نرجس

 

    محمد زهير كردية

تعبق رائحتها في الحي كزهر النرجس أو أجمل، ويتمنى قاطنوه أن يستنشقوا ما تيسر لهم من عطرها في الصباح، ليبدأوا يومهم متفائلين بمعجزة تنهي نزيف الدم السوري، ومتخوفين أيضاً من أن يفقدوا رائحة النرجس اليومية إن غادرت.

اسمها نرجس. فتاة عشرينية، بيضاء الوجه، سوداء الشعر، ساحرة الجمال، متفائلة دوماً بالمستقبل، ومع ذلك تحمل الحزن والأسى في عينيها. قابلتُها في بيت أختي التي تقطن في أحد أحياء الصالحية في دمشق. هي من ريف دمشق ونزحت الى الصالحية بعدما ارتكب جنود الأسد أبشع مجزرة هناك، ودُمِّر منزلها بالكامل بأربع قذائف “طائشة”. تركت خلفها حجارةً متناثرة كانت تؤويها من برد الشتاء وحرقة شمس الصيف، وتركت أيضاً حجراً آخر ملقىً بين مئات الحجارة في مقبرة على سفح تلة، كُتب عليها: “الشهيد أحمد”. أحمد هو زوج نرجس الذي ألبسها خاتم الزواج قبل ثلاثة أشهر من اعتزاله الدنيا مكرهاً، على رغم فرحه بأشهر عسله الثلاثة.

أخبرتني نرجس تفاصيل حياتها وما جرى في قريتها. كنت أنظر الى عينيها وأخلط بين ما تقول وما أراه: منازل مهدمة، ونساء أرامل، وأطفال يتامى. شبان وشابات بلا مأوى. كنت أشتمّ رائحة الدماء التي سالت في تلك القرية، ولا أستطيع أن أقدّر حجم غزارة نهر الدماء هذا. كنت أشتمّ رائحة البارود ووقود العربات العسكرية، ورائحة القرف والنتانة التي تعشش في أجساد أولئك الهمج مرتكبي المجازر، وأستطيع أن أسمع صوت السكاكين التي تحزّ أعناق الأبرياء. أعرق ويحمرّ جسدي من ألسنة النيران التي أحرقت كلّ الاجساد التي ذبحت كالنعاج في الساحات والبيوت، وأحرقت ما تبقى من الأثاث الذي لم يستطع الأسديون سرقته، لأنهم أرادوا أن يهربوا قبل أن يكتشف أحد فعلتهم تلك.

رسمت تفاصيل تلك الجريمة في مخيلتي كأنني كنت حاضراً فيها. في عيني نرجس فيلم وثائقي ستستعرضه الأجيال وتتحدث عنه عبر التاريخ. اقتربتُ منها قليلا لأمسح دمعة سالت على خدها، فارتعش جسدها المشبع بالحزن مما رأته أثناء المجزرة قبل هربها، والمنتفض بفعل ثورة الكرامة التي تجعلها تصر على بقائها حيّة تشهد الحرية المنتظرة رغم القسوة والدمار والقتل.

لم يخطر في ذهني أي كلام، وودت لو أستطيع حملها وأطير بها كالمجنون، لأجعلها سعيدة أو لأخفف من حزنها قليلا، أو أن أكون مارداً أحقق لها أمنياتها وأدخل السعادة والطمأنينة الى قلبها أو أعيد إليها بعض ما فقدته. نظرتُ من جديد الى عينيها، فشعرت أنني أغوص في أعماق روحها وأكتشف المجهول، المجهول الذي أستغربه تماما، كيف لهذه الفتاة أن تتقبل الواقع وتتعايش مع مأساتها ومع ما فقدته! لم يسعني حينها إلا أن أقاوم بركان الدموع الذي سينفجر من عينيَّ، وقاومتُ الرغبة في أن أضمّها الى صدري لنبكي معاً، هي على ما فقدتْ، وأنا على ما لم أستطع فعله لأجلها.

هدأنا قليلاً ثم تابعنا الحديث، عن أحلامها هي وزوجها وكيف كانا عشيقين، واتخذا قرار الزواج بعد بداية الثورة السورية، متفائلَين بانتهاء الاستبداد والحكم الجائر وببناء سوريا الحرة، وكيف أرادا أن ينجبا أطفالا يعوضون ما حُرما منه خلال حكم آل الأسد، وكيف أرادا أن يزرعا حب سوريا في باطن أطفالهما، وأن يحب السوري أخاه السوري لا أن يقوم بقتله أو استغلاله.

فجأةً، ضحكت نرجس ضحكةً جعلت قلبي يرتعش، والدم ينتفض في عروقي، مذهولاً ومحدقاً في عينيها. قالت: “لا بأس أنا لا أزال موجودة، وسأتزوج من جديد وسأحب زوجي كثيراً، وسأنجب أطفالاً كما حلمت، وسنبني منزلاً آخر نعيش فيه ونخط ذكرياتنا وأحلامنا فيه، ولن يحوّل الأسد ومن يشبهه جنّة الحب التي سأعيش فيها الى جهنم ولو طال الزمن”.

الأسد ذاهبٌ ولن يدوم بقاؤه، وسوريا دُمِّرت لكن لن تبقى مهدّمة. سنبنيها من جديد. أطفال سوريا هم من سيزيلون كل مآسينا وأوجاعنا.

شربتُ القهوة مع نرجس، وضحكنا كأن شيئاً لم يكن، لكنني كنتُ في كلّ لحظة أشمّ رائحة النرجس وأحلم أن تعبق هذه الرائحة مع كل ذرة هواء سورية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 1 = 4

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...