الرئيسية / كتاب الانتفاضة / صبحي حديدي / نسيوا يقولوا سوريين!’

نسيوا يقولوا سوريين!’

 


صبحي حديدي

خلال الأشهر الأولى التي تلت توريث بشار الأسد، ثمّ ‘التصويت’ على ترقيته إلى رئاسة الجمهورية العربية السورية، بنسبة 92،79 ‘ كما يتوجّب التذكير، اعتبر رهط من المتفائلين أنّ علائم العهد الجديد الإيجابية تتجلى في تخفيف مظاهر عبادة الفرد، التي اقترنت بعقود حكم أبيه الثلاثة. اختفت، تدريجياً، الصور العملاقة المنصوبة في الساحات الرئيسية، وتناقصت الأغاني التمجيدية، وهدأت نبرة الشعارات التأليهية، وتراجعت التظاهرات الحاشدة التي كانت تمرّ أمام شرفة قصر الروضة كلّما حلّت ذكرى ‘الحركة التصحيحية’، أو اقتضت المناسبة استعراض العضلات وتبيان القدرة على حشد ‘الشارع’ الشعبي.

لكنّ نظام الوريث سرعان ما استأنف العادات القديمة ذاتها، بل زاد على الماضي في معدّلات عبادة الفرد تحديداً، وزاود في الهبوط بأنساق ابتذال كرامة الإنسان الفرد أمام القائد الأوحد. ولعلّ الابتكار الأحدث في هذا المضمار هو المشهد المسرحي الذي شاع خلال ما سُمّي بـ’المظاهرات المليونية’، بعد الأسبوع الأوّل لاندلاع الإنتفاضة السورية، والذي مورس على نحو موحّد متماثل في جميع مظاهرات السلطة على امتداد محافظات القطر، ممّا برهن على أنّ الأداء كان وحياً من أجهزة السلطة الأمنية والحزبية، وأقرب إلى الأمر. والمشهد، المشروط بوجود العدسة التي تسجّل بالطبع، يتضمن قيام المواطن بتقبيل صورة بشار الأسد، مراراً وتكراراً، ثمّ وضعها بعناية على الأرض، والسجود أمامها، وتقبيلها مجدداً، مع هتاف هستيري يقول: ‘مطرح ما بتدوس/ نحنا نوطّي/ نحنا نبوس’!

وكانت الشعارات السابقة، التي جرى تفريخها ابتداء من ‘المظاهرات المليونية’ في آذار (مارس) 2005، ثمّ صارت ‘لازمة’ لا غنى عنها من أجل تطريب المتظاهرين في السنوات اللاحقة، قد ضمّت هذه النماذج، على سبيل الأمثلة: الترنيمة الأزلية ‘بالروح! بالدمّ! نفديك يا بشار!’؛ والأخرى، التي لا تخلو من دموية منفّرة: ‘يا بشار لا تهتم/ عندك شعب بيشرب دمّ’؛ والثالثة، التي سجّلت العودة الأوضح إلى عبادة الفرد: ‘الله! سورية! بشار وبسّ!’، وهذه استُخدمت خلال الأسابيع الأخيرة ردّاً على هتاف الإنتفاضة المركزي: ‘الله! سورية! حرّية وبسّ!’. وعند كلّ مظاهرة سلطوية، كانت وكالة الأنباء السورية، ‘سانا’، تعيد تكرار الأكذوبة الفاضحة حول هوية الجهات المنظّمة للمظاهرة: ‘فعاليات اجتماعية وثقافية واقتصادية خاصة’، ثمّ، وهنا طامّة التكاذب، ‘مؤسسات المجتمع المدني’!

أثناء الفترة ذاتها، كان ممثّلو ‘المجتمع المدني’ السلطويون، إياهم، يرسلون أعوانهم وأزلامهم لكي يخترقوا صفوف اعتصام مدني أمام قصر العدل في العاصمة السورية دمشق، احتجاجاً على استمرار فرض حالة الطوارىء والمحاكم والقوانين الاستثنائية والعرفية. ولكي تختلط المأساة بالمهزلة، رفع المخترقون شعارات المظاهرات المليونية ذاتها، وشقّوا حناجرهم بالهتافات التي تفدي بالدم، ولا تشرب إلا الدمّ، بل لجأ بعضهم إلى انتزاع العلم السوري من أيدي بعض المعتصمين، واستبدلوه بصورة بشار الأسد! وأمّا القادة الشباب لهذا ‘المجتمع المدني’، فقد كانوا أنجال تماسيح النهب والفساد والتجارة القذرة، فضلاً عن قطعان ‘الشبّيحة’ الذين يتوجب أن يكون لهم في كلّ عرس قرص.

والحال’أنّ استئناف العادات القديمة الذميمة كان سيجد بعض مسوّغاته لو أنّ النظام واجه تهديداً جدياً داخلياً، من معارضة منظمة قادرة على الذهاب بالسلطة إلى خطوط الدفاع الدعاوي والتعبئة الشعبوية، أياً كان مقدار الديماغوجية في تنظيم تلك الخطوط. ورغم أنّ ‘ربيع دمشق’ لم يكن يندرج في خانة الأزمات التي يمكن أن تهزّ أركان النظام وتكشف طبيعته الإستبدادية، القديمة والمتجددة، فضلاً عن حقيقة أنّ ذلك ‘الربيع’ كان في الأساس قد أطلّ على حياء؛ فإنّ السلطة لم تحتمله إلا بضعة أسابيع. ونتذكّر أنّ ذلك ‘الربيع’ كان أقصر بكثير من أن يسمح بعبور سنونوة واحدة، وأضيق نطاقاً من أن يستوعب نقاشاً سياسياً معمّقاً، مثل ذلك النقاش حول مفهوم المجتمع المدني ذاته، والذي بدأ صادقاً ومتواضعاً، لكي يتوقف غائماً وسفسطائياً.

اليوم، وطيلة الأسابيع العشرة من عمر الإنتفاضة السورية، أخذت ثقافة المقاومة’الشعبية السلمية ترتقي بالنقاش، على قدم المساواة مع ارتقاء أساليب التظاهر وأنساق الاحتجاج، وصارت دينامية الحراك تتجلى بصفة خاصة في الهتافات والشعارات المرفوعة، وما تستولده هذه من خطاب وعي ذكيّ اللغة، ورفيع من حيث محمولاته السياسية. وبين أذكى اللافتات تلك التي تقول: ‘أنت في المكان الخطأ، هنا درعا (أو بانياس، دوما، حمص، اللاذقية، القامشلي…) وليس الجولان’؛ أو أخرى تقول: ‘الرجاء استخدام الرصاص المطاطي، إسوة بالجيش الإسرائيلي’؛ وثالثة: ‘هذا هو الإصلاح/ طلقة لكلّ مواطن’. وبين أذكى الهتافات ما يشدّد على الوحدة الوطنية، مثل ‘واحد واحد واحد/ الشعب السوري واحد’، أو يبرز الكرامة الوطنية: ‘الشعب السوري ما بينداس/ والسوري مرفوع الراس’، و’من القامشلي لحوران/ الشعب السوري ما بينهان’؛ أو يدين النظام: ‘خاين يللي بيقتل شعبه’؛ أو يفضح إعلام السلطة: ‘ لا إخوان ولا سلفية/ هاي الكذبة الإعلامية’.

وتبقى، لا ريب، تلك الأغنية البارعة اللاذعة، التي تؤديها مجموعة أطلقت على نفسها اسم ‘فرقة المندسّين السوريين’، في غمز ساخر من أكاذيب النظام، ويسير مطلعها هكذا: ‘قالوا عنّا مندسّين/ قالوا عنّا مخرّبين/ قالوا عنّا مسلّحين/ قالوا عنّا سلفيين/ قالوا عنّا وياما قالوا/ ونسيوا يقولوا سوريين… سوريين… سوريين!’

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...