الرئيسية / كتاب الانتفاضة / تهامة الجندي / نصوص “نوافذ” عن المشرق… مسيحيين ومسلمين

نصوص “نوافذ” عن المشرق… مسيحيين ومسلمين

 

حين دقّت مسز عايدة بوابةَ الأهل وردّت الولد التائه إليهم/ وضاح شرارة
لا يذكر الولد الناشئ أو المترعرع في بعض أسر المسلمين الصيداوية، المدينة الساحلية والمختلطة، أو البنت جبيلية، الداخلية الريفية والشيعية من غير استثناء والقريبة من عين إبل المسيحية ويارون المختلطة، شأني، ابتداءً لـ»علمه» بالمسيحيين، وحضورهم عالَمه، وهو عالم أهله ودنياهم القريبة في أربعينات القرن العشرين. والحق أن تعريف أصحاب هذا العالم، وهم الأهل ودائرتهم الاقرب، بالمدن والبلدات الكبيرة، وبمواقعها وقربها من بلاد ينزلها مسيحيون أو بعدها من هذه البلاد، لا يستوفي أسباب «العلم» المبكر (أو المتأخر) كلها، ولا معظمها. فإلى قرب مساكن المسيحيين من مساكن الأهل المسلمين وجوارها القريب، وهذا القرب تشاركه سَكَنُ الجماعات الدينية المتفرقة في معظم المدن الصغيرة والقليلة السكان أو في البلدات والقرى يومذاك، أدى عامل آخر الدور البارز في التعارف والاختلاط المبكرين، هو الدراسة والتدريس.
فالأسرتان اللتان رعتا نشأتي، أسرة أمي في صيدا وأسرة أبي في بنت جبيل، وغلبتا على حضانتها، وقامتا محل العائلة النواتية التي قوضها انفصال الوالدين السريع، هاتان الاسرتان كان التعلم والتعليم في مدرسة رسمية أو أهلية مختلطة تقليداً جارياً فيهما. فلم يقتصرا، التعلم والتعليم، على والدتي ووالدي، وهما تعارفا في دار المعلمين ببيروت (حوض الولاية) في ثلاثينات القرن الماضي، بل سبقا الى جدتي لأمي، وهي توفي عنها زوجها، التاجر المتواضع، ولما تبلغ الاربعين. وترك لها ستة أولاد، 4 بنات وولدان فتيان، ولم يترك إرثاً يعود عليها، وعلى أسرتها، بما يعيلهم. فتوسط بعض وجوه العائلة، وعلاقتهم بموظفي الانتداب الفرنسي لا تشكو الجفاء، وهي كانت تحسن القراءة والكتابة، فوسعهم تحصيل عملٍ في التدريس لقريبتهم، ومع العمل مرتبه أو راتبه الشهري والنقدي الجاري.
وجدي لأبي كان شيخاً معمماً، درس على عمه، أخي والده ووالد زوجته من بعد. وكان عمه نجفياً شاباً، ومدرساً معروفاً. وحالت الحرب الاولى، بين حواجز ومواضع أخرى، دون سفر الشاب، جدي، الى النجف. فخلف عمه، وهذا توفي شاباً، على بقية مدرسته. فكان أن طلب معظم أولاد جدتي لأمي، خالاتي وأحد الخالين، ومعظم أولاد جدي لأبي، أعمامي وواحدة من العمتين، «العلم»، ودرسوا (ودرسن). ومعظمهم انتهى مدرساً أو معلماً وأستاذاً في مرافق الدولة التعليمية. وقلة يممت شطر التجارة وزاولتها في المهجر وراء البحار، وفي الوطن، على قول الناس الشائع يومها.
وكان التلامذة والمعلمون، أولاداً وأهلاً، مسيحيين ومسلمين (ويهوداً بصيدا)، يختلطون. فيحضرون المدرسة معاً، ويتداولون الرأي في شؤون التدريس. وبعضهم كانوا يتزاورون، فلا تبقى المعرفة والمودة والإلفة حكراً على العاملين معاً أو على المتتلمذين، وتتخطى هؤلاء وأولئك الى الاهل والاقارب والجيران. ولم يكن ليفوت الجيران الفرق الظاهر، في القيافة والملبس، بين الزوار وبين من يزورون. ويعود تذكري الاول زيارة أصحاب أو اصدقاء مسيحيين اهلي بمحلة المصلبية، بصيدا القديمة المملوكية، الى الوقت المدرسي هذا. فأذكر أنني في وسط جمع من الاهل، هم أمي وجدتي وخالاتي وخالي، على الارجح، والحاجة عائشة مالكة الدار التي كان أهلي يؤجرون مسكنهم منها، ويختلفون الى اليوم في شهرتها العائلية، فيذهب بعضهم الى انها من آل العيتاني، وأذكر أنها من آل كشلي، وهي عائلة الحاج صاحب الدكان في أسفل المبنى-. وربما كان أبي بين المجتمعين.
وفي الجمع العائلي القريب رجل وامرأة على حدة من الاهل. والمرأة طويلة، عنقها الطويل والأملس والطري يزيدها طولاً ووجهها مبتسم من غير انقطاع. وتكشف ضحكاتها عن صفي أسنان بيضاء وقوية الالتماع، تحوطهما شفتان حمراوان وممتلئتان، ولا ريب في عودة حمرتهما الى قلم حمرة. ويجلل الرأس شعر قصير غريب يميل كذلك الى الحمرة. وتلبس المرأة الشابة، البيضاء والجميلة والضاحكة، تاييراً، من سترة وتنورة زرقاوتين. والى جنبها رجل يبدو أقل فتوة وضحكاً وانفعالاً منها. فهي تتوسط الجمع، والاهل مشدودون اليها والى روايتها، ويعلقون على كلامها. ويتردد في التعليقات اسمها، عايدة، أو مسز عايدة، أو نسبتها الى شهرة زوجها أو شهرتها هي، مسز قرعوني. وموضوع الكلام والرواية والانفعال هو أنا، العائد من تيه خارج المدرسة القريبة، وكنت «أدرس» في حضانتها الاولى، قادنا الى السكة الحديد في ضاحية صيدا، بين المدينة وبين مدرسة الاميركان الانجيلية، بجوار ما صار مخيم عين الحلوة في أعقاب سنتين ربما من رحلة «ضياعي»، على ما سمى الأهل الرحلة المرتجلة الى موضع لا علم لنا به ولا داعي أذكره في وسعي أن أسميه دعانا إليه.
وحملني ربطُ أجزاء المشاهد بعضها الى بعض ووصلُها، وهذا ما رواه الاهل من بعد علي مرات كثيرة، حملني على خبر متماسك هو اننا «ضعنا»، زميلي وأنا، ولم يدر الأهل كيف يقتصون أثرنا، ولا أين. وكان الوقت بعد الظهر، وقريباً من الغروب، والفصل ربيعاً أو آخر الشتاء. وقضوا ساعات مرهقة من القلق والتخمين في أبشع التصورات والخيالات. وقبيل المساء، دق بوابة الدار زائران، السيدة قرعوني ، إذا صح أن هذا اسمها، وزوجها، ومعهما ولد البيت الضائع. وروت السيدة على الجمهرة الصغيرة انها وزوجها كانا يمران بجوار خط السكة، عائدين من زيارة أهل في المية ومية القريبة، ورأيا الولدين، فقالت عايدة أن احد الولدين يشبه ابن أخت توفيقة، خالتي وزميلة دراسة السيدة أو تدريسها. وأدركت أن الولدين هاربان أو تائهان. فما كان منها ومن زوجها إلا حمل الولدين في سيارتهما، أو في حنطور (عربة يجرها حصانان) كان بعض أهل صيدا يستعملونه في انتقالهم القريب.
وهذا الجزء من الخبر لم يبق شيء منه في ذاكرتي. فأنا أذكر مشيي وصديقي بجوار السكة الحديد وعلى عارضات الخط، ووقوفنا على مصطبة محطة تشرف على السكة، وكلامنا الى رجلين سوداوين ينبغي أنهما كانا جنديين فرنسيين. وأذكر بعد هذا الجمع الذي استقبلنا، وأحاط بنا، والمرأة الطويلة والجميلة في تاييرها الازرق الانيق وحديثها ووقع حديثها علينا كلنا. وأما متى تركنا المدرسة، وكيف نوينا الرواح في نزهة، وما أدرانا من أين الذهاب، ومراحل الرحلة والتماسها مرحلة بعد أخرى، فلا دليل إليها، أي الى خاتمتها، إلا رواية السيدة، وروايات الرواية على ألسنة الاهل من بعد.
وأردد اليوم أصداء الحادثة القديمة، وألمّ شتاتها، وأترك تحقيقها (ففي وسعي مكالمة بعض من حضروا الحادثة، ويحفظون الأسماء وربما الأقوال حفظاً دقيقاً، ولكنني لا أفعل وهذا ليس موضوعي ولا مطلبي)، لأن ما تفتقت عنه، أو ما حفظها وتماسكت به ولم تكف عن ترديده، هو جمعها علامات فارقة ومتضافرة عرَّفت في الحال، ثم من بَعدٍ متطاول ومتصل، اسماً (مسيحياً) ومعنى. فالمرأة الشابة تتقدم الزوجين، وترجح كفتها، ظهوراً وعبارة وتألقاً، في الميزان. وهذا علامة أو إشارة لم يخطئها انتباهي، وأنا اليف مجتمع نسائي: الجد توفي، ورأس الأسرة جدة عاملة وبكر بناتها العاملة كذلك، وكبير الخالين في المهجر وصغيرهما تلميذ خجول يدرس… ولكن ألق السيدة قرعوني من صنف آخر، ولا يمت بشبه الى ألوان نساء أهلي القاتمة والداكنة. ولا يقيد عبارة الوجه وقسماته، وفيها الشعر القصير وربما المصبوغ، القيد الذي يحول بين وجوه أهل خؤولتي وبين العبارة المسترسلة والمتدافعة والصاخبة. ولا أذكر أنني رأيت تاييراً على امرأة قبل تايير السيدة عايدة الازرق، «السماوي» الزرقة. ولم تقتصر أناقته على لونه وقماشته، وبساطة رسمه وقَصَّته. فقبة السترة تحيط بالرقبة برفق، ولا تستعجل ستر أعلى الصدر العالي، فتتصل الرقبة الطويلة بفسحة الصدر قبل أن تشد السترة على النهدين. والزوجان، السيدة قرعوني والسيد قرعوني، يجولان في حنطور، على الارجح، أو في سيارة، ويخرجان من المدينة القديمة الى ظواهرها، والى زياة أهل. وهما يخالطان الأهل من طريق المدرسة.
ومذ ذاك، لم تفك المصادفات المتواترة العقد الذي ربط بين الاسم والمعنى «المسيحيين»، وهما جلتهما المرأة الصيداوية الجميلة والانيقة في حلة استهلال بهية، وبين التعليم على وجوهه الكثيرة. فغداة «الضياع» القصير انتقلت من مدرسة المقاصد الى «مدرسة الاميركان»، بضاحية صيدا الشرقية (وهي «شرق صيدا»، على ما سمت الصحافة ووسائل الاعلام سبحة الضواحي والقرى والبلدات التي هاجمها مقاتلون مسلمون شجعان، وحرقوا بعض بيوتها، وهجروا معظم أهاليها، واطفأوا أنوارها، غداة جلاء القوات الاسرائيلية عن صيدا المحتلة في شتاء 1985). وفي «مدرسة الاميركان»، الانجيلية والبروتستانتية، كان ابتداء النهار المدرسي اجتماعاً غريباً في قاعة واسعة، ربما كانت هنغاراً من مخلفات القوات البريطانية، صفت لصق جدارها العاري والمنحني مقاعد واطئة ومستطيلة من خشب. وكان التلامذة يدعون الى الجلوس والسكوت. وينهض رجل ثلاثيني أو اربعيني، شاحب الوجه وصقيله، عيناه حزينتان، يلبس بذلة رمادية لم يبدلها بغيرها طيلة سنتين قضيتهما في المدرسة، ياقتها عند مقدم الرقبة متصلة، على ما كان قساوسة البروتستانت يلبسون. ويتلو حكاية من كتاب سمعت أنه «الانجيل». ويدعو الحضور، بعد انتهائه من التلاوة، الى تأييد الحكاية وعبرتها برواية حوادث شهدوها، أو سمعوا بها، تخلص الى العبرة نفسها.
وكانت المدرسة مختلطة، وكثير من تلامذتها هم من أولاد أقارب سبق أن رأيتهم في زيارات الاهل. وبعض المعلمات (من غير المعلمين؟ لا يعقل) كن من صديقات خالاتي، وبعضهن يترددن الى البيت العائلي. وإذا التقينا في المدرسة، في أوقات الفرص بين الدروس أو في أثناء طعام الغداء وربما في الصفوف، كن يقبلن علينا، ويكلمننا ويمازحننا. وبقي من السنتين هاتين، الى دخول الصفوف صنف من التلامذة، وهو اقتصر على تلميذ واحد في صفي سمي بالفلسطيني- بقيت حادثة فاجعة ترددت بعض اصدائها في بيت الأهل.
ففي صبيحة أحد الايام، بينما كان التلامذة يتوافدون على المدرسة، وعلى قسمها «العالي» الذي يقوم على رابية مستديرة تطل أبنيتها الخشبية، ومنها هنغار الصلاة، على السهل أسفل الرابية، وعلى ساقية تجري مياهها القليلة بمحاذاة الرابية- انحدرت دراجة هوائية يركبها احد التلامذة من أعلى الرابية بسرعة خاطفة، وانحرفت قليلاً عن الجسر الضيق الذي يصل الرابية بالسهل، واصطدمت بالسور الواطئ والمطل على النهير الناضب. وهوى انطوان على حجر مستديرة وكبيرة مثل حجر رحى في وسط مجرى الماء الطيني، وتكوم جسده وكأنه نائم على جنب وذراعه في قميص قصيرة الكمين تحت رأسه، وتتقدم ساقه المنحنية والعارية في البنطلون القصير ساقه الأخرى.
ولم يقل أحد شيئاً أو كلاماً، ولم تنفجر صرخة بالبكاء أو العويل. وبدت الحادثة، وما بقي منها هو اضجاع انطوان وحيداً على صخرة عريضة في وسط مجرى نهري ربيعي وطيني، بدت واقعةً من وقائع الطبيعة التي لا يد للبشر فيها مثلَ وقوع صاعقة على شجرة كثة ومائلة في سهل فسيح، ولا شاهد على وقوعها وعلى حرقها الشجرة إلا تخوم السهل البعيدة والمغبرة. وعلى نحو قريب من هذا، خلا مشهد انطوان نائماً على سرير النهر القريبة، والمنحدر الأجرد الى شمالها وشرقها، والسروات التي تحف بيوت الرابية الخشبية، في مواضعها، وفي انتظار مريب ومديد.
ولم يعد أحد الى الكلام في الحادثة. والوقت الذي انقضى بعدها انخلع منها، ولم تخلق أثراً فيه. ولكن حداد الاهل على انطوان، وهو أخو معلمة من معلمات المدرسة وصديقة من صديقات الخالات، وصل عالم الاهل الحميم بالاسم «المسيحي»، وتخطى دائرة الرابطة المهنية. وهذه لم تختصر يوماً علاقات الصداقة والصحبة التي جمعت الخالات الى صديقاتهن وصواحبهن، وإلى أهل الصديقات والصواحب. وإذا كان التعليم ذريعة الاختلاط والتعارف فهو سرعان ما كان يفضي الى شراكة قريبة وحارة في شؤون الحياة اليومية الخاصة. فأخت انطوان حلت ضيفة أثيرة على بيوت الاقارب. ولما مرضَت، واضطرت الى الرواح الى بيروت، كانت إحدى الخالات رفيقة سَفرها ورواحها الى عيادة الطبيب. وبتنا نحن الثلاثة، ولست أذكر لماذا كنت في الركب، ببيت أقارب هناك. وسرت في الاحاديث الخافتة، وعلى وجوه الاهل، همهمة أوحت بأن من مشاغل الساعة الملحة زواج لور (من أي ثنية من ثنايا زمن لا أذكره خرج الاسم الرقيق والخافت؟)، وأن قسطاً من المهمة تتحملها بنات العائلة الصيداوية المسلمة والطرفية. والميل من زمالة التعليم الى الصداقة الشخصية والعائلية، فإلى تشارك شاغل الزواج والتزويج وما يفترضه من قرب وعلم بخفايا المفاوضة على بنود العقد وشروطه، كان (الميل) أليفاً وجزءاً من الاختلاط الاهلي الصيداوي الذي شهدته. فأمي كانت معلمة في مدرسة البنات «الرسمية»، الحكومية بصيدا. وكانت مديرة المدرسة الصغيرة والمبتدئة معلمة مسيحية إما من اهالي صيدا أنفسهم أو من أهالي ضاحية من ضواحيها القريبة. وتقيم المديرة المكتهلة، والغائرة العينين السوداوين في محجرين واسعين ووجه ناتئ العظام، والخفيفة شعر الرأس، غير بعيد من مبنى المدرسة، وتقيم معها أمها، وأختها التي تشبهها وينم وجهها بحلاوة باسمة ومريضة وموشكة على الذواء، وأخوها العازب والبالغ منتصف العقد الرابع والموظف الملاحي البارز. وفي صالون السيدة المديرة الضيق، وعلى كنباته الفردية المختصرة والقاسية المَجْلَس، والملابسة على الدوام أغطية من قماش سميك تستبق سمرته الوسخ المتوقع، كان الملبَّس الملون والسكري الضيافةَ الغالبة والرتيبة. فتتصدر الأم المنحنية الظهر، والمجعدة الوجه، الصالون. وتجلس الأخت في ثياب النوم تحت «روب» زهري ثابت، غير بعيد من الأم، وتبتسم وتحادث امي وإحدى خالاتي، وتحاول استدراجي الى مصافحتها، وترك خدي الى قبلتها. وفي الاثناء، تروح المديرة الى مطبخ الشقة وغرفها وتجيء، وتتولى الضيافة، والكلام، أو الشطر المهم منه.
وأفضت الزيارات الكثيرة وغير المتبادلة، فأنا لا أذكر قيام المديرة وأختها وأخيها بزيارة الى بيت أهلي، الى أسفار صيفية قصدت بعض بلدات المتن، بكفيا وضهور الشوير والشوير وبولونيا وبتغرين، في سيارة عائلة المديرة بحثاً عن زوجة للأخ البحري العازب. والأمر لم يكن خفياً، ولا الكلام فيه موارباً. فيقال حال ركوننا السيارة، وجلوس الرجل بمقعد السواق، بعد شم العطور الغائمة والقبلات والسلام وتوزيع الملبس، أن مشوارنا اليوم الى البلدة الفلانية، حيت تنتظر فلانة زيارتنا. وفي الطريق، الطويل، الى البلدة البعيدة والغامضة تدور الاحاديث المفصلة على فلانة، فتتناول أوصافها على نحو ما قيل فيها، طولاً وعرضاً ووزناً ولونَ عينين ونظرة وحاجبين وجبهة وشعراً وأنفاً وخدين وبشرة وفماً وأسناناً. ولا يغضى عن «علمها» ودراستها، وعن عملها، إذا كنت تعمل، وعائد عملها. وينتقل التناول الى أهلها، ومن يكونون حسباً ونسباً وإسماً ومذهباً. فالخاطبون كاثوليك، على ما سمعت، ومن يقصدونها روم أرثوذكس. وأهلي لا يرون عيباً في روميتها. ويأمل الثلاثة، الخاطبون، ألا تنتبه والدتهم الى الهنة الهينة. وأما المسألة التي يكثر الكلام فيها، في هذه المرة وفي المرات كلها، فهي «الدوطة»، أو بائنة العروس المزمعة، أو «المال» الذي يهبه أهل العروس الى بنتهم حين يزفونها الى بيتها الجديد وزوجها.
فيأتلف من الكلام في الاوصاف والعيوب والحسب والنسب والممتلكات والعوائد، والمعروف المشهور والمقدر على التخمين، والقبض والبسط، وما تقدم إنفاقه وبذله وما لا يزال عالقاً، (يأتلف) ميزان دقيق لا يشبه ما كنت عرفته وفهمته من زيجات «المسلمين». فزواج الرجال على جهة الأعمام وأولادهم، مداره أو مدار الكلام فيه على «الحب» الذي يكنه هؤلاء، منذ طفولتهم البعيدة، لقريباتهم. وإذا بدا افتراض الحب عسيراً في أحوال تقتضي خطوبة امرأة غريبة وبعيدة المزار (بعيد مزار أهلها أو سكنهم)، دار الكلام على علاقات المناسبة الظاهرة بين الخطيبين، وعلى استحسان واحدهما الآخر وميله إليه. وسُكت عن المهر الإسمي، وهو جزء قليل من بنود العقد المضمرة أو المعلنة. وزواج الرجال، على جهة الاخوال وقراباتهم، لا يستدعي شروطاً طويلة، إذا استثنيت زيجات المغتربين والعائدين، أو بعضهم القليل، بثروة كبيرة تجيز الزواج ببنات الاعيان، وتجيز لبنات الأعيان استدراج بعض أبناء الفروع المتواضعة اللامعين والوسيمين واليافعين الى الزواج بهن.
والحق أنه لم يكن لهذا كله، على جهاته المتفرقة، أثر يعتد به في مشاعرنا وميولنا وأهوائنا، نحن «الابناء». واضطلاع الاهل بدور بدا قوياً في ملابسات بحث الموظف البحري عن عروس ببلاد جبل لبنان النائية، لم يتستر على اضطراب دب في علاقات الاهل «العاطفية». ولا ريب في ان اختلاط الاهل الذي أجاز أسفار الخطوبة المشتركة، ولم يحل دون مناقشة كفتي الربح والخسارة من الميزان الذي توزن به العروس العتيدة، حمل الخالات الفتيات، وهن لم يبلغن العشرين، على تحكيم هواهن في عواطفهن ومشاعرهن وميولهن. ووقع هواهن، أو هوى بعضهن على أبناء جيران مسيحيين يقيمون بجوار مختلط، وبعض الابناء يتردد الى مدارس أخواتهم وهي نفسها مدارس الخالات والقريبات.
وأتاح سكن أحياء الضاحية القريبة والجديدة، وجوارها المرسل والمختلط، وقربها من مدارس الارساليات، وضعف تماسك الأجسام العائلية وحداثة نزولها بهذه الجهة، وهي لم يبن بها مسجد الى اليوم غداة ستة عقود على ما تقدم روايته- التعارف والتقارب وتبادل الكلام والمجالسة. وبدا الشبان والفتيان المسيحيون، في أحوالهم وأفعالهم ودراستهم وخططهم وعلاقاتهم بأهلهم، مرآة سيرَ حياة وتواريخ شخصية متحررة، على مقادير متفاوتة، من قيود الاهل والسلف على الاقامة واللباس والدراسة والسينما والاجسام والمشاعر والكلام. واستخف ذلك هوى القريبات اللواتي تعلمن في مدارس الارساليات الاميركية أو الفرنسية، وسعين في كسب معاشهن من طريق التعلم، و»افتقرن» الى مثال والدٍ نافذ الكلمة والرأي والحكم أو الى أخ يخلفه على رسوم الصدارة الابوية. وبعض القريبات أُلزمن التخلي عن هواهن، وبعضهن تخلين طوعاً. فمنهن من أقام على «عهد» مستحيل، ومنهن من طوى العهد الى آخر أقرب من رسوم الاهل.
وعاصَرَت هذه الحوادث، وهي لم تبلغ مبلغ الانعقاد على وقائع مشهودة ومشهورة، حوادث مشهودة وصارخة. فأحد أبناء عمومة أمي، وهو دارس فلسفة شاب وابن شيخ معمم، اعتنق الايمان المسيحي، أي تنصر وشهر نصرانيته ودخل الى سلك إحدى الرهبانيات. وقدم صيدا، ومولده ونشأته فيها، وأقام مدرساً بمدرسة الإخوة المريميين (الـ»فرير ماريست») على ألا يدعو الى ايمانه الجديد. وانتقل بعدها الى بيروت، ورعى ميتماً جمع بعض أيتام المسلمين، فأثارت رعايته حفيظة بعض دار الفتوى وتهمتهم. وكان يتردد على أهله وأهلي من غير تحفظ. ورأيته الى مائدة أمي غداة فض مخيم تل الزعتر بالقوة (في آب 1976)، وقدر عدد القتلى الفلسطينيين بألف أو 1200، وشغله أمن من بقي حياً ونقله الى مخيم صبرا القريب. وأحد أعيان أسرة أمي عرف بتردده علناً، عشية كل يوم من أيام الاسبوع، الى منزل أحد ميسوري المسيحيين، حيث يمضي السهرة الى ساعات الليل الاخيرة في جمع صغير من الوجهاء وموظفي الدولة. وزوجة الرجل الميسور إحدى جميلات صيدا الذائعات الصيت. فلم يشك أولاد الحي، وأنا فيهم، في ان السيدة الجميلة هي مدار السهر وقطبه. وحين تناول الحديث، فيما تناول، غداة خمسين عاماً على وفاة القريب ورجل الاسرة المضيفة، واقعة السهر التي دامت قرابة العقد من السنين، وألمحتُ الى رأيي وصحبي فيها، جزمت خالاتي في كذب الزعم وبطلانه. فالسيدة المسيحية الجميلة لم تبرح «طاهرة». ولما مر المشيعون بنعش القريب أمام شرفة السيدة، وألقت سلامها عليه، وهي غير القريبة وليست من الاهل، كان سلام الصديقة على صديق.
كاتب لبناني

 

 

 

 
عن حياة لم تتوقف في القتال/ فاروق عيتاني
عاشت الطوائف اللبنانية على طريقة اقتراب القنافذ من بعضها شتاء للتدفؤ. كانت طريقة مقبولة إلى أن صارت إحدى الطوائف بلا وبر. فتحولت طاقة للآخرين، يحشرون أشواكهم فينا، هم يتدفؤون ونحن ننزف.
أتذكر الآن الكاتبة مي المر وبيتها في الأشرفية، الذي كانت تتوسط صالونه خريطة من العهد العثماني. كنت فتى في أوائل العشرينات من عمري1969، وكانت هناك حركة لبنانية حول سعيد عقل، وكنت من المترددين عليها، وقد أهدتني مي المر في بيتها بالأشرفية ديوانا شعريا لها، وخطّت عليه: «لفاروق واحد من رفقات اليسا»، أو ربما عشتروت. نسيت الآن، ولا أعرف أين ضاع الديوان. وقد يكون ما زال موجوداً في أحد أكياس الكتب، المودعة في ملجأ عند شقيقتي.
في تلك الفترة ورغم أحداث نيسان وساحة الحرش البربير، كنت أشعر بضرورة «لبننة» ما نحافظ عليها. نزعة لم يتمكن رفاقي الناصريين من انتزاعها منّي، ولا الإسلاميين الذين كانوا في بداياتهم، ولا حتى الفدائيين والذين كنت منضماً إليهم ( مكتب الأرض المحتلة الأخ كايد). كان معي في الصف بجامعة بيروت العربية حينها صديق، لم أعد أراه. لعله قتل في الحرب، لعله هاجر، لعله لا يزال حيّاً، وكان إسمه كميل شمعون!
يومياً، في الصف، يتحرش به الأخوة الفلسطينيون، وكنت وأنا معهم، أشتبك ضد رفاقي الفلسطينيين في قتال بالأيدي، رفضاً لتعديهم على صديقي كميل شمعون. وحدث مرة وأنا ذاهب مع صديقي كميل شمعون إلى بيته، في عين الرمانة، أن مررت ببناية في فرن الشباك، ولمحت سعيد عقل داخلاً اليها، فسألت شمعون: أيعيش هنا سعيد عقل؟ قال لا، لكن مكتبه هنا.
تركت صديقي شمعون و لحقت سعيد عقل إلى مكتبه. التفت اليّ وكان يهم بالجلوس وراء مكتبه. مددت يدي وصافحته وقلت: فاروق توفيق عيتاني، أدرس الأدب العرب بجامعة بيروت العربية، وأود التعرف إليك. وهكذا، يوما بعد يوم صرت قريباً من المجموعة، وتعرفت إلى مي المر وزوجها. ولكن حصل ما لم يكن بالحسبان ! كان سعيد عقل يعمل على ترويج « أللغا اللبنانية»، من خلال سلسلة كتيبات إسمها «يارا»، تُكتب بالحرف اللاتيني. وكان ثمة شاب معهم من الجنوب كتب فقرات من «نهج البلاغة» بـ»اللغا اللبنانية». وعرضوا عليّ أن أكتب سوراً من القرآن بـ»للغا اللبنانية»! هنا انتهت العلاقة.
بعد سبع سنوات، وأثناء القتال الدائر في الاسواق سنة 1975، لمحت المكتبة التي كانت توزع و تنشر «يارا».. كنت مسؤولاً عن مجموعة مسلحين هناك. قلت لأحدهم: «أحرق هاي المكتبة»….
مضت سنوات وسنوات بعدها، ودخلت «قوات الردع» و دخلت إسرائيل وخرجت اسرائيل، ووقعت حركة 6 شباط 1984، وهوجم تنظيم «المرابطون»، أوّل مرة من قبل الدروز، وثم مرة ثانية من قبل حركة «أمل» الشيعية، ودارت حرب المخيمات وأقصي رفعت الأسد و حدثت تطورات لا تحصى. وتنقلنا بين بيروت وقبرص. وفي يوم جمعة، كان رشيد كرامي في دمشق وأعلن هيغ أن بيروت مدينة تملؤها الفئران.. وأحرق «حزب الله» سيارتين للمخابرات السورية قرب مخفر البسطة (ثكنة فتح الله). وفي اليوم التالي، يوم سبت في شباط 1987، كانت القوات السورية تدخل بيروت الغربية (دخلت صباح الأحد). وكنت أعلم المصير.. طلبت من بعض الأخوة أن نفترق ونخرج من بيروت، وليدبر كل واحد نفسه، على أن أسبقهم إلى أبو ظبي وأتواصل معهم من هناك، على أمل أن «أسحبهم» خلفي إلى أبو ظبي..
عبرت حاجز المتحف، عبرته قبل أن يُغلق بربع ساعة، وعلى بعد عشرات الأمتار بُعيد عبوري، أعترضني لاند روفر «القوات اللبنانية»، ثكنة الـ»أس كي أس»، بعين الرمانة وسألوني عن هويتي، و»تفضل معنا…». في الثكنة قرب فصيلة فرن الشباك سألني ضابط التحقيق: «شو عيتاني؟ مرابطون أنت؟» جواب «لأ انا ما بتعاطى. أنا بشتغل ببيع وشراء الحبوب، ورايح طرابلس حتى اشتري حبوباً. انا بوزع حبوب حمص وفول وعدس من بعد ما بعبيها بكياس وابيعهم لمحلات في بيروت. وهذه ورقة غرفة الصناعة والتجارة وهذه فواتير شراء لي وأخرى بيع لي» (كل هذه الفواتير كانت معدة قبل فترة تحسبا). وكان غيرها معداً باسم ثان واخراج قيد باسم عبد الحفيظ عيتاني مزور. اخراج القيد ذاك والأوراق تلك للاستعمال أمام الحواجز السورية، لكن هنا في «الشرقية» كنت أحمل جواز سفري اللبناني، لأن وجهتي ستكون قبرص. وتلك الأوراق تركتها عند شقيقتي إن احتجت لها لاحقا..
لم يقتنع ضابط الثكنة بصحة كلامي. تناول الهاتف واتصل بقيادته. لم أقلق، فلا شيء لي عندهم (لم يكن يومها نت ولا كمبيوتر). ثم دخل شاب مقاتل إلى الثكنة، تأملني. قلت في نفسي، وقد اشحت بوجهي عنه بطريقة لا مبالية: «يمكن العرص شافني شي مرة ببيروت الغربية». تقدم الشاب من الضابط ووشوش في أذنه. هز الضابط رأسه موافقاً. وهرع الشاب للخارج.. راح الضابط يلاعب مسدسه ويسأل وانا أتجاهل وأجيب، وفجأة انفتح باب الغرفة، ودخل الشاب نفسه، ومعه رجل يشبهه لعله والده الذي يبدو في عمري. نظر إليّ الرجل بتمعن، ثم اندفع نحوي يحتضنني ويقبّلني ويرحب بي. بدا السرور على وجوه الجميع، ووقفت مستغرباً.. قال لي الرجل : «أنت ما بتتذكرني، لكن أنا ذاكرك منيح. أنت فاروق عيتاني فاكرني؟ قلت لا. قال: أنت سنة 1975 على حاجز البربير، أنا خطفوني المسلحين وسلبوني سيارتي واخدوني تا يصفوني بالحرش، وانا كنت بترجاهم وفجأة جيت أنت بسيارة VW زرقاء وقفت بسرعة ونزلت وبأيدك كلاشن، انا قلت راحت عليّ، لكن سمعت واحد منهم هيدا اللي انتي عيطت عليه واسمه سركيس، كان بيقول : شو جاب العيتاني قطعلنا رزقتنا. وبلشوا يحكوا ويكذبوا، لكنك تركتهم وسألتني شو إسمي: قلت لك « جان دكاش» وسألتني: شو جابك على الغربية؟ قلتلك بدي جيب خبز وعندي أولاد بدن ياكلوا وما في بالشرقية خبز وما في شي. وسألتني وين ساكن، قلتلك بعين الرمانة، خلف معمل قصارجيان. وسألتني وين سيارتك، قلت لك ما بعرف. وقلت للشباب بعد ربع ساعة بدي السيارة، وأخدتني واشترينا خبز وخضرة وبيض ورجعنا المكتب جوات مدرسة معارف وكانت سيارتي واقفة بس ما فيها بنزين، وأنت عبيتها نص تنكة من سيارتك ووصلتني قبل حاجز الجيش، حد المستشفى العسكري وقلت لي، كفّي من هون. وسألتك شو اسمك، قلت أبو توفيق، وسألتك إسمك الصغير، قلت فاروق و سألتك من بيت مين حضرتك، قلت ما بيخصك».
هنا تذكرت الرجل، لكني واصلت الإنكار: «حبيبي، يا ريت هيدا أنا بس العياتنة كتار وبيشبهوا بعض وأنا بعرف شي تمانية إسمهم فاروق». وأمام اصراره، قلت «يا خيي كلامك صحيح، لكن أنا بعدها تجوزت وبطلت ونسيت هالمواضيع، هلق صار ليل وبدي روح على طرابلس، إذا ما في شي خلوني إمشي»، قال الرجل لا. الليلة تبيت عندي.
في بيته أمضيت أسبوعا وكنت أتردد على الثكنة والشباب بيعرفوني وعرفوا أني «مرابطون»، ورتبت أوراقي وسافرت من هناك إلى أبوظبي لأغيب عن لبنان عشر سنوات. وحين عدت زرت جان أبو نديم لأعرف أن نديم قتل وزرت قبره مع أبيه، وما زلت صديقاً لأبو نديم دكاش، الذي صار يعيش ببيته وحيداً مع أم نديم، إذ تفرق أولاده. وهناك على الطريق الفرعي الذي يربط بين الأمن العام اللبناني ومحطة سكة الحديد بضع شجيرات صنوبر، هناك قبر لشاب طيب القلب. كان أطيب أخوته. وحده وحيدا يقيم هناك. إسمه نديم دكاش، مقاتل صادق من «القوات اللبنانية»، ثكنة الأس كي أس. وهناك أيضا في مقبرة الشهداء في مكان ليس ببعيد عن مدفن الفتى الطيب نديم، هناك فتية طيبون أيضاً. فتية كانوا معي، ولن أنساهم ولن أنسى معهم عدوي (النظام السوري وأعوانه والدائرين في فلكه إلى أي طائفة أو مذهب انتموا، وأيضاً من سيخلفه نهجاً وممارسة).
وفي بلد تجمع القنافذ لا أرضى أبداً أن أكون قنفذاً بلا أشواك.
كاتب ومدوّن لبناني

 

 

 
سريان القامشلي سنديان المدينة/ رستم محمود
كان لأسماء رفقة الصف الأول رنين غريب الوقع في مداركي: أنكيدو، فيليب، شمعون، جلجامش، متى، شربل، وحنا… كانت لوشوشاتهم، الخاشية من المدرّسة الوحيدة أمل يوسف وقع أغرب؛ إذ ليست لغتهم هي العربية الرسمية، تلك التي كان للطلبة أن ينطقوها بأعلى نبراتهم، وليست الكردية الممنوعة، التي كان الأهل يحذروننا من النطق بها في المدرسة.
ستمضي سنوات كثيرة، قبل أن نعرف أن هذه اللغة نفسها، هي لغة مئات الكُتب المقدسة وآلاف التراتيل، ملايين الابتهالات والتعاويذ والأشعار والحكايات والعذابات والنذور والأغاني والآمال. لغة، عبرها تُرجمت أمهات الكُتب والمعارف والفنون والآداب. كانت تلك اللغة الأولى لبلادنا سوريا ومنبع إسمها، لغة مسيحها الذي أهدى الآدمية كلها، مرجل الحُب الذي لا يُنضب، وأقحوان السلام والرأفة. كانت لغتهم تلك هي السريانية، ورنينها الذي بقي في الوجدان، كوداعات الأم ودعائها الرؤوم، الذي لا يُنسى.
حسب رواية الرواة، فأن السريان هم ثاني من سكن هذه مدينتنا- القامشلي، في أقصى الشمال الشرقي من سوريا. سكنوها بُعيد اليهود الذين أتوها من سهوب نصيبين المقابلة، في الضفة التركية، من على الشريط الحدودي الفاصل بين البلدين. نصيبين التي كانت مدرسة سريانية للعلوم والترجمات والآداب والفنون، مدرسة على شكل مدينة، والتي أنجبت مار أفرام السرياني، قيثارة الروح القدس وشمس السريان، الذي ما خلت كنيسة في أصقاع الأرض قاطبة، إلا وأنشدت واحدة من تراتيله التي تمجد أسم الرب وتتضرع السلام.
في مسرح المدينة الوحيد، كان ثمة رجل لا بد أن تراه دوما. فارع القامة خشن اليدين، ثيابه البسيطة كانت مزركشة ببقايا شحوم المعادن وآثار التصليح. فهو لم يترك قط مهنته كميكانيكي محترف. كان السرياني سمير أيشوع، أبن المدينة المتيم بالإخراج المسرحي، الذي أهدى أجيالها المتلاحقة عشرات المسرحيات الباهرة، من على خشبة ذلك المسرح البسيط. كان المسرح وجدان سمير أيشوع، فهو التمظهر الأرقى لمدنية المدينة وحداثتها الواجبة. فحسب أيشوع، أي شيء أنبل من أن يجلس كل أبناء المدينة، على اختلاف هوياتهم ولغاتهم ونزعاتهم وصراعاتهم، حول تلك الخشبة، يملؤهم الشغف العميق بوصال المعنى!
كان سمير أيشوع يقف منتصبا في آخر المسرح دوما، يراقب تنهدات ضيوفه الأعزاء من المتفرجين، يفحص حركاتهم وآهاتهم وقلقهم. مرة حينما كان يعرض أجمل منتجاته، رائعة المسرحي الصيني غاو شينغجيان «موقف الباص»، وحينما وصلت الديباجة المسرحية قمتها، واكتشف المنتظرون أن الباص لن يأتي، وأن المكان الذين يأملونه موقفا للباص الذي ربما يقلهم، ليس سوى مقبرة؛ وقتها التفت أحدهم إلى سمير إيشوع، الذي كان واقفا كعادته في آخر مدرج المسرح، ولقط دمعته المنهمرة، هز إيشوع رأسه بخسران لا يوصف، مرددا «نعم، أنها مقبرة يا صديقي، مجرد مقبرة».
على جهات مسرح المدينة ذاك، كان ثمة صالات السينما الأربع في المدينة، حداد ودمشق وشهرزاد وفؤاد. بناها أصحابها السريان منذ الربع الثاني من القرن المنصرم، لتكون تتويجا لما بدأوه من انشطتهم الثقافية والكشفية والاجتماعية والفنية والرياضية. حيث كان نادي الرافدين أهم معلم مؤسساتي حديث في تاريخ المدينة المعاصر، النادي الذي كان يؤمه عشرات الآلاف كل عام، في مهرجاناته الفنية والرياضية والثقافية والاجتماعية التي لا تنتهي. وعلى جنبات دور السينما تلك، انتشرت أيضا مقاهي المدينة التي لا تُحصى، كربيس ورميلان وكبرو وماميكون ..الخ.
أنتجت دور السينما «السريانية» الاحتكاك الأول لسكان المدينة مع لغة العالم الحديث وطقوسه، سهرات عائلية مختلطة وأجواء شبابية مشتركة، مشاهدة لأحدث المنتجات الثقافية، وميل أول لتحرير الذات.
من هناك بالضبط بدأ التقليد الأول لأنماط الحياة المتوافقة مع حركة العالم، باتت الفتيات تقلدن فاتن حمامة ورقتها وثيابها وقبلاتها المسروقة لعمر الشريف. بات اليافعون يقلدون تسريحة الفيس بريسلي ويرددون اسم فيليني وروائعه في مروياتهم اليومية. أما مقاهي السريان، فانتشلت سكان المدينة من عذابات التراتبية الاجتماعية البطريركية التي كانت، أنهت الأدوار التقليدية لمضافات العشائر وصالونات المخاتير والزعماء المحليين. في المقاهي خُلق البشر الأسوياء المتساوون، مكانة وقدرا وسلطة، البشر الذين ليس لأحد من سلطان على ذواتهم وأرواحهم وسلوكياتهم.
أتت الناصرية على المدينة في أواخر الخمسينات من القرن المنصرم، وفعلت أول ما فعلت، أنها أغلقت نادي الرافدين، منبع كل تلك المؤسسات والممارسات المدنية. أجهزة الأمن ومؤسسات الضبط، اعتبرت الحياة العامرة بداخل ذلك النادي، خطرا يجب ضبط وكتمه، أُغلق النادي بأقفال حديدية كبيرة صدئة. فهرمت دور السينما، هجرها روادها الأولون، خلعت كراسيها، بات تعرض بعض الأفلام الجنسية لمراهقي الريف أيام الأعياد وحسب. أما مقاهي المدينة العامرة، فباتت صالات مضجرة لبيع البضائع الصينية التقليدية.
كمثل المسرح والسينما والمقاهي، فأن السريان أنتجوا كل جديد لسكان المدينة الملونين. الخيّاطات السريانيات أبدعن أجمل الفساتين وأرقها، الفساتين الأولى لا تخشى الجسد وإغواءه. سباكو الذهب السريان كانوا أول من خلصوا سكان المدينة من أنماط الحُلي التقليدية. باعة الورود ومعلمو المدارس، خطاطو المدينة ومغنيها. مسبح النساء الأول كان سريانيا، شهر العسل الأول قضاه عروسان سريانيان. الفرقة الكشفية الأولى والمكتبات الأولى، وتقريبا كل شيء جديد، كان سريانيا.
لكن الشيء الذي لم يكن لأحد من المدينة أن يهديه للبلاد كلها، سوى السريان، فقد كان شخصا يسمى كابي موشي. مواطن سرياني في أوائل الخمسينات من عمره، نهم القراءة والتدخين، نحيل الجسد، قوي الإرادة، علماني مدني ديموقراطي وطني وسلمي متواضع، متوازن، مليء بالأمل، والأيمان بمواطني البلاد، متجاوز للصغائر، ولا يملك سوى مستقبل البلاد في ظاهر نفسه وخبيئها.
ترك وظيفته كمهندس زراعي، لأنه لم يكن يحتمل دورة الإفساد والفساد. منذ أكثر من ربع قرن لا يشغله ولا يبالي بشيء سوى دمقرطة سوريا، وإعادة الكرامة لذويها المعذبين. فرد لا يبالي بسوء حاله الشخصي وظرفه العائلي، همه الوحيد هو السلام الاجتماعي بين مكونات المدينة ومجمل البلاد. كابي موشي مسؤول المكتب السياسي في المنظمة الآثورية الديموقراطية «السريانية»، هو المعتقل المبتهج الوحيد في زنازين النظام السوري، فعدم هجرة البلاد، والمقاومة السلمية المدنية، كفعل جوهري في الثورة السورية، هي مطلق إيمانه وآماله، وكل شيء في سبيل ذلك، لن يُنجب سوى البهجة.
قبل أكثر من سبعة عشر قرناً، هاجم الساسانيون «البرابرة»، حاضرة نصيبين العامرة، فتكوا بمدينة المار أفرام السرياني، حيث كان يحيا هناك وقتئذ. دمروا المدينة، لكن تراتيل المار أفرام، مازالت تنشد روح السلام في كل أصقاع الأرض كلها.
سريان مدينتنا، أضعفنا وأكثرنا هشاشة، أقلنا وأبسطنا، لكنهم فوق كل ذلك، أملنا الوحيد.
كاتب كردي سوري

 

 

 
مسيحيون بلا مسيحية/ عساف العساف
غاب فارس عن صفنا لعدة أيام، وعاد بعدها حزيناً ذاهلاً، يمضي اوقاته صامتاً. كنا قد عرفنا الحكاية أثناء أيام غيابه عن الصف. حدث ذلك في ربيع 1986، أو هذا ما أذكره. إثنان من أخوة فارس الشباب قتلا أثناء شجار عائلي مع أبناء عمومتهم، الذين قتل واحد منهم في الشجار ذاته. والسبب على جري العادة في الأرياف، خلاف على الأرض، تطور إلى مأساة حقيقية.
فيما عدا تعاطفي مع صديقي وأحزانه وألام أمه المسكينة، حفرت تلك الحادثة في ذاكرتي عميقا. حدثت تلك المأساة في ريف الحسكة بين أقارب وأبناء عمومة، أشوريون مسيحيون.
كانت القصص المشابهة التي نسمعها عن شجارات وثارات «وأنا وأخي على إبن عمي، وأنا وابن عمي عالغريب «تجري عادة وعلى قلتها أو تباعدها، في محيطنا العربي الريفي (المسلم)، لكن ليس في قرية مسيحية وأشورية أيضاً، وبين أبناء العمومة. كانت صدمة حقيقية.
في تراث منطقتنا الريفي (الشاوي) مثل نردده على سبيل السخرية السوداء (الشاوي بس يصير معه مصاري يا يتجوز يا يبلش) و«البلش« هو أن تقتل أحدهم ويصبح دمه في رقبتك، فإن نجوت من الثأر وحدثت مصالحة، فعليك دفع الدية لإرضاء أهل القتيل وجبر خاطرهم ومصابهم، وبذلك تكون الديّة والبلش قد ضيّعت لبن الثروة الطارئة.
صديقي فارس، آشوري من الجزيرة السورية، قريته على نهر الخابور، قدمت عائلته إلى مدينتنا الصغيرة مع الآلاف الذين ضاقت بهم سبل العيش في قراهم، أو أتوا بحثاً عن حياة بشروط أفضل.
كانوا في ذلك التاريخ حوالى 45 عائلة وازدادوا بعد ذلك بشكل أكبر. يعرفون بعضهم البعض بشكل جيد، لما لا! شأنهم في ذلك شأن كل مجموعة بشرية، تبحث عن أقرانها وأقاربها في تلك المدينة المهجر، مدينة الموظفين، يعرفون بعضهم كآشوريين ليس كمسيحيين طبعاً، رغم أني تعرفت على بعض طقوس الميلاد والفصح من خلالهم هم بالذات. البيض الملون ومسابقة تكسيره عرفتها وسمعت عنها من فارس بالذات. وكانت المرة الأولى التي أسمع عن عيدي ميلاد ورأسي سنة شرقيين وغربيين.
مدينتنا، مدينة العمال والموظفين، نصف سكانها من الوافدين الذين أتوا من كل حدب وصوب، سوريون وفلسطينيون وعراقيون أيضاً (الهاربون من بعث صدام حسين)، كرد وعرب وأرمن، سريان وأشور وكلدان وتركمان وشركس وشيشان (طبعا ليس بينهم أبو قتادة ولا أبو فلان ولا غيره)، حلبيون وشوام وحماصنة، ديريون ولواذقة وحموية وأدالبة، حوارنة ومن جبل العرب والقنيطرة، مسلمون ومسيحيون، لم أسمع عن يهودي سكنها يوما، سنة وعلويون ودروز وإسماعيليون وشيعة وكاثوليك وأرثوذوكس وموارنة أيضاً. مهندسون وأطباء ومعلمون ومهنيون وأصحاب حرف وتجارة، فقراء وفقراء بشكل أكبر وفقراء متوسطون ولا أغنياء جاؤوا لهناك إلا نادراً ونادراً جداً (الفقر وتوسط الحال يعم الجميع مسيحيين ومسلمين) رغم أن مقولة سائدة كانت تقول بأنه لا يوجد مسيحي فقير وأن الحكومة تدلل المسيحيين، خلطة غريبة عجيبة من البشر في مكان واحد صغير، أبنيته تشبه بعضها كما هي مدن الموظفين في الاتحاد السوفييتي. صفوف مدارسها من كل بستان زهرة، ألسنة ولهجات متنوعة كبرج بابل ،سرعان ما توحدت بلهجة وسط بيضاء مخففة (سبقنا الدراما السورية بسنوات في هذا). المسيحيون في كل مدرسة معلمون وأساتذة وطلاب، لا يخلو صف من 8 الى 9 طلاب تقريباً، تعرفهم حين خروجهم من الصف في درس التربية الاسلامية، ليس من الأسماء أو الهيئة أو اللباس وإن كانت بعض الأسماء تبرز الدين أو القومية، (في وقت لاحق سمعت أغنية شعبية تقول «أشقر وعيونه وساع. .شكله شكل مسيحي»غريب! لم أتلمس هذا في مدرستنا وحيّنا) ويفترض أن لهم درس تربية مسيحية مثلنا تماماً فالتربية الدينية موجودة في مدراسنا من المهد إلى اللحد لكننا لم نر يومًا معلم التربية المسيحية كما يفترض أن يكون أو شاهدناه في الأفلام والمسلسلات (لا علم لاهوت مسيحي في سوريا) هذه عرفتها لاحقا، كان دائماً أحد الأساتذة المسيحين الذين يدرسّون مادة أخرى ويتبرع بتدريس الديانة كمادة إضافية، بينما أستاذ ديانتنا كان خريج كلية الشريعة في دمشق. (بالمناسبة، لحزب البعث 10% من مقاعد كلية الشريعة في مفاضلة القبول الجامعي في كل سنة، أي أن الحزب يرشح عدداً من الطلاب للدخول في هذه الكلية حتى لو لم يحققوا الدرجات المطلوبة. رائع هذا الحزب الاشتراكي).
كنيسة واحدة صغيرة في طرف المدينة، ومشروع لبناء كنيسة أكبر وأحدث قرب حيّنا، استغرق عشرات من السنين حتى أنجز وتم، لا مقبرة ولا طقوس جنائزية مسيحية عرفناها هناك، لا احتفالات ولا شعانين ولا جمعة عظيمة إلا بحدود ضيقة وتأخذ الشكل العائلي المنزلي، فالميت يؤخذ لبلده الأصلي ليدفن هناك والعروس تزف في البلد الأصلي لزوجها وهذا ينطبق على الجميع مسيحيين ومسلمين. زيجات عديدة حصلت بين مسلمين ومسيّحيات تم أغلبها دون رضى الأهل وبعضها بطريقة الخطيفة أو بين مسيحين ومسلمات ولكن بعد أن يشهر الشاب إسلامه على ما تقتضي قوانين الأحوال الشخصية السورية، بعض العادات والطقوس عرفناها في بيوتات أصدقائنا وصديقاتنا عندما كبرنا قليلاً، خصوصاً في عيدي الميلاد ورأس السنة، اللذين كانا مناسبة حقيقية للاحتفال والتعرف على بعض الطقوس والشعائر. كنا نلام من قبل البعض على مشاركتنا في الاحتفال برأس السنة، أو ليس هذا عيداً مسيحياً، هل يشاركونكم هم بالاحتفال بأعيادكم؟، وكنا ندافع أن رأس السنة مناسبة عامة للجميع وساعة الفرح ما تتعوضش. ولم يكن يخلو الامر من بعض الخبث من قبلنا نحن، فعيد الميلاد أو الفصح أو رأس السنة كان فرصة لنشرب بعض الخمر بطريقة شرعية وعلنية، فأن تشرب شوت من العنبرية مع حبة ملبس أو كأساً صغيرا من العرق فهذه مشاركة وجدانية في العيد ولا تستدعي التقريع عند العودة للبيت ورائحة الخمر تفوح منك. كنا نجد في بيوت أصدقائنا من المسيحيين ما نفتقده في بيوتنا، نحن المنحدرين من عائلات شبه متدينة لا تدخل الخمور إلى بيوتها، «الدنيا بلا شراب خراب» يقولها والد صديقي القادم من وادي النصارى في حمص، ويتبعها بمحاضرة وتعليمات عن الانضباط واصول وآداب الشرب، منبعها الحرص علينا وعلى مصلحتنا نحن الشباب الصغار، ووادي النصارى هذا ورغم عديد قراه ومدنه وسكانه المسيحيين بالمطلق، لا تعترف الدولة باسمه هذا، وتطلق عليه إسماً سوريالياً آخر، «وادي النضارة»، هذه السوريالية في التسمية ووضع النقطة جعلت شباباً من هناك بعد فترة ينتجون فيلماً قصيراً اسموه «يسري نضر الله» على اسم المخرج المصري المعروف يسري نصر الله كون النقطة لا تصنع فارقا عند حكومتنا الرشيدة.
كان المسيحيون هناك، في الطبقة، في مدينتنا، عائمين مثلنا جميعاً، بلا هويات جزئية تشدنا لأسفل، نعرفهم مسيحيين وفقط، احتكاكنا بهم وعيشنا معهم كان على أسس لا تلامس الدين إلا من بعيد، نادراً ما تناقشنا حول أمور الدين أو الطوائف، ما نعرفه عن المسيحية هو ما قرأناه في الكتب المدرسية، كنا جميعا مثل لهجتنا البيضاء لا ملامح فيها لهوية دون اخرى، وتصلح لكل زمان ومكان.
كنا مثلهم وكانوا مثلنا، لكنهم غيرنا.. تلك هي المسألة.
كاتب سوري

 
العنف الأسري وجمال النسوة المسيحيات في حيّ من ضاحية الستينات/ محمد أبي سمرا
أظن أن خيوطاً أساسية في نسيج روايتي «سكان الصور»، مهجوسةٌ بمسألة ما يسمى «المثاقفة» وتصويرها روائياً في مشاهد الحياة والعلاقات اليومية في حيّ من أحياء ضاحية بيروت في الستينات من القرن العشرين. فالرواية تبدأ بمشهد تشييد بناية كبيرة حديثة يفوق عدد شققها السكنية الأربعين، في بستان غيّر اختفاؤه عادات قدامى الساكنين في البنايات والبيوت القديمة المتفرقة المتباعدة. ولا تتوقف فصول الرواية عن تصوير توافد الساكنين الجدد الى الحي، من مناطق ومنابت وانتماءات أهلية وطائفية لبنانية، متفرقة ومتباينة، للإقامة في شقق البناية الجديدة الضخمة. والشخصيات الروائية كلها تقريباً، وهي يفوق عددها الإحصاء، مهجوسة بصناعة الصور عن نفسها وعن الآخرين، وبتبادلها، في دقائق حياتها وعلاقاتها اليومية وتفاصيلها، في الحي، وعلى صفحات الرواية كلها التي تُظهر أن صناعة الصور وتبادلها يلازمان إقامة الشخصيات، تعارفها وتخالطها، ملازمة شبه وجودية أو كينونية.
صناعة الصور وتبادلها
أبو ذيب – صاحب الدكان في بناية شهاب الحديثة الضخمة، وهو شخصية أساسية في الرواية – يتساءل في أحيان كثيرة: ما الذي تغيّره في ساكني البناية والحي إقامتهم الجديدة؟ لكن الراوي في «سكان الصور» هو من يجيب عن تساؤله هذا.
هنا والآن، في هذه السطور التي تستعيد شخصيات ومشاهد وحوادث من الرواية، أشاركُ الراوي – ببعض التصرف – في صوغ جوابه على تساؤل أبو ذيب:
غرباء يصل أولئك الساكنون الى الحي، من قرى بعيدة أو قريبة، ومن أحياء في نواحي المدينة، فيروح كل منهم، فيما هم يتساكنون ويتعارفون وتنشأ بينهم علاقات متفاوتة، ينسج في ذهنه ومخيلته الاجتماعية، من الكلمات التي يسمعها من مُحَادِثِهِ ومن لهجته وملامحه وحركاته وثيابه وعمله، ملامحَ صورة ما لجاره الجديد هذا أو ذاك في الحي. فحين يكلّم جارٌ جديد جارَه، وينظر اليه، إنما يفعل ذلك لا ليكلّمه ويتعرّف اليه كشخص فرد فحسب، بل ليستقرئ له أصلاً وفصلاً ما، نسباً أو هوية، سابقة على وفادته إلى الحي وإقامته فيه. يفعل ذلك ليعلم في أي موضع يضع هذا الجار أو ذاك ويدرجه في بنيان متصور أو متخيل للعالم والناس والأشياء. هذا البنيان ليس مصنوعاً سلفاً في مخيلات الساكنين قبل وفادتهم الى الحي وإقامتهم فيه. وهو متفاوت الصنع والحضور في مخيلاتهم، قبل الوفادة والإقامة وبعدهما. كما أنه يتكوّن رجراجاً ومتفاوتاً، أثناء تعارف السكان وتخالطهم وعلاقاتهم اليومية المتفاوتة التي تروح تجلو ذلك البنيان وملامحه في مخيلاتهم، فتمتلئ يوماً بعد يوم بالصور والمشاعر والتهاويم والأهواء والمثالات والمراتب التي على أساسها يُجري الساكنون ترتيب العالم، عالمهم الجديد، ومواضعَ الناس والأشياء فيه، ومواقفهم منهم، وآراءهم فيهم، وأشكال تعاملاتهم معهم. وهذه كلها متلونة لا تثبت على حال، بل تتغير وتتبدل.
يروح البنيان ذاك، يمتلئ بالصور وتهاويمها. وصناعة الصور وتبادلها بين الساكنين، هي التي تنشئ للحي فضاء مشتركاً، وتقيم له نسيجاً داخلياً وحدوداً، تتجاذبها قوة الساكنين أنفسهم، كلاً منهم بحسب مقدرته على صناعة الصور وبثها. أما الذين يظلون خارج شبكات ذلك النسيج وفضائه وبؤره، أو على هوامشها وأطرافها في الحي، كعمال المطبعة وزمرة الزعران وسائسي الخيل في الاسطبلات، فإن حضورهم في الحي نفسه، يظل هامشياً وقوياً وثابتا في آن واحد: قوي مادياً، وهامشي معنوياً، في عمليات تبادل الصور. فصور هؤلاء لا تتبدل ولا تتغير، وتظل ثابتة في مخيلات الساكنين الذين يصنعون لهم صوراً ثابتة، من دون أن يتدخلوا هم في صناعتها وتغييرها. ذلك أنهم غير معنيين، أصلاً، في عمليات صناعة الصور وتبادلها، فلا تتغير صورهم عن أنفسهم وعن الآخرين.
جمال النسوة المسيحيات
زوجة أبو ذيب أشد الشخصيات في الرواية هجساً في صناعة الصور، وفي العيش أو السكن مديداً في تهاويمها، لتغيير حياتها وحياة أسرتها، وصورتها عن نفسها بين الساكنين. مثالها المحموم الذي تتشبث به تشبثاً وجودياً ساحقاً وعنيفاً، ومنه تستلهم الصور وتستدخلها في وعيها وجوارحها، هو جاراتها المسيحيات في الحي، وخصوصاً أم جوزف. في جلسة لها مع جارتها المسلمة أم فاروق يدور بينهما الحوار الآتي: تقول أم فاروق إنها مذ رأت جارتها جوزفين، قبل سنوات، لا تزال حائرة كيف يمكن أن تكون امرأة بهذا الجمال، وفمُها كبير الى هذا الحد الذي يكشف عن معظم أسنانها ما أن تفتح شفتيها. وكثيراً ما فكرت أن النساء اللواتي لا يغطّين رؤوسهن وشعرهن بالمناديل، وحدهن، من يبديهن جميلاتٍ اتساع أفواههن وبروز أسنانهن فيها. غير ان زوجة أبو ذيب قالت لها ان اعتناء النساء المسيحيات في البناية والحي بمظهرهن وثيابهن واثاث بيوتهن، لا جمال خِلقهن الطبيعي، ما يبديهن اكثر جمالاً من النساء المسلمات، فتجاوبها ام فاروق بأن اسماءهن ونبرات اصواتهن وكلامهن تشبهنهن كثيراً. هذا لتقول لجارتها ان شيئاً ما في النسوة المسيحيات، أبعد من المظهر والثياب وأثاث البيوت، هو ما يجعلهن جميلات. فأزواجهن يحترمونهن، ويأخذونهن مشاوير، ويجالسونهن ويحدثونهن في البيوت وعلى الشرفات، ولا يخجلون من المشي معهن في الطرق والاماكن العامة. هنا تتساءل ام فاروق: ونحنا (نحن) شوبنا (ما بنا؟)، ليش منعيش هيك؟!، فتتابع زوجة ابو ذيب: نحنا منركض واللقمة بتركض أدامنا (أمامنا)، وإذا لحقناها ولقطناها ما بنعرف كيف بدنا ناكلا، كإننا سارقينا سرقة!. لكنها سرعان ما تستدرك قائلة انها لا تعلم حقاً ما هو ذلك الشيء الذي يمكّن المسيحيين، من دون جهد منهم ولا تعب ولا كدّ، من أن يعيشوا حياتهم في هدوء وإلفة، كأنهم يتنزهون في حياتهم، بالرغم من ان لا شيء في عقول البعض من جاراتها المسيحيات ورجالهن يميزهم عن كثرة نسوة الحي المسلمات ورجالهن.
بورتريه لشخصية روائية
في المشهد الأخير من «سكان الصور» يقف ذيب، ابن أبو ذيب البكر، على ناصية شارع رئيسي على طرف الحي، فيتلفت في الجهات خائفاً لا يدري أين يذهب في تلك الأمسية. في العتمة تلطخه أضواء السيارات القليلة العابرة مسرعة، وتشعره بالوحشة والضياع. يصعد إلى سيارة سرفيس، يقول لسائقها أنه ذاهب إلى المدينة، ويقرّر، فجأة، انه لن يعود قط إلى بيت أهله في الحي.
هنا الآن، بعد نحو عقد من السنين على كتابة هذا المشهد الختامي للرواية، أُخرِجُ ذيب من شخصيته الروائية، مستوحياً منها سيرة مختصرة لمحطات حياته ومنعطفاتها، لأؤلف له بورتريه اجتماعية – عائلية جزئية: كان في السادسة عشرة أو السابعة عشرة، حينما قرر، فجأة قبل سنة أو إثنتين من بدء الحرب الأهلية في لبنان العام 1975، الفرار من بيت اهله الوافدين، في نهايات النصف الأول من ستينات القرن العشرين، من قرية جردية في أقصى جنوب لبنان الشرقي، للإقامة في حي من الشياح. حينما صعد إلى سيارة السرفيس في ذلك المساء، كان يعمل في فريق صيانة التجهيزات الكهربائية في فندق من فنادق الزيتونة في رأس بيروت. توسطت في توظيفه في الفندق معلمة مسيحية تسكن مع أمها العجوز وأختها وأخيها في بيتهم المنفرد القديم في أملاك العائلة، قرب دكان والده في الحي، الطيونة. كانت المعلمة مدرّسة في مدرسة للراهبات في ناحية من فرن الشباك، قريبة من الطيونة وعين الرمانة. بعد نجاحه في الامتحانات الرسمية لشهادة السرتفيكا، مجتازاً مرحلة التعليم الابتدائي في مدرسة أهلية شبه مجانية في الشياح، أمضى ذيب عامه الدراسي الأول من المرحلة التكميلية (المتوسطة)، تلميذاً غريباً خائباً في ثانوية الطريق الجديدة الرسمية. وهي كانت تحمل اسم الجمعية الأهلية الإسلامية، «البر والإحسان»، المتبرِّعة، ربما، بقطعة أرض في الحي البيروتي، لبناء الثانوية الرسمية، على مسافة خطوات من مدرسة الفاروق المقاصدية، غير بعيد من جامعة بيروت العربية وسجن الرمل. للوصول إلى «ثانوية البر والإحسان»، كان عليه، مع شلة من تلامذة الحي في الشياح، اجتياز حرج بيروت من طرفه إلى طرفه الآخر في محلة قصقص، في الصباحات المبكرة، ليعودوا إلى الحي في الاتجاه المعاكس، عبر الحرج، بعد انصرافهم من المدرسة في الساعة الرابعة بعد الظهر. في صبيحة عطلة حرب 6 حزيران 1967، دخّن ذيب التلميذ سيكارته الاولى، أثناء اجتيازه الحرج، عائداً الى الشياح. بعد فشله في الامتحانات المدرسية النهائية للعام الدراسي ذاك، قرّر هو ووالده ووالدته أنه فاشل في التعليم، فشغّله والده عامل مطبعة في ملجأ البناية الكبيرة الحديثة التي بها دكانه في الحي. لكن الوالد ارتأى، بعد أشهر قليلة، ان يمتهن ابنه البكر العمل في التمديدات الكهربائية في ورش البناء. المهنة هذه كان أبو ذيب قد امتهنها طوال اربع سنوات أمضاها مهاجراً في الكويت، قبل عودته إلى قريته، ليغادر القرية ويؤسس الدكان في الشياح، فأمضى ابنه البكر حوالى سبع سنوات من العمل المضني الشاق في ورش البناء، متنقلاً من ورشة إلى أخرى في بيروت وضواحيها البعيدة، وصولاً إلى الجبل وطرابلس في بعض الأحيان. أخيراً سعت المعلمة، زبونة دكان والده، في توظيفه في الفندق، فانعطفت تلك الوظيفة المهنية بحياته وشخصيته من طور إلى طور.
مؤسسة العنف الاسري
لكن لماذا قرر ذيب الموظف المهني أن يهجر بيت أهله في ذلك المساء، بعد صعوده إلى سيارة سرفيس توقفت قربه على طريق صيدا القديمة الفاصلة بين الشياح وعين الرمانة؟!
الجواب عن هذا السؤال أسهبت الرواية في تتبعه وسرده ووصفه وتقليبه على وجوه كثيرة، في مشاهد تفصيلية بطيئة تروي الحياة العائلية لأسرة أبو ذيب في حوالى عقد من السنين، سبقت الحرب الأهلية في لبنان. يمكن هنا اختصار ما أسهبت الرواية في تأليف مشاهده، على النحو الآتي: بؤس الحياة اليومية للأسرة، شقاؤها، مهانتها، تعاستها، وعنفها اليومي الجسماني والمعنوي الفاحش، بلا هدنة إلا في ما ندر من الأوقات البيتية، وأوقات مساعدة الأبناء الذكور وأمهم، مساعدة شبه إجبارية، أبو ذيب في عمله في دكانه القريبة من البيت في الحي.
كان ذلك العنف المندلع غريزياً، مؤسسة أسرية، عمادها المادي الأب، وعمادها المعنوي أو الاخلاقي، هو الأم. في فلك هذه المؤسسة يدور الأبناء، لتعيش الأسرة حياتها اليومية في مهب لوثة او لعنة قدرية توراتية، كأنها إرث سلالي يلابس الأجسام واللغة والتعبير والتواصل بين أفرادها. لا بل إن ذلك العنف الأسري خنق اللغة والتعبير والتواصل في أجسام الاب وأبنائه، وتركهم في حِداد أو خرس لغوي وتعبيري، لا يُفرِجُ إلا عن اللعنات والشتائم والتأنيب والسخط والغضب والنفور والمقت والنقمة التي غرسها الأب والأم في أجسام أبنائهما ونفوسهم، منذ طفولاتهم. كانت سورات غضب الأب تدفعه لا إرادياً إلى عنف وحشي يصرّفه في اجسام أبنائه، كأنه يطلع صاعقاً عاصفاً من عماء سحيق، فيستحيل تداركه أو كبته إلا في حضور الجيران من سكان الحي، وخصوصاً الأبعدين معنوياً، وهم غالباً من المسيحيين الذين تبدو مشاهد حياتهم اليومية، للأم وأبنائها في مؤسسة العنف الأسري، مثالاً للصفاء والهناء والوئام والألفة وترف العيش، ألَقِهِ ورغده.
لكن كي لا تبقى هذه الكلمات مجرّدة ومعلقة خارج سياق الحقيقة الروائية، اقتطف هنا مشهداً من «سكان الصور» لأسرة لعنة العنف التوراتي .
«في مسافة المئة وخمسين متراً بين بيتها الجديد والدكان، راحت الأم تمشي متهيئة لأن تستقبلها أولئك النسوة من ساكنات بناية شهاب. وفي انتظارها عودة أولادها من المدرسة، أخذت تتخيل أنهم لن يعودوا الى البيت الجديد بثيابٍ متسخة ممزقة، كما في السابق. لكن هذه اللحظات سرعان ما راح حضورها يتلاشى من حياتها في البيت الجديد، لتظل قوية الحضور في مخيلتها التي أخذت صورها تضاعف النفور بينها وبين زوجها وأبنائهما، وبين واحدهم والآخر، وتمنحه جرعات متزايدة من السخط والعنف. فهاهم أبناؤها الذكور الصغار لا يصلون الى البيت الجديد متأخرين وممزقي الثياب فحسب، بل مجرّحي الوجوه والأيدي في نهاراتٍ كثيرة. ثم انهم جعلوا يتشاجرون في أوقات غيابها عن البيت، كما في أوقات حضورها بينهم. كأن البيت الجديد المؤلف من غرف ثلاث في الطبقة الخامسة من بناية غير بعيدة من الغرفة الواحدة التي كانوا يسكنونها قبالة الدكان، وسّع مسرح شجاراتهم العنيفة. أخذوا يتراشقون بما خفَّ حمله من أواني المطبخ، ويحطمون بعضاً من الأثاثات التي لم تكن في نظرها للاستعمال فحسب، بل تجسيداً لصور حياتها البيتية المرتجاة والمتخيلة، والتي راحت تتحطم أمام ناظريها وفي مخيلتها، يوماً بعد يوم. هذا ما ضاعف غضبها ونقمتها على نفسها وحياتها وابنائها، ونفور كل منهم من الآخر، وإقبالهم على العنف الذي امتد مسرحه الى سطح البيت في الطبقة الأخيرة من البناية، فتخرج أمهم الى شرفة البيت، حتى إذا رأت زوجها واقفاً في باب دكانه أو على الرصيف أمامها، لوّحت له بيديها، مستغيثة، كي يأتي ليوقف شجارات أبنائه العنيفة. حين يراها لم يكن يتأخر في غلق باب الدكان الزجاجي، وفي الاسراع الى البيت، فيصعد مباشرة درج البناية الى سطحها، قافزاً الدرجات قفزاً. لكنه غالباً ما كان يصل بعد فرار أبنائه من البيت واختبائهم في أماكن متفرقة من البناية، حيث اعتاد أن يبحث عنهم، حتى إذا ما عثر على أحدهم اقتاده الى البيت، وانقضَّ عليه بكل ما في جسمه وأطرافه وأسنانه من قوة، شاتماً نفسه وابناءه وزوجته التي تحاذر أن تتدخل، لئلا يضاعف تدخلها غضبه واندفاعه العنيف في ضرب ابنه. فيما هي تقف مرتاعة تشاهد انقضاضه الشرس على هذا الابن أو ذاك، أو على اثنين منهم أحياناً، أو على الثلاثة معاً في أحيان أخرى، كان يؤلمها شعورها بأن زوجها يستمد ضراوته في ضربهم من جذوة غضبها وسخطها من إقدامهم على تدمير صور حياتها البيتية المتخيلة المستمدة من جيرانها المسيحيين، زبائن الدكان. لم تكن تندفع محاولةً إيقافه عن ضربهم، إلا إذا مسّها خوف مباغت من احتمال ضربه أحدهم ضربة مؤذية، قد تحطم أنفه أو تفقأ عينه، فتُدخِلُ، إذذاك، جسمها بين زوجها وبين أحد أبنائه، فيما هي تصيح: يلعن دين اللي عمْلكْ وعمْلو، ريتو (ليته) ما كان خلق عَ وج (وجه) الدنيا. فيصيح بها زوجها: يلعن أبوكِ ع أبوه، بدّكْ (تريدين أن) تبليني فيه؟!، الله لا كان خلقكْ وخلقو. في نهاية مثل هذه الجولة من العنف، كان الابن يظل منطرحاً بلا صوتٍ على الارض، أو على الصوفا في غرفة الجلوس، أو على الكنبة في الصالون، منتظراً مغادرة أبيه الى الدكان، لا لأن مغادرته تنهي ما حدث، بل لأنها تؤذن ببداية ذلك الحوار الصامت الكئيب بينه وبين أمه التي ترمي جسمها في مكان ما من غرفة الجلوس أو الصالون، ساندةً رأسها بكفيها. كان كل منهما يسترخي منغلقاً على نفسه وجسمه، مستسلماً للألم والندم وكراهية نفسه وحياته والدنيا من حوله. لكن ذلك لم يكن ليستمر أكثر من لحظاتٍ، تهبُّ الأم بعدها واقفةً، وتروح تصفع وجهها بكفيها صفقاتٍ سريعة، قبل أن تتشبث أصابع كفيها بشعرها المنقوش، فتشده وتشده عنيفاً، كأنما لتنتزع منه خصلاتٍ من جذورهما، فيما هي تحاول أن تخنق عويلها الذي يسمع منه ابنها شتائمها لله ولحيته وعرشه وملائكته. كأنها تستمد من غضبها وآلامها حيال تحطم صور مثالات حياتها، رغبتها في إيذاء نفسها ومقدرتها عليها. وإذ يفتح الابن عينيه ويبصرها على هذه الحال، يهبُّ واقفاً، ويندفع نحو أقرب جدار، فيلطم به رأسه لطمات قوية، أو يركض نحو أقرب باب، فيضرب بكفه زجاجه الذي يتحطم وتتساقط كسوره على الارض، فتكفُّ أمه، إذ ذاك، عن صفع وجهها وشد خصلات شعرها، وتتوقف عن العويل وإطلاق الشتائم. في السكوت الذي يكتنف تلاشيهما، تراود كلاً منهما رغبة مستحيلة في البكاء منفرداً وفي صمت. رغبةٌ في أن تنهمر الدموع غزيرة وتلقائياً من عينيه، من دون أن يبصرها الآخر. دموع تتدافع حيّة وحارّة من نطف الحياة المتألمة المعذبة في الجسم والروح، بلا عزاء. أخيراً: حطام الزجاج على الأرض، شعر الأم المشعث، جبهة الابن المزرقّة من لطمه الجدار برأسه، صرير أسنان الأب واختناقه بغيظه وغضبه في الدكان… هذه بعض من ملامح حياتهم ولحظاتها التي تؤجج في كل منهم رغبة مكتومة، غامضة ومستحيلة، في الانسلاخ والفرار من سديم هذه الرحم – اللعنة العائلية. الى أين؟! الى قفرٍ متخيلٍ بعيد بعيد، حيث الأرض والأرض، السماء والضوء والأفق التي لن يبلغها أحد منهم قط في سيره في اتجاه معاكس لاتجاهات سير الآخرين، مخلّفين وراءهم تلك البقعة السديمية السوداء التي كلما التفتَ أي منهم الى الخلف، يراها تتسع وتتسع وتتشبّث بقدميه».
سهرة عيد الميلاد
في مشهد آخر من «سكان الصور»، ها هوذا ابن أبو ذيب الثاني، يوسف، يكابد لوثة المهانة والعنف الأسريين، أثناء سيره إلى جانب إبنيّ أم جوزف، زبونة والده في الدكان، ومثال أمه المحموم في صناعتها صوراً لحياتها وحياة أسرتها. يسير معهما في طريقهما إلى مدرستهما الخاصة في حي مسيحي بعيد من حي الاختلاط السكني وتبادل الصور. وهي المدرسة التي أصرّت أمه إصراراً سيزيفياً على انتقاله اليها، بعد فشله الدراسي في الصف الأول من المرحلة التكميلية، في ثانوية «البر والإحسان»، وطرده تأديبياً منها، فضاعف إصرارها ذاك جرعات النقمة والعنف في الأسرة. الى جانب سمير وفارس يمشي مدركاً أن تلك البقعة السوداء لا تمتد وراءه فحسب، بل تقيم في جسمه ونفسه وحركاته، وتعوّق قدرته على النطق، وتجعل صوته مرتجفاً وغريباً في سمعه، حينما يقوى على الكلام. يتساءل في سره كيف يراه إبناً أم جوزف، وما الذي يكشف لهما فيه عن مهانته ووضاعته: وجهه، صوته، كلماته الصعبة على النطق، ثيابه، مشيته…؟ هذا فيما سمير يتحيّن فرصة ليعلن له، بنظرة أو حركة أو كلمة، أنه ليس سوى عاهة أو لطخة تسعى على قدمين.
لكن سميراً نفسه، نظر الى يوسف إياه مبتسماً ابتسامة مغتبطة متعالية، كأنه يمنحه هدية نادرة. حدث هذا عندما دخل يوسف، في أمسية سهرة عيد الميلاد، الى بيت أم جوزف، وحياها في صوت أحسه غريباً، قائلاً لها: «بون سوار تانت». وبعد تجاوزه عتبة باب بيتها، قرّبت من وجهه وجهها المبتسم ابتسامة كريستالية، فطبع على وجهها، وطبعت على وجهه، قبلتين جانبيتين؛ وكانت شفتاه للمرة الاولى تلامسان جلد امرأة، وللمرة الاولى تلامس جلده شفتا امرأة. وفي هذه اللحظة لمح تلك الابتسامة المغتبطة على وجه سمير.
طوال سهرة الميلاد تلك شعر يوسف كأنه مدعو للاحتفاء بشهوته بأن يصير ابناً لأم جوزف. بعد رشفته الأولى كأس النبيذ، فكر بأن الساهرين ليسوا مثله هاربين من شيء. مصابيح الثريا في السقف، ومصابيح شجرة الميلاد وقربها المغارة، تماثيل المذود الصغيرة، علب الهدايا المتروكة بإهمال مقصود عند طرف السجادة على الأرض، النبيذ الذي يشع خفراً سرياً في الكؤوس الكريستالية الواقفة بهية على سيقانها الدقيقة في مواضعها على الطاولات… كل شيء أشعره بأنه في عالم مسحور.
سبيرنسا – وهي قريبة أم جوزف، وتعمل خياطة في بيتها، وابنتها نجوى تلميذة معهم في المدرسة نفسها وفي الصف نفسه – فاجأت يوسف بقولها له: بتحب ترقص؟ تعا رقوص معي. نظر في عينيها، فمدت له يدها، فقام عن المقعد، وهمَّ بامساك يدها، فقالت له في صوت خافت: لحظة… لحظة لأشلح كبوتي، ثم نزعته بياقته الكبيرة من الفرو الأسود الذي، منذ أبصره يوسف في بداية السهرة حار كيف يتخيل ملمسه على جلد سبيرنسا: ناعماً ومثيراً كعصارة روح الليل على عنقها المشع في عريه حتى أعلى صدرها، أم شوكياً يَخِزُ جلدها كإبرٍ باردة؟! وبعدما خلعت معطفها، وأمسك يدها، قالت له: أرّب لعندي، ما تخاف حبيبي، أرّب، أنا رح علمك الرقص.
بعدما راقصته نجوى أيضاً، وجلس قربها على مقعد في الصالون، أخذ يوسف يفكر متخيلاً أنه أخ لنجوى، وولد من أمها سبيرنسا، ويعيش معهما في بيتهما الذي تخيله شبيهاً ببيت زلفا الخوري، معلمة مدرسة الراهبات في طرف فرن الشباك، ومعلمته لسنة دراسية سابقة دروساً خصوصية في بيتها القديم قرب دكان والده في الحي. أحس بنشوة غريبة حين تخيل أنه مع نجوى وزلفا وسمير في غرفة واحدة، هي غرفة نوم زلفا، حيث كانت تدرّسه مساء. كان يعي أن هذه النشوة من صنع شهوته الأليمة والمستحيلة أن يكون له جسم آخر لم يولد من نقمة امرأة وسخطها.
لذا يتهيأ لي الآن أن أبناء العنف الأسري يعيشون حياتهم كلها من دون شفائهم من لوثة ولادتهم من نساء عديمات الأنوثة.
ذيب، أخو يوسف البكر، كان في عشية سهرة الميلاد تلك، راكباً في سيارة سرفيس الى جانب فتاة مجهولة، عائداً الى البيت من عمله في ورشة للتمديدات الكهربائية. كعادته كلما ركب سيارة سرفيس الى جانب فتاة أو امرأة، يستبد به سرور رغبته الخائفة، فيما هو يسترق النظر الى مواضع من جسمها: المساحتان الصغيرتان من فخذيها عند أعلى ركبتيها في كولون النايلون الأسود الشفاف أو اللحمي اللون، ثنيات ثوبها عند البطن والثديين، الوجه، الشفتان، العنق، العينان، أصابع اليدين، الأظافر… ينظر ذيب وينظر محدّقاً في هذه المواضع الانثوية، منتظراً أن يلتفت هذا الكائن السماوي اليه. كائن – يفكر ذيب – أنه يستحيل أن يكون ولد من بشر، بل من نور وماء وهواء، متمنيا لو يلتفت الكائن السماوي هذا، للحظة، اليه، علّ بصرَهُ يلتقي ببصرِه، التقاء النور السماوي بلطخة ولدت من ذلّ ومهانة واحتقار. ومن نطفة الحياة في هذه اللطخة تتصاعد ابتهالات بلا صوت: خذني أيها النور – الملاك السماوي، خذني اليكِ، واجعلني أي شيء آخر. في أي بيت تسكن أيها الملاك، ومن يلمس الأشياء التي تلمسها، من يكلمك وتبتسم له أو تنظر اليه بلا مهانة واحتقار؟ خذني أيها الملاك، خذ هذه اللطخة البشرية التي تجلس قربك، أو أنظر إليها كما ينظر الناس الى الناس.
مشهدان من حرب السنتين
أخيراً يتراءى لي الآن ذيب ويوسف في مشهد لم أكتبه في «سكان الصور»: الإخوان، المنتمي كل منهما الى منظمة عسكرية مختلفة عن الأخرى، يحملان بندقيتي كلاشنيكوف في ليلة مظلمة من ليالي حرب السنتين (1975 – 1976)، ويدخلان الى بيت أم جوزف، فيما دوي الرشقات النارية يتردد في الحي، وعلى طول خط التماس الفاصل بين الشياح وعين الرمانة. في صالون البيت المعتم المهجور، يضيئان شمعتين يلطّخ نورهما الضعيف المرتجف، الأثاثات الخربة المحطمة. يقترب يوسف من جدار، يقرّب الشمعة من الجدار، يرفعها قليلاً، فيبصر صورة العذراء إياها معلقة في المكان نفسه الذي كان يراها فيه كلما زار بيت أم جوزف أيام كان تلميذاً مع أولادها في مدرستهم. دائماً كانت الصورة هذه تذكّره بصورة مماثلة يراها على جدار مكتب «جمعية الشابات المسيحيات» في فرن الشباك، عندما كان يذهب إليه في بدايات فصول الصيف، ليساعده موظفو الجمعية في العثور على عمل صيفي موقت في مكتب ما، لمهندس أو محامٍ، أو لشركة تجارية أو شركة مقاولات عقارية. سأل أخاه إن كان لا يزال يتذكر ذهابهما معاً، للمرة الاولى، الى مكتب الجمعية، باحثين عن عمل صيفي، فقال ذيب إن اسمه مارون، بعدما سأله موظف الجمعية عن اسمه، وعمل طوال الصيف باسم مارون في مكتب مهندس مسيحي في شارع بدارو، بعد فوزه في شهادة السرتفيكا. وضع ذيب بندقيته الكلاشنيكوف على مقعد خرب، وجلس على كرسي تبينها قرب طاولة السفرة في أقصى الصالون، ثم أخذ يروي لأخيه يوسف، كيف كان يجلس خلف طاولة المكتب قبالة سوزان، سكرتيرة مكتب المهندس، ويستمني، فيما هو يحدّق في جسمها الذي أبصره، قبل أيام، في منامه يحترق في المكتب نفسه، فاستيقظ من نومه في مقر منظمته العسكرية، صارخاً: مارون مارون، قبل أن يهب أحد رفاقه النائمين الى جانبه في المقر.
في مشهد آخر، يوسف، في ليلة أخرى من ليالي الحرب، جالساً وحده على سرير غرفة نوم زلفا الخوري في بيتها القديم، المنفرد المهجور، قرب دكان أبيه المقفلة. على ضوء الشموع يقرأ في دفتر مذكرات زلفا: التذكر شلل نصفي يصيب الأجسام والوقت. الوقت الذي يترك فيه الراحلون حياتهم. لا يربطني بهذا البيت سوى هذه الأم، أمي التي أشم رائحة موتها البطيء كلما نادتني. كشخص من الماضي أدخل غرفتها حاملة كوباً من الماء… آه – كيف عشتُ حياتي كلها في هذا البيت الذي أشم فيه رائحة ولادتي من أمٍ مشلولة الآن، وتتعفّن في غرفة زواجها على السرير نفسه الذي مات عليه أبي!
روائي لبناني

 

 

 
أين أجد النبرة الصحيحة؟/ دلال البزري
لا أجد النبرة الصحيحة للكتابة عن مسيحيي لبنان، في هذه الظروف بالذات: هل لأنهم في خطر محدق؟ فلا تنفع معها الكلمات الحلوة، الإنسانية، المبلسمة لجروح النفس؟ هل لأن كلماتي قد تنقذهم، قد تحفظ وجودهم من الاندثار؟ أم أنها، أي الكلمات، التي سوف تحمل السخط والإدانة لما يتعرض له نظراؤهم بالدين من إبادة منظمة؟ أم تكون نذير شؤم، دعوة لليقظة والانتباه إلى مصير لاحق أسود؟ أم رسالة تضامن من القلب، مع أخوة لنا في الوطن، مؤسسون له، صائغون لفرادته، هم الآن بصدد الرحيل أو السلبية أو التبخر عن أراضي هذه البلاد؟ أين أجد النبرة الصحيحة؟ هل أروي عنهم قصصا بصفتهم أفراداً أناروا دروب حياتي، ورافقتُ بعضهم حتى الممات؟ وبكيت عليهم أكثر مما يبكي المرء أقارب له؟ وبغية ماذا؟ للقول بأن لا بد منهم وإلا انتفت ذاكرتي وذاكرة من حولي وصارت علبة فارغة لا صدى لها غير طنين الموت؟
لا أحب الكتابات الظرفية، مع أن كل الكتابات ظرفية. ولكن هذه تحديداً معرّضة لخطر الميلودراما، للبكائية على عالم انقضى جزء منه، والباقي على الطريق… كالقول «رزق الله كم كانت الحياة أغنى وأعمق وأكثر حرية» عندما كان المسيحيون أصحاب أدوار في السياسة كما في الاجتماع. أو لتذكّر قول مسنّو الجنوب اللبناني، والقائل بأن «الحارة اللي (التي) فيها نصارى، فيها حضارة». أو لمجرد الملاحظة البسيطة، التي ما زالت قائمة حتى الآن، مع تضاؤل دور مسيحيي لبنان، بأنهم، أي المسيحيين، هم أعلى درجة من مسلميه في الذوق والثقافة والنظافة والنهج والقيم؟
لا أشعر بالقدرة على الكتابة في هذا الشأن بصفتي امرأة مسلمة عرفت في حياتها مسيحيين بقدر ما عرفت من المسلمين. ذلك أنني لست مسلمة إلا بالقدر اللازم. فقط في بطاقة هويتي أنا «مسلمة». والدايّ، المختلفي المذهب، كانا يصومان في رمضان ويحتفلان بعيد الميلاد وشجرتها، لا مسايرة لجيران، إنما حباً بقصة ولادة السيد المسيح، وببهجة مناسبتها السنوية، إكتسباها من هجراتهم المتنقلة. حدود أخرى لإسلاميتي كانت هي أسطورتنا العائلية، وتتلخص بسيرة إمرأة، مريم القسيس، جدة أمي، الكاثوليكية اليبْرودية (يبرود)، المؤسسة الأولى لنسويتي، التنظيرية، ولنسوية جدتي وأمي، الميدانية، والتي تشكل الركن العضوي الأول لهويتي الأنثوية. أو الأب عفيف عسيران، صديق طفولة أبي، الذي نشأ مثله في مدرسة الفرير ماريست، «الأخوة المريميين»، في الرميلة، شمال صيدا؛ «الخوري المتوالي»، كما سمي بعدما اعتنق المسيحية، وصار راهباً مرموقاً، يصطحبني أبي معه عندما يزوره مراراً في دير مشموشي؛ والذي بفضله دخلت مدرسة الراهبات، فكان لهن بصمتهن على طبائعي وتصوري لنفسي؛ صحيح انني اختلفت مع الراهبات، خصوصا اللبنانيات من بينهن، حول هويتي العربية، وكانت النقاشات معهن حامية، أحياناً عنيفة، تسببت لي بعقوبات؛ ولكنهن أورثنني كنزاً من الألحان الكنائسية والكلاسيكية والسجود الصوفي والقواعد الأخلاقية الصارمة، وحب العمل، والانضباط بمواقيته. ثم أتى العمل السياسي في حزب علماني والجامعة اللبنانية التي كانت «بوتقة التلاقي» بامتياز بين أبناء كل لبنان، حيث كانت تنعقد الصداقات والغراميات والزيجات والزمالات المهنية في لجة اللقاء بين أبناء مناطق وطوائف لبنانية (وليس كما الآن، لكل طائفة ومنطقة فرعها الرسمي).
أما في واقعي المعيوش اللاحق على نشأتي، فأنا مزيج شديد العضوية لشيء من الشيعية وآخر من السنية والمسيحية والكثير الكثير من محددات أخرى لهويتي لا تمتّ إلى الدين بصلة، إلا من باب العلم. لذلك لا يمكنني الكتابة عن مسيحيي لبنان من دون أن أحمل نفسي مسؤوليتهم، ليس بصفتي «مسلمة»، إنما بصفتي مواطنة لبنانية، تجمع في أناها القدر المتساوي من المسيحية والإسلام، لا تفرق بينهما، إلا إجرائيا، من اجل الوصف والتحليل؛ ولا ترى بأنها سوف تبقى على هذه الأرض عندما سوف يغادرها المسيحيون، إذ تكون قد ذبحت على يد طارديهم، بصفتها «مرتدة«. فمصيري الشخصي من مصير المسيحيين.
وما أراه أجدى من استعادة ذكريات عن أيامنا الجميلة، في ظل الدور الأقوى الذي لعبه المسيحيون، مع الرحابنة، في اختراع هذا الوطن الحلم الذي هو لبنان؛ اللبنان الذي لم يكن، من زاوية نظر التاريخ المديد، سوى هدنة، جاءت بعد حروب؛ أو بالأحرى حروب تخلّلتها هدن، منها هدنتنا اللبنانية، ذاك العصر الذهبي الذي يوجع القلب عندما نتذكر فرحه وتفاؤله ونبضاته الراقصة… ما أراه أجدى من كل هذا الجمال المقهور، هو ان محاولة إنقاذ المسيحيين، إنقاذنا، يترتب عليه الكتابة عن مسؤولية المسلمين كوحدة تاريخية وأيديولوجية في إدامة زمن الحروب، وتقصير مدد الهدن. ولكي لا تأخذ هذه المسؤولية حجما يفوق طاقتهم، فتفشل المهمة، ليس على المسلمين الآن سوى مراجعة بعض الشؤون التاريخية بهم.
فالمسيحيون طوال العصور التي عرفوها مع نظرائهم المسلمين، تعرضوا لمجموعات متتالية من الأوصاف، التي لم تنتزع منهم حتى هذه اللحظة: على يد الفتوحات الإسلامية كانوا «ذميين»، يقدمون الجزية وهم «صاغرون». أثناء الحروب الصليبية وبداية الانهيار العثماني والصدام مع الاستعمار الأوروبي ومن بعده الأميركي، كانوا «العملاء»، «الأقلويين»، الذين لم يتمكنوا من الاندماج في المجتمع المسلم فصاروا أوتوماتيكياً، بقوة الأشياء، بالكمون، «عملاء الخارج»؛ وهذه صفة لم يقتصر مطلقوها على جيوش صلاح الدين أو العثمانيين الأواخر، إنما كان من عداد حامليها أيضا يساريون وقوميون وبعثيون، في زمن الاستقلالات الذي لا ينتهي. ثم أتت نظرية «الأقليات»، التي يحملها المحور الإيراني مثل شعلة في درب توسعه، فيورط المسيحيين بالتحالف مع الديكتاتوريات… وإلا الفناء؛ وأخيراً، فتش في ضمير كل مسلم، أو غالبيتهم، إذا شئتَ تجنّب التعميم، وسوف تجد بأن المسيحي مثل اليهودي إلى النار حتماً، كافر، لم يسلم لدين الله. فجاء هذا الأخير، أي الفناء، على يد «داعش»، الذي دار ودار ثم ختم الحلقة التاريخية بأن عاد إلى النقطة الأولى، نقطة الذمية، نقطة التكفير، الأشد فتكا من سابقاتها، الأشد عنفا من نموذجها الأصلي. هكذا يقوم «داعش» من غير قصد بإعادتنا إلى حلقات التاريخ غير المنسية، النائمة فقط في أحضان اللاوعي الجمعي المسيحي والإسلامي على حد سواء. فصورة العميل والذمي والأقلوي لم ترتح يوما أو تسكت. لم تبارح مخيلة الجميع، لم تترك لهدناتهم القصيرة نفساً يلتقطونه، فينمون مثل بقية خلق الله، في أوطانهم الأصلية التي انتزعها منهم الإسلام واليهودية، فيتثقافون مع المختلفين عنهم، ويعطون للبشرية شيئا مضيئا مفيدا، يساعدها على لياليها الطويلة المعتمة القادمة، لا ريب. فلا نتساذج، ونتأمل بالسلام الدائم. السلام الدائم ليس من طبيعة البشر والأشياء. هو من صناعة حضارتهم وإرادتهم ومدنيتهم.
أعلم بأن هذه ورشة طويلة، فيما نحتاج نحن إلى شيء عاجل، يفك أسر المسيحيين والإيزيديين والشيعة والسنة «المرتدين»، لنبعد هجمات «داعش«، لنوقفها عند أبعد من جرود عرسال، شرقي لبنان. نداء أو استغاثة روحية، كلمة تخفف من أوجاعها. شيء من التفاؤل، قليل من التفاؤل بما تخبئه لنا تلك الحياة. ولكن أين أجده؟ ذاك التفاؤل؟ في وجوه المغادرين، المروعين، المعتصرة قلوبهم على الفراق؟ أم في وجوه الباقين، قصراً، أو نصف قصر، الذين يغرقون قلقهم في الثرثرة الأبدية عن ذكريات تتضخم ذهبيتها كلما ساءت يومياتهم؟ كلما انتهكت كرامتهم؟
أشعر أنني لم أكتب شيئا «مفيداً»؛ شيئا يحمل عل تشاؤماً أقل، سلبية أقل مما نحن عليه الآن. ولكنني لست من النوع اليائس البائس. أنا تبنيتُ اليأس وأضفتُ له السعادة، بنفس قدره؛ فأنا لا أستطيع العيش من دونهما، من دون اليأس والسعادة. الأول ملح عقلي، والثانية ملح روحي. يائسة من إمكانية أن تتحسن أي أمور في المدى المنظور، فتنتابني عبثية الكتابة، عبثية كل شيء. ولكن حنيني الدائم الى السعادة يلغي العبثية، يروّضها، ويحول الرجاء، ملح الروح، إلى ملح للعقل، في عملية أكروباتية دائمة، أو قلْ جدلية، لا تنتهي، تسير بخطى نهر أبدي.
كاتبة وباحثة لبنانية

 

 

 

من يمكنه العيش من دون المسيحي الشبيه المختلف؟/ منى فياض
اللبناني، من جميع الطوائف، يشعر بالتميز كونه لبنانياً. حتى لابسات التشادور لديهن هذا الشعور، وعرفته منهن.
يعرف اللبناني أنه ينتمي إلى وطن مختلف عن محيطه. كيف يتوصل إلى هذا الشعور؟ ربما ليس عليه سوى الالتفات حوله ومقارنة بلده بالبلدان المجاورة، ليكتشف مغايرة هذا البلد بأسلوب عيشه وصحافته ودور نشره وإعلامه ومطاعمه ومقاهيه وملاهيه الليلية… ينظر إلى الصبايا والشباب، فيلمس شعورا بالانطلاق والانفتاح والتكيف والحرية في اختيار الاسلوب الذي يعيشونه. هذه النظرة يدعّمها المواطن العربي نفسه وعلى مختلف مشاربه ومقاصده، سواء كان زائراً أم سائحاً أم لاجئاً سياسياً أو شاعراً وكاتباً أم طالباً للعلم أو للعلاج أو للترفيه. لبنان الغني والمتنوع هذا كان ويظل قبلة المراهق والشاب العربي ووجهته الأولى، عندما تضيق به السبل في بلده العربي المتزمت القامع والمحافظ. خبرت هذا ميدانياً وقرأت عشرات الشهادات لمراهقين عرب من خلال نشاطي البحثي، وقرأت عشرات، اذا لم نقل مئات، الشهادات لمثقفين عرب مدحوا الحرية التي حصلوا عليها في ربوع لبنان، ويتحسرون على الوضع الذي آل اليه. وهذا ما توجته قصائد نزار قباني عن بيروت. اعتقد هناك الآن متلازمة حنين موجع للبنان هذا، الذي عطّلته الصراعات المأزومة فيه وعليه.
فما الذي أعطى لبنان هذا الوجه المشرق والمضيء سوى خصوصيته وميزته الأولى في أنه بلد المسيحيين العرب الأول؟ بلد الأقليات المتعددة المتعايشة جنباً إلى جنب؟ المتقاسمين معهم اللقمة والسلطة! في ظل دستور وقوانين ترعى هذا التعايش. البلد النموذج مع أنه أصغر بلد عربي وأقلها موارد وأكثرها هشاشة!
إن أي امرأة متوسطة مسلمة من جيلي تعرف انها ما كانت، على الأرجح، ما هي عليه لو لم تكن لبنانية. ذلك لا يعني ان نموذج هذه الفئة بما تتمتع به من تعليم وحرية فكر وأسلوب عيش وحيوية، غائب عن البلدان العربية، كلا ليس بهذا المعنى، إنه موجود بالطبع، لكن بنسب أقل وبمشاق أكبر، وممن ينتمين منهن إلى الطبقات العليا.
متى وكيف وعيت أول مرة وجود المسيحي في تجربتي؟
من المشاهد العالقة في مخيلتي منذ كنت طفلة ولا تغادرني، مشهد تكرر دورياً في مطالع كل ربيع بعد المطر. أفيق باكراً وأخرج إلى المصطبة التي أمام بيتنا، القابع بعيداً عن قلب الضيعة، على رأس تلة مطلة على البحر، فأرى في الحقل المتاخم للبيت ظلاً منحنياً يلتقط أشياء من على البلان والنباتات الأخرى التي تملأه. لا أفهم ماذا تفعل هذه المرأة المبكرة في حقلنا فأسأل أمي؟ تجيب إنها تجمع البزاق. ولماذا؟ لأنها تبيعهم للمسيحيين (وقد يكون من يجمعهم مسيحي أيضاً). لماذا؟ «تياكلوهم». تقول ذلك أمي «البيروتية» التي عاشرت المسيحيين باكراً وعرفتهم وصادقتهم. تقوله بلهجة تقريرية إخبارية من دون أي تلميح أو خلفية سلبية. ما يدفعني أحياناً لأن أقوم بالمساعدة، بخاصة عندما تقوم المرأة بجمع البزاق من تحت شباكنا مباشرة.
آل الحداد هم المسيحيون الوحيدون في قريتي، يسكنون في قاطع آخر بعيد، لذا لا يمكنني زيارتهم باستمرار وفقط مع والدتي، حيث ألعب مع أولادهم ورفيقي بينهم الإبن اسكندر. وأذكر أني عاهدت نفسي، عندما تركوا قريتي بشكل مفاجئ، أن أظل على صلة بهم. لا أدري لماذا رحلوا ولا أدري لماذا انزعجت، فنحن أيضاً رحلنا عن القرية. لكن ربما لإحساسي باختلاف الأمر فيما يتعلق برحيلهم (النهائي) وفقدهم، وما حصل في ذهني من ارتباط ما بين هذا الرحيل وبين الحادثة التي أرعبني فيها شيخ القرية، عندما لحقني مهدداً بعصاه لأن والدتي ألبستني ملابس وجدها لا تليق بمسلمة، فبدوت لناظريه كأني من آل الحداد! تشبيه جعل منه وصمة. وكانت أول مرة تثار فيها أمامي هذه المسألة: ان لكل أتباع ديانة ملابس معينة وانني من دين مختلف عن ديانة آل الحداد! وبالطبع لم تكن لفساتيني صلة بملابس آل الحداد بل بمجلات الأزياء، التي كانت تنقل والدتي عنها الموديلات وتخيطها لي وللآخرين أيضاً.
ربما كنت بعمر الست سنوات تقريباً عند حصول هذه الحادثة. نبّهتني لوجود الاختلاف مع آخر شبيه. وبرز وعي أنه في طيات هذا الاختلاف عنصر سلبي عند البعض، يمنع في المبدأ التشبه به الذي بدا كنوع من تهديد لهوية ما. كما كشف عن نوع من التعصب أو الرفض الضمني من قبل رجل الدين لهم، بدليل معاقبتي. إذن، القاعدة الضمنية عنده «أنهم مختلفون» وأنه ممنوع عليّ أن أكون مثلهم.
لكن الريح لم تسر كما اشتهته سفنه. وذلك ربما بسبب ردة فعل والدي، الذي واجه الأمر بالمزاح وبقلة الإكتراث وبإرجاع المسؤولية إلى أمي. ما يوحي بأن الأمر برمته هو شأن نسائي لا حاجة للاهتمام به، ومن دون أي تدخل منه لمعالجة الأمر في تغيير موضة ملابسي. ما جعلني أحصر المسألة برجل الدين بلا أي تعميم. ربما هذا ما شجعني في أن أعارض ضمناً رغبة وآراء أو فكر رجل الدين، وأرغب في مقاومته عبر إظهار حرصي في الحفاظ على ودي لآل حداد، وعلى تتبع أخبارهم من حين لآخر في بيروت، إلى أن أضاعتنا الظروف والحروب.
الميزة الثانية لمسيحيي قريتي كانت الخصوصية التي طبعوها بها، فلقد اشتهرت القرية لفترة طويلة بصناعة السكاكين، التي بقينا نقتنيها ونستخدمها لجودتها، حتى سنوات ما بعد بدء الحرب الأهلية. وكانت تلك السكاكين معروفة بحدتها. لكن الحرفة اختفت مع اختفائهم، وربما اختفى أثر كل حرفة في قريتي!
في الفترة التي أعقبت الحادثة، عشت في بيت جدي في تلة الخياط ببيروت، حيث كانت صديقة خالتي الحميمة، وجارتنا في الشارع المقابل، أنجيل الجميلة الشقراء الممتلئة وهي مسيحية. كنت أجدها جميلة ورقيقة وكنت معجبة بها وأحبها، وبقيت أسأل عنها خالتي طويلاً، بعد أن تزوجتا وأبعدتهما الظروف. إذن، الانطباع عن المسيحيين في طفولتي لم يحمل لي إلا اللطف والصداقة وتعامل أسرتي مع الأمر انطبع بالقبول العادي البديهي، كما نقبل أي جار من دون أدنى التفات إلى دينه ومذهبه. كان هذا على ما اعتقد ما يمكن أن نسميه اختلافاً ضمن التعدد والتنوع. وهذا هو الأمر السوي والطبيعي والبديهي في «وطن» ما، أي وطن! فكيف بوطن الأرز؟
ما بين برج البراجنة والمريجة وحارة حريك، حيث أمضيت مراهقتي، لم أصادف مسيحيين على ما أذكر أو أصادقهم، كانت هجرتهم قد بدأت عن المنطقة المتحولة إلى مركز استقطاب لهجرات عكسية جعلتها تتحول وتتخذ وجهها الجديد المعروف. صارت قبلة للآتين من قراهم إما بسبب الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين وما نتج عنه عبر السنين جنوباً، وإما بسبب الأوضاع الاقتصادية والهجرة التقليدية من الريف إلى المدينة من البقاع وغيره من المناطق. ومع الحرب الاهلية استفحلت هذه الهجرة، وتمركز التجمع فيها انطلاقاً من الطائفة والمذهب، فقط لا غير، من ضواحي بيروت في الجانب المسيحي.
في التعليم الثانوي صادفت عددا من المسيحيين الذين تركوا أثراً في نفسي. ربما لقلتهم وربما للانطباع الذي تركوه عن «اختلافهم» الذي بدأ يظهر هنا بطريقة مغايرة أو غير متطابقة مع الصورة الأولى.
أستاذ اللغة الفرنسية أولاً الذي بقيت ألتقي به صدفة بعد تخرجي ونقف لنتحادث برهة ويسألني عن أحوالي. ربما آخر مرة صادفته فيها كان بعد نيلي الدكتوراه وأبدى اعجابه بإكمال مسيرتي العلمية. أستاذي هذا كنت أراه كأنه شخصية من شخصيات أبطال الأفلام الفرنسية والأدب الفرنسي، الذي كان يدرسنا إياه بشغف. بدا لي خارجاً من هناك، من أحد الكتب. كذلك أستاذة مادة علم النفس، التي درّستنا في صف الفلسفة فيما هي تحضّر للدكتوراه على الأرجح. التقيتها كزميلة في الجامعة فيما بعد. ظلت تتذكرني وتتحدث عني ربما كشخص لم تتنظر منه الانتظام التعليمي، بسبب نشاطي السياسي والطلابي حينها، حيث كنت أعد «مشاغبة» في تصنيفها! لا أدري.. على كل بقينا نسأل عن بعضنا عن بعد، والتقينا مرات عدة في لجان وما شابه، ومؤخراً أشارت ضاحكة وفخورة إلى انها نقلت «لوثة علم النفس والتحليل النفسي» لي ولعدد من طالباتها اللواتي تبنين اختصاصها.
هناك أيضاً أستاذ فن التصوير الذي أخذنا في رحلات ممتعة وجعلني أحمل الكاميرا وأظهّر الصور لفترة من الزمن. ولكن من اختفى كما ظهر وترك لدي انطباعاً قوياً، كان فيليب، الطالب، الذي ظهر هابطا علينا فجأة من مدرسة رسمية أخرى في الأشرفية، وكان قد طرد منها وقُبِل في برج البراجنة، وذهب ولم نعد نعرف عنه شيئاً. لا أذكر أن مدرستي ضمت طلاباً مسيحيين حينها، مع أن منطقة حارة حريك والمريجة وغيرها، كانت لا تزال توجد فيها بعض العائلات. لكنهم الفرز الطائفي سرعان ما جرفهم بعيدا عن المنطقة التي ازدحمت بالمسلمين الشيعة، المتكاثرين، إضافة إلى الفلسطينيين المتجمعين في المخيم المتاخم.
في هذه المرحلة تكون انطباع جديد عنهم. ربما انطباعي المتكون عندها وفيما بعد من انهم مختلفون كان على الأرجح بسبب تمكنهم من اللغة الفرنسية، نقطة ضعفنا في التعليم الرسمي. لكن ليس هذا بحد ذاته، بل حرصهم الملفت للانتباه على إظهار ذلك واهتمامهم بإيلاء الفرنسية أهمية أكثر من العربية. ذلك أن التمكن من لغة إضافية مصدر قوة بديهي وأكيد، لكن هل يكون الأمر كذلك عندما لا يكون الشخص ضليعاً أيضاً بالعربية؟ وهل يكون كذلك عندما يكون التعبير عن نفسه بالفرنسية أكثر سهولة وأحسن مستوى؟ وعندما نتكلمها في المنزل كلغة أولى؟
المسيحي في تجربتي الواعية وربما شبه الواعية هو آخر، شبيه ومختلف. سوف أجد من يعلق: كل شخص هو آخر شبيه ومختلف. بالطبع.
لكن هذا الآخر كان بالنسبة لي في مرحلة وجودي في القرية وفي الانطباع الذي تخلف عن تجربتي معه جزءاً من التنوع أو التعدد ببساطة.. لكني في بيروت ومع الوقت التقيت بمسيحي مختلف أيضاً عن المسيحي في قريتي. بآخر ترك عندي الانطباع بأنه أكثر اعتداداً ويترك لديك الاحساس بأنه يشعر بنوع من التفوق أو الخصوصية وأنه من أفراد يعتبرون أنهم ينتمون إلى نوع من طبقة أرفع. ليس طبقة بالمعنى الحرفي لكن فئة أو جهة لديها قدرة أكبر على الامساك بزمام الأمور أو أنه «متحضّر» أكثر.. لهذا غالبا ما نلاحظ تمايزهم أيضاً (فيما يتعدى اختلاف اللهجات بين المناطق لكن كصفة غالبة لدى سكان المدن)، في طريقة الكلام واللهجة التي تتميز بعدم تفخيم الحروف العربية كما نتكلمها، أو كما كانوا يدرسوننا في المدرسة، بل يقومون بتليينها وإضعاف طريقة لفظها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تجدهم يحرصون على استخدام اللغة الفرنسية أو تطعيم حديثهم بالكثير من الكلمات الفرنسية، أحياناً دون التمكن منها حقاً كلغة عند بعض الفئات الشعبية. قبل أن تتعمم هذه الموضة نسبياً على مجمل أفراد الطبقة الوسطى من المسلمين وخصوصاً البرجوازية الشيعية، التي صارت تحرص مؤخراً على أن تتكلم مع أطفالها بالفرنسية أو الإنكليزية. وفي هذا دليل على اتفاق لبناني ضمني على اعتبار اتقان الفرنسية أو الإنكليزية واستخدامهما في الحياة اليومية تمايزاً وارتقاء. وهذه صفة لبنانية في الغالب.
كما يعطيك البعض منهم الانطباع وكأنهم ينتمون إلى حضارة أرفع من تلك المحلية وأكثر عصرية منها، إلى الحضارة الغربية والثقافة الغربية. أليست روما حاضرتهم؟ حتى أن البعض ، وبالرغم من الاتفاق الضمني بينهم وبين رجال الدين المسلمين على معارضة الزواج المدني ومعارضة قانون أحوال شخصية مدني حتى ولو اختيارياً، يتوهمون أن مواقفهم هنا أيضاً متقدمة فقط لأن مواقف الكنيسة وبابا روما متقدمة، ولو أن لا مجال لصرفها في لبنان. في المقابل أتشارك الانطباع مع عدد من الأصدقاء، ومنهم المسيحي، بأن المسيحيين العرب أكثر «قرباً» منا نحن المسلمين اللبنانيين أو أكثر شبهاً وأقل «اختلافاً» عن المسيحي اللبناني وأقصد هنا على المستوى الثقافي. حتى صديقتي المسيحية الآتية من القدس قبل أن تُحتل لا تبدو «مسيحية» بقدر بعض الصديقات المسيحيات. المسيحي العربي أكثر التصاقاً بعروبته قبل أي انتماء من نوع «أمنا الحنون» فرنسا وهو في الغالب لا يحمل اسماً دالاً بشكل خاص، وتجده أقرب اليك بخصوصيتك العربية. لقد ظلوا أكثر التصاقاً بالثقافة العربية ولا يتمايزون عن الآخرين وعنك بالانتساب إلى الثقافة الغربية. ونجد هذا أيضاً عند مسيحيي لبنان من المناطق الريفية الأبعد عن جبل لبنان أو المعروفة أنها محرومة.
التقي أحياناً بأشخاص في محيطي يعطوني الانطباع بالنظر إليّ والتعامل معي، ومع أمثالي، ك «ريفية» نجحت في التحضر قليلاً، فاستطاعت الابتعاد عن الكليشيه القابع في مخيلتهم عن «الشيعية». أحياناً ألقى استهجاناً عندما يُعرف مذهبي بالصدفة، أنت شيعيّة؟؟ وكأن الانتماء إلى مذهب معين يزود الشخص بشكل أو مظهر أو رائحة معينة تميزه. تظهر العديد من ألبومات الصور المأخوذة من بداية القرن صوراً لنساء لبنانيات من مختلف الطوائف والمذاهب كن متشابهات الملابس. ربما الاختلاف على هذا الصعيد كان يتعلق بالفئة الاجتماعية أكثر منه بالدين.
شعور التفوق الخفي، يكون أحياناً رقيقاً وهشاً كطبقة جليدية رقيقة قابلة للكسر أو كخلفية موسيقية عميقة، وأحياناً يكون أكثر وضوحاً. اكتشفت لاحقاً وجود هذا الشعور والسلوك الضمني الخفي لدى البعض من بقايا الاقطاع القديم من المسلمين ولدى بعض السياسيين ولدى الجهاز الديبلوماسي. والكلام هنا يعني الاحساس بهذه المشاعر على المستوى شبه الواعي أو ما يُعرف بـ«النفث»، عندما نشير إلى الطاقة التي ترشح من الجسم عند التعرق. وليس نوعاً من السلوك الفظ أو الظاهر.
تكمن المشكلة الآن في عدم التطابق حالياً بين الواقع الذي بدأ يبتعد عن هذا التصور الأيديولوجي والتنميط، الذي يبرز مترسباً انطلاقاً من خصوصيات حقبة ما وممارساتها ووضعياتها التاريخية. فكما نعلم يتغير الواقع قبل أن نلتقط هذا التغيير على المستوى الواعي أو التنظيري، كما الايديولوجيا التي هي تعريف مسبق للواقع. ما يعني أنها لا تأخذ تغيرات الواقع المستجدة بعين الاعتبار، بل تعتمد على معطيات سابقة وجامدة.
من هنا ربما نجد أن هذا الشعور كانت له مبرراته، والمعطيات التي تسمح به، عند المسيحي في المقلب الأول من القرن العشرين وحتى الستينات. وهو مرتبط بمقتضيات التاريخ وعلاقة السلطنة العثمانية بالأقليات حتى القرن التاسع عشر، حين كان المسيحيون يُعفون من الخدمة الالزامية في الجيش الانكشاري، على عكس المسلمين الذين يتجندون بعمر 13 عاماً، فيتركون المدرسة عندما تتوفر لهم، وكل شيء آخر، ويذهبون بعيداً. في هذا الوقت كان يتسنى للمسيحي ارتياد المدارس الجيدة، التي وفرتها له البعثات الارسالية الغربية الهاجمة على المنطقة مع هجمة الاستعمار. انتجت هذه الممارسات طبقة مسيحية متعلمة كانت جاهزة لاستلام دفة الأمور في لبنان، الذي أوجد بجهد منهم ولأجلهم بالدرجة الأولى.
أما بالنسبة للشيعي في هذا الاطار فهو خضع للتمييز السلبي المتجذر في الزمن من قبل السلطات العثمانية. ومن هنا خلفية الحرمان التي يشعر بها الشيعي ويصرّ على الاحتفاظ بها، كإيديولوجيا، كما فسرناها أعلاه، بالرغم من تحوّله إلى مسيطر وقامع. مع أن الدستور اللبناني كان قد أعاد له حقوقه المهدورة. بينما كان للسني المديني امتيازات أهل البيت نسبياً.
بدأ تغيّر وضع الشيعة ومسلمي الأرياف مع إرساء الدولة الوطنية في لبنان، ومع دستور أخذ بعين الاعتبار حقوق المواطنين وحقوق الطوائف جميعها بشكل معقول. وبعد مجيء حقبة الشهابية، والاصلاحات التي قامت بها، وتعميم المدارس على الريف، ساعد المسلمين عامة والشيعة خصوصاً على تعديل الصورة نحو مزيد من المساواتية، إذا أمكن القول، بين مكونات الوطن. لن أدخل هنا في تفاصيل أخرى ولكني أود الاشارة إلى الصعود الذي عرفته الطائفة الشيعية، التي توفر لها التعليم الرسمي ومجلس الخدمة المدنية من ناحية، والهجرات من ناحية أخرى، مع دينامية داخلية متحفزة، ما أسهم في إيجاد طبقة من المتعلمين والمثقفين، كانت بمثابة تعويض عن الإجحاف الماضي.
لكن هنا أيضاً، نجد أن الطائفة الشيعية غير مدركة أنها ذاهبة نحو فقدان هذه الدينامية، ونحو التدهور والانحدار بفضل ممارسات محتكري تمثيلها السياسي، وحروبهم الخارجة عن الحدود، وعن المصلحة الوطنية، جارفة معها جيلاً كاملاً، تبعده عن المدرسة وعن حقل العمل والانتاج، مع تصور عن نفسه أنه متفوق وأفضل وأشرف من الآخرين.. فهذه الطائفة سوف تجد نفسها، بعد عدد قليل من السنوات، تعاني من انخفاض في مستوى تعليم أبنائها وتحولهم إلى مقاتلين قدامى، يعانون مما عانت منه وتعاني جميع الميليشيات المتقاعدة. وبالتالي، هنا أيضاً يتصرف غالبية أبنائها، المستقوين بحزب الله التابع لإيران، بشكل لا يتلاءم مع الواقع الآخذ في التبلور أو القادم، عندما نقرأ ما يدور حولنا بشكل جيد.
بروز التيارات السلفية من «قاعدة« و«نصرة« ومؤخراً «داعش« تشكل تهديداً لنا جميعاً. انها تهديد للوجود الانساني بشكل عام والمسيحي بشكل خاص. لكن للأسف الشديد لا تتلاءم ردود فعل بعض الفئات المسيحية اللبنانية مع المخاطر الموجودة، بل تدعها وتفاقمها وتعطيها شرعية ما، عبر تلقفها والقبول بها كأنها مسلمات بدل مواجهتها، عبر اللجوء إلى مؤسسات الدولة ودعمها. يتصرف المسيحي وكأنه مكون طارئ على هذا البلد وهذه المنطقة، يحتاج إلى إذن وتغطية وحماية. كأن العلاقة بالوطن علاقة عقد تجاري تنقضه عندما تشعر بأي تهديد بتدني نسبة الربح، أو تطلب كفيلاً آخر يؤمن لك مصلحتك. الكفيل الآن حزب الله ومن خلفه إيران!
وفي هذا تعارض مع فكرة لبنان الوطن، الذي أوجدوه. أليس هو بلد الأقليات؟ ألم يقم على عقد تعددي ديموقراطي؟ أسأل نفسي ما الذي يجعل فئة تغفل انتماءها العضوي السحيق إلى هذه المنطقة، وهي الأكثر تجذراً وعراقة فيها وقبل أن ينوجد الإسلام نفسه! وما حاجتهم لاعتماد حماية خاصة في الوقت الذي يمكن تأمينها من خلال التمسك بالدولة ذات القانون والمؤسسات، التي توفر الحريات، تلك التي ناضلوا قبل غيرهم لتثبيتها وجعلها ملح الأرض اللبنانية!! وجعلوا من لبنان قبلة المضطهدين الذين تعرضوا للقمع في بلاد الاستبداد العربي المتجذر، ومكاناً مختلفاً عن البلدان المحيطة، ذات اللون الواحد، التي أخفت الاختلاف تحت قوة القمع.
ربما إذا تمعنّا قليلاً يمكننا ربط هذا التخلي السهل بذلك الشعور التملكي والتفوقي. فإما لبنان الامتيازات للحقبة التي عرفت بالمارونية السياسية، وإلا فعليّ وعلى وطن الأرز السلام. يتطلب الأمر منا جميعاً أن نحافظ على، ونطور فكرة العيش معاً، وأن نعمل على ابتداع لبنان وطناً حقيقياً للجميع. لبنان «سويسرا الشرق« حقاً وبكل المعاني. من الحياد إلى الحقوق المواطنية المتساوية، إلى التمسك بالحريات، وأولها حرية المعتقد، أي أن انتمي إلى أي دين أولا أنتمي. كما يكفل الدستور اللبناني .
لا يمكن أن نهرب من الأوطان عندما تتعثر، أو أن نستسلم لشعور الغربة فيها، ولا أن نقبل الخضوع لابتزاز الآخرين. الأوطان تبنى ويتم تبنيها وتتجسد بالتدريج بجهد أبنائها اليومي، شرط وجود الإرادة. إرادة أن نكون معاً مواطنين متساوين، لا نحتاج سوى حماية دولة القانون للجميع.
في كتيب له بعنوان «ما هو الوطن» كتب أرنست رينان في العام 1882 أن «الأوطان شيء جديد في التاريخ. الوطن عبارة عن تجمع كبير من البشر، سليمو الفكر ودافئو القلب، يخلقون وعياً أخلاقياً يسمى وطناً. إنه امتلاك أمجاد مشتركة في الماضي وارادة مشتركة في الحاضر؛ إنجاز أعمال كبيرة معاً والرغبة بإنجاز غيرها أيضاً؛ هذه هي الشروط الأساسية لكي نكون شعباً«.
مع شعورنا بالحاجة إلى إصلاح نظامنا الطائفي من أجل إنجاز المواطنية التامة؛ ينبغي أن نحافظ على نعمة وجودنا في بلد تحوّل نموذجه من داء معدي إسمه «اللبننة»، بسبب اعترافه بالتعدد الطائفي، إلى دواء ومثال يحتذى في منطقة «أخفت» تعددها الديني والطائفي والعرقي والإتني تحت جزمة الديكتاتور.
كاتبة وباحثة لبنانية

 

 

 

إسلامي الذي ورثته في جيناتي، يقول: «الحب ديني وإيماني/ تهامة الجندي
للمرة الأولى أدخل غرفتي، بعد نهار طويل قضيته في تسيير إجراءات التسجيل، للعيش في السكن الجامعي. كنتُ متعبة وجائعة، أحمل حقيبة ملابسي، وكانتْ تسند ظهرها إلى زجاج النافذة. وضعت الحقيبة على الأرض، وحييّتها بانحناءة من رأسي، ابتسمتْ، وغمّغمتْ مرحّبة بعبارة لم أفهمها. سألتها إن كانت تتكلم الفرنسية؟ قالتْ: قليلا، قلتُ: وأنا كذلك. دعتني إلى كوب من الشاي، وبالكثير من الإشارات والقليل من الكلمات، بدأنا نتعارف ونتفاهم. ساعدتني في ترتيب سريري وأغراضي، خرجتْ لبعض الوقت، وعادتْ تحمل لي العشاء، وضعته أمامي وانصرفتْ، بعد أن تمنتْ لي ليلة هادئة.
نوشا شريكتي البلغارية في السكن، قدِمتْ لتوها من مدينة الورود «كازنلك»، إلى العاصمة صوفيا، وبدأتْ سنتها الأولى في المعهد العالي للفنون المسرحية، قسم مسرح الأطفال، وأنا السّورية التي وُلدت على شاطئ البحر، أبدأ تعلم اللغة البلغارية في معهد الأجانب. كنا متشابهتين بالشكل وبالطباع، كأننا أختان لم تلدنا أم واحدة، كلتانا تدخل العشرين بأحلام أوسع من السماء، نشعر بقليل من الغربة في الوسط الجديد، ونريد أن نخترق كل الحواجز والأسرار بسرعة البرق. ولم تمضِ أسابيع قليلة على لقائنا الأول، حتى أصبحنا صديقتين مقربتين، ينطبق علينا قول امرئ القيس «وكل غريب للغريب نسيب».
جاء رأس السنة، ودعتني صديقتي، أن نقضي المناسبة عند أهلها. سافرنا برفقة صديقها بوبي، ووصلنا «كازنلك» بعد ثلاث ساعات. لم أستطع أن أتبين ملامح المدينة، التي غابت تحت ندف الثلج والمساء، لكن منزل العائلة كان دافئا، بموقد كبير، وأرضية خشبية يغطيها السّجاد، وهم كانوا في غاية اللطف، مائدتهم عامرة بألذ الأطعمة، والنبيذ الأحمر من صنع أيديهم. رقصنا وغنينا وضحكنا، رفعنا نخب الحب، وحين أعلنت الساعة قدوم عام 1982، قطّعتْ الأم قالب الحلوى، ووزعته علينا، وفي قطعتي ظهرت علامة الحظ، صفق لي الجميع، وأهدوني أجمل الأماني. منذ تلك اللحظة لم أعد أشعر بالغربة، صار لي أهل في موطني الثاني بلغاريا.
كنا طالبتين فقيرتين، لكن نوشا لم تبخل يوما بتقديم عونها وحبها لي، وكنت سخية إزاءها بكل عواطفي وإمكاناتي المتواضعة. تسكعنا في شوارع صوفيا، جلسنا في المقاهي، ومعا زرنا جبال بلغاريا ومناطقها الداخلية. كان يطيبُ لي أن أخالط أصدقاءها البلغار، وكانتْ تبدو سعيدة بلقاء أصدقائي العرب، وبقربي تعلّمتْ الكثير من العبارات السورية، وكانت تستقبلني بعبارة «كيفك خبيبي» ثم تقول «يخرب بيتك شو خلوة»، وعلى مائدتنا المشتركة في سكننا الجامعي، كانت تجتمع الأطباق والمشروبات البلغارية إلى جانب السورية. نأكل ونشرب بشره، ونتبادل أخبارنا وقصص عشقنا، التي غالبا ما كانت تنتهي بفشل ذريع.
قبلها بعدة سنوات، انتقلت إلى عشّ الزوّجية، واستمرت صداقتنا، وحين كنت أستعد للانفصال عن زوجي، حضرتُ زفافها في الكنيسة، قبل ان أنهي دراستي وأغادر صوفيا بعام، وإلى دمشق أرسلت لي بصورتها، وهي تحمل وليدها. لم تنقطع المراسلات بيننا، إلا بعد خمس سنوات، حين انتقلتُ من سكني، وأضعتُ عنوانها، لكنها بقيت في مخيلتي، واحدة من أعز صديقات العمر، وفي أوقات ضيقي كنت أذكرها، وأتمنى أن تكون بأحسن حال. ولا أدري لماذا، لم تعد تفارق بالي، بعد أن انطلقت ثورتنا السورية؟ كنت سعيدة، أنتظر النصر، وأحلم أن أدعوها إلى بيتي الجديد، ووطني الحر.
تأخر النصر كثيرا، نسيت نوشا تماما، وانشغلت بأخبار القتل والدمار والتعذيب. وبعد أن بدأت الرايات السود ترفرف في السماء، لإقامة الخلافة الإسلامية، والقضاء على الكفّار والمشّركين، غادرت بلدي كتلة من الحطام والهلع. استقبلتني بيروت بقلبها الدافئ، ومنحتي بسخاء، كل ما كنت أحتاج إليه من الأمان والحرية. أنستُ لها، وبقيت فيها، حتى ارتفعت رايات داعش وحالش على الحدود السورية اللبنانية. عاودني الفزع، وفررت بجلدي من كل الطغاة إلى بلغاريا.
ما إن حطت قدمايّ على أرض صوفيا، حتى عادت صورة نوشا، تلح على ذاكرتي، وبعد ثلاثة أيام وجدتني، أحوم قريبا من المكان الذي اعتقد، أنها كانت تسكن فيه مع زوجها. لم أعثر عليها، لكنها كانت تبحث عني هي الأخرى، وتسأل معارفنا السابقين. وعبر صديقة مشتركة لنا على الفايسبوك، أرسلتُ لها برقم جوالي، وبعد خمس دقائق تلقيتُ مكالمتها، التي بدأت بـ «كيفك خبيبي؟»، وعدنا نلتقي، ونمارس طقوس صداقتنا، كأننا لم نفترق قط.
اخترنا مقهى في شارع «فيتوشكا»، نجلس فيه مرة أو مرتين في الأسبوع. امرأتان مطلّقتان في سن اليأس، وعلى قارعة الرصيف. أمامها كأس النبيذ، وأمامي تبغي و»الاسبرسو»، وكلتانا تتحدث عن جروح غائرة، وطعنات غدر لن يشفها القليل المتبقي من العمر. وحين تلتمع الدموع في مآقينا، ندير رأسنا صوب نجاحاتنا المهنية المزّعومة، هي ممثلة ومخرجة ناجحة، قدّمت أكثر من عشرة عروض للأطفال، ولها جمهورها، ومجموعتها الشعرية «شخصي جدا»، وأنا صحافية، لي قرائي وكتبي. نضحك من قلبينا على هفوات شبابنا، ونخطط معا لمستقبلنا، أقول لها: نحن الاثنتين، نموذج رائع وفريد عن التعايش السلمي بين الأديان والجنسيات، وتحدثني عن طاقة الخير التي تحمينا، وعن إله واحد، عادل ورحيم، يحضن إلى قلبه كل البشر الطيبين.
في طريقي إلى بيتي، أقلّبُ ذاكرتي، وأكتشف أن معظم صديقاتي المقرّبات، كنّ مسيحيّات، وأني دخلت الكنائس، وأشعلت شموعي للعذراء، أكثر بكثير مما دخلت المساجد، وزرت أضرحة الأولياء الصالحين. عشت في أحياء كان جامعها يقابل الكنيسة، واحتفلت بأعياد المسيحيين. قرأت الإنجيل، مثلما قرأت قرآني، وحفظت في قلبي تعاليم المسيح: «طوبى للودعاء، فإنهم يرثون الأرض… طوبى للرحماء… طوبى للساعين إلى السلام، فإنهم أبناء الله».
أقلب ذاكرتي، وأكتشف أيضا، أني استأجرت بيت امرأة يهودية، أثناء دراستي الجامعية، وكنت على علاقة طيبة بها. وأني عشت مع العلويين والشيعة والدروز والإسماعليين، أكثر مما عشت مع أبناء طائفتي السّنية. تزوجت من فلسطيني، وصادقت العرب والأجانب، ولم أنتبه، أني كنت دوما مثار ريبة المحافظين والمتشدّدين، في كل مكان دخلته.
أحار بطبعي الغريب، وميلي لمن هم ليسوا من ملّتي، وسط هذا التعصب الأعمى، الذي بدأ يجتاح عالمي العربي. يقّشعر بدني، وأشعر بالرعب وبالخجل من إسلامي، وأنا أقرأ أخبار الاقتتال الطائفي، والاعتداء على المسيحيين والإيزيديين. هل أنا مسّلمة بالفعل، أم أني زنّديقة ومهرّطقة؟ وتحضرني أحب الآيات إلى قلبي: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِي»، «خلقناكم شعوبا وقبائل، لتعارفوا» و»كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ». يقفز إلى ذهني كلام علي ابن ابي طالب: «الناس صنفان، إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق»، أذكر مقولة عمر بن الخطاب: «متى استعبدتم الناس، وقد خلقتهم أمهاتهم أحرارا»، وابتسم راضية، منذ زمن بعيد كتبتُ على جبيني، عبارة ابن عربي «الحب ديني وإيماني».
هذا هو إسلامي، ورثته أبا عن جد في جيناتي، الإسلام الذي أؤمن به، ويؤمن به السواد الأعظم من المسلمين، الذين خرجوا بكل طوائفهم من المساجد والجوامع، في بدايات «الربيع العربي»، وإلى صفهم خرج المسيحيون، مطالبين بدولة مدنية، تكفل الحريات والمساواة والعيش الكريم للجميع، ولن أرضى بإسلام آخر، يكفّر البشر، وباسم الله يقطع رؤوس الأبرياء، من كل الأديان والمذاهب.
كاتبة سورية مقيمة في بلغاريا

 

 

ذاكرة برائحة الهاسميك!/ عمر قدور
قلت لجاري بيدروس: لماذا لا تصعد ونجلس الآن؟ غير أنه ابتسم، وقال إنه سيزورني في السابعة مساء، إن لم يكن لدي ما يشغلني. بيدروس، كان جاري الوحيد في البناية، أو بالأحرى كنت جاره الوحيد بما أنه هو مالك الشقة التي أسكنها، ولم تفلح محاولاتي معه في إبرام عقد إيجار لمدة سنة أو سنتين، إذ أصر على مدة لا تتجاوز الستة أشهر قابلة للتمديد. كانت الستة أشهر شارفت على الانتهاء فعلاً، وكنت أنتظر قدومه متوجساً ليبلغني عدم رغبته في تجديد العقد. في السابعة تماماً كان العم بيدروس يقرع الجرس، وهو يلبس طقماً رسمياً وربطة عنق، وبجانبه زوجته التي تلبس فستاناً خاصاً بالزيارات كما يبدو. فوجئت برؤيتهما على هذا النحو الذي يوحي بنيتهما مغادرة البناء والقيام بزيارة خارجية، قبل أن أكتشف أنهما آتيان لمعايدتي في عيد الفطر، الذي صادف آنذاك. لم أستوعب حقاً تكلفهما من جهة الثياب، وأظن أنهما لم يستوعبا عدم احتفالي بالعيد، وبتّ مهموماً بعدم وجود بزّة رسمية ألبسها عندما سأزورهما معايداً في عيد الميلاد القريب. الخبر السار هو أن مبادرة بيدروس طمأنتني إلى تجديد عقد الإيجار، فقد تجاوزت بنجاح الستة الأشهر الأولى، ولم يعد إسمي «المسلم» أو شبابي مصدرا خشية للبارون بيدروس، كما كنت أناديه ممازحاً؛ البارون هو الأستاذ بالأرمنية. في الواقع كانت الإزعاجات تأتي من خارج بنايتنا، فجارتنا في البناية المجاورة تزعق بصوتها الحاد، وعندما تصرخ باسم ابنتها «هاسميك» يبدو الاسم أشبه بالسكين فلا يدل على معناه «ياسمين»، أما مؤذن الجامع القريب فيخترع مناسبات عديدة في اليوم، خارج أوقات الآذان، ليتلو القرآن أو الأناشيد الدينية.
من المرجح أن الجامع بُني عندما لم يكن في المنطقة مصلّون لارتياده! بناه رجل أعمال مسلم يعمل في صناعة النسيج، في منطقة كانت تُعدّ مسيحية، لكنه أصبح فيما بعد من معالم المنطقة التي لا تثير الانتباه، قياساً إلى بهرجة وفخامة الكنائس المجاورة. ربما كان الورع ما دفع ذلك الصناعي إلى بناء المسجد، وربما النكاية. ففيما بعد، سيطلق أهالي حلب البسطاء على جامع آخر شديد الفخامة اسم جامع «الجكارة» التي تعني بالحلبية النكاية. الجامع، الذي سيُعرف رسمياً باسم جامع التوحيد، يُحكى أنه بُني بمبادرة ثري خليجي كان ماراً بتلك المنطقة، وعزّ عليه رؤية أربع كنائس من دون وجود جامع واحد، فاشترى الأرض الواسعة التي بُني عليها الأخير، وكالمعتاد الجامع أولاً، ثم لا بد أن يأتي المصلّون.
لكن الوجود المسيحي في حلب، وأيضاً في الجزيرة السورية، لا يخضع لمبدأ النكايات المتبادلة، فهو وجود في صلب المدينة بحيث يعسر على أحد تجاهله أو تهميشه. في مدينة تشكل صناعة النسيج والألبسة قطاعاً أساسياً من نشاطها، بقيت أسواق الألبسة الرئيسية تعتمد عطلة يوم الأحد، مع أن أغلب تجارها ومرتاديها لم يعودوا من المسيحيين. المحلات المرتبط بصيانة السيارات وقطع تبديلها أيضاً تعتمد الأحد يوم عطلة، رغم أن غالبية أصحابها باتت من المسلمين. بخلاف غالبية المدن السورية، يمكن القول إن حلب تستعيد نشاطها الأسبوعي يوم الاثنين، بدل الأحد الذي يلي يومي العطلة الرسميين. هذا ليس مديحاً لتنوع المدينة وتسامحها، إذ لا يُستبعد أن يكون للحفاظ على عطلة الأحد في بعض القطاعات أسباب اقتصادية بحتة، من قبيل إتاحة الفرصة أمام المتسوقين في يوم الجمعة، الذي يبقى يوم العطلة الأساسي.
في الشرفة المقابلة، كان جارنا «ساكو» يكرر عطلته الأسبوعية، ففي الحادية عشرة من صباح كل أحد يخرج إلى الشرفة مع كأس العرق التي يضعها على الدرابزون، ثم يشعل الفحم ليشوي عليه اللحوم. ساكو أرمني آخر، يعمل ميكانيكياً واسمه ليس آرتين كما تصر المسلسلات السورية على تسمية كل شخصية أرمنية تنال دوراً ثانوياً فيها، فضلاً عن ضرورة أن ينطق الممثل بعربية مكسّرة تخلط بين المذكر والمؤنث طوال الوقت. في الواقع، طوال معايشتي لجيراني الأرمن لم أتعرف على آرتين الذي ينطق بتلك اللغة العجيبة، صادفت منهم أناس يعانون البطء في نطق العربية، لكنهم يميزون جيداً بين الجنسين، والذكور منهم يعبّرون عن شغفهم بالنساء، أسوة بغالبية ذكور الكرة الأرضية.
على كل حال، ليس ضرورياً أن تعيش في حي مختلط كي تعرف أرمن حلب ومسيحييها، فهم موجودون في العديد من الفعاليات الاقتصادية النشيطة، في مدينة تُعد مدينة تجارية في المقام الأول. أن يكون لك صديق باسم جورج أو إلياس أو كيفورك، أمر ليس استثنائياً، وبحكم قرب الأحياء المسيحية تقليدياً من مركز المدينة وأسواقها فإن رؤية لوحات المحلات التجارية أو الأطباء أو غيرهم التي تحمل تلك الأسماء هي من مألوف الحياة اليومية. المصوران هايك وديكران، على سبيل المثال، ظلا لفترة طويلة جداً مقصد كل حلبي يريد التقاط صورة مميزة، قبل شيوع مهنة التصوير ومن ثم تلاشيها مع التقنيات الحديثة. طبيب القلب الراحل كيفورك تميزيان كان من أشهر الأطباء في اختصاصه، وشهرته تمتد حتى إلى أهالي البادية، الذين يملؤون غرفة انتظاره من أجل مريض واحد في العائلة؛ شهرته بين مرضاه تفوق على الأرجح شهرته بيننا كشاعر. ذلك الصيدلي، في حي «الهلك» الذي غلبت عليه الصبغة الإسلامية، ربما لم ينتبه أبناء الحي إلى مسيحيته إلا عندما سيطر داعش على الحي، قبل نحو سنة من الآن، وقرر «الأمير» إغلاق الصيدلية ومصادرة محتوياتها. الصيدلي «المسيحي» لم يهرب من الخطر أسوة بغيره، وأمير داعش الصغير تراجع حينها عن قراره تحت ضغط من الأهالي، وفي مقدمهم إمام جامع الحي.
رواد الحانات والبارات في حلب، لا بد أنهم سهروا مراراً في مطعم «حنا كعدة» أو خمارة «أبو آكوب»، والمراهقون منهم بخاصة ربما شربوا كأساً سريعاً عند «باسيل» الذي يزين جدران مشربه الصغير بصور عارية لفاتنات أجنبيات، ويبدل الصور بين الحين والآخر دفعاً للملل. ذلك لا يعني احتكار قطاع «الكحول» من قبل المسيحيين، فنسبة لا يُستهان بها من مطاعم حلب تعتمد على تقديم الكحول أولاً؛ الحلبيون الذين يعتدّون بمطبخهم المنزلي قلما يرتادون المطاعم من أجل تناول الطعام فحسب، بينما تشكل المطاعم متنفساً للآتين من بيئة محافظة لا تتقبل تناول الكحول في بيوتها. «حنا كعدة» تحديداً له أفضال لا تُنسى على المعتّرين بسبب رخص أسعاره، الأمر الذي طغى على شهرته السابقة في تقديم الدجاج المشوي على الفحم، ومن المتوقع أن يكون له فضل كبير في التقريب بين الكحوليين من مختلف الأديان والمذاهب، فضل لا يستطيع المفتي والمطران ادعاءه عندما يجتمعان برعاية المحافظ، ويبتسمان لكاميرا التلفزيون الرسمي.
من جهة أخرى، لا يمكن الحديث عن حلب دون إشارة إلى بيدروس وحنا وهايك وساكو وباسيل، سيكون الأمر كأنك تنتزع من المدينة أحشاءها وتضع مكانها قطناً ويوداً. عليك أن تمحو أحياء زاخرة بأكملها، مثل الميدان والسليمانية والعزيزية والجديدة والسريان، عليك أن ترى مئات الآلاف من قاطنيها بوصفهم زينة أو اكسسوارات تدل على بهرجة التنوع لا غير. نحن، أبناء المدن أو الذين أصبحنا كذلك فقط لأننا عشنا ذلك الاختلاط، لا نملك جرأة النظر إليه كزينة، ولا نملك وقاحة مغول العصر الذي وسموا بيوت مسيحيي الموصل بحرف النون. في حلب، التي يتواطأ الآن على تدميرها داعش والنظام، القلائل يعرفون مغزى حرف النون، فالمسيحي هو المسيحي، سواء كان جاراً أو صديقاً أو عدواً، وهو في كافة أحواله من بديهيات وجود المدينة؛ كلمة «نصراني« ليست هي الشائعة.
شخصياً، لا أدري ما الذي سيحل بذاكرتي لو لم يكن فيها جارة تزعق باسم ابنتها «هاسميك»، فأتخيل لحظتها نصلاً يلمع ورائحة ياسمين!
شاعر وروائي سوري

 

 

 
في مدخل بناية معتمة/ رشا عمران
تخبرني أمي أنها، وقبل انتقال عائلتي للعيش في دمشق عام 1969، وضعتني في روضة للراهبات في طرطوس لمدة عام، لا أتذكر شيئا من تلك السنة البعيدة في طفولتي عدا صورة واحدة لا أعرف لما بقيت عالقة في ذهني، أراها كما لو كنت أسترجع مشهداً في فيلم سينمائي بالأبيض والأسود : ألبستني أمي ثوبا أبيض قصيرا مطرزاً بورود بيضاء في أسفله، ثم حملني رجل،عرفت لاحقا أن إسمه ميشيل وكان صديقاً لوالدي، وأعطاني شمعة بيضاء بطولي تقريباً، وقتها، وأخذني إلى مكان ما، أتذكرأنه كان يشبه الحلم، شموع كثيرة ووورد وموسيقى… قطع، قالت لي أمي بعد زمن طويل أنه كان عيد الشعانين.
في دمشق، حيث عشنا حياتنا كلها متنقلين في بيوت مستأجرة، قضينا الفترة الأطول من حياتنا في شارع مجاور لساحة جورج خوري بين القصاع والعباسيين، مدرستي الابتدائية والاعدادية والثانوية كانت في ذلك الحي، حي متنوع في تركيبته السكانية من مسلمين ومسيحيين، وإن كانت الغالبية فيه من المسيحيين. لن أدعي أنني خلال تلك الفترة لم أكن أعلم ماهو المسلم وما هو المسيحي، كنا في المدرسة نفترق في حصة الديانة، ولم يكن أحدنا ليحتج على هذا، كان يبدو طبيعيا، طبيعيا جدا مثل بقائنا في الشارع، نحن بنات وصبيان تلك الحارة من أديانها المتنوعة، لنلعب حتى المساء وأحيانا حتى ما بعد المساء، وكانت أجمل تلك المساءات المتأخرة هي في عيد الصليب، حين يجتمع من هم أكبر منا سناً بقليل ليقوموا بطقس العيد الاحتفالي، صلبان خشبية ونيران مشتعلة في وسط الشارع، وأصوات تغني ما لم أكن أفهمه، طقس أسطوري ساحر، اختفى شيئاً فشيئاً من حياتي، وربما من شوارع دمشق أيضاً.
على امتداد شارع القصاع الشهير في دمشق كان صوت فيروز الحزين يتماوج بصدى مذهل : «فليكن موت ابنك حياة لطالبيها «،أيام الجمع الحزينة تلك كانت الأجمل لي خلال سنوات تلك المرحلة، بعدها بيومين سيأتي الفصح والبيض الملون وذلك المشروب ذو الطعم المذهل في كؤوس صغيرة جدا، ليكيور الفصح، قطع، (ساكو) الصبي الأرمني الوسيم، حلم كل بنات الحي، في إحدى المساءات في مدخل بناية معتمة يقول لي: «كنت ناوي انو حبك انت بس عرفت إنك علوية« أصمت وأفكر وماذا يعني؟ نتابع اللعب بالحارة في اليوم الثاني وأعرف أنه يومها أحب رفيقتي «ذكاء« المسيحية من عائلة شكبازوف، نتابع اللعب كأن شيئا لم يكن
نستيقظ ذات صباح على أصوات بكاء وعويل صادرة من الطابق الأرضي في البناية، توفيت (جانيت) جارتنا الشابة، مدرّسة الرياضيات في مدرستي الاعدادية، ترتدي أمي الأسود مثل كل نساء البناية (مسيحيات ومسلمات) وتنزل لمواساتهم وتقضي اليوم معهم حتى موعد الجنازة. جسد جانيت مسجى في تابوت مكشوف ترتدي فستان عروس أبيض (لم تكن متزوجة) وبزينة كاملة، والتابوت تحمله الأكف ويتنقل في حركة دائرية أصابتني بالدوار وأنا أراقب المشهد من شرفة بيتنا في الطابق الثاني، ثم ينطلق الموكب إلى كنيسة القصاع، قالوا يومها أن وجهها كان مبتسما حين وجدوها ميتة في فراشها، هي التي كانت تعرف بأنها دائما غاضبة، ولا يعرف وجهها الابتسام، كان أول سؤال حقيقي للموت عندي وقتها، ومن وقتها بدأت علاقتي مع الموت وأسئلتي عنه وخوفي منه، أقرأ نعوتها في اليوم الثاني معلقة على جدران بنايات الحي مسبوقة بصليب كبير في أعلى ورقة النعوة، وأقرأ النعوات الأخرى، وتصبح إحدى عاداتي قراءة النعوات، والتمييز بين موتى المسلمين وموتى المسيحيين. في نعوات المسيحيين صليب وذكر أسماء عائلة المتوفى رجالا ونساء، في نعوات المسلمين آية قرآنية وأسماء ذكور فقط وأتساءل لو مت هل سيذكرون إسم أمي وخالتي وعماتي وشقيقتي الصغيرة في نعوتي؟؟.
تعرفت عبر عائلتي على عائلة يبرودية مسيحية، أنا في السادسة عشرة من عمري، شباب وصبايا من هذه العائلة كانوا يسكنون في الحي ذاته، صرت صديقة لهم ويدعونني إلى سهراتهم الدائمة، في ذلك المنزل الصغير البعيد عن بيتنا خمسين مترا، سمعتهم يغنون علنا أغاني الشيخ إمام ، في قريتي (الملاجة) في ريف طرطوس، حيث كنا نذهب كل عطلة صيف، كنا نسمع أغاني الشيخ إمام سراً، كان الكثير من شباب وصبايا القرية منتمين للحزب الشيوعي، وكانت أغاني الشيخ إمام بمثابة الشيفرة، أتذكر أنني بدأت بالغناء مع الأصدقاء اليباردة وأنا سعيدة لاكتشافي انحيازهم للحزب الشيوعي، الذي لم أنتم له يوما سوى بالهوى، ثم لاحقا أذهب إلى يبرود وأقضي أسبوعا كاملا معهم.
عودة الشريط إلى الخلف، صديقتان كانتا الأعز لوالدتي، سميرة وليندا، سيدتان مسيحيتان متزوجتان من رجلين مسلمين كانا صديقين لوالدي، كنت في العاشرة من عمري، بعد ظهر أحد أيام الصيف، دخلت إلى الحمام وخرجت باكية، كانت هناك نقط دم حمراء تلوث لباسي الداخلي. النساء الثلاث، أمي وصديقتيها، كن يجلسن في الصالون يستمعن إلى أم كلثوم وهي تغني «يا ظالمني«، وحين سمعن بكائي أتين إلي واستفسرن، أذكر ابتساماتهن حين عرفن السبب وأذكر أنني حقدت عليهن يومها، لأني لم أفهم سبب الابتسامات العريضة، يومها أجلسنني بينهن وبدأن يشرحن لي كيف أنني في تلك اللحظة، بدأت أتحول من بنت (مفعوصة) إلى إمرأة! لاحقاً ليندا اختفت وبقيت سميرة صديقة لأمي ولي، وما زلت كلما رأيتها نتذكر ذلك المشهد.
قبل سنة تماماً وأنا في القاهرة، أتعرف إلى شاب سوري أصغر مني بأكثر من عشرة أعوام في مناسبة ثقافية سورية مصرية، ثم نذهب لنشرب القهوة مع مجموعة من الأصدقاء، نكتشف يومها أن بيننا الكثير من الاصدقاء السوريين المشتركين، لكننا لم نلتق في دمشق أبداً. بعد أيام يتصل هيثم بي يدعوني إلى عشاء سوري في بيته، أذهب وأرى ديما زوجته الحامل بتوأم، أدخل البيت وأتصرف كما لو كنت صديقة لهما ولبيتهما منذ أمد طويل، ومعهما أستمع إلى أم كلثوم تغني يا «ظالمني«، في بيت هيثم وديما في القاهرة أتعرف إلى عدد كبير من السوريين من مختلف الطوائف السورية، بيت تشم منه رائحة المحبة والفرح ما أن تتخطى عتبته، تلك الرائحة التي ستظل ترافقك دائما كما لو أنها جزء أصيل من ماضيك البعيد الذي شكل وعيك. هيثم وديما من يبرود، لم أستطع معرفة هل هما مسلمان أم مسيحيان إلا بعد زيارتين، في بيتهما أتعرف إلى سيدة سورية محجبة نتبادل الحديث ثم تخبرني عن يوم بلوغ ابنتها. هيثم كان مطلوباً للأمن في سوريا وجاء إلى مصر خوفا من الاعتقال ثم تبعته ديما، نتحدث في الزيارات الأولى كثيراً عن الثورة، أعرف من الحديث أنهما مسيحيان لكن بقدر ما أنا علوية، لم يكن للحديث المذهبي أي معنى بيننا أو بيننا وبين الأصدقاء السوريين والمصريين، معهما أكتشف أن العلماني الحقيقي لا شيء يمكنه أن يرجعه إلى هويته المذهبية أو الطائفية. في يبرود تعرضت عائلتيهما لكل أنواع العسف من النظام باعتبار أن العائلة معارضة، ثم من الإسلاميين الذين سيطروا على يبرود لفترة باعتبار أن المسيحيين «كفرة«. ومع ذلك، بقيا ثابتين على موقفهما ومدركين أن لا خلاص لسوريا من دون الخلاص من الاستبداد أولاً.
مشهد حديث، يوم ولدت ديما توأمها جاءت والدتها وشقيقتها من سوريا، في إحدى السهرات كنت أحدثهم عن زيارتي القديمة إلى يبرود وحين سألوني من هي العائلة التي زرتها اكتشفنا أن العائلة هي عائلة أهل والدة ديما، التي كانت متزوجة وقتها ولم أرها. خالة ديما وأخوالها هم من كانوا أصدقائي اليباردة في آخر سبعينيات القرن الماضي! تخبرني ديما قبل أيام والمرارة تملأ صوتها: أخاف أن تكون سوريا التي عرفناها قد اختفت وانتهت تماماً، أخاف من نفسي أحيانا حين أتذكر أنني مسيحية، وخائفة على مستقبل أولادي في هذا الشرق، أنا التي لا ترغب بالعيش خارجه؟ ثم بعد قليل تعود لتحدثني عن محبتها لثراء، صديقتها اليبرودية المحجبة!.
في نشرات الأخبار المتلاحقة، صور وفيديوهات عن تهجير مسيحيي الموصل وسبي اليزيديات وبيانات تكفر الجميع وتتوعدهم بقطع رؤوسهم باسم الله وصور للرؤوس المقطوعة والمعلقة وصور للجلد والرجم. على الشاشات أيضاً. براميل الموت التي يحملها جنود الأسد تقصف المدنيين في حلب ودرعا وتفتت أجسادهم، المدنيون الذين ليسوا مسيحيين ولا إيزيديين بل هم مسلمون يعيشون في مكان كانوا يعتقدون أنه وطنهم.
استعادة لصور وفيديوهات لعناصر حزب الله في يبرود والقصير تقتل المدنيين، ثم يتم تبرير القتل عبر أناشيد حماسية تصنف أهل يبرود بصفتهم يهود، وكأن قتل اليهودي كيهودي حلال كما يؤمن يهودي ما أن قتل المسلم أمر إلهي! أقول لديما: خوفك ليس نابعا من كونك مسيحية، خوفك هو خوف كل من يرفض الانتماء لهوية أصغر من هويته الانسانية، نحن نعيش حاليا زمن التطرف في حدوده القصوى، زمن الخوف والرعب، زمن القابض على إنسانيته كما القابض على الجمر، ثم أنظر إلى شادي ابنها الكبير يلعب مع إبن صديقتها اليبرودية المحجبة، وأرى في الكرة التي يركلانها معا هذا الزمن مجسما للخراب، ترميه أقدام أطفال هذا الشرق التعيس، من شرفة الطابق العاشر إلى هاوية ما.
ترجيع لمشهد قديم، أعترف: يوم واقعة ساكو الأرمني في البناية المعتمة، قبلني أول قبلة في حياتي، ثم حين أخبرني أنه لا يمكن أن يحبني لأنني علوية، شعرت بالحقد على أهلي. لماذا لم ينجبوني مسيحية.
كاتبة وشاعرة سورية

 

 

 
عندما اكتشفت أن المسيحيين ليسوا أجانب/ غازي دحمان
تشكل الصور النمطية واحدة من أدوات المعرفة المعتمدة لدى الناس، ربما لما تنطوي عليه من إجابات سهلة، لمسائل تتطلب معرفتها واكتشافها جهداً وبحثاً معمقين. لذا، يجري اختزالها في صور وقوالب معينة سهلة الاستخدام، وربما لصدورها عن جهات ومرجعيات، تملك ثقة رمزية ما. لكن الأهم من كل ذلك، أن الصور النمطية هي ولادة جهل، ونتيجة لعقل تسطيحي يتعاطى مع القضايا والظواهر بالعموميات، بالارتكاز على معلومات وافتراضات، هي في الغالب ذات طابع رغبوي.
ولعل أخطر ما في ثقافة الصور النمطية اندماجها ضمن النسيج المعرفي العقدي، ما يحولها إلى حقائق ثابتة لا يمكن مساجلتها ولا حتى تعديلها، تصبح جزءاً من المقدس، مع أنها في الغالب تنطوي على تدنيس الآخر!
العلاقات بين المكونات في المشرق هي ضحية هذا النمط المعرفي. وهذه الحالة تتعزز كلما كانت مساحات اللقاء ضئيلة، وكلما كانت خطوط التماس أكثر انغلاقاً وتمترساً، والعكس صحيح. إذ أن من شأن اللقاء تدوير حواف الصورة وتحطيم الكثير من مكوناتها، عبر المعايشة والمحايثة المكانية، والأهم من خلال اكتشاف حجم المشتركات ونقاط التقاطع في الخريطة الاجتماعية للمكونات.
أذكر جيداً، في مقتبل العمر، وعائلتي تسكن في الريف الغربي لمحافظة درعا، حيث لا يوجد فيها أي وجود مسيحي، في حين يتركز وجودهم في المدينة نفسها وفي المناطق الشرقية، فرض هذا التباعد الجغرافي اللجوء لتقنية الصورة النمطية لحل هذه الاشكالية. لهذا كان المسيحي، حسب صورته السائدة في منطقتنا، شخص من طبيعة وثقافة، وربما من بيولوجية مختلفة تماما. والغالب أنه شخص أقرب إلى النموذج الغربي، بمعنى انه أجنبي يسكن في ديارنا.
غير أن انتقالي إلى دمشق ودراستي الجامعية، واحتكاكي بالمسيحيين، كل تلك عوامل ستساعد على تفكيك ذلك النموذج المرسوم عنهم. أول العناصر التي اكتشفت انها مشحونة بحمولات وهم عالية هي مسألة الاختلاف الثقافي، فسرعان ما اكتشفت أن المسيحي ابن بيئته، ابن أدوات إنتاجها وطرق معيشتها وتراثها، وعاداتها وتقاليدها، ولهجتها المحكية، بحيث يمكنك الحديث عن مسيحي حوراني ومسيحي حلبي ومسيحي حمصي ودمشقي، أكثر من الحديث عن مسيحي مسيحي. كانت بهجتي كبيرة حين اكتشفت أن المسيحيين يشبهوننا، حتى بطبيعة استجاباتنا وردات افعالنا.
اكتشفت أيضاً أن المسيحيين لديهم الإشكاليات ذاتها التي يعانيها الآخرون من التمييز بين ريفي ومدني وبين غني وفقير. فهم ليسوا تكتلاً متماسكاً ومتشابهاً، كما كانت الصورة النمطية تختزلهم. كما أنهم ليسوا عرقاً مختلفاً أيضاً. وبدأت، من خلال تجربتين أكتشف أن العصبية المسيحية هي عصبية إقليمية مناطقية وليست دينية، بمعنى أن يتعصب ابن حوران لحورانيته، ويميل إلى أبناء منطقته من الديانات الأخرى أكثر من ميله لابن طائفته من منطقة ثانية. كنا نلتقي في الجامعة سنّة ومسيحيين ودروزاً وشيعة بوصفنا أبناء حوران، وكان الآخرون يتعاطون معنا انطلاقاً من هذه الصفة، حتى من دون السؤال عن طائفة أحد منا.
وما عزّز هذا الاكتشاف، أن المسيحيين أبناء بيئاتهم، انخراط مسيحيي سوريا في مختلف الفعاليات والنشاطات الاجتماعية والسياسية، وممارستهم كل ذلك بوصفهم أبناء بيئاتهم، وبالنظر لتبعيتهم للقطاعات المهنية والشرائح الاجتماعية التي يتشابهون مع ظروفها ومواقعها الاجتماعية بعيدا عن علاقتها بالمدار الطائفي.
ما لفت انتباهي أيضا، ودهشتي في أحيان كثيرة، أن المسيحيين رغم محبتهم لديانتهم ورموزها، إلا أنهم يكنون الاحترام لديانة الأغلبية وجميع الديانات الأخرى. ويذكر معظم السوريين الذين يجتمعون مع المسيحيين في أماكن العمل، انهم يرفضون تناول الطعام في شهر رمضان أمام زملائهم، حتى رغم طلب هؤلاء منهم وتأكيدهم انهم يتفهمون وضعهم. غير أن الجانب الأهم كان اكتشافي أن الكنائس المسيحية تستقبل حتى غير المسيحيين في صلواتها يوم الأحد، وكثيرا ما كنا نذهب، كنوع من الفضول، وكنا نحظى بمحبة المصلين واحتضانهم وسعادتهم لاستقبالنا.
تلك الجزئية صرت أفهمها ضمن صفة التسامح، الذي تمتاز بها المسيحية بدرجة كبيرة، وهو ما يجعل المسيحي بعيدا عن مناخات التطرف، لانتفاء البيئة المساعدة، وعدم توفر الاستعداد المناسب للانخراط بهذه الوضعية. وهذا الأمر تكفل إزاحته الثقافة المسيحية ذاتها ونظرتها للأخر وللإنسان بشكل عام.
مع تقدم اهتمامي بالحالة المسيحية في سوريا، اكتشفت كم هو حجم التلاقي بين المكونات السورية، ذلك أن جزءاً كبيراً من ثقافتنا العامة ذات أصول مسيحية، بخاصة أن مسيحيي حوران هم المكون المؤسس للحياة في تلك البقعة من الأرض، وبالتالي فإن اسماء الأشياء والأدوات وجزءاً كبيراً من التراث والتقاليد يرجع بأصوله إلى المسيحية، ما يجعل من الثقافة المسيحية مكوناً أساسياً في بنية القيم والثقافة السائدة في منطقتنا.
لعل أهم ما يكتشفه أي سوري، ويستطيع تلمسه في مفاصل الحياة والاجتماع السوريين، أن الحالة المسيحية في إطارها، والتنوع الذي توفره، شكلا على مدى زمني طويل جزءاً مهماً من نسيج الشخصية السورية، بكامل تفاصيلها، وبصيغة اندماجية، بحيث لا يمكن فصل الخيوط التي تشكل منها تلك الشخصية، أو معرفة البعد المسيحي فيها من البعد السني، وهذه حالة تندرج على المشرق العربي برمته. وبالتالي، فإن أي محاولة للإخلال بالتركيبة الديمغرافية السورية من شأنها الإخلال بالشخصية السورية عموماً، وإعادة صياغتها من جديد بطريقة مشوهة. وهو الخطر الذي يشكله احتمال خسارة سوريا لمكونها المسيحي. لذا، فإن الدفاع عن الوجود المسيحي يوازي الدفاع عن الشخصية السورية والمشرقية وحمايتها من الاختلال والتشوه.
كاتب سوري

 

 

 

في بغداد هم القلّة التي شكّلت نموذجاً للأكثرية/ خالد مطلك
لأن البغداديين بشكل عام لم يكونوا مسلمين بشكل كاف، فإن مسيحييه لم يكونوا «نصارى« بشكل واضح. الفروقات بينهم ليست عقائدية تنهل من النصوص المقدسة أو الطقوس المختلفة. الفروقات، ان وجدت، فهي تخص الثقافة بمعناها الاجتماعي. المسيحيون ليسوا أقلية، لم يقم بإحصائهم أحد، ولم يهتم لعددهم أحد. المسيحيون نخبة، نخبة مرموقة تعزز قوة النخب المدنية البغدادية، وتمنحها ذلك الامتياز الثقافي المبهر، بنظر سكان بغداد، التي كانت تتريف ببطء.
منذ الطفولة، تعلمت أن أقراني في المدرسة الابتدائية من المسيحيين ليسوا محاصرين بكثافة المحيط المسلم، بل هم أكثر حرية منه.
على الأقل، للمسيحي الحق في ترك درس التربية الإسلامية أو حضوره.
هكذا كانت لدى فارس نوئيل خمس وأربعون دقيقة من الحرية، يقضيها في التشمس في باحة المدرسة أو في ملعب كرة القدم الترابي، بينما أنا في الصف الدراسي أردد مع معلمة الدين (من رأى منكم منكرا فليغيره ….). والمنكر الوحيد الذي أتذكره مع نفسي حينها، أن والدي كان يشرب الخمر في البيت ولم يخطر في بالي يوماً أن عليّ أن أغيّره. العكس تماماً، كان ذلك هو ما أريد أن أفعله عندما أكبر قليلاً.
كان فارس نوئيل هذا، لاعباً موهوباً في كرة القدم، وعندما انتقلنا إلى الدراسة المتوسطة، أصبح يمثل فريق المدرسة الرسمي، كما كان متفوقاً في دروسه، وبذلك هو أرفع مني مكانة في الحضور اليومي بين الزملاء ، كما أن إسم والده (نوئيل) وإسم أبي (مطلك) كان يمنحه ذاك الفارق المدني والامتياز القبْلي عند حضوري إلى جانبه. وبالطبع فان مظهره ونظافة ملابسه كانا يدفعان بي إلى الخلف. إذن، هو إبن القلّة وليس الأقلية. القلة بمعنى الندرة، بمعنى التميز والتفرد. القلة التي تشكل نموذجا للأكثرية، وليس «المنطقة الرخوة« لعدوانهم. كان ذلك بحدث في مجتمع ينمو عمودياً، باتجاه الآفاق المدنية/ ولم يتمدد أفقياً باتجاه الطائفية كما يحصل الان .
الكنيسة الوحيدة في منطقتنا كانت خلف سكة القطار، ولم تكن أكثر من نقطة دالة. لم تكن تحمل أي مضمون مفارق عن النسيج العمراني والتنوع الثقافي للمنطقة، سوى أننا كنا نقول أن مدرسة المسرة مثلا، تقع قرب الكنيسة، وإن بيت ميسم، الفتاة الحسناء، كان يقع خلف الكنيسة مباشرة . وعندما أخذت أختي الصغرى تتردد مع صديقاتها المسيحيات على هذه الكنيسة، كانت تحدثنا عن المراحل الأربعة عشرة لآلام السيد المسيح. وكنا نحسدها لأنها تدخل ذلك العالم الجميل، وتنهل من أسراره . كان ترددها على الكنيسة امتيازاً تتباهى به. امتياز ليس لتسامحها الديني، الذي لم نكن نعرف له استخداما آنذاك، ولم نحتج إليه في الأصل ، وإنما هو امتياز في مخالطة مستوى اعلى في تراتبية المجتمع المدني .
تزوج خالي كامل خلسة من فتاة مسيحية. لم تكن قبيلة أمي القوية هي من اعترض على هذا الزواج المختلط دينياً، لم تكن أمي تتحسس اجتماعياً من هذا الحدث. المشكلة أن أهل (سلوى) وهذا هو اسمها، هم المعترضون، وهم الذين تخلوا عن ابنتهم، التي تزوجت خارج إطار مستواها الاجتماعي، ونزلت إلى درجة أقل. وعاشت سلوى بيننا واندمجت كعضو تقليدي في العائلة الكبيرة، من دون أن تشكل لنا جسراً للتعارف مع أهلها، الذين لم نعرف عنهم شيئاً حتى الآن، (نحن المراهقين آنذاك كنا نتسابق لكسب ودّ بنات الخال الحسناوات، المختلفات في الهيئة والسلوك ونمط التربية) .
في الجيش، في الحرب العراقية الإيرانية، حمَّلني صديقي المسيحي، رسالة لأهله في منطقة زيونة القريبة نسبياً من محل سكني. وذهبت مع صديق لي، كان طياراً في القوة الجوية العراقية، الى بيت (فوزي ) لأسلمهم الرسالة. سعدوا كثيراً وتوسلوا إلينا بالجلوس قليلا، ومنذ تلك اللحظة أحبّ صديقي الطيار ابنتهم، كان شاباً وسيماً بلقب طيار وكانت هي صبية مسيحية جميلة، بطعم إجازة طويلة من الحرب.
دخلنا من خلال هذه القصة، إلى رواية طويلة استمرت سنوات، دخلنا بيوت كل معارفهم وشربنا كل أنواع الخمور المحلية، التي كانت تردهم من قرية القوش، التي تقع فيما بات يعرف الآن بسهل نينوى. ذهبنا الى أنديتهم وحضرنا مراسم أعراسهم، ورقصنا (الخكة) وتعلمنا أن نقسم بالعذراء وبالمسيح. لم نكن غرباء الا بقدر الحياء الذي كنا نحمله، والارتباك الذي كان ينتابنا ونحن نؤدي الرقصات الجماعية، لعدم اتقاننا لها جيداً، كنا غرباء ارتباك، نعم. ولم نعش تلك الغربة الدينية، التي تعمل داخلها العواطف العميقة، والممنوع المقدس .
في ظهيرة أحد الأيام مر بي صديقي الطيار، وقال «هيا، لنذهب لبيت بولس، ثمة امر مهم يريدوننا ان نشهده«. مسافة الطريق وكنا هناك، كانت شقة بولس قد أثر عليها حريق من تماس كهربائي. احترقت الشقة من دون أن تمر النار على صورة يسوع. فعلاً، كان الأمر غاية في الإرباك والحيرة. ليس لدينا عدة اصطلاحية للتعامل مع هذا الموقف، سوى الانبهار الذي انتهى بإيقاد شمعتين تحت الصورة، والتراجع إلى الخلف خطوتين لنتدبر جملة مجاملة مناسبة، لم يكن حريق البيت هو المناسبة، بل هي المعجزة السماوية .
للمسيحيين معجزاتهم أيضاً، إنهم مثلنا، يشبهون أمهاتنا، لديهم هذا الغموض المريب الذي يختفي خلف صورتهم المدنية، كنت أقول ذلك لصديقي الطيار الذي اكتفى بترديد عبارة خارج السياق، كشفت لي سر توهانه وشروده الطويل :
– لماذا لم تكن موجودة، ويقصد الفتاة التي أحبها. حبيبته الحسناء الناعمة.
وحبيبته في الواقع هي كلمة غير مناسبة لوصف العلاقة الطويلة بينه وبين هذه الصبية، التي استمرت بتبادل النظرات وتقديم إشارات الإعجاب كل هذه السنوات، من دون أن يفصح هو أو هي عن رغبة عملاقة اسمها الحب. حتى بعد زواج البنت من مسيحي آخر، ظل صديقي عالقا عند لحظة تسليم رسالة أخيها من قبلي، يوم فتحت لنا باب البيت، وهام من جانبه بها.
لم يكن الفارق الديني هو الذي حال دون نهاية طيبة لقصة الحب هذه. لم تكن تعاليم السيد المسيح أو تعاليم محمد هي السبب. الفارق الثقافي هو المشكلة، ذلك الجو التحرري في الملبس والمأكل وتناول الخمور والرقص والاختلاط، هو ما يجعل صديقي متردداً في دمج عالمين متناقضين تماماً، حيث كان من جانبه ينتمي إلى عائلة تقول أن أصولها تعود للنبي محمد وآل بيته، وإن ذلك كان يرتبّ نوعاً من الحشمة الإجتماعية والالتزام السلوكي .
من كل هذه الالتماعات السريعة، من ذاكرتي الاجتماعية، يأتي السؤال بشراسة الان .
– هل كان المسيحيون من دين آخر، يتحركون على نصوص قديمة، داخل ثقافة إسلامية نصوصية هي الأخرى؟
شخصياً، لم أخبر ذلك، لم أهتم به، لم يكن موجوداً بمعنى من المعاني. وإن كان موجوداً فهو غير مهم على الإطلاق. لم يكن الإسلام أكثر من صفة يحملها المسلم مع مجموعة طقوس مبعثرة نتعثر بها في المناسبات الاجتماعية. كان الدين بمعناه الأصولي يتحرك تحت الارض، في السراديب، في الأقبية المظلمة، كان لا يجرؤ على الخروج إلى الشمس، ليس خوفاً من قبضة الدكتاتور وحسب، بل من ازدراء المجتمع المدني ودكتاتوريته أيضاً. كان الدين البغدادي نسخة لطيفة مخففة عن دين الصحراء الأصولي، والطقوسي القروي، وعندما تكون المدينة بلا دين، بالأحرى بلا شريعة سماوية حية، يكون المختلف في الدين غير موجود، أو غير محسوس بشكل أدق.
– هل أصبح المسيحيون أقلية؟
– هل شعرنا بأننا أكثرية؟
ربما، وبذلك وبعد أن هجّرنا الأقلية بعد عام 2003، وبعد استيقظ الإسلام فينا دفعة واحدة، أو خرج من سراديبه يقتص من المدينة والمدنية، أصبحت بغداد قرية كبيرة تعيث فيها الأكثرية المسلمة خراباً، لقد فقدت بغداد بغداديتها تماماً وصرنا نحن الأكثرية المتشابهة نحدق في خرائب أرواحنا القروية والبدوية ونرقص على ركام مدينة، لم نتعلم قراءة أبجديتها الا بآيات السيف وسورة التوبة، ويا لثارات الحسين.
المسيحيون هم قطعة السكر في قدح الشاي البغدادي الشديد السواد والشديد المرارة أيضاً .
كاتب عراقي

 

 

الجميع يشترك في التطهير العرقي والديني والمذهبي/ شاكر الأنباري
المحنة في العراق ليست محنة المسيحيين فقط، هي أيضا محنة السنة والشيعة والتركمان والإيزيديين والكرد والصابئة، وغيرهم مما لا نعلم من أديان وقوميات ومذاهب.
ومحنة المسيحيين بالذات لم تولد اليوم، أو البارحة، بتهجيرهم المؤلم والمهين من نينوى وجوارها. سبق ذلك تهجيرهم من الجنوب، والوسط، والغرب والشرق، وبخاصة من بغداد، بعد أن كانوا بالملايين حتى سنوات قربية، وكنائسهم تغطي مناطق العاصمة، من الدورة جنوبا حتى بغداد الجديدة شمالا.
وتاريخ هذا البلد الملعون، منذ جلجامش وحتى مذبحة سنجار، كما أظن، مبني على تهجير وقتل أبنائه على مدار السنين، إذ لم يمر عقد إلا ونشهد واحدة من مسلسلات التهجير، وبشكل تدريجي كما لو كان منهجا ودينا. تهجير الكرد من جبالهم وقراهم في بداية السبعينات، تهجير الكرد الفيليين من بغداد خصوصاً في بداية الثمانينات، بذريعة تبعيتهم لإيران الشيعية، وقبل ذلك تهجير اليهود وقتلهم، وحرق بيوتهم وكُنسهم، ودفعهم دفعا للرحيل إلى اسرائيل، فالمجتمع «الطاهر« لا يريد «صهاينة« بعد اليوم.
فمن التنوع المجتمعي على امتداد القرن الماضي، وقرون أخر سبقته، وصلنا إلى مرحلة المناطق الصافية. في العراق العربي تميل الكفة اليوم إلى وجود سني صاف تقريبا في كثير من المناطق، ووجود شيعي صاف في كثير من المناطق، بعد تصفية، وتهديد، وقتل، وِاختطاف، للمكونات الصغيرة المختلفة دينياً أو عرقياً. الوجود الشيعي في مناطق شمال العراق، تلعفر وآمرلي وطوزخورماتو وغيرها، في طريقه للاندثار. والوجود السني في المناطق الجنوبية ينتظر النتيجة ذاتها. أما الوجود المسيحي في العراق العربي فقد انتهى تماماً، والمئات من العوائل المتبقية لا تعتبر مقياساً لقاعدة التطهير العرقي، والمذهبي، والديني، الجارية في العراق القديم والجديد، وربما الشرق الأوسط عموما، بقديمه وجديده.
هُجّر المسيحيون في اللحظة التي غاب فيها التسامح المجتمعي، وسادت روح الانتقام والعنف والهوس الديني، وأهم من ذلك فشل بناء دولة عصرية مدنية، وركل مفهوم المواطنة بالأقدام، وبتشريعات قانونية، وتقسيم الشارع إلى إثنيات، وأكثريات، وأقليات، ومذاهب، وهناك عشرات الأسباب الأخرى يمكن إضافتها.
بعد تفجير كنيسة سيدة النجاة في الكرادة، وقتل عشرات المصلين المسيحيين، بيد ارهابيين تكفيريين إسلاميين، الخ، خرج مقتدى الصدر باقتراح أن يقوم جيش المهدي بحماية الكنائس، بعد عجز الحكومة عن ذلك، (ومتى لم تكن الحكومة عاجزة عن حماية الجميع؟ ) ويمكن تخيل مجتمع مدني محروس بالميليشيات، حماة المذهب والدين والمقدسات، للحفاظ على الأمن والإستقرار. وعلى صعيد الحركات الإسلامية السنّية أو المتطرفة تم التعامل مع المسيحيين على أنهم من أهل «الذمة« (وهل هناك مسلم حقيقي لا يتعامل معهم على هذا الأساس؟). المجتمعات المسلمة عموما، في شرقنا البائس هذا، تنظر إلى المسيحيين على أنهم أغراب، مختلفون، من مخلفات الحقبة الصليبية، كما لو كان مسيح القرآن لم يولد في الناصرة، ولا تنفس هواء الجليل، بل وتنظر الى الغرب على أنه مجتمع كافر، ربما لأن الغرب نجح في إبعاد التعاليم الدينية عن ادارة الدولة والمجتمع، وسمح بحرية العبادة وحرية تغيير الدين وحرية الإلحاد، وهي تعتبر من المحرمات في مجتمعاتنا الاسلامية كافة، مهما ادعت من انفتاح ومدنية وديمقراطية.
حين يظل الجامع، وسيده المعمم، تلميذ هذا المذهب أو ذاك، هو المتحكم بمزاج العامة، مزاج الشارع، فلماذا نستغرب ما يجري من تطهير عرقي، وديني، ومذهبي؟ في القرية التي ولدت فيها(الحامضية)، وهي من قرى الرمادي في الأنبار، هربت العوائل القاطنة في هذه القرية كلها، بعد أن دخلها: المجاهدون، ثوار العشائر، داعش، البعثيون، المسلحون، سمّهم ماشئت، ورغم ان تلك القوى المسلحة تحسب على السنّة إلا أن المفارقة أن أكثر من ألفي شخص هربوا من المنطقة رغم أنهم سنّة أيضاً، لا يوجد بينهم مسيحيون أو شيعة أو أيزيديون. وتلك من مفارقات ما يجري في العراق، الجميع ضد الجميع، وهناك قوى عمياء تمسك بالسلاح وتسعى للسيطرة، لا يهم نوع البشر الذين تريد السيطرة عليهم، فأي ممانع لتلك الهيمنة يمكن أن يقمع ويقتل.
ومثال قريتي نموذجاً، وكان للصرخي، وهو مرجع ديني شيعي، رأي مختلف عما يجري في العراق، فتم قمعه وأنصاره بطرق بشعة وصلت حد القتل والحرق في النجف وكربلاء والديوانية وبغداد. لذلك إن ما يجري للمسيحيين ليس مستغربا، إن لم يكن متوقعا، وكذلك للإيزيديين والشيعة والسنة والصابئة والشبك، فالعراق تحول إلى حقل مستباح لتفريغ شهوة القتل، كما لو كان الأمر على علاقة بشهوة جنسية غريزية صنعتها الطبيعة. (هل تختلف سوريا ولبنان ومصر وليبيا وتونس وووو عن ذلك؟)، والمشكلة للأسف أن الجميع يمتلك هذه الشهوة، نادرا ما نجا عراقي من شبهة القتل، منذ الحرب العراقية الإيرانية واحتلال الكويت، حتى صعود نجم الميليشيات والقاعدة وحركات القتل المسماة جهادية.
لنتخيل لو أن الغرب، وأميركا، والعالم المتحضر، سعى جديا لتغيير بشار الأسد قبل تأسيس داعش والنصرة، وسعى جديا لتهيئة نظام معقول يرضي الشعب السوري، هل يمكن تخيل ما سيكون عليه مصير المنطقة؟ لو سعت أميركا في تغيير صدام حسين ونظامه منذ أن ألحقت به الهزيمة بعد حرب الكويت، ووصول دباباتها حتى نهر الفرات، هل يمكن القول أن أقدارنا كانت اختلفت عما هي عليه الآن؟
نعم اللوحة التي نشاهدها أمامنا في العراق بشعة، لكنها لا تنفصل عن الطريق الملتوي والغامض الذي سارت عليه العملية السياسية منذ سقوط نظام صدام حسين، وحتى خلع نوري المالكي من دون معرفة الغرض من ذلك. دهاليز ما يجري أمامنا بحاجة لساحر كي نعرف ماذا يدور، وتهجير المسيحيين، وطردهم إن صح القول، من بلادهم، أحجية تختبئ في تلك الدهاليز، مثلها مثل تسليم الموصل، وتكريت، وديالى، والقائم وراوه، وجزء كبير من حدود العراق وسوريا إلى داعش، أو البعثيين، أو المسلحين، أو ثوار العشائر، سمهم ماشئت، فلا تكمن الأحجية هنا بالذات. ماذا يجري لنا ويدور؟
وعودة إلى مسيحيي العراق، كانوا جانبا مضيئا من اللوحة العراقية، في الفن، والثقافة، والانفتاح الاجتماعي، والتحرر الشخصي، وكانوا يكسرون النمط للطقوس الدينية الكئيبة في الشارع، لكنهم في الفوضى التي اعقبت سقوط النظام صار ذلك الجانب المضيء يختنق بصمت. وأحيانا يغرغر بصوت عال، يحتضر، فقد حوصر المجتمع بهوس الطقوس الدينية، وهيمنة خطاب المساجد والحسينيات، ومنعت النساء السافرات من مدن كثيرة في العراق، أو هددن على الأقل، ومنعت النوادي الاجتماعية ومحلات بيع الخمور تحت ذرائع دينية كاذبة ومراوغة. صودرت ليالي الموسيقى، وأغلقت السينمات والمسارح، أكثر من مرة هوجمت نوادي المسيحيين في بغداد من قبل قوى مسلحة غير معروفة، يعتقد انها ميليشيات تابعة للسلطة الحاكمة، ولم يحرك أحد ساكنا، وأكثر من مرة تُهدّد عوائل مسيحية من أجل شراء بيوتها بثمن بخس، ومن قبل عصابات وسماسرة وتكفيريين أصحاب لحى طويلة، ومجموعات مسلحة متنفذة لا تطالها أجهزة الدولة، فهي جزء منها، وتنسق معها. وهكذا، فرغت الدورة، وهي ضاحية كبيرة في بغداد، وصاحبة أكبر وجود مسيحي في بغداد منذ السبعينيات، من المسيحيين. ولم تبق هناك اليوم سوى كنائسهم الحزينة، بأجراسها الشاخصة، الصماء، في هواء ملوث بالكاربون. تحرس جدرانها شرطة محلية تجلس الساعات بخمول، وتنتظر نهاية الشهر لاستلام الراتب.
لقد كُتب الكثير خلال السنوات العشر الماضية عن الحالة المزرية التي وصلها الشعب من مهانة وتشرد وقتل وإهانة، ووقّعت بيانات احتجاج، وأقيمت اعتصامات وتظاهرات، من قبل مثقفين واعلاميين ومراجع دينية وسياسيين، لكن كل ذلك لم يثن القوى الماسكة بالسلاح وسلطة القرار على إيصالنا إلى ما نحن عليه. إيصالنا إلى الكارثة التاريخية. نموذج من تلك الاحتجاجات: تضامن كامل مع المسيحيين وهجوم شامل على الشيعة ومباركة تفجيرهم بالأحزمة الناسفة في الشوارع والحسينيات والأسواق، أو: دموع غزيرة على الإيزيديين في سنجار وحملة شعواء على الكرد. تضامن مع المسيحيين ومباركة لقتل السنة وتدمير بيوتهم بالبراميل، الشبيهة ببراميل بشار، وهكذا تمتد اللوحة المشرقة من التضامن في ثقافتنا البائدة.
ومن هنا أصبحت اللغة تافهة، مثل مجتمعاتها المنتجة لها، والبيانات أوراق ميتة، والتظاهرات لغط عال، مقارنة بما يجري في الواقع. ألا يثير الريبة هذا السيناريو الذي ينفذ تحت أبصارنا، سيناريو تحويل شعوب المنطقة إلى قطعان مليونية مهاجرة، لاجئة، (تبكي لأندلس إن حوصرت حلب)، وتبكي بين خرائب مدنها، ودماء أطفالها، واستباحة نسائها، ولا أحد يلتفت إلى الحلول؟ قرار مجلس الأمن الأخير الذي يناهض داعش وأخواتها يثير الريبة، فهو لم يطرح حلولا للوقوف ضد داعش سوى العسكرية منها، من دون أن يلتفت إلى الأرض البكر، التي حرثت بإصرار، لتأسيس هذه الظاهرة وتنميتها وإدامة نفوذها. القرار يلتقي تماما مع توجهات بشار الأسد، والمالكي، وحزب الله، لحل الأزمة في كل من سوريا والعراق. اسرائيل تؤمن بعمق أن الفلسطينيين لا تنفع معهم سوى القوة، وتدمير غزة مثالا على هذا النهج، لدولة مأزومة مختلة بنيويا، والمسيحيون في المحصلة، والنهاية الفجة لنا كمجتمعات عربية فاشلة في ثقافتها وطقوسها ودياناتها وقيمها ومثلها وسياساتها، هم جزء ضئيل من فضيحتنا، ثقافيا ودينيا واجتماعيا وسياسيا، ولكن، بربك، من يهتم للفضائح بعد اليوم، أو يخشاها؟
كاتب وروائي عراقي

 

 

 
أنا ووليم سركيس في حانته/ نجم والي
كنا لا نزال أنا ووليم جالسين في حانته، حانة الجنون. لم تعد الحانة كما كانت من قبل، أو على الأقل كما كانت حتى مغادرتي، قبل عامين ونصف أو أكثر. فبدل العشرين مائدة أو أكثر، التي اكتظت بروادها في السابق، ظل أغلبها فارغاً طوال ذلك النهار. ربما شغل بعض الزبائن ثلاث أو أربع موائد، لكن حتى هؤلاء لم يجلسوا طويلاً، غادروا بسرعة. القتل العشوائي وحظر التجول وخطورة المنطقة، ثم التهديدات التي تلقاها المسيحيون، وأصحاب الحانات في رأس السنة… كل ذلك لم يبعد الزبائن وحسب، وجعلهم يلجأون لشرب الخمرة في بيوتهم، بل جعل العمل أيضاً يصبح أكثر صعوبة. ففي الشهرين الأخيرين فقط أخبرني وليم أن الحانة تعرضت لهجومين، في الأول انفجرت سيارة مفخخة في مكان قريب، وفي الثاني رمى أحدهم وهو على دراجة نارية قنبلة صغيرة إلى وسط الحانة. وليم يفكر بالعودة إلى كركوك، فماذا تبقى له بعد الآن؟ حتى سلمان الذي كان سلواه، ويقضي أغلب الوقت عنده إن لم يذهب بجولة عبر شوارع بغداد، حتى سلمان لم يعد هناك، بل حتى أحلام التي كانت تأتي كل جمعة لم تعد هناك. الأفراح الصغيرة اختفت، ولم يعد هناك ما يسر أيها الصديق، قال وهو يردد خاتمة قصيدة اعتاد على ترديدها أمامه سلمان في السنتين والنصف أو أكثر، في فترة غيابي، كما قال لي: لا ضربة ناقوس، لا صوت مغني ولا هلهولة عرس، المغني ذبحوه عند دكانة الحي، والعروس ألبسوها كفناً بدل ثوب العرس، ونحن نجلس في الحانة المهجورة هنا بانتظار يوم القيامة. الآن لم يعد هناك ما يسر، أيها الصديق، تلك هي القصيدة القصيرة التي كتبها سلمان أو الكلمات التي رددها في أغلب الأوقات، قبل أن يذهب إلى شقته فوق الحانة لينام. وكان على وليم أن يرى كيف أن صحته التي أنهكها تعب الأيام بدأت تذوي. نعم، ليس هناك ما يسر يا صديقي، قال لي وليم. كان يستذكر الماضي مع سلمان أما اليوم حتى الماضي هذا اختفى؟ هل تتذكر جملتكما المحببة التي رددتماها أنت وسلمان، « أيها الجلاد، اذهب إلى قريتك الصغيرة، لقد طردناك وألغينا هذه الوظيفة»؟ لقد أخبرني سلمان كيف كنتما تسخران بها مما كان يدور حولكما، تُرى ما ستقولان اليوم؟ سألني وليم ثم أكمل، الجلادون القادمون من قراهم البعيدة نموا بسرعة مثل نبات الفطر، وهم موجودون في كل مكان. إنه هو وغيره الذين سيتركون وظائفهم ويعودون إلى مدنهم «عندما يغيب العقل تستيقظ الوحوش»، قال لي ثم أخبرني أنه يخاف من غزو الوحوش، يريد بيع الحانة، لا يريدها أن تكون سبباً لموته أو لموت أحد، قال لي، الجميع يتحدث عن الإرهاب، عن الدعوة للإيمان وإغلاق حانات الخمور، لكن الحملة «الإيمانية» التي تبدو ظاهرياً دينية، كما قال لي، تختفي خلفها مصالح وحوش معروفين، وإلا بماذا ستسمي كل أولئك الذين أُطلق عليهم بأثرياء «الحواسم» كل أولئك الذين راكموا ثروتهم بعد هزيمة النظام السابق، في حربه التي أطلق عليها «أم الحواسم» في 9 أبريل 2003، وبطرق ملتوية؟ جميع محلات المسيحيين وحاناتهم تقع في مركز بغداد. بيوت المسيحيين أيضاً في أحياء مثل الكرادة والمسبح والعرصات وكمب الأرمن والبتاوين، كل تلك المناطق التي سكنتها أغلبية العائلات المسيحية، هي أحياء تقع في قلب بغداد. الأحياء الثلاثة الأولى التي تقع بجوار المنطقة الخضراء، بعد حوادث الهجوم على الكنائس وفي وضح النهار، وبعد ظهور رسائل تهديد تمنع المسيحيين من تأدية القداس في أعياد رأس السنة الماضية، بدأ الحديث واضحاً في الشارع عن الجهات التي تختفي وراء التهديدات تلك. صحيح أن بعضها حمل بصمات الإرهاب، لكن أغلبها كان من صنع أيادي المضاربين الطامعين بالعقارات السكنية هناك. حتى وليم نفسه لم يتلق رسائل تهديد دُست له مرات عديدة تحت باب الحانة وحسب، بل تلقى التهديدات مباشرة. كان آخرها قبل ثلاثة أيام من جلستنا تلك وقبل عشرة أيام تقريباً من رأس السنة الميلادية، عندما زاره بعض رجال المليشيات يحذرونه من إقامة القداس، رجال لم يلثموا وجوههم، والذين إذا سألته عن مذاهبهم ودياناتهم، إذا كانوا شيعة أم سنة لأجاب بتهكم: لا أدري، لهجتهم غريبة علي، ومن الممكن أن يكونوا أتباع مذهب جاء من بلاد الواق واق.
إن رحيل المسيحيين تحت وطأة الخوف يعني بيع البيوت بأبخس الأثمان، وهو أمر يُذكِّر ببيع اليهود لممتلكاتهم بعد هجرتهم (أو طردهم) عام 1951، قال لي، كأن التاريخ يعيد نفسه. ففي خمسينات القرن الماضي تعرض «السناغوغ« اليهودي في بغداد أيضاً للتفجير. بعد ذلك باع اليهود بيوتهم وأملاكهم بسعر بخس. اليوم يحدث الأمر ذاته، لابد وأن تكون أصابع المضاربين والتجار مغموسة في ما يحدث الأمر ذاته، قال لي، إن أغلب التفجيرات تحدث في المناطق التجارية. يتهدم المكان وتظهر فوقه فجأة بنايات جديدة وعمارات أو في أسوأ الأحوال يظهر باعة المخدرات. كلا، لا بد من العودة إلى مسقط الرأس؟ قال لي وليم……
() فصل من رواية «مارلبورو» التي صدرت عن المؤسسة العربي للنشر في بيروت عام 2012 وتُرجمت إلى لغات عدة. الرواية التي تدور أحداثها في بغداد بين عام 2004 وعام 2008 تتحدث، من ضمن ما تتحدث، عن اضطهاد الأقليات في العراق ومنهم المسيحيون في بغداد، عن طريق التهديد أو القتل، خصوصاً في مناطق الكرادة والعريصات والمسبح، حيث أغلب بيوت المسيحيين ومحلاتهم.

 

 

 

كنيسة مار نقولا وابنها المسلم/ منذر مصري
(إلى جدتي زكيّة إلياس كوتيّة)
داخل دكّان أبيه، في سوق البازركان، كما كان يُطلق على سوق طرابلس للقماش والحرير، في بداية القرن الماضي، كان الشاب رفعت مصري، الإبن البكر لعبد الله مصري، تاجر الأقمشة الحريرية المعروف، منحنياً فوق عوده، يبدد بالعزف والدندنة عليه الوقت الطويل الذي يمتدّ من الساعة الثانية ما بعد صلاة الظهر، حتى الساعة الخامسة ما بعد صلاة العصر وربما أكثر، حين تدريجياً تعود الحركة للسوق، ويعود الزبائن للشراء والباعة للبيع، عندما تفاجأ بدخول السيدة كوتيّة بردائها الأسود المقصّب، ومعها ابنتها الشديدة البياض، ذات الشعر الشديد السواد، والعينين الواسعتين ذاتيّ الحدقتين الشديدتي السواد بدورهما. لم تكن المرّة الأولى ولا الثانية التي تبتاع السيدة الموقّرة ما تحتاجه من أقمشة من ذلك المحل، فقد كانت تعلم أنها تعامل فيه معاملة خاصة، وإن لم تكن تدري تماماً لماذا، وبخاصة إذا كان رفعت من يقوم بعملية البيع، وهذا ما كان يحصل غالباً، فالشاب، ومنذ فترة غير قصيرة، يبدو وكأنه هو وحده من يتكفل بعملية البيع والشراء. إلاّ أن الأم هذه المرّة تنبهت لشيء يزيد عن النظرات الإعجاب الخجولة، التي كان رفعت يرمق بها من حين لآخر ابنتها (زكيّة). كان هناك إشارات سريعة غامضة، بالعينين، وبالفم، وبكامل الوجه، تبادلاها معاً وهما يظنان أنها مشغولة بالنظر للقماش وتفحصه، ما أوحى إليها بوجود تواطؤ ما بين الإثنين، تواطؤ لا تدري على ماذا، لا لا يمكن، لا، فهذا أقرب للمستحيل، لأن عائلة المصري، حتى وإن لم يكن ليست من عوائل طرابلس المسلمة وحسب، بل العائلة المتدينة، التي تعرف بالمدينة بكثرة عدد علمائها وشيوخها، وحفظها لخزانة شعرة النبي، التي تخرجها في الأعياد الدينية ويُدار بها على المساجد ليقبّلها المصلون. وعائلة كوتيّة ليست أيضاً من عوائل طرابلس المسيحية الارثوذكسية وحسب، بل أيضاً عائلة تتوارث أباً عن جدّ الخدمة الدينية في كنيسة مار نقولا العجائبي، من الأسقف إلى المنشد إلى الشماس. إلاّ إن الأم وهي في طريق عودتهما، تذكّرت أنه سبق وأرسلت ابنتها للسوق، أكثر من مرّة، لإحضار بعض نماذج الأقمشة التي توصي عليها، وأن ابنتها كانت تتأخّر بالعودة، لدرجة أنها يوماً سألتها، وأجابت بما لم تقتنع به كثيراً، ولكن من أين كان لها أن ترتاب بشيء كهذا.
لم يكن من الحكمة مفاتحة أيّ إنسان بشكوكها، ولا حتى ابنتها زكيّة نفسها، ولكن لا بأس، بل يجب، الاسراع في حسم قضية خطبتها وزاوجها من طبيب أسنان قريب لهم، توفيت زوجته الشابة أثناء ولادتها بطفلهما الثاني، حتى وإن كان يزيدها قليلاً بالعمر، ولديه طفلان، لماذا لا!؟ «كلّ شيء راح يجري على نحو جيد«، زكيّة نفسها لم تبد ذلك الاعتراض الذي كانت تبديه سابقاً، الأمر الذي أراح الأم وبدّد شيئاً من وساوسها السابقة. ولكن بعد ثلاثة أيام من واقعة دكان القماش، التفتوا حولهم ولم يروا زكيّة في البيت! بحثوا عنها في الكنيسة والمدرسة وعند الأقارب والصديقات ولم يجدوها: «رفعت علينا أن نهرب، أهلي سيأخذونني إلى بيروت غداً وسيزوجونني من ذلك الطبيب«، صاحت أوّل ما دخلت الدكّان. من دون أيّ تردّد، وتبعاً لخطّة مسبقة، لطالما رسمها الشاب في رأسه، وأعدّ لها في الأيام الأخيرة كامل مستلزماتها، غادرا طرابلس مباشرة، إلى أين.. لا أحد يدري.
إلى أين!؟، إلى دار الإفتاء في دمشق، حيث نطقت بالشهادتين مشهرة إسلامها على يد مفتي الديار الشامية، الذي، لا أدري مدى صدق هذه الرواية التي نقلتها لي عمّتي مستهام، انبهر بجمالها، فعرض عليها الزواج من إبنه، فأجابته، أنها أسلمت لتتزوج من رفعت مصري وليس لأيّ سبب آخر. بعدها اختار جدّي مدينة طرطوس ليسكنا فيها، وليس حمص أو اللاذقية، لغاية شديدة الأهمية بالنسبة له، وهو أنها أقرب مدينة لطرابلس. فقد بقي هذا الرجل الذي كزوجته شقّ عصا الطاعة وخرج عن عائلته، حتى تبرّأ منه أبوه وقاطعه جميع أخوته، وفيّاً لمدينته حتى يوم وفاته. فهو رغم هذه القطيعة المزدوجة، كان مصراً على أن تلد زوجته أولادهما الثلاثة، أبي (شكيب) وعمتَيّ (مستهام وفائقة) في طرابلس. فلطالما سمعت أبي يردد، بأنهم في طرطوس كانوا يقولون: «لو احتاج رفعت مصري باقة بقدونس فإنه يذهب ويشتريها من طرابلس«.
حدث هذا عام /1917/، تصوروا!؟. وكان عمر رفعت /23/ سنة، وعمر زكيّة /16/ سنة، أي أنه كان فتى في بداية عهد الرجولة وكانت فتاة قاصراً، وكان من الممكن الادّعاء على رفعت بتهمة الخطف والتغرير بقاصر، ولكن ذلك، وفي مدينة مسلمة كطرابلس، يجري البتّ بهذا النوع من الأمور من وجهة نظر الشريعة الاسلامية، لم يحصل. فقط اتّخذ القرار بشطبها من سجلات الطائفة، أي قتلها ورقيّاً، ثم البحث عنها وقتلها إذا أمكن جسداً وروحاً معاً. ممّا أضطرّ جدي، حسبما أخبرتني به أيضاً عمّتي مستهام، إلى أن يمنعها من فتح باب بيتها في طرطوس طوال حياتها. الأمر الذي أساء فهمه البعض، واعتبروه بقايا من التديّن الشديد الذي ربما حمله من أهله، إلاّ أن ذلك لم يكن صحيحاً كما بينت، خصوصاً بعد أن تأكّد لي، وأنا أقلب ما تحتويه أدراج خزانته بعد وفاته بزمن، أنه لم يكن ماسونيّاً عاديّاً، بل أنه قد تحصّل على مرتبة رقمية متقدمة في الأخوية.
وكما حمل، أو قل خطف، الحبّ جدي شمالاً من طرابلس إلى طرطوس، خطف الحبّ أبي شمالاً من طرطوس إلى اللاذقية، وهذه المرّة مع عدم موافقة جدي رفعت ذاته، وإن غير الحاسمة، ذلك أنه كان يريد أن يزوج ابنه الوحيد فتاة من عائلة طرابلسية، الشرط ذاته الذي كان يفرضه على كلّ من تخوّله نفسه أن يتقدّم للزواج من عمّتَي. الأمر الذي لم يحدث، ربما بسبب القطيعة القديمة، وربما لا، وكان فاشلاً في كل تفاصيله، فأبي أحبّ معلّمة لاذقانيّة من عائلة متواضعة، ونقل لأجلها مكان عمله وسكنه إلى اللاذقية، حيث لم يجد في البداية مسكناً له إلاّ عند عائلة مسيحية من أقارب أمه. بينما عمّتاي لم تتزوجا قط. لكن جدي، بحكمته، لم يتأخّر في تقبل الأمر، باعتباره واقعاً ما عاد يجدي شيئاً مواجهته ورفضه، وهكذا عادت الأمور لطبيعتها بين الأب والابن، فكان أن اتفقا على تقسيم الأبناء، أوّل الذكور وأولى البنات من حصّة الأب، وثاني الذكور وثانية البنات من حصة الابن. الأمر الذي سرّت به أمي، وذلك لأنه كان بمثابة قبول عائلة أبي بها كزوجة لابنهم، من جهة، ولأن هذا الاتفاق لم يتعدّ، كما تبين، أكثر من حقّ إطلاق الأسماء، فكان أن اختار جدي اسمّي (محمد منذر) و(مرام). بينما أسمت أمي: (ماهر ومنى). أمّا خامس الأولاد، فقد أسماه أبي باسم أبيه، لأنّه كان يرى، خلافاً للعادة الجارية، أنّ من الأفضل عدم اطلاق أسم الجدّ على الحفيد، إلاّ بعد وفاته.
وصفت مرّة، الجو العائلي الذي تربّيت به أنا وأخوتي الأربعة. بأنه كان جواً مفتوحاً، متفتّحاً، منفتحاً، فاتحاً، عينيه ويديه وعقله وقلبه لاستقبال كلّ جديد، وبأننا كنّا أناساً توجهوا بكامل صدورهم للمستقبل، وأداروا ظهورهم للماضي بكافة أشكاله. فكلّ ما جمعته من معلومات عن ماضي أسلافي، عرفته لاحقاً نتيجة رغبتي بمعرفة ما يمكن لي أن أسميه جذوري، وذلك بأسئلتي لعمّتي مستهام التي عاشت ما يقارب الـ90 سنة، ولغيرها من أقارب أمي الأكبر سناً، ولأناس ما زالوا أحياء، كانوا يعرفونهم، على ندرتهم. والشيء الذي كنت أضيفه بعد هذا الوصف، أن حالتهم هذه لم تكن استثناء، بل يمكن تعميمها دون تردد على كثير من عائلات اللاذقية، أقصد أن هذا الانفتاح كان الحالة العامة لمجتمع اللاذقية، تلك المدينة الصغيرة المطلّة على البحر المتوسط، ليس فقط عائلات الطبقة الاقطاعية وذات الملاءة المادية فحسب، بل أيضاً الطبقة البورجوازية الوسطى التي تعلّمت وتوظّفت وافتتحت المحلات والعيادات ومكاتب المحاماة ودخلت الأحزاب، وعمل جزء ليس قليل منها في أعمال البحر والوكالات البحرية. وأظن هذا، على خصوصية التركيبة الاجتماعية والمذهبية للاذقية، ينطبق على أكثر المدن السورية، إن لم أقل ينطبق عليها جميعها. ولكن ما أريد الإلماح إليه، أنه رغم إمكانية تفسير هذا الانفتاح والتطور الاجتماعي والثقافي وتعليل أسبابه بالنهضة العامّة التي كانت تحدث في سوريا آخر فترة الانتداب الفرنسي، وخلال فترة ما بعد الاستقلال لما يزيد عن عقدين من السنين، فإني كثيراً ما سمعت أن هذا الانفتاح، أو على الأقل جزءاً هاماً منه، قد حدث بتأثير من تواجد المسيحيين بهذه النسبة الكبيرة في سوريا، وبأن العائلات اللاذقانيّة المسلمة ذات المكانة الاجتماعية كانت تجد، في العائلات المسيحية التي اختلطت بها، ولو بحدود غير واسعة ولكن بنفس الوقت بتأثير قابل للانتشار والتوسع، مثالها الحضاري وقدوتها الاجتماعية والثقافية. أمّا عن انفتاح عائلة شكيب مصري ابن زكيّة الياس كوتيّة فحدّث ولا حرج. فلقد أثبتت الأحداث، أنه كان انفلاشاً أكثر منه انفتاحاً، ظهرت نتائجه المباشرة، عندما لم يكمل أيّ من أخوتي الأربعة، مستثنياً الكبير منهم وهو أنا، دارستهم الجامعية، رغم وصولهم جميعاً إلى السنوات الأخيرة. ذلك أن كلاّ منهم راح يحيا على هواه، بل قل على عواصفه، أخي ماهر أعلن بوذيته، فسافر للهند على طريقة (الأوتوستوب) ومكث فيها زمناً، لا يعلم غير الله كيف أمضاه، وعاد حافياً على إحدى طائرات الخطوط شركة الطيران السورية على حساب الحكومة السورية كما تنصّ الأعراف الدولية، بعد أن التجأ لسفارتها في نيودلهي وهو على حافّة الموت، من دون أي ورقة رسمية تثبت جنسيّته. ولكنه عاد ومعه عدة روحية كاملة، منها تلك الثياب ذات الأقمشة الحريرية الرقيقة المطعّمة بالمرايا الملوّنة الصغيرة، التي ارتديت بعضها بنفسي، وآلة موسيقية هندية اسمها (سيتار)، كتلك التي اشتهر بالعزف عليها الموسيقار الهندي رافي شانكار في السبعينات، وتبعه جورج هاريسون من فرقة البيتلز، وبريان جونز من فرقة الرولينغ ستونز، وأظنّه أوّل وآخر سيتار دخل سوريا خلال تاريخها القديم والحديث، فصار له أتباع من الشباب والفتيات، يعقدون جلسات الاستماع الطويلة للمغنية (جنيس جوبلين)، ولفرق (آندر جراوند) مثل: (كريم) و(يس) و(جيثرو تول) و(كريتفول ديد) وسواهم، كما صار (ماهر مصري مشروع الصليبة بناية كاظم زينونة) العنوان العالمي المعمم على كل الهيبيين الذين يعبرون اللاذقية في طريقهم لبلاد البنغال، العنوان الذي يعرفون كيف يصلون إليه بكلّ سهولة، ذلك أن كلّ أهل اللاذقية، أو على الأقل، شبابها الذين إمّا يقعدون في المقاهي أو يهيمون في الطرقات، ما أن يرونهم حتى يصطحبونهم إليه، فيقرعون بابنا، ولو بعد منتصف الليل، لتفتح لهم أمي أو أبي، وليدخلوا ويلقوا متاعهم وأجسدهم التعبة على كنبات الصالون أو على طول الممر من باب البيت إلى غرفة الاستقبال. بينما أنا، رغم تولعي بالموسيقى تأثراً به، فقد دخل في مشطي، أن أكون ماركسياً، أرسم، من بين ما أرسم، صور لينين وجيفارا. ما جعل أبي يردّد: (كيف أستطيع أن أحيا في بيت، لدي فيه ابنان، واحد هيبي، وواحد لينيني؟؟). غير أن ماركسيتي تلك، كرفيق صغير السن للمفكر اللاذقاني إلياس مرقص، ودراستي التخطيط الاقتصادي، لم تستطيعا قتل ميلي المتأصّل للرسم والشعر. الأمر نفسه بالنسبة لمرام وتحوّلها لشاعرة، والأمر أيضاً نفسه، ولو من الجانب الثاني، بالنسبة لأخي الأصغر رفعت، الذي ربما دفع ثمن هذا الخليط العجيب ولم يعلم ماذا يفعل بنفسه، سوى أن يحاول، عبثاً، جمع كل شيء. أمّا أختي منى فقد كان لها أن تنجو من كلا المصيرين.
قلت إننا كنا عائلة منفتحة على كافّة الاتجاهات وعلى جميع الناس من دون تمييز، وما سأرويه الآن، ولو باختصار، هو كيف أنقذ هذا الانفتاح حياتنا أنا وأخي رفعت، أو من دون أي مبالغة كيف أنقذنا من التقلب على جوانبنا في زنازين السجون الوطنية ومهاجعها سنوات لا يمكن لأحد توقع عددها ولا نتائجها المأسوية، فلقد كان لدى أمي ابن خال يخدم مساعداً متطوّعاً في الجيش العربي السوري في ريف دمشق أو في القنيطرة على ما أذكر، وكان متزوجاً من امرأة علوية، مات زوج أختها، المساعد في الجيش أيضاً، فجاءت هذه الأخت مع أولادها وسكنت في بيت صهرها، ابن خال أمي. وما أعرفه أن أحد أولاد هذه المرأة قد تطوّع كضابط في المخابرات العسكرية، وخلال زيارات هذا الإنسان للاذقية، كان يزور عدداً من أفراد عائلة روشان، عائلة مربيه وزوج خالته، فكانت أمي، سيدة العائلة بكافة الاعتبارت، تستقبله وتستبقيه لتناول الغداء معنا. وكيف بعد هذا بزمن، وتحديداً في نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي، قامت الأجهزة الأمنية بحملة اعتقالات واسعة لأعضاء أحد التنظيمات السياسية اليسارية وكلّ من له علاقة بهذا التنظيم مهما كانت بعيدة، وكان أن اعتقلنا أنا وأخي مع من اعتقلوا منهم. ولو لم يحدث ويكون هذا القريب العلوي، ابن أخت زوجة إبن خال أمي! حينها رئيس فرع الأمن العسكري، لبقينا مع الأخوة المناضلين نشاركهم مصيرهم المجهول لسنوات وسنوات، كالكثيرين ممن لم تتخطّ جرائمهم أنّ معتقلاً ما ذكر أسماءهم، أو أنهم تسلّموا منشوراً ما وقرأوه بدافع الفضول، أو أنهم جلسوا مرّة وشربوا شاياً مع أحد أفراد التنظيم.
غير أن علاقتنا بالمسيحية كعائلة، لم تتوقف على أن جدّي لأبي المسلم تزوج زكيّة كوتيّة المسيحية وأنجب منها أولاداً، بل استمرت تعمل عملها السحري فينا نحن أحفادها، فكان أن درسنا المرحلة الابتدائية في مدرسة (الأرض المقدسة) وكانت تسمّى أيضاً باسم مديرها، (مدرسة الأب سالم)، صديق أبي من أيام عمله في الأمن العام، الذي اعتدنا زيارته لبيتنا في الأعياد والمناسبات، وكنّا نقبل يده جميعنا، حتى إني مرة رأيت خالي غاندي يفعل، طبعاً ما عدا أبي، وبعدها انتقلت لدارسة المرحلة الإعدادية في الكلية الوطنية الأرثوذوكسية، التي كان ناظرها، المعروف بقسوته وضربه بالعصا على ظهر اليد، كما هو معروف بإنشاده الديني في كنيسة مار ميخائيل، كبرى الكنائس الأرثوذوكسية باللاذقية، وله أشرطة تباع وتوزع ويستمع إليها في التعازي، من آل كوتيّة عائلة جدتي نفسها، لكنه يوماً لم يقس علي ولم ينهل بعصاه على ظاهر يدي أو باطنها، رغم كسلي. إلى أن انتقلنا للدراسة في ثانوية التجهيز الأولى، التي أطلق عليه لاحقاً، اسم البطل اللاذقاني: (جول جمّال)، تخليداً لاستشهاده في عملية تفجير المدمرة جان بارت، فخر الأسطول الفرنسي آنذاك، بطائرته الصغيرة خلال العدوان الثلاثي على مصر 1956. وتتابعت حتى بلغت أوجها بزواج أخي ماهر فتاة مسيحية وإنجابه منها شكيب الابن الثاني، كما تزوجت أختي مرام مسيحياً فرنسياً من أصل يوناني، فكان شيئاً غريباً، أضحك البعض حينها، أن يُقرأ عند وفاة أبي على أوراق النعوة الملصقة على جدارن المدينة: (أصهاره: الحاج بسام ناصر الدين وأنطوان كومبوراكيس).كما أن رفعت نفى نفسه نفياً طوعياً للسويد، وتزوج هناك سويدية، منجباً منها ثلاثة صبيان، يتأكّد كلّ من يراهم، بأنهم المثال الرائع على تحسين النسل السويدي، ورفع متوسط الخصوبة في ذلك البلد الكهل، على رأسهم شكيب الإبن الثالث!؟
بعد وفاة جدي رفعت سنة 1961 مرضت زكيّة مباشرة، مرضاً قاتلاً، وكأنها كانت تنتظر وفاته لتمرض وتموت. أذكر زيارتها الأخيرة، وربما الأولى والأخيرة، فأنا لا أذكر سواها، لبيت ابنها، ونومها في غرفتنا على سرير أخي، كيف أمضت تلك الليلة وهي تعاني نوبات سعال متواصلة، حتى إنها في الصباح، قالت شبه معتذرة: «لم أدع منذر ينام بسبب سعالي«. «لم تستطع العيش من دونه«، هكذا فسّر أبي لحاقها السريع بجدي بعد أن أقل من سنة على رحيله. وكأنه حقيقة، عندما هربت معه، اختارت ألاّ يكون لديها إنسان في العالم سواه. ماتت زكيّة إلياس كوتيّة العاشقة التي طوّحت بكل شي من أجل من أحبّت، بعد أن أنشأت تلك السلالة الهجينة من الحب والجرأة و.. التوق للحرية. ماتت جدّتي مخلّفة لي أيقونتها التي أخذتها معها أثناء فرارها وخبأتها في حقيبتها الجلدية إلى أن زرتها آخر مرّة قبيل وفاتها بأيام، عندما حضنتني وأخرجت من تحت مخدّتها، ذلك الشيء الداكن والمذهب الذي خصّتني به، أنا دون أبي، قائلة: «عدني أن تحرص عليها طوال حياتك، وأن تبقيها معلقة فوق سريرك، لتحميك وتحمي أطفالك«. «أعدكِ«. ومن يومها ها هي أيقونة زكية كوتية ترعى بيتي، وتعطره كل صباح أحد بما ينسال منها من زيت ذهبي مضيء، لا أحد يدري من أين ينبع. وعندما يسألني زائر ما عنها، وعمّن هما الشخصان المرسومان فيها؟، أنظر إليه متفحصاً ما يكفي من الوقت لأختار له أحد الجوابين: «إنها صورة جدتي وأبنها، أبي شكيب«.
كاتب وشاعر سوري

 

من مدرسة الراهبات إلى الأيقونة الشرقية/ ريم الجندي
عشت السنوات العشر الأول من عمري في عين الرمانة. كنت حينها تلميذة في مدرسة «العائلة المقدسة الفرنسية» في بعبدا. لم أعرف تربية دينية في منزل والدي، والأمر الوحيد الذي أوحى لي بأنني لست مسيحية هو ركعات صلاة جدي لأمي وصيامه، وحكاياته الطويلة لي في الأمسيات عن الأنبياء وآل البيت، مصحوبة بسيرة أبو زيد الهلالي والسندباد وعنترة، وذكرياته خلال الحربين العالميتين، ورحلة قطار رافق فيها ساره برنار التي استحضرت دوماً ابتسامته وشيئاً من اللهفة «حلوة… شو كانت حلوة يا جدو»، والتحاقه بالشريف حسين، الذي كلما أتى على سيرته، بكى جدي.
في «العائلة المقدسة الفرنسية»، علمت أنني لست مسيحية حين استثنيت من التحضيرات لمناسبة «أول قربانة»، على الرغم من مشاركتي في حصة التعليم الديني وحضوري القداس مع زميلاتي. كم بكيت في سري حينها. كم مت قهراً لأنني لن ألبس الفستان الأبيض ولن أختار بطاقة مذهّبة بملاك وأجنحة وطفلة تشبهني. الآن أفهم أن كل تذمري اللاحق من المناسبات الاحتفالية (لم أشارك في احتفال تخرجي الجامعي كما رفضت أن أقيم عرساً حين تزوجت) كان على الأرجح مجرد تمرد على تلك الدموع السرّية.
المدرسة، إن كان علي أن أصفها بكلمة واحدة، لقلت «رمادي». أذكر جلوسي إلى جانب شباك الصف، بعد ظهر شتائي، أنظر إلى حجارة المبنى الرمادية، تكملها سماء رمادية هي الأخرى، تنزل بثقل على غابة الصنوبر المحيطة بنا. وللمفارقة كنت أشعر بما يشبه السعادة في داخل كل هذه السينوغرافيا الحزينة. حياتي في تلك المدرسة/الدير طبعت طفولتي بميلانكوليا محببة إلي، لم أتخطاها إلّا بعد انقضاء سنوات المراهقة.
أما الطبق المفضل لدي وقت الغداء في مطعم الدير فكان الفاصوليا باللحم مع الأرز الذي أعدته «سور» أدلين مرة في الأسبوع، وكرهته جميع زميلاتي. أحببته على قدر حبي ل»سور» أدلين، القصيرة السمينة ذات الوجه المحمر التي تطبخ الطعام في طنجرة عملاقة وتعطينا دروس اللغة الفرنسية. «سور» أدلين، التي علمت لاحقاً أنها توفيت بحادثة طائرة كانت تقلها إلى بلدها فرنسا بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، والتي كان موتها أول خساراتي الشخصية في الحرب.
في بيت الطفولة، «الروف« المحاط ب«تراس« مزروع بكل أنواع الورود، في بناية من ستة طوابق في ناحية عين الرمانة، كان عيد الميلاد هو العيد. فأبي العلماني من جذور اسماعيلية والمصنف على الهوية كمسلم، كان يُحضر إلى البيت في عيد الميلاد، شجرة شربين صغيرة مزروعة في إناء فخاري، نزينها وننتظر الهدايا التي سيضعها لنا بابا نويل تحتها، لتستقر بعد ذلك لفترة على التراس، إلى حين انتهاء موسم الدراسة وذهابنا لقضاء العطلة الصيفية في أرنون (قرية أمي الجنوبية)، حيث يزرعها أبي مقابل صفيّ شجر الكينا، في الأرض المحيطة ببيت جدي. في عام 1975، حين اضطرتنا الحرب إلى الإقامة لعام كامل في أرنون، كانت غابة الشربين الصغيرة شاهداً على كل أعياد ميلاد بيت عين الرمانة، الذي ما عاد لي.
كان الانتقال للعيش في بيروت الغربية بعد ذلك، شبه اقتلاع من الجذور بالنسبة إلي. عدم الانتماء بدأ حينها. شعور مؤلم في الطفولة والمراهقة، تحول إلى هوية وخيار مع مرحلة الشباب وبداية النضج. صار الانتماء مرادف لخيارات فردية ونمط عيش وجدته في شارع الحمرا وراس بيروت. مكان كان ما يزال محتفظاً بنتف من فكرة المدينة حيث الاختلاط وغياب، أو استتار، الهويات الطائفية المنتشية بنفسها.
لا أذكر في بيتنا وجوداً لأي أثر ديني، باستثناء المراجع والدراسات عن مختلف الأديان، والتي لم أر فيها يوماً تمظهراً دينياً وإنما كتباً تجاور كتب التاريخ والروايات والشعر وغيرها. أما «الحدث» البصري الديني الوحيد المعروض على أحد جدران المنزل بالقرب من المكتبة، فكان نسخة عن أيقونة عذراء فلاديمير لأندريه روبلوف، التي احتفظ بها أبي بحب كذخيرة لذكرى خاصة وبعيدة. وقد تكون هي السبب في قراري متابعة دراساتي العليا في الفن المقدس والأيقونات الشرقية بجامعة الروح القدس في الكسليك، بعد سنوات من دراستي للفنون الجميلة، وبعد سنة واحدة على رحيل أبي.
قبل دراستي للفن المقدس لم أكن لأميّز بينه وبين الفن الديني، ولم أكن على دراية فعلية، لاهوتية أو بصرية، لمعنى الأيقونة. كان انحيازي غريزي للأيقونية الشرقية. تجذبني أكثر بما لا يقاس من الفن الأكاديمي الديني الأوروبي ومن الفن الإسلامي المجرد، باستثناء المخطوطات والمنمنمات في كل من الفنيّن المذكورين. ليس هذا رأياً واعياً بالطبع ولا أملك أي تبرير عقلاني لذلك. لكنني اكتشفت أثناء تلك الدراسة كم أنني كنت في لوحاتي السابقة أشبه رسامي الأيقونات، إن في الطريقة التي يتعاملون بها مع شخوصهم أو خلفياتهم البصرية. أمام لوح الخشب وبودرة الألوان وزلال البيض وصمغ التين وضوء ورق الذهب ورهافة تطاير فتاته من حولي، اكتشفت إلى أية سلالة من الرسامين والملونين أنتمي.
الآن، وبعد أربعين سنة، عدت لأسكن في منطقة فرن الشباك عين الرمانة. خلف منزلي، مدرسة الراهبات حيث تعلمت أمي وخالاتي. على بعد شارعين، الشقة التي ولدت فيها. أبعد منها بقليل، بيت جدي الذي «أكزدر« في شارعه كلما اشتقت إلى تغنيجه المفسد وحبه غير المشروط.
فنانة تشكيلية لبنانية

 

عيسى ابن مريم سيد أمي/ خالد خليفة
حين كنت في السادسة من عمري قالت لي أمي إنها صورة سيدنا المسيح عيسى إبن مريم، مشيرة إلى الصورة المعلقة في صدر غرفة منزل عائلة مسيحية تعيش في حارتنا، التي تقاسمها الأكراد والتركمان ونحن طبعاً العرب مع الأرمن حين كانوا فقراء يعيشون مع المسلمين ويتقاسمون معهم كل شيء. فيما بعد بأشهر قليلة، رأيت للمرة الأولى شباباً يمرحون بالبيض الملون أمام جامع عمر بن الخطاب في حارة الهلك التحتاني، وأخبرتني أمي أيضاً إنه عيد الفصح لأتباع سيدنا عيسى المسيح إبن مريم، كانت مبتهجة وهي تصر على لفظ الإسم كاملاً. بعدها بسنوات طويلة توفيت أمي وهي تتحدث عن أسيادها، ومنهم طبعا عيسى المسيح إبن مريم، وهي لاتعرف بأن أسيادي ليسوا هم أسيادها.
ومنذ تلك الطفولة البعيدة لم تجذبني الكنائس والجوامع، ولم أكن ذلك الشخص الحضاري الذي يعبر دوماً لأصدقائه عن تعاطفه معهم، كل الأصدقاء المسيحيين الذين رافقتهم كانوا يشبهونني من حيث فقدانهم لياقة النفاق، تعلمت شيئاً من أمي بأن السؤال عن دين الشخص أو مذهبه وطائفته يعتبر بمثابة إهانة، بقيت محافظاً على ذلك العهد السري المتمثل بفلسفة إمرأة قروية بسيطة، تعتبر كل البشر أبناء آدم وأخوة في الإنسانية لايفرق بين شخص وآخر إلا العمل. ومنذ تلك الطفولة البعيدة حتى يومنا وأنا أصدق الدراويش، وكانت أمي من سلالتهم، لم تقل يوماً بأنهم ليسوا أهلنا ومن عائلتنا، بل آمنت بأن يسوعهم سيدها، لكن كل شيء من حولها قال لي عكس ذلك، حين كنت أرى في التلفزيون الرسمي جموع المشايخ تهنىء بالأعياد المسيحية، كنت أعرف بأن كندا تزيد من نقاطها للمسيحيين الذين يصطفون أمام باب سفارتها طالبين اللجوء، في أكبر رحلة تخلي عن الأرض والجذور. ومازالت صورة المذيع نفسه على التلفزيون الرسمي الذي كلما تحدث عن التعايش شعرت بانقباض في صدري، وكلما كثرت المشاريع المعبرة عن التعايش كثرت أعداد المقتلعين من أرضهم. بقيت بالنسبة لي صورة الهلال والصليب المتعانقين، واحدة من أكثر الأكاذيب ترويجاً، كلما ازداد الحديث عن ذلك العناق كلما توسعت الفجوة بين الهلال والصليب، كما أكاذيب كثيرة جرى ترويجها خلال الخمسين سنة الماضية، بخاصة في هذه العلاقة الملتبسة بين الدين والمجتمع بشكل عام وبين المسيحية والمجتمع بشكل خاص، والمثال الأكثر نصاعة بأن حزب أسسه مسيحي وحكم بلدين عربيين لايحق له بموجب دستور سوريا الذي أعرفه أن يصبح رئيساً، أي بقي مواطناً درجة ثانية، وعشرات الأمثلة التي حولت مسيحيي سوريا من أصحاب بلاد إلى أقليات يجب حمايتها والمحافظة على تميزها الكاذب، رغم أنهم مواطنين درجة ثانية في عرف القانون، كما تحولت القضية الفلسطينية من قضية قومية عادلة إلى بازار سياسي مبتذل. لكن الشيء العادل والشيء الرئيسي بأن كل مواطني سوريا بغض النظر عن طوائفهم جرى تحويلهم من مواطنين إلى رعايا، وتقسيمهم بشكل ينال الجميع حصته من الخوف من دون زيادة ولا نقصان.
نعم، الموضوع في غاية البساطة، المسيحيون ليسوا عاهة يجب مراعاتها، هم الكل كما أي أحد هو الكل، ولم أستطع يوماً أن أقيم علاقة صداقة تحصل على جوائز ترضية لأسباب طائفية أو عرقية، في تجوالي شاهدت بأم عيني كنائس مهجورة تنهش جدرانها جحافل العنكبوت، شاهدت الأقفال الصدئة، لكني كنت غاضباً من بيوت حمص وحلب المدمرة أكثر بمالايقاس عن تلك الصورة القاسية، ذهلت من أعداد السوريين المهاجرين الذين يعيشون على هامش مجتمعات الدول الاسكندنافية والولايات المتحدة، هؤلاء المهاجرون يتمتعون بكبرياء عدم البوح في الحقيقة، أنه جرى استدارجهم إلى المصيدة، والأكثر غرابة أنهم سعداء وفخورين في مصيدة جنسياتهم وجوازت سفرهم التي تتيح لهم عبور الحدود بهدوء ومن دون ضجيج، كما عبروا ذات يوم حدود سوريا واقتلعوا جذورهم منها رغم تشبثهم الدائم برائحة ياسمين دمشق وروعة مطاعم حلب، إلا أن جذورهم لم تعد هنا، وليس مؤكداً أن تثمر في أرض غريبة.
خلال السنوات الماضية عشت كما ينبغي لكائن سوري أن يعيش، لم أستسهل استعمال ذلك السؤال البليد، الشائع اليوم بكثرة، عن الديانة والطائفة. تقاسمت الخوف والألم مع رفاقي كتورتة عيد ميلاد ارتجلناه، لرغبتنا بالضحك العميق بدل البكاء على مصائرنا. لكن كل شيء من حولي كان محبطاً. الجميع يكذب وينافق ويتحدث بمنطق العارف وهو لايعرف شيئاً. الجميع يريد الذهاب في دور الضحية إلى النهاية. أمي كانت تعدد أسيادها على أصابع يديها ومنهم عيسى ابن مريم. وأنا أعدد أسيادي ورفاقي ومنهم انطون مقدسي الذي لخص كل شيء في صرخته الشهيرة، نريد التحول من رعايا إلى مواطنين. وأضيف، كي يتوقف كل هذا النفاق.
روائي سوري

 

كلنا كأيوب… نغسل قروح الاستبداد والقمع بماء البحر ذاته/ نجيب جورج عوض
منذ اندلعت الثورة في سوريا، وأنا أواظب بشكل دوري على تلبية دعوات، للمشاركة في مؤتمرات وندوات، وتقديم محاضرات عن سوريا، وقصة ثورتها، وتحولاتها من حراك شعبي سوري أصيل إلى حرب شعواء مدمرة، مفتوحة لكل قوى الأرض، على ترابها. واحدة من أكثر الأسئلة التي أتلقاها، مع نهاية مساهماتي وبدء أسئلة الحضور، يدور دوماً حول مسألة علاقة الأديان والطوائف ببعضها البعض في سوريا. يلوذ الحضور عادة بالصمت ويلتحفون الدهشة، حين يسمعونني أردد بإصرار إنَّ سوريا لم تكن يوماً (وأصلي دوماً في قلبي أن لا تصير رغم كل شيء) موطن شعبٍ مشرذمٍ خلف طوائفيته، ومهووس بتدينه وهويته العقائدية الإيمانية، ثم يبدأون بالإصغاء بانتباه وتواضع شديدين (ملَكَة نفتقدها للأسف في أوساط الجمهور العربي) لما أشرحه لهم عن سوريا، التي أعرفها وعشت فيها: سوريا التعايش والذوبان في بوتقة المصير الواحد، والألم الواحد، والحلم الواحد؛ سوريا التي كان الدين فيها مجرد تفصيل شخصي، أبعد ما يكون عن المعيار الوجودي أو الشرط الناظم لحياة الناس. سوريا التي تنشقت هواءها وكبرت فيها في حضن مدينتي الأم والأغلى، اللاذقية.
إن كان لي أن أتحدث كمسيحي عن التعايش مع المسلمين في سوريا، فأنا أستطيع أن أتحدث فقط عن تجربتي التي عشتها في مدينتي اللاذقية. لا أحد فينا يمكنه أن يتحدث عن كل شبر في سوريا، أو عن كل فضاء عيشٍ فيها، خصوصاً إن اعترف المرء بأنه لا يوجد من يمكنه أو يمكنها أن تتكلم باسم بلد بأكمله أو شعب برمته، بصوتٍ مرجعي فوقي أو أبوي (أمر آخر يجب أن نتعلم إدراكه في العالم العربي). هناك في تلك المدينة، المغتسلة بماء المتوسط، عشت وكبرت، ونَمَت في تربة روحي وفكري وإنسانيتي جذور الإيمان بالتعايش والوحدة والتلاحم مع الآخر، خارج حدود الهويات «القاتلة» (كما يقول الروائي أمين معلوف) بضيقها وإقصائيتها، وهوسها بالركون إلى كل ما هو كفيل في الحقيقة بنفي الآخر من خلال حبسه في قفص «ما لا أؤمن أنا به». هناك في تلك المدينة، المظلومة اليوم جداً من الإعلام ومن عتاة المسوقين والمعممين والأوصياء على الهويات القاتلة، من طرفي النزاع من نظام ومعارضة في سوريا الجريحة؛ المدينة المكروهة ظلماً وتعسفاً اليوم لأنها مازالت واقفة دون دمار عمراني ودون تهجير سكاني ودون اقتتال طائفي وديني يمزق أوصالها كباقي مدن سوريا؛ المدينة التي تتألم فيها عائلتي (التي مازالت في سوريا) مع كل باقي سكانها، المسلمين والمسيحيين، السنّة والعلويين والمرشديين، الأرثوذكس والبروتستانت والكاثوليك وسواهم، ويجترعون مرارة الخوف والقمع والموت المحدق والسجن والتصفية وصعوبات العيش ومصير النجاة اليومي، يتألمون من كل هذا معاً بصمت وإصرار على الحياة وكأنهم مازالوا يؤمنون بمقولة محمود درويش «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
حين أفكر بالتعايش الديني في سوريا لا أعرف ما هو أصدق وأعمق وأكثر موثوقية لي شخصياً مما عشته في مدينة اللاذقية. أنا من عائلة تعشق سوريا، ولا تعرف سواها قاعدة لتعريف الذات. عائلة من أكبر وأقدم عائلات المدينة المسيحية، والتي لطالما اعتزت بانتمائها للفضاء العربي – الإسلامي الذي لا تعرف سواه. عائلة ثلثا أسرها يعبدون الله في الكنيسة البروتستانتية وثلثها الباقي يعبده في كنيسة الروم الأرثوذكس. مسألة التعايش مع الآخر، بصرف النظر عن الانتماء الطائفي، والتمايز الكنسي، كانت ومازالت بداهة لا لبس فيها، في علاقة أبناء العائلة الكبرى مع بعضهم البعض، فكلنا، ومن كافة الأجيال والأطراف العائلية المختلفة، والشاسعة بالبعد الزمني أحياناً عن بعضها البعض، ننادي بعضنا البعض، وبصرف النظر عن أين نعبد، بـ «ابن العم» و»بنت العم». كما أننا كلنا عشنا طوال حياتنا (شأننا شأن أي عائلة أخرى مسيحية أو غير مسيحية في المدينة) جيراناً وأصدقاء وزملاء وأهلاً وأحباب مع مسلمي المدينة من سنة وعلوية. والدتي المتحدرة من عائلة سريانية عتيقة جداً، من مدينة مديات، في منطقة ديار بكر التركية اليوم (والتي عانى أهل والدها من المذبحة الشهيرة ضد الأرمن والسريان مطلع القرن الماضي) اسمها «جهينة»، إسم عربي أصيل ضارب في القدم، واسم والدها «عبدالله» ووالدتها «عفيفة»: أسماء عربية شائعة جداً أيضاً، ولا تدل على أي هوية دينية أو طائفية. والدي الراحل، «جورج» (الذي كان محامياً من أوائل جيل «البعث« في المدينة، من ثم الناصري والعروبي بامتياز ومن ثم التارك بإصرار وحسم للنشاط السياسي، مع وصول بعث الأسد للسلطة في سوريا، والمتفرغ بعدها لعمله الحقوقي ولخدمة الكنيسة البروتستانتية، كشيخ مرسوم وكقانوني، ساهم في وضع القانون الداخلي للمؤسسة الكنسية المشيخية في سوريا ولبنان) هو أيضاً ينتمي لعائلة أصولها سريانية من داخل سوريا (قرية صدد). والدي (وقبله جدي وعموم عائلة عوض الذين عاشوا في ريف اللاذقية لعقود قبل الانتقال للمدينة) كان محبوباً ومحترماً وصديقاً عزيزاً لأطياف واسعة جداً من سنة وعلوية المدينة وريفها. هذا الجو العائلي المتجاوز للحدود الدينية، والرافض لمنطق الطائفة، كان عنوان البيت الذي نشأت فيه. تربيت في بيتٍ مفتوح الأبواب على زيارات وأمسيات وحضور هؤلاء الأصدقاء والمعارف والأحباء اللا-مسيحيين في منزلنا، وبشكل بات معه هذا التنوع هو البديهي والطبيعي في مخيلتي الناشئة. أعز أصدقاء عمر والدي وعماتي هم من المسلمين والعلويين. إحدى صديقات عمتي الصغرى كانت تقول عن والدي أنه أخوها الحقيقي. وأحد أصدقاء والدي، الذي ينتمي لعائلة سنية عريقة في اللاذقية، حين هرب من بطش النظام إلى مصر يوماً، أعطى والدي مفتاح بيته كي يكشف عليه وأوصاه على أخواته البنات في غيابه. وحين أنجب والدي ووالدتي أولاداً، أسموهم «هلا ونجيب وزياد»، أسماء عربية قحّة لا تدل على أي دلالة دينية ولا تقول أننا مسيحيون أم لا: أسماء تقول فقط أننا عرب سوريون. أسماؤنا تحمل طبيعة تركيبتنا الإنسانية والسوسيولوجية، التي مازالت تعرفنا كمسيحيين ينتمون إلى عالم مشرقي مسلم بأكثريته، ويعيشون فيه.هذا المخيال العابر للأديان والماهيات الطائفية كان فضاء عيشنا ونمونا: هذا ما نعرفه ولا نعرف سواه. هذا ما يجعل ثلاثتنا أبناء سوريا واللاذقية الذين لطالما استطاعوا القول «لا أحمل اسم أحد الملائكة» (كما عنونت ديواني الشعري الثالث المنشور عام 2013) (ميخائيل وجبرائيل وتنويعاتهما، جبرا وميشيل وجبران ومشلين ومخول الخ)، ولا اسم أحد الرسل (حنا أو بطرس أو يعقوب أو بولص أو أندراوس أو توما أو حنة، الخ) ولا اسم أحد الأنبياء (يوسف أو جوزيف أو إيليا أو موسى أو رفقة) ولا اسم أحد القديسين أو القديسات (أفرام أو مارون او شعيا أو حنة أو مريم أو بيلاجيا، الخ الخ). حملنا أسماء عربية، وتربينا كي نعيش كعرب، لا يعرفون سوى سوريا، ولا يتنفسون سوى هواء اللاذقية.
في مدينة اللاذقية عشت مع مسلمين سنة وعلويين غير مهووسين أبداً بهويتهم الدينية أو بجعل الآخرين لا يتطلعون إلا إليها حين يتواصلون معهم، ولا يعرفون عنهم سوى أنهم سنة أو علويون. عشت مع مسلمين يعتزون بهويتهم الإيمانية ولكنهم لا يطبلون لها ولا يعمموها، ولا يختبئون خلفها، ولا يجعلون منها لونهم الوحيد والفاقع، ولا يتوقعون من الآخرين أن يختذلوهم بها، ولا يحكمون على الآخرين على قاعدتها أبداً. عشت مع مسلمين لا يعنيهم أنني مسيحي أكثر مما يعنيهم أنهم مسلمين: لم تكن مسيحيتي تزيد أو تنقص من محبتهم وصداقتهم وجيرتهم وتواصلهم في شيء، ولم تكن إسلاميتهم، السنية أو العلوية، تزيد أو تنقص في عيشهم هم أنفسهم في شيء أيضاً. كنا «لوادقة» وسوريين قبل كل شيء وأي شيء. كانوا مسلمين والدين عندهم ليس هوية ولا موضوع حديث ولا نقطة تقارب أو خلاف، بل حياة وسلوك وعشرة، بصمت وتواضع وخروج من الهوس بالانتماءات الضيقة.
عشت في مدينة غير متشظية شوارع وأحياء، لا «شرقية» ولا «غربية» فيها: يعيش الكل قرب الكل ومع الكل في الشوارع والأحياء ذاتها على كامل امتداد المدينة. وإن كان عدد الساكنين في الحي الواحد من كل فئة يتفاوت بين أقلية وأكثرية، فهذا كان يعود لظروف لا علاقة لها أبداً بالدين أو الطائفة، بل بعوامل اقتصادية وسوسيولوجية وتاريخية تتعلق بكل عائلة في المدينة وقدراتها المادية. كانت اللاذقية مدينة الجميع وكان الجميع يعيش في أطرافها مع بعضهم البعض: يتشاركون الأسواق والمطاعم والمسابح والأمسيات وقصص العشق ومغامرات الجنس وقصص الخطيفة («التشريد» كما يسميها أهل الميجنة بلغتهم المحلية)، حين تهرب فتاة مسيحية للزواج من شاب مسلم أو علوي أو العكس أحياناً. كان أهل المدينة المتنوعة يعيشون هذا وهم يتنفسون الهواء المالح الرطب ذاته ويستخدمون لغة الجسد نفسها ونبرة الصوت العالية وحماسة أولاد البحر ومزاجيتهم وطيبتهم وعزة نفوسهم. كنت تستطيع أن تقضي وقتك في شارع «الأمريكان« و«الثامن من آذار« (حيث بيت العائلة) في قلب اكتظاظه بالمسيحيين والسنة والعلويين الجالسين في المقاهي، يتناولون الطعام والشراب معاً، ويحاولون أن يعيشوا اليوم حتى الثمالة وكأن لا غد قادم في الصباح التالي.
في مدينة اللاذقية، عشت كما السني والعلوي، آلام ودمامل وقروح القمع والفساد والاستبداد التي مارسها النظام منذ أواخر السبعينات على المدينة (أسطورة أنها معقل النظام وأنها موطن طائفة بعينها هي أكثر كذبة مؤذية ومهينة لأهل المدينة وتاريخهم وطبيعة حضورهم السوسيولوجي والسياسي)، حين عمل على تفقيرها وتدمير بنيتها التحتية الاقتصادية والسياحية والبيئية وحاول جاهداً تفتيت بنيتها المجتمعية وتشظية سكانها وفرض خوف طائفي من الآخر عليهم. فعل النظام هذا بدءاً من مطلع الثمانينات وفي أعقاب صراعه الدامي مع «الأخوان المسلمين«، حين أطلق اليد لعصابات فساده وترويعه المافيوي وقمعه الأمني والبلطجي (والتي انتمى أفرادها لكافة اطياف المدينة العلوية والسنية والمسيحية تحت قيادة أقرباء العائلة الحاكمة حصراً)، كي تفرض على كافة أبناء اللاذقية الخنوع والرضوخ والصمت والاستكانة، والتوقف عن المعارضة للنظام ومناهضته فكرياً ومدنياً وسياسياً، جاعلاً المدينة تهدي لسجونه المئات من شبابها وشاباتها، السنة والعلويين والمسيحيين، ومشرداً ومهجراً ومنكلاً ومضطهداً لعشرات المبدعين والمثقفين والفنانين والكتاب والناشطين والمواطنين من يساريين وماركسيين وقوميين وعروبيين وإسلامويين وعلمانيين من اللاذقية، من علوييها ومسيحييها بقدر سنتها، رفضوا قمع النظام واستبداده وفساده ومازالوا، وأصروا على أن تبقى سوريا كما يعرفون اللاذقية ويعيشون فيها. في اللاذقية، كنا مسيحيين وسنة وعلويين ومرشديين وسوانا ممن رفضوا أن ينتموا لعصابة النظام أو أن يتذلفوا له أو أن يستفيدوا من منظومته. كنا كلنا كأيوب نغسل قروح الاستبداد والقمع والبؤس بماء البحر ذاته في يوم أربعاء الرماد، ذاك اليوم الذي حين كنت تنزل فيه باكراً مع جموع الأصدقاء إلى شاطئ البحر، كي تستعد لنهاية الصوم وبدأ عيد الفصح، في التقويم المسيحي الشرقي، كنت ترى معظم أهل المدينة، ومن كل الأطياف، هناك عند الشاطئ يغتسلون معاً بالماء المالح ويتناولون الإفطار في المقاهي الممتدة على ما بقي من فسحة كورنيشية، تطل على البحر في المدينة، وهم يتضرعون في قلوبهم معاً لربٍ رحمان رحيمٍ بأن يغسل حياتهم من العسف والظلم ويشفي قروح أرواحهم وإنسانيتهم من أمراض القمع والاستبداد والتنكيل، التي كانت تكلُمُ وتعيي الجميع.
في مدينة اللاذقية، عشت مسيحياً، أصدقائي من السنة والعلويين أكثر بكثير من أصدقائي المسيحيين. وحين تركت المدينة في التاسعة عشرة من عمري مرتحلاً أولاً إلى بيروت وبعدها إلى العالمين الأوروبي والأميركي، واظبت على زيارتها مرتين على الأقل كل عام، لأقضي وقتي فيها مع عائلتي ومع أصدقائي المذكورين، أكثر بكثير من أي وقت أقضيه في الكنيسة أو في صحبة أصدقائي المسيحيين، مع أنني كنت منخرطاً بالحقل اللاهوتي والديني الكنسي. واليوم وبفضل وسائل التواصل الاجتماعي تمكنت من هزيمة الاغتراب والبعد، بأن أعدت التواصل مع الكثير من خيرة الأصدقاء والأحبة ممن تغرب وهاجر من البلد مثلي، لأنه ولأنها رفضا أن يُفرَض عليهم اختزال إنسانيتهم بانتمائهم الديني أو الطائفي. كلما التقيت أحدهم على الفايسبوك نستعيد معاً ذكريات أيام العيش الواحد واليومي كأبناء المدينة ذاتها والبلد ذاته. نتبادل حنيننا وشوقنا وحزننا ودموعنا وآلامنا تجاه الأرض الأم نفسها التي ولدتنا جميعاً من الرحم ذاته وأرضعتنا من الثدي ذاته. نكتشف كم أن دموعنا ومشاعرنا وأرواحنا وإنسانيتنا مازالت واحدة ومتشابهة بعمق: أرواح ومشاعر لادقانية سورية، لا مسيحية ولا إسلامية، لا سنية ولا علوية ولا بروتستانتية ولا أرثوذكسية ولا كاثوليكية….مشاعر بشر يبكون أمهم…مجرد بشر.
في اللاذقية التي عشت فيها وأعرفها، لم يكن الدين هماً حاضراً في اليومي والمعاش بين الناس. في اللاذقية التي عشت فيها وأعرفها، التديُّن كان صلاة جمعة وسلوك سماحة وحسنى وإيمان بالله خارج حدود العقيدة؛ ممارسة لا تعنيها الحدود الطائفية ولا تعترف بها؛ ممارسة تحكم حياة وسلوك وقيم صاحبها وصاحبتها، لا ما يجب أن تكون عليه قيم وسلوكيات وحياة الآخرين. لم أجد مسلماً يستاء من تناولي للطعام أمامه أثناء شهر الصيام، ولم أجد مسيحياً عنده مشكلة أصلاً في أكل اللحوم المذبوحة على الطريقة الإسلامية. أعرف مسلمين وعلويين كانوا يطلبون من شباب وشابات الكنائس أثناء احتفالات عيد الميلاد بأن يمروا على بيوتهم، وهم متنكرين بزي «بابا نويل» ومرنمين بترانيم الميلاد الدينية الصرفة، كي يعطوا أطفالهم هدايا ويرنموا أمامهم. أعرف مسلمين يضعون صور أيقونة مار جرجس ومريم العذارء في بيوتهم. لم أسمع في حياتي أي مسلم يدعوني أو يدعو أي مسيحي آخر «كافراً» لأننا مسيحيون، ولم أسمع أحدهم يطلق علينا اسم «نصارى» أو «أهل كتاب» أو «أهل ذمة«. لم تكن تلك المفردات جزءاً من سوريا التي أعرفها. لم أسمع يوماً أحداً، في سوريا التي أعرفها، يسألني عن طائفتي أو يكترث كثيراً لكوني لاهوتياً وخادماً للكنيسة.
في السنوات العشر الأخيرة بدأت ألاحظ تغييراً مقلقاً ومؤسفاً كلما زرت سوريا واللاذقية؛ تغيُّر ترافق كما لاحظت مع تنامي الفساد والتضييق على الحريات والعسف المدني والتعالي الدولتي، الذي مارسه نظام الأسد الإبن على سوريا في عهده الميمون ( وكله تحت هالة أكذوبة الرخاء والتطور والتحديث والانفتاح الاقتصادي التي قرَّع النظام الرؤوس بها). كنت ألمس تنامي اليأس والقنوط والضيق الشديد على وجوه الناس. وبدل أن تسمع عن تحسن الوضع السوري العام، كان الناس يعبرون عن إحباطهم من تنامي قمع واستبداد وفساد النظام وتزايد الفوضى والتسيب وتنامي الشرخ المجتمعي بين الناس، بسبب المغالاة في تخويف الناس أمنياً من بعضها البعض. بدأت ألاحظ أن الناس باتت من إعيائها تحت وزر أثقال العيش في ظل نظامٍ ازداد سوءاً وشراً، تزداد التجاء لله وتعير انتباهاً أكثر للمقدس. وبات الحديث عن التقوى والتسليم لله أحد المواضيع التي تتحدث الناس بها وتستخدمها كأداة تفسير لواقعها المعاش، بعد أن كان البعد الديني «لا-موضوع» ولا مسألة تخاطب أو حديث بين الناس من قبل. بدا لي وكأنَّ الركون للديني والالتهاء بالمقدس بات خياراً واحداً وحيداً باقياً أمام الناس، يمكن لهم أن يتحدثون عنه دون سواه من المواضيع، وأن يعبروا عن علاقتهم معه دون سواه من الأمور، من دون خوف من أمن أو اعتقال أو قمع أو انتقام من حراس هيكل النظام. في مطلع القرن الواحد والعشرين، بات يمكن لساكن اللاذقية أن يلاحظ أنه في الوقت الذي ازداد فيه التضييق على الحريات وتم تسطيح الثقافة وتسخيف الفنون ومنع النشاط المدني والعلماني العامَّين بكل أشكالهما (من نظام لطالما ادعى العلمانية) ازداد أيضاً وضوح تساهل النظام المتعمد والمبرمج مع النشاطات الدينية، بل ودفعه للناس كي تفرغ طاقاتها المكبوتة وإحباطاتها ويأسها المتنامي بالركون للتدين وبالالتهاء بالمقدس دون غيرهما. بات المرء يلحظ أنَّ المكان الوحيد المتاح للناس أن تلتقي وأن تتحدث وأن تتواصل فيه دون أن يكون الأمن والتخويف والرقيب السلطوي ثالثها، سوى بالإصغاء، هي دور العبادة ومدارس التعليم الديني، والتي أزداد عددها ثلاثة أضعاف خلال السنوات العشر الأخيرة. أمكن لابن المدينة المغترب مثلي أن يرى أنَّ المسيحي أيضاً بات أكثر حديثاً عن مسيحيته وانتباهاً لها، وأنه انكمش في كنائسه. والمسلم في المقابل صار أكثر مواظبة على الصلاة والشعائر الدينية وبات يهتم بإسلامه، وأن أعداد المسلمين المنزوين في الجوامع قد ازداد. بعد أن كان الصمت والألم المشترك والخوف يجمع أهل المدينة في بوتقة سوريا الواحدة، بات التدين والعبادة هو الحيز الضيق الوحيد الذي سُمِحَ فيه لهم بالممارسة وبفسحة عيش وخبرة، وبمحاولة تناسي واقعهم المر والمأسوي. هذا، من دون أي سبب آخر، ما جعل الجامع بدل المقهى أو المنتدى الأدبي أو الساحات العامة منطلقاً للثورة الشعبية التي قامت قبل ثلاث سنوات. ويخطئ جداً في فهم طبيعة سوريا وعلاقة أهل سوريا بالدين من يفسر انطلاق التظاهرات الشعبية من الجوامع على أنها مؤشر لدينية الثورة وطوائفيتها: لم يكن هناك سوى الجامع كملتقى عام لتجمع المواطنين أصلاً. والأهم من موقع انطلاق التظاهرات هو أن المسيحيين والمسلمين (وحتى العلويين) الشباب والشابات، الذين شاركوا في التظاهرات الشعبية، خرجوا جميعاً من تلك الجوامع، والتجأوا معاً إليها مع جرحاهم ومصابيهم كسوريين وكشعب مسحوق واحد.
في اللاذقية التي عشت فيها، لم يكن المسيحي يعرف نفسه بدلالة دينه وطائفته، ولم يكن يشعر أن الكنيسة دون سواها ملجأه ومرساة خلاصه. ولكن، حين بدأ المسيحي، مع بداية الأحداث المأسوية في سوريا، ينكمش على نفسه ويركن إلى هويته الدينية والطائفية الضيقة، خوفاً وشعوراً باقتراب الموت والفناء إليه، بسبب تحول سوريا إلى ساحة حرب جهادية تكفيرية، من جهة، وقمعية استبدادية، من جهة أخرى، دفع بموقفه هذا بشكل تلقائي، وإن كان غير مباشر، وأجزم أنه غير مقصود، الآخر المسلم، أو أي آخر غير مسيحي، بعيداً عنه ووضعه في دائرة «الآخر المختلف»، الذي بات اليوم غريباً ومريباً وربما عدواً أحياناً. وحين انكمش المسيحي على نفسه، انكمش المسلم بدوره على نفسه وبتُّ أراه، وللمرة الأولى في حياتي ومعرفتي لسوريا، يتذكر أنه مسلم سني ويعمل على تذكير الآخرين «اللا-سنيين» حوله بهويته الطائفية تلك، ويتوقع منهم أن يتعاملوا معه على أساسها: فعل انكماش قسري تصنيفي على الجانب المسيحي والأقلوي يوازيه رد فعل مضاد ومعادل لا يقل انكماشية وتصنيفية على الجانب السني الأكثري.
من المؤكد أن سوريا، التي أشهد مأساتها اليوم، لا تشبه أبداً سوريا التي عرفتها وعشت فيها. من المؤكد أن شيطان الطائفية وسرطان التفرقة والتشرذم الدينيين استحوذا على البلد، وهما ينهشانها دون هوادة. وحين ينكفئ الناس إلى دائرة التديُّن والتمييز الطائفي الضيقة، يخرج الله والعلاقة معه من الصورة تماماً، ومع غياب استبدال «التعبد لله» بـ «الطاعة للدين» يتم استبدال فكرة «العلاقة والتواصل» (أساس التعايش والانفتاح) بفكرة «الأنوية والانكماش على الذات» (أساس فكرة التزمت الديني والانكفاء الطائفي). وحين يتم استبدال الله بالعقيدة، يتحول الدين إلى سلطة، وتتحول السلطة بدورها إلى دين، الأمر الذي يدمر حتماً أي تعايش. لا شك بأن ما كنا نفخر بأننا براء وأصحاء منه من أمراض عضال، كانت تصيب مجتمعات بلدان مجاورة لنا كالعراق ولبنان، لم يعد موضوع فخر لنا ولم نعد براء منه.
ولكن، حين أنظر للاذقية اليوم، وأرى كيف يحاول أهلها القاطنين فيها، ومن كل أطياف المدينة السنية والعلوية والمسيحية، النجاة معاً وعبور الكارثة، كمن يحملون في حياتهم وأرواحهم الدمامل والقروح ذاتها ويحاولون أن يجدوا بحراً من السلام والمصالحة والخلاص، ليغتسلوا به معاً وجميعاً في أربعاء رماد يحلمون به، أسمح لبعض الرجاء أن يفتح عينيه ويستيقظ في أعماقي. أشعر أن سوريا التي أعرفها لم تمت، وأن في سوريا المستقبل أملاً بأن يعود ما عشته في اللاذقية إلى الإزهار والتفتح من جديد. أشعر أن اعتراف مسيحيي سوريا بأنهم والمسلم، السني والعلوي، يعانون من المصير ذاته ويشهدون للموت ذاته ويتعرضون للقدر الأسود ذاته وأنهم معاً ضحايا نظام ضارب في القمع، من جهة، وعنف جهادي مضاد ضارب بعنف معادل، من جهة أخرى، وأنهم جميعاً يحملون في إنسانيتهم الجريحة الدمامل والقروح ذاتها وأنهم معاً يتعرضون للتجربة ذاتها مثل أيوب الصابر والباحث عن بحرٍ من الرجاء والخلاص، كي يغسل روحه فيه، سيجعلهم يقاومون أصوات التجييش الطائفي والكراهية الدينية، التي تواظب على الزعيق من قبل أبواق وحراس هيكل الكراهية الطائفية والدينية على جانبي الصراع، من المعسكر الأسدي المقاوم ومن المعسكر المعارض والمجاهد. إدراك شمولية المعاناة ووقوع الجميع ضحايا لها هو وحده الخيار الباقي للمسيحيين كي يؤكدوا انتماءهم لسوريا، التي عاشوا ويعيشون فيها، ويجب أن يبقوا، في وحدة حال مع الأكثرية المسلمة. حين يستعيد المسيحيون السوريون هذا التلاحم الأصيل بينهم وبين المسلمين، وحين يتخلى مسلمو سوريا بالمقابل عن انكماشهم المضاد ويستعيدون أيمانهم بأن البلد لهم ولسواهم على حد سواء، يمكن لكليهما أن يقولا كسوريين وليس كأي شيء آخر «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، على هذه الأرض ما يستحق البقاء، على هذه الأرض ما يستحق الأمل.
بروفسور اللاهوت المسيحي ومدير برنامج الدراسات العليا في كلية هارتفرد للدراسات الدينية.
المستقبل

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أكاديمية التعفيش/ عمر قدور

    الصور التي تتوارد من مخيم اليرموك، وتُظهر قوات الأسد وهي تنهب كل ما ...