نساءٌ في المعتقل.. قصص حقيقية.

 


معتقلة سابقة.

 

البداية… أسر الحرية

إلى اللقاء يا شارع حريتي

–          كانت المظاهرة قد انتهت بنجاح، تفرقنا وما زلت أمشي على وقع ألحان الشعارات وحنجرتي تؤلمني، دخلت مع بعض أصدقائي في حارة فرعية وبدأنا نخطط لتناول الغداء لنشحن طاقاتنا لمظاهرة ما بعد الظهيرة المنشودة. قررنا أن الغداء سيكون بيتزا.

(ولاك حيوان أنت وياها) كان سربٌ من الشبيحة مع هراواتٍ خشبية غليظة يركضون باتجاهنا، وكل واحد منهم قد حدد غنيمته. ركض باتجاهي وعاجلني بضربة من عصاه فيما كان آخرٌ ينزع الحجاب عن رأس صديقتي ولا أعرف من أين استمديت القوة لألكمه على وجهه لكمةً مباشرةً على العين.

كنا مكومين فوق بعضنا البعض في سيارتهم وبعضهم جلس فوقنا.

من بين يدي أبي

–          عندما خرجت في الصباح كان والدي مصراً بأني أبدو مريضة وأصر بأن أبقى في البيت، أقنعته بأن لدي محاضرة مهمة وأخشى أن أفوتها.

صلاة الغائب التي خططت لها مع أصدقائي هي اليوم، كنت كتلةً من الأدرينالين وأنا أدخل الجامعة وحتى عند تخاطبنا بالنظرات، اجتمعنا قرب الساحة وصليناها على أرواح من غاب من زملائنا.

كنت في الصفوف الأولى وجاء الهجوم علينا من الخلف وملأ الصراخ الفضاء.

اختبأت في مصلى الجامعة بانتظار مرور بعضٍ من الوقت ثم خرجت متوجهةً إلى البوابة، لمحت أبي فركضت باتجاهه وأخبرني بأنه قد أتى ليأخذني إلى البيت عندما تنتهي محاضرتي، عانقته ثم أمسكت بيده وكنا قد مشينا خطوتين عندما انتزعوني من بين يديه انتزاعاً، كنت أصرخ وأبكي وأحاول الإبقاء على خط نظراتنا رغم محاولاتهم في إبعادنا.

كنت قد نسيت كل شيء، ما كان يهمني هو أن أحافظ على إيصال الرسائل إليه (أنا قوية كما عهدتني دائماً، واعذرني على وضعي إياك في موقفٍ لا تستطيع الدفاع عني به… أنت رجلٌ يا أبي ولكن هذا ليس زمن الرجال).

بدايةٌ أم نهاية

–          كنت منهارةً بعد أن خرجوا مصطحبين زوجي ويداي المبللتين بالدموع تغطي عيني لأحتفظ بصور لقائي الأخير به بعد فراقٍ لمدة شهر ولا أنجح بذلك، فصورة وجهه المدمى كانت تقفز فوق بقية الصور.

جلس أخي الصغير على الأرض معانقاً رجلي بيده اليمنى وبيده اليسرى يشرح لأمي كيف كانوا يضربون زوجي وصوته الرقيق مختنق بدموعه.

(يا بنتي، بيكفينا، هي صارت المداهمة الرابعة، وقفنا جنبكن طول السبع شهور الماضية، وأنتي ما تنعمتي بزواجك غير أسبوع واحد، وهلأ أخذوه… اتركيه وبلشي بحياتك من جديد…)

ومن ثم كانت المداهمة الخامسة، ولكن هذه المرة كنت أنا المطلوبة، وكان وعدهم لأمي بأنهم سيعيدونني بعد ساعتين، وبقيت أستعيد وداعي لأمي طيلة أربعة أشهر.

الليلة الأولى

–          آخر ما أذكره بأني كنت في سيارة أجرة لبنانية عائدةً إلى دمشق، والآن أقبع في زنزانة على الحدود تعشش فيها الرطوبة وتملؤها رائحة المياه الآسنة، ويتسرب الضوء على أرضها وجدرانها من خلال الغبار الملاصق للمبة الصفراء.

كان أول ما فعلته هو تمزيق الدفتر الصغير الذي حالفني الحظ وأبقوه معي من ضمن ما أبقوا من أشياء، كنت أفتت الصفحات وأرميها في البلوعة بسرعة دون أن تكون أفكاري مرتبطة في الصفحات التي أمزقها، كان الأشخاص الذين أرمي أرقام هواتفهم يمرون برأسي وأنا أعدهم بأني سأحاول جهدي بأن أنساهم وألا أذكرهم خلال التحقيق، تمنيت لو أني أستطيع تمزيق ذاكرتي ورميها في البلوعة.

بعد أن تلاشى الدفتر، أخذت أقفز لأحاول معرفة ماذا يوجد وراء النافذة، لكن طولي لم يساعدني، تربعت على الأرض غير مستطيعة السيطرة على منحى تفكيري، كنت قد بدأت بتخيل أنواع التعذيب التي سأتعرض لها وكنت أتخيل نفسي أتحدث عما فعلت وعن الأشخاص الذين أعرفهم، ثم تخيلت أنهم يختصبونني، وكنت أتألم لأني لم أستطع أن أتخيل ترتيبهم في استخدام أنواع التعذيب، كنت أريد تحضير نفسي للقادم ولكني كنت وحيدةً مع مخاوفي وليس من أحد ليجيبني.

كان ارتفاع حرف الباب ذو الشبك الحديدي مناسباً جداً، لكن ليس لحذائي شواطات وليس معي زنار، ولا يوجد في زنزانة العفن غير غطاء صوفي مبلل، لم أكن في حياتي على مقربة كهذه المرة من اتخاذ قرار الانتحار.

–          أول مرة أنزلوني بها إلى السجن النظامي كانت في منتصف الليل، أخرجوني من الغرفة وطلبوا مني نزع شواطات حذائي وزنار بنطالي ثم وضعوا الطماشة على عيني وأحكموا إغلاق الأصفاد الحديدية على معصمي واقتادني شخص من خلال إمساكه لطرف الأصفاد، كنت أتعثر خلال المشي.

فتح باب السجن، وبدأت أسمع أصوات الصراخ والآهات، وكلما دخلت أكثر كانت رائحة الدم تقوى أكثر وأكثر وبدأت أخاف، سألوني عن اسمي فأجبت ولكنهم صرخوا بي بألا أقول اسمي بل رقمي…

خلال عبوري الممر رفعوا الطماشة عن عيني قليلاً كيلا أصطدم بالمعتقلين المعلقين من أيديهن أو الجالسين على الأرض، كان رأسي محنياً إلى الأسفل ورأيت أقداماً مكبلة بالأصفاد التي أدمتها ورأيت من تمزقت ثيابهم من جراء التعذيب وتحولوا إلى ركام أشخاص متهالكة على الأرض، أمسكت بطرف قميص السجان الذي يقودني وأسرعت بخطواتي بعد أن اصطدمت بجسدٍ أسمرٍ عار معلق مما أثار ضحكات السجان الذي صرت أحتمي خلفه بضخامة جسده.

نزعو الطماشة والأصفاد وأدخلوني إلى زنزانة فارغة تماماً وبدون إضاءة، وأغلقوا الباب الحديديي خلفهم وبعد أن اعتادت عيناي على الظلام بدت آثار الدماء على الجدران واضحة، اقتربت منها وقارنتها بطولي، كانت تمشيحات دمٍ ناشفة وتبدو كأنها آثار ضربٍ بالسوط على ظهر أحدهم دخل الزنزانة ولم يجد سوى برودة الجدار لتخفيف ألمه.

في المكان الذي لم أألفه بعد جلست القرفصاء قرب الزاوية البعيدة من الباب أراقب كل تفصيل حولي، ارتفاع السقف، طبقتي الحديد المشبك التي تحمي الشباك العالي، الكتابات المحفورة على الباب الحديدي، حتى فقاعات اللحام التي تصل الشباك الصغير بالباب الحديدي، وأصبحت أحصي كم من بلاطة فيها عدم تناسق في الأبعاد على أثر الضوء الداخل إلي من تحت الباب الحديدي المرتفع قليلاً عن الأرض.

كنت خائفة، وكان خوفي الأكبر من أني لم أستطع تحديد سبب هذا الخوف، كان خوفي أكبر من أن أستطيع البكاء.

كنت متوجسة من كل ما يدخل إلي عن طريق أي حاسة من الحواس، الأصوات والروائح وما أرى وما أتلمس.

قضيت وقتاً لا أستطيع السيطرة على أفكاري ولا أتمكن من توجيهها ولم أستطع تحليل وقع الأصوات في نفسي، وكانت أول مرة في حياتي أمسك شعور الخوف تماماً، شيءٌ يتملكك دون أن تستطيع تحليله ومجابهته.

بدأت بتحليل الأصوات، الأبواب الحديدية تفتح وتغلق، سجانين يعطون أوامر، حركة دخول وخروج من الزنازين، حنفية ماء مفتوحة، كلها مع خلفية دائمة من تأوهات من يتعذبون قد ترتفع أو تنخفض، ثم من بين كل الأصوات تخرج كلمات مفهومة (الزنزانة 11 خالص، سيدي)، صوتٌ رجولي ينطق الكلمات بثبات وبصوت مرتفع ليخرجني من دوامتي.

شكراً للشاب في الزنزانة 11 الذي كنت واثقةً بأنه قال جملته هذه ليجعلني أعود إلى الواقع، كنت واثقةً بأنه يعرف بأن فتاة قد دخلت قبل قليل وهي وحيدةٌ في زنزانتها وتحتاج لأن تعرف بأنها ليست وحيدة.

بسبب هذا التواصل استطعت تعريف ما حولي وذهب كل الخوف، فأنا بكل بساطة في زنزانة داخل سجن ويحيط بي أخوتي وشبابٌ مثلي ونحن محتجزون من قبل بعضٍ من السجانين. ركام الأجساد والدماء التي خفت منها عند دخولي هي ما يجب أن يطمئنني، وأما السجان الذي احتميت به هو عدوي.

بدأت أتعرف على من حولي، وكان شق الباب السفلي نافذتي، باب زنزانة مجاورة يفتح ليخرج الشباب راكضون حفاة ثم بعد بضعة ثواني يعودون بأقدام مبلولة تضرب رخام الأرضية (تك تك تك تك تك تك…).

–          كنا نستمد قوتنا من وجودنا سوياً وكان أكثر ما أخشاه هو أن يبعدونا عن بعضنا بعضاً. كانت الطماشات التي تغطي عيوننا مبطنة بصوف الماعز ورائحتها تعزل كل الروائح المحيطة بنا، أيدينا كانت مقيدة إلى الخلف بشريط بلاستيكي محكم الإطباق وكل تحريك لليدين كان يزيد من إطباقه.

كان الاستجواب قد انتهى للتو وتلقينا تعنيفاً ظننا بأنه آخر ما سنسمعه في النهار الذي قضيناه في فرع الأمن قبل أن يطلقوا سراحنا. بتقديري كانت الساعة حوالي الحادية عشرة ليلاً وكنت قد بدأت أشعر بالجوع فآخر وجبة تناولتها كانت منذ الصباح وكنت أحلم بتناول العشاء مع جدتي متجاوزةً فقرة عتابها المتوقع لي.

كنت طيلة النهار ملاصقة لصديقتي وكنا أحياناً ننتهز الفرصة ونمسك بإيدي بعض ولكن منذ عشر دقائق لم أعد واثقة من وجودها بجانبي، أخرجونا من الغرفة إلى مكانٍ مكشوف وكان الشخص الذي يقودني يجرني من كتف معطفي دون أن يوجهني بكلامه أثناء المشي وتعثرت عدة مرات دون تمكني من رؤية أي شيء وبسبب الأصوات المتداخلة من صراخ وضجيج السيارات ومن توتري فقدت كل تركيزي، تركني فجأة وقال (وقفي هوني) وابتعد.

كانت أحداث اليوم تتقافز على مخيلتي وكنت أنحيها وأفكر بما سأقوله لأهلي لتبرير تأخري في العودة إلى المنزل وخلال تصارع أفكاري كنت قد بدأت بالترنح، على الطرف اليميني هناك جسم صلب كأنه درجة تصل إلى نصف ساقي وصرت أرمي بقليلٍ من ثقلي عليها، فكرت بأن وقفتي هذه قد تطول ساعة ريثما يتم التحضير لتخريجنا من هنا.

(شو عاملة وليك؟) أتاني السؤال على ما بدا لي من شخص مر بقربي

(كنت مارقة جنب مظاهرة…)

(ليك ليك الكذب، عرعورية تافهة وليك، كنتي عمتتظاهري؟ وبتقولي سَيدي، شو عاملة؟)

(كنت عمبتظاهر… سيدِي) لم تخرج مني (سيدي) كما يقولها العناصر بل قلتها بكسر الدال

بدأ الضجيج يخف من حولي وكنت أحاول أن ألتقط أي صوت يدل إن كانت صديقتي بقربي،  بدأ الوقت يمر بطيئاً والجو تزداد برودته كنت أرتجف وأحاول الحفاظ على توازني إلى أن سمعتها، كانت أسنانها تصطك ببعضها وأخذ الصوت يعلو أكثر وأكثر وقدرت أن أمتاراً قليلة تفصلنا كنت أتوجع لأجلها ويقيدني وهني وخوفي من أن أسعى باتجاهها وأضع رأسها على كتفي، غطى صوت ارتجافها على كل الأصوات الأخرى وأصبحت أرتجف أكثر وأكثر إلى أن فقدت توازني كلياً ولم تقو رجلي على حملي أكثر فهويت على الجهة اليمنى ولم أستعد وعيي الكامل إلى عندما استقر جسدي بالكامل على طين الحوض الزراعي ركض باتجاهي أحد العناصر وحاول مساعدتي على الصعود ولكني كنت أحاول إخباره بأن صديقتي تشعر بالبرد الشديد، أعطى صديقتي معطفاً وأجلسنا بجانب بعضنا البعض على حافة الحوض وأخبرنا بأن الأوامر تقضي بإبقائنا واقفتان طيلة الوقت دون أي راحة أو استخدام حمام ولكن كون الشخص المسؤول قد ذهب قليلاً فبإمكاننا الراحة قليلاً.

كنا متلاصقتين وتحدثنا همساً وحاولنا أن نغفو قليلاً وبعد أن مر وقت الراحة سريعاً أعادنا إلى وقفتنا السابقة وعدنا بعد مرور الوقت إلى الرجحان والرجفان ثم تحول كل أملي إلى انتظار أشعة شمس الفجر عسى تدفئنا قليلاً بعد أن تغلغل البرد إلى عظامي ولم أعد أستطيع السيطرة على مثانتي.

مع بزوغ الشمس اقتادونا إلى الزنزانة وبقيت منتظرةً أشعة شمس الفجر شهراً ونصف ترافقني ذكرى ليلتي الأولى في المعتقل تاركةً أثر القيد البلاستيكي على معصمي طيلة هذا الزمن.

أملٌ في المعتقل

–          تحولت زنزانتي التي تعد مع مايسمى بالزنزانات الخاصة إلى بيتي الذي أحرص على نظافته وترتيبه بانتظار زيارةٍ من أي معتقلة قد لا يجدون لها زنزانة جاهزة ويضعوها معي كما حدث لأربع مرات في إقامتي هنا منذ خمسة أشهر، منذ زمنٍ لا أستطيع تحديده الآن ألبست أحلامي لباساً فصلته على حدود المعتقل واكتمل هذا اللباس عندما أتم المحقق جملته (ما حطتلعي من هون قبل ما أبنك يسلم حاله، بركي بتتربو ما تستغلو أنكن نسوان وتساعدو بتهريب السلاح، ويكون بعلمك لخليكي تشتيهي تشوفي مرا وأنتي عنا، مو عاملة حالك رجال).

لكن واقع الازدحام في المعتقل خالف رغبة سيادة المحقق، واجتمعت بنسوةٍ لفترة من الوقت.

كان جميع من في الجناح يتوقعون ما هي الزنازين التي تقطنها نساء فمشرفو السجن ينبهون دوماً على شباب السخرة بألا يفتحوا شبابيكها عند تسليم الطعام (الزنزانة 8 و 10 و16 لا تقرب عليها ولاك حيوان).

زنزانتي هي ال 16 بجانب الحمام ومن منفذي الوحيد إلى العالم الخارجي وهو فتحة أسفل الباب الحديدي كنت أعرف كم عدد النساء في الزنازين الأخرى عند دخولهم في دورهم إلى الحمام وكنت أتوقع أعمارهم من أشكال أحذيتهم في البداية كنت أحسدهن لوجودهن مع بعضهن عندما كانت تتناهى إلى مسامعي همساتهن وضحكاتهن أحياناً ثم وبعد مرور الوقت صرت أكتفي بمراقبتهن وبدون جميعاً أصغر مني سناً وصرت أعزي نفسي بأن الأصغر سناً ربما يكن بحاجةٍ أكثر مني إلى أن يكن سوياً يساعدن بعضهن بعضا.

الآن وبعد مرور كل هذا الوقت لم أعد أحلم أي حلمٍ غير مسيطرٍ عليه، ووصل كل قلقي على أولادي وزوجي وعائلتي إلى حافة مخيلتي وانتحر من هناك، ولم أعد أحاول التحايل على العناصر لمعرفة أخبارٍ عما يجري في الخارج، كل شيءٍ أصبح سواء، وتحول كل همي لجعل إقامتي هنا أفضل ما يمكن من محاولةٍ للحصول على أفضل الطعام الموجود والاستحمام مرتين في الأسبوع وغسل ثيابي وقضاء الحاجة والوضوء في الوقت الذي أريده حتى من أجل صلاة الفجر.

ولم تكن حركة صاحبة الحذاء الأزرق من ضمن مخططاتي لكني لا أنكر بأنها رسمت الابتسامة على وجهي على غفلةٍ مني وأدخلت روحاً من الأمل إلى زنزانتي.

من مراقبتي أعرف بأنها تقطن الزنزانة 8 هي والفتاة ذات الشحاطة السوداء منذ شهرٍ تقريباً، وأعرف بأنها فضولية كثيراً لأنها وعند انتظارها قضاء حاجة زميلتها تنتهز فرصة ابتعاد العناصر وتتجول قريباً من الحمام.

وطالني فضولها عندما أدخلت من فتحة باب زنزانتي السفلية قشرة برتقال كبيرة نسبياً وجعلتني أبعد وجهي وأنا أراقب ما يجري، أمسكت القشرة ونظرت داخلها لأجد (الله معنا) محفورة على الطرف اللين الأبيض.

أنوثة وذكورة

–          تركت هوسي بتعليق صورٍ للممثلين والمطربين على حائط غرفتي وباب خزانتي منذ بدء الثورة ولم يعد حديثنا أنا وصديقاتي عن توم كروز أو أنتونيو بانديراس بل أصبحنا نحلم ونتوازع شباب الثورة فيما بيننا وكانت جدالاتنا قد تصل حد الخصام، أما أنا فتركتهن بجدالهن وبدأت في بحثي عن شابٍ بأخلاق وهدوء غياث مطر وشعره مثل شعر باسل شحادة وعنده نظرته الفنية ويغني مثل القاشوش وعنده قدرة هادي العبد الله الأدبية وشجاعة عبد الرزاق طلاس ورياضي كالساروت ولا مانع من أن يكون طبيباً مثل إبراهيم ناهل عثمان وأنيقاً مثل أديب الشيشكلي وله شموخ وإصرار كل ثائرٍ سوريٍ شاب.

كان العنصر المقيت الذي وصلت رائحة عطره إلى آخر الممر يقتداني إلى غرفة التحقيق للمرة الأولى مارين بعشرات الشباب المعلقين من أيديهم أو الجالسين على الأرض أو الواقفين مواجهةً للحائط وكلهم منحني الرأس ممزقي الثياب وغالبيتهم مطمشي الأعين وأجسادهم مدماة، والتقت نظراتي بنظرات شابٍ معلق من يديه وأصابع قدميه بالكاد تلامس الأرض خجلت من نفسي وأنا أنظر أليه وهو في هذا الحال فأشحت بنظري.

خلال التحقيق لم يبرح الشاب ذو الشعر المجعد رأسي وكلما تناهت إلى مسمعي صرخةٌ ألمٍ أو أنين كنت أنتفض في مجلسي وأتلعثم، كم وددت أن أعود بالزمن إلى الوراء فقط لبضع دقائق لكنت حافظت على لقاء نظراتنا وابتسمت له فأنا أحتاج أن أقوى به كاحتياجه لأن يقوى بي.

في أحلامي داخل المعتقل كنت أتخيله يكسر قيده عندما يلمحني وينقذني من بين يدي السجان فأضمه وأمسح دمه بطرف ثوبي، أما في واقعي فكنت أنتهز أي فرصة لأرسل نظراتي باتجاه عيني أي معتقل وأبتسم.

أعشقكم وأفخر بكم يا من تخبؤون في قلوبكم شجاعةً لا مثيل لها نشعر بها رغم انحناء ظهوركم وانخفاض رؤوسكم واختباء عيونكم خلف طماشاتٍ جوفاء.

لحظة الإفراج

–          كان يوم جمعة وكنا ثلاث نسوة في زنزانة أبعادها متر ونص بمترين وجيراننا في الزنزانتين المجاورتين تسعة شباب على اليسار وثمانية على اليمين، وكان الصمت يسود بيننا بعد حفلة المجون التي قام بها السجانون في الزنزانة اليسرى.

قبل أن يأتي هذا اليوم كنا نتواصل مع شباب هذه الزنزانة بقرع نغماتٍ على الجدار الفاصل بيننا، كنا نرسل لبعضنا تمنياتنا بوجبة طعامٍ مشبعة أو التهاني للاستحمام أو تعاطفنا عند المرض أو تشجعينا على حديثٍ أو تعليق بين أحدنا وأحد السجانين. منذ أسبوع أتوا بشاب جديد إلى الزنزانة اليسرى ومن وقتها تغير كل شيء.

يبدو عبد شاباً في العشرينات أسمر البشرة وقدميه صغيرتان، أتوا به بتهمة إلقاء جثث رجال أمن في نهر العاصي، وقد أصبح هدفاً يصب عليه كل السجانين غضبهم وانتقامهم.

(ماتزت الجثث بالنهر يا ابن *****؟ شو عملولك؟ *** أختك يعني؟)

(ما قتلت حدا يا سيدي…)

(ما بيهمني مين قتلهن يا ****، ما بتعرف أنه إكرام الميت دفنه؟ يا حيوانات الكل يقعد وهاد الجحش بيضل واقف طول الليل ومقابيل طاقة الباب ورافع إيديه وحخلي الطاقة مفتوحة وإذا مرقت ولقيته منزل دياته بدي عاقب الكل).

ونتعاطف معه ولكنا لا نجرؤ على القرع على الحائط.

(الكل يرجع عالزنزانة ليخلص حمام إلا هاد الكر)

(هيك ربطتلهن إيديهن ورا ضهرهن يا حيوان؟)

(هيك زتيتهن؟)

وكنت أراقب ما يجري في الممر من تحت باب زنزانتنا ورأيت وجهه وهو يرتطم بالأرض، رجعت إلى الوراء ونظرت في عيني زميلات زنزانتي وبدأنا بالدعاء.

(يا سخرة هات سطل مي)

(زتيتهن بالنهر يا حيوان؟ هلق بعملك نهر لانك بتحب المي، والكهربا هدية مني يا ****)

وتكررت حركاتٌ من هذا النوع طيلة الأسبوع وما حدث يوم الجمعة كان أشدها وآخرها خلال وجودي، كانت عملية جمع قصعات وجبة الغداء قد انتهت وبدأنا باختراع الأحاديث في انتظار البدء بإخراج المعتقلين إلى الحمام لقضاء الحاجة على التتالي، في العادة يتم إخراج معتقلي الزنزانة 1 ومن ثم الزنازين التالية ولكن أول باب تم فتحه اليوم هو باب الزنزانة المجاورة لنا.

هرعنا منبطحات ونحن نتدافع نحو فتحة الباب في حين تداخلت جمل ثلاثٍ من السجانين

(يا الله يا شباب اليوم عندكن وقت زيادة للتواليت ويلي بده يتحمم أو يغسل أواعيه يدبر حاله)

(طلعو كلكن وخلولنا ابن الحرام هون لشوف)

(بدنا نشيع رجال الأمن اللي زتيتهن بالنهر يا حيوان وبدنا نشوف قوتك ورجوليتك)

خرج الشباب من الزنزانة بخطواتٍ مترددة ونحن انكمشنا على بعضنا البعض ونحن نسمع أصوات الجَلدِ بالزنانير والضرب بالعصي الكهربائية وسط شتائم السجانين وصراخ وأنين الشاب.

ابتعدت عن الحائط الذي طالما مررت كف يدي عليه قبل أن أقرعه فقد كان يساعدهم في تهشيم رأس وأضلاع الشاب.

بعد مرور ساعتين كنت مستلقية ووجهي للحائط وزميلتي تتلوان آياتٍ من القرآن وبعضاً من الأدعية، وفجأة يشق صوت الرعد الصمت المحيط بنا ويعلو صوتاهما في الترتيل ويعلو صوت الرعد أكثر ويصبح لون كل شيء أحمر.

تجهش صغرانا بالبكاء وتقف مواجهةً للنافذة العالية جداً وتستمر بالدعاء وقفت وضميتها إلى صدري وكانت ترتجف وهي تقول

(لك هادا غضب من السما، ما عميفهمو ما بدهن يخلصونا، هادا لون الدم لون السما أحمر)

(لا تشوفيه هيك… شوفيه أنه المطر نازل لونه أحمر ليغسل الدم من الشوارع وليطلع الوجع من قلوبنا)

وتستمر بالبكاء

أجلستها بجانبي وذراعي ما زالت تضمها وقلت لها

(خالتي كانت تتفائل وقت يصير لون السما أحمر، يوم عرس بنتها كانت الدنيا هيك متل اليوم وكل القرايبين اتدايقو ما عداها كانت عمتقلهن انه هي المطر بتغسل كلشي بشع ووسخ وبتجيب الفرج والسعادة، تعي ندعي أنو يجي الفرج)

هدأت قليلاً وجلسنا متقاربات ندعو لجارنا الشاب ولكل المعتقلين وللأطفال ولكل من يتعذب واستمر دعاؤنا حتى تعبنا وغفونا.

صحوت على صوت قرعٍ على باب زنزانتنا ونخزت زميلتي لتعدلا من لباسهما ورددت بقرعةٍ على الباب، كان مدير السجن بالباب يدعوني لتجهيز نفسي للخروج.

خاص بصفحات سورية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...