الرئيسية / كتاب الانتفاضة / صبحي حديدي / نزار قباني: مباغتة القطيع الشعري/ صبحي حديدي

نزار قباني: مباغتة القطيع الشعري/ صبحي حديدي

 

 

«قصتي مع الشعر»، 1982، هو العمل الذي شاء نزار قباني (1923 ـ 1998) أن يدوّن بين دفتيه ما يشبه السيرة الذاتية والشعرية في آن معا؛ حتى إذا كانت الفصول المكرسة للسنوات الأولى في حياة الشاعر (الولادة والأسرة والطفولة والدار الدمشقية والمدرسة الأولى…)، أقلّ في الحجم والتفاصيل من الفصول اللاحقة المكرّسة لمسارات التجربة الشعرية. ومؤخرا، صدرت ترجمة للكتاب إلى الإنكليزية، أنجزها جورج نيكولاس الحاج، الذي سبق له أن ترجم «يوميات امرأة لامبالية»، ونصوصا من ابن الفارض وأمين الريحاني وبدر شاكر السياب وخليل حاوي، فضلا عن دراسات حول العصر العباسي وجبران خليل جبران ومي زيادة وغادة السمان.

وفي «قصتي مع الشعر» يعثر قارئ قباني، ثمّ دارسه من باب أَولى، على آراء بالغة الثراء حول الشعر بصفة عامة، ومشهد الشعر السوري خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي خصوصا؛ إلى جانب دور قباني الشخصي في مواكبة التجارب الكبرى لتلك العقود، أو الانشقاق عنها في ميادين كثيرة. على سبيل المثال، ثمة هذا التصريح: «إني أدين لخليل مردم بك بهذا المخزون الشعري الراقي الذي تركه على طبقات عقلي الباطن. وإذا كان الذوق الشعري عجينة تتشكل بما نراه، نسمعه، ونقرأه في طفولتنا، فإن خليل مردم كان له الفضل العظيم في زرع وردة الشعر تحت جلدي، وفي تهيئة الخمائر التي كوّنت خلاياي وأنسجتي الشعرية». أو هذا: «كنت أرفض أن أكون نسخة بالكاربون لأي شاعر آخر. ففي العالم متنبي واحد، ووردثوورث واحد، وفاليري واحد، وبابلو نيرودا واحد… وكل نسخة أخرى تظهر في السوق لهؤلاء المبدعين، هي نسخة مزورة».

و«قصتي مع الشعر» يتوّج سلسلة تنظيرات قباني حول مفهوم الشعر، والسمات التي اعتقد أنها تمثّل هذا الفنّ. سمة أولى هي أنّ الشعر «مخطّط ثوري»، من نوع يرسمه وينفّذه إنسان «غاضب»، بهدف «تغيير صورة الكون». ولقد ذهب الحماس بالراحل إلى درجة القول: «لا قيمة لشعرٍ لا يُحدث ارتجاجا في قشرة الكرة الأرضية، ولا يحدث شرخا في خريطة الدنيا، وخريطة الإنسان»! سمة ثانية ترى أنّ «الخروج على القانون هو قَدَر القصيدة الجيدة»، وما دام هذا أشبه بالشرط الشارط، فإنّ قباني يستمدّ منه حكم القيمة التالي: «ليس ثمة قصيدة ذات مستوى، لا تتناقض مع عصرها، ولا تتصادم معه». ولقد جهد الراحل، والحقّ يُقال، لكي تتصادم قصيدته مع عصره، وكان له ذلك على مستويات عديدة؛ وإنْ كان قد تصالح مع أعراف عصره، في مستويات عديدة أخرى أيضا.

كذلك فإنّ كلّ قصيدة، وأيّا كان الشاعر والعصر، هي «محاولة لإعادة هندسة النفس الإنسانية»، و«إعادة صياغة العالم». وهذه السمة الرابعة تعكس تشخيصا متقدّما للموقف الحداثي من ملفّات النفس الإنسانية، وملفّات العالم أيضا؛ الأمر الذي لم ينسحب بالضرورة على التوجيه الداخلي، الشعوري والحدسي والحلمي، للقصيدة القبّانية ذاتها. وباستثناء الانزياحات الرعوية هنا وهناك في قصائده، حين يبدو أقرب ما يكون إلي سعيد عقل (الذي يقرّ بفضله، مرارا)؛ لا تنفتح ملفّات النفس الإنسانية في قصيدة قباني إلا عبر استبصارات حواسّية محضة، مرهفة تارة وعجلى طورا، «تشمّ» و«تسمع» و«تتذوّق» النفس، أكثر مما تتأمّل فيها وعَبْرها.

السمة الرابعة ترى أنّ الشعر رقص باللغة، ولهذا فالقصيدة تُحدث «عشرات الانفجارات الصغيرة داخل اللغة، فتنكسر العلاقات المنطقية بين الكلمات، ويتغيّر مفهومها القاموسيّ، والاصطلاحي». وحسب الاستعارة التي يستخدمها قباني في وصف تلك الانفجارات والانكسارات، تصبح مفردات القصيدة «مضيئة كأرقام ساعات فوسفورية». وبالفعل، أليست هكذا حال المفردات في هذه الرباعيات الفاتنة: «للمآزرْ/ حينما تنشال بَحّهْ/ إنّ للمخمل صيحهْ/ في الخواصرْ/ واختفينا/ أنتِ.. في قرميد نجمهْ/ وأنا.. في قطن غيمهْ/ ما علينا؟/ لو رقصنا/ ليلنا.. حتى التلاشي/ وحُملنا/ كجنازات الفراشِ»؟ سمة خامسة تصف الشعر بـ»ابن الطفولة الجميل، والمشاغب، والشيطان، والأزعر». والحال أنّ قباني بدأ هذا الطفل بالذات حين أصدر مجموعاته الأربع الأولى، قبل أن تهدأ ثائرته قليلا في «قصائد»، 1956؛ و«حبيبتي»، 1961؛ فيلتفت إلى السياسة، وإلى تجديد عماراته الإيقاعية، وارتقاء درجة أعلى في تناوله لموضوعة المرأة.

أخيرا، وليس آخر السمات في الواقع، أنّ الشعر «اغتصاب العالم بالكلمات». هكذا كان المتنبي وأبو نواس وعروة بن الورد وديك الجنّ الحمصي، وكذلك كان رامبو وفيرلين ولوركا وبابلو نيرودا. وفي التقيّد بدالّة مبشرة أولى هي «الاغتصاب»، ودالّة ثانية غير مباشرة هي طرائق ذلك الاغتصاب كما سجّلها التاريخ الأدبي للشعراء الذين يذكرهم قبّاني، وللخصائص المشتركة بينهم؛ في وسع المرء أن يخلص إلى أنّ فكرة مباغتة العالم في أوج أمانه اللغوي والدلالي والبلاغي، هي التي كانت «المعيار» الذي لازم ذهن قبّاني منذ قصائده الأولى.

ذلك لأنه خرج عن القطيع الشعري الضيّق (الشعراء والتقاليد الشعرية والمملكة الأوتوقراطية) إلى فضاء «العامّة» المفتوح، «حيث اللفظــــة نديّة مغسولة بالماء، وحيث الكتابة الشعرية جمهورية»؛ فكان كمن يباغت العالم القديم بعالم طارئ، لم يكن جديدا تماما بالضرورة، ولكنه أفلح في اختراق المشهد على نحــــو عمــيق جارف، ولهذا فقد تكفّل باجتثاث الكثير من طبائع غريزة القطيع… الشعري!

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“السينما المقاومة”.. عمر أميرالاي والقفز فوق حدود الأفلام الصارمة/ هند عبد الحميد

    في مشهد يبدو سينيمائيًا أكثر منه واقعيًا، يقف مبنى “سينما الأندلس” بمدينة القنيطرة ...