أو تدين الصحيفة وأهلها وبلادهم وثقافتهم وحضارتهم، وتصبﱠ عليهم جميعاً جام غضبك، وتشمت بما حصل لهم، وتبرره بألف طريقةٍ وطريقة، وتعتبره انتقاماً إلهياً، وانتصاراً للنبي وللرسالة.

“أنت مطلوبٌ على كل المحاور”، كما قال يوماً شاعر المنفى المرحوم أحمد مطر.

ثمة “مكرٌ” للتاريخ، يبدو جلياً هنا، بطريقةٍ تفقأ عين من ينظر إلى المشهد بشيءٍ من التأني. إذ لا يكفي أن تكون الكارثة، في حد ذاتها، دليلاً على حجم المأزق الذي حَشَرت البشريةُ إنسانَها فيه. بل تبدو طريقة التعامل مع الكارثة حلقةً أخرى من حلقات ذلك المأزق عينه. ربما تستطيع، لو كنت إيرلندياً، مثل نورما كوستيللو، أن تكتب في موقع VICE المتخصص في تحليل شؤون الإعلام والمجتمع، عن سبب عدم قدرة الصحافة الإيرلندية على إعادة نشر الرسوم (إياها): قانون التجديف، الذي لم يبقَ سهواً في المدوّنة الحقوقية لإيرلندا من القرون الماضية، وإنما تمّ صوغه وإقراره منذ بضع سنوات! بل وعن قانون منع الإجهاض السائد ومجلس الرقابة على المطبوعات الذي تألف أيضاً منذ سنوات!

قد يكون في إمكانك، لو كنت صحافياً أميركياً في “نيويورك تايمس”، مثل ديفيد بروكس، أن تتحدث عن ضرورة جعل حادثة باريس فرصةً “للبحث عن مُقاربةٍ أقل نفاقاً لكل ما هو مثير للجدل عندنا”، وأن تُذكّر بحقائق مثل طرد جامعة إيلينوي لأستاذ لأنه تكلم عن رأي الكثلكة في المثلية الجنسية، بل وطرد جامعة آركنساس لأستاذ آخر لمجرد أنه كتب تغريدةً اعتُبرت قاسيةً في حق لوبي السلاح N.R.A في أميركا. ربما تتمكن، لو كنت صحافياً هندي الأصل مثل سانديب روي، أن تكتب في موقع Alternet مقالاً عنوانه: “لا، أنا لستُ شارلي إبدو، وفي ما يأتي لماذا”. ثم تتحدث عن بعض الصحافة الهندية الساخرة التي استغلت الموضوع “بزعم أنها تهاجم الكل، في حين أن الرسومات التي تنشرها هي قصداً معاديةٌ للإسلام، وكثيراً ما تكون عنصرية”.

أما كعربيٍ وكمسلم، فأنت “مطالَب” بأن يكون لك “موقف”. وبألا تكون “اعتذارياً” و”مائعاً”، ومن جماعة “ولكن”. هذه الممارسة مفروضةٌ عليك من عربٍ ومسلمين آخرين غالبيتهم العظمى لا يرون لهم، ولك بالضرورة، مكاناً خارج “الفسطاطين” المشهورين.

“لا شيء، لا رسوم كرتونية، ولا كتاب، ولا أغنية، تبرر ذلك الشكل من القتل الجماعي في باريس. هؤلاء مجرمون، برابرة، باعوا أرواحهم للجحيم”. نقول هذا كما قاله إمام مسجد درانسي، في إحدى ضواحي باريس، أثناء زيارته مع وفدٍ من أئمة فرنسا لمكاتب صحيفة “شارلي إيبدو”. نقوله من دون أي تردد. من دون أن يمنعنا هذا البتة أن نقول: ولكن. وتحديداً، انطلاقاً من الإيمان بحرية الفكر والتعبير، والرغبة في البحث عن المشترك الأخلاقي والثقافي العالمي. ثم الرفض، الواجب على كل مثقف، لأي شكلٍ من أشكال الإرهاب الفكري، ولعقلية “الفرز” و”الحشد” التي يبدو أنها تتلبس العالم بأسره اليوم.

فحين نرى أكثر من خمسين زعيماً سياسياً عالمياً يتصدرون التظاهرة المليونية الشهيرة في باريس، وفي مقدمتهم نتانياهو، وغيره، ممن “تحلف” الشعوب بمحبتهم لحرية الفكر والتعبير، يصبح مخزياً، بل ومخيفاً، أن نتجنب، كمثقفين على الأقل، أسئلة بدهية، يُطلَب إلينا أن نتجاهلها. ببساطة، لأنه لا صوتَ يعلو فوق صوت المعركة، الآن، على الإرهاب.

مثالٌ واحد: أين كان هذا الزخم “الأخلاقي” العالمي حين كان ملايين اللاجئين السوريين معرضين للموت من البرد، وللمفارقة، في وقت حصول مجزرة باريس؟ ها نحن نطامن توقعاتنا وأمانينا، ونتواضع ونعرف قيمتنا، ونتحدث فقط عن ظاهرة طبيعية كان يمكن العالم المتحضر، بدوله ومنظماته الحقوقية وهيئاته الأممية، أن يعالجها، لو أراد، ببساطة متناهية.

لسانُ الحال أبلغُ من لسان المقال كما قالت العرب. ولسان حال العالم، المتحضر تحديداً، يقول للسوريين، ولغيرهم من المهمشين والمسحوقين في هذا العالم، في مثل هذا المقام: “نحن لا نتحرك إلا عندما تُمس شعرةٌ في رأسنا، أما غير ذلك فلتذهب الشعوب الباحثة عن الحرية إلى الجحيم، ومعها كل شعاراتنا عن الديموقراطية والمساواة وحقوق الإنسان. هكذا كانت القاعدة دائماً، وهكذا هي الآن، وهكذا ستكون. افهموها أيها الأغبياء”.

حديثنا لا يحاول حصر الموضوع في “مظلوميةٍ” سورية وَجدت في الحدث فرصةً للتوظيف، فالأمر أكبر من ذلك بكثير. ما حصل في باريس هو تعبيرٌ آخر عن تبلور أزمةٍ إنسانية حضارية شاملة، وهو، تحديداً، تعبيرٌ عن وصول الأزمة في كلٍّ من الفضاءين الثقافيين، العربي /الإسلامي من جهة، والغربي من جهةٍ أخرى، إلى قمّتها. لذا، لا يتعلق بطرفٍ دون آخر، ولم يحدث بسبب حضارةٍ دون أخرى، ولن تقتصر نتائجه ومستتبعاته على مكانٍ دون آخر في هذا العالم.

نحن، كبشرية، في مأزقٍ كبير، ثقافي في الدرجة الأولى، ولا مخرج من هذا المأزق على المدى المنظور، ولا من تبعاته السياسية والإنسانية. ما يجري في سوريا أحد تبعاته، لأن عملية التعبير عن وصول الأزمة إلى أقصاها تستغرق سنين طويلة، بعمر الحضارات والدول، وليست لحظةً عابرةً نراها في مشهدٍ واحد.

هذا لا يعني الوقوع في أيّ نوعٍ من أنواع العَدَمية السلبية، فنحن لا نتحدث عن “لعنةٍ نهائية” لَحقت بالإنسان ولم يعد ممكناً الخلاص منها. لكن رؤية الواقع البشري على هذا المستوى تساعد على إدراك جذور المشكلة، وعلى رؤية مدخل الحل: المسألة الثقافية، بكل ما في هذه الكلمة من معانٍ ودلالات.

منذ ستة أشهر، وقَّعنا، كسوريين، بياناً ضد “داعش” وممارساتها انتهى بفقرةٍ تقول: “إننا، نحن الكتّاب والصحافيين والأكاديميين والفنّانين والمثقّفين الموقّعين أدناه، إذ نتمسك بكل القيم الانسانية التي أقرّها الضمير الإنساني الحديث، ننبّه إلى عمق الهوّة التي تدفع حركة الردة الدينية والسياسية هذه مجتمعاتنا وشعوبنا اليها. وندعو مواطنينا أولاً، والمؤمنين بحرية الإنسان والمساواة بين الناس في كل مكان، إلى مشاركتنا الكفاح ضد القتلة القدامى منهم والجدد، والعمل من أجل الحرية والعدالة في بلداننا، وفي منطقتنا، وفي العالم”.

ربما تكون أرواح الصحافيين والعاملين الإثني عشر من شهداء الكلمة، التقت في سماء العدل مع أرواح اثني عشر سورياً من شهداء البرد، “اغتيلوا” في الوقت نفسه، لكن جدية الموقف “الأخلاقي” الإنساني تحتّم لقاءً إرادياً واعياً، في عالم الحضور والشهادة، وجهداً عملياً يولد من ذلك اللقاء، بين كل المؤمنين بحرية الإنسان والمساواة بين الناس في كل مكان، للكفاح ضد كل القتلة، والعمل من أجل الحرية والعدالة في بلداننا، وفي منطقتنا، وفي العالم.

 

كاتب سوري

النهار

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...