الرئيسية / صفحات العالم / نيوت غينغريتش رئيساً للولايات المتحدة: أي جـنــون هــذا؟

نيوت غينغريتش رئيساً للولايات المتحدة: أي جـنــون هــذا؟


يوري افنيري

يا لغرابة المرشّحين الجمهوريّين لرئاسة الولايات المتحدة! ويا لهم من جهلة متخلّفين أو حفنة من المجانين، أو على الأقلّ، مجموعة من الغشّاشين والمشكّكين، باستثناء محتمل هو الطّبيب رون بول.

هل يُعقل أنّ هؤلاء هم خيرة الرّجال في أمّةٌ عظيمة؟ كيف هذا بينما يدبّ الرّعب في النّفوس حين يتبادر إلى الذّهن احتمال أنّ أحدهم مرشّحٌ ليصبح فعلاً الرّجل الأقوى في العالم، الرّجل الّذي سيتحكّم بأضخم سلاح نوويّ على الإطلاق.

ولكنْ، دعونا نركّز على المرشّح الجمهوريّ الأوفر حظًّا حتّى السّاعة، إذ يبدو جليًّا أنّ حظوظ المرشّحين الجمهوريّين تتغيّر سريعًا مثلما يغيّر الرّجل المتأنّق جواربه… هذا المرشّح هو نيوت غينغريتش، رئيس مجلس النّوّاب السّابق، الّذي أقام علاقة خارج اطار الزّواج مع إحدى المتدرّبات، بينما كان يشنّ حملة ضدّ الرّئيس بيل كلينتون على خلفيّة علاقته مع إحدى المتدرّبات في البيت الأبيض.

ولكنّ المسألة أعمق من ذلك، وهي أنّ هذا المفكّر العظيم الّذي سُمّي تيمّنًا بإسحق نيوتُن، أعظم عالم على الإطلاق، قد اكتشف حقيقة تاريخيّة كبرى. اكتشف نيوتُن الأوّل قانون الجاذبيّة. أمّا نيوتُن ليروي غينغريتش فقد اكتشف ما لا يقلّ عنه أهمّيّة، وهو أنّ في العالم اليوم شعباً «مُخْتَرَعاً»، هو الشّعب الفلسطينيّ.

ويأتيه الرّدّ الطّبيعيّ من كلّ إسرائيليّ متواضع مثلي بالعبريّة العامّيّة قائلاً: «صحّ النّوم يا إلياهو!» فقد اعتدنا أن «نُجِلّ» عبر هذه العبارة كُلّ امرُئ يخال أنّه حقّق اكتشافًاً مدوّيًا، ليكتشف في ما بعد، لسوء الحظّ، أنّ غيره سبقه إليه منذ وقتٍ طويل! وفي هذه الحالة، نفت الحركة الصّهيونيّة منذ تأسيسها وجود الشّعب الفلسطينيّ، ويُعتبر هذا من مبادئ العقيدة الصّهيونيّة. والسّبب معلومٌ وواضح: إذا اعترف الصّهاينة بوجود الشّعب الفلسطينيّ، فهذا يعني أنّ الأرض الّتي استولوا عليها كانت مأهولة، ما سيحمّلهم مسؤوليّة هذا الظّلم التّاريخيّ. وتمكّن مؤسِّسو الحركة الصّهيونيّة، في سعيهم إلى سدّ جميع الثّغرات، من حلّ هذه المعضلة الأخلاقيّة بمنتهى البساطة، إذ أنكروا وجود الفلسطينيّين، ورأى هذا الشّعار البرّاق النّور: «أرضٌ بلا شعب لشعبٍ بلا أرض».

إذًاً، من هم أولئك البشر الّذين التقوهم حين وطأت أقدامهم تلك البلاد؟ هل وُجِدوا صدفةً؟ هل كانوا «شعبًا»، أم عابري سبيل؟ وتروي الحكاية كيف جعلنا الصّحراء مزهرة وحوّلنا الأرض القاحلة والمهملة إلى جنّة فعليّة، وكيف تدفّق العرب لاحقًاً من كلّ حدب وصوب إلى البلاد، وتجرّؤوا بغاية الوقاحة على إعلان دولتهم الفلسطينيّة.

وظلّ هذا الكلام سائدًا في الأوساط الرّسميّة لسنوات كثيرة بعد تأسيس دولة إسرائيل، كما قدّمت غولدا مائير تصريحها الشّهير قائلةً: «لا وجود لشعب يُدعى الشّعب الفلسطينيّ!»

أجبتها آنذاك في الكنيست قائلاً: «سيّدتي رئيسة الوزراء، لعلّك محقّة في أنّ الشّعب الفلسطينيّ لا وجود له. ولكنْ، حين يعتقد ملايين الأشخاص أنّهم شعبٌ واحد، حتّى لو كان الأمر باطلاً، وحين يتصرّفون على هذا الأساس، فهذا يعني أنّهم شعبٌ حكمًا».

سُخّرت آلة دعائيّة هائلة، في داخل إسرائيل وخارجها، «لتثبت بما لا يقبل الجدل» أنّ الشّعب الفلسطينيّ لا وجود له. ووضعت جوان بيترز كتابًا يحمل عنوان «From Time Immemorial» («منذ الأزل») يُبرهن أنّ «الرّعاع» الّذين يسمّون أنفسهم «فلسطينيّين» لا علاقة لهم بفلسطين، وأنّهم دخلاء ودجّالون. وحقّق هذا الكتاب نجاحاً باهرًا، إلى أن فنّده بعض الخبراء وأثبتوا أنّ الدّلائل الدّامغة الواردة فيه هي محض هراء.

وقضيْتُ مئات السّاعات محاولاً إقناع الجماهير الإسرائيلية والأجنبيّة أنّ الشّعب الفلسطينيّ موجود، ومشدّدًا على ضرورة تحقيق السّلام معهم، بيد أنّ النّقاش في هذه المسألة لم يهدأ إلاّ بعد اعتراف إسرائيل بمنظّمة التّحرير الفلسطينيّة كممثِّل وحيد للشّعب الفلسطينيّ.

ولكنّ غينغريتش ظهر على السّاحة ليُعيد إحياء النّقاش وكأنّه المسيح.

ويبدو جليًّا أنّ انشغالاته الكثيرة تمنعه من قراءة الكتب. وصحيح أنّه كان ذات يوم أستاذ تاريخ، غير أنّه يتولّى منذ سنوات طويلة مسؤوليّات كثيرة، إذ انصرف بعد التّعليم إلى رئاسة الكونغرس، وتكديس الثّروات عبر العمل كـ«مستشار» لدى شركات كبرى، والتّرشّح أخيرًا إلى رئاسة البلاد. ولو سنحت له الفرصة، لكان اطّلع حتمًا على كتاب تاريخيّ رائع لبينيدكت آندرسن يحمل عنوان «Imagined Communities» («الجماعة المتخيّلة: دراسة في أصول الفكرة القوميّة»)، ويؤكّد أنّ الدّول المعاصرة هي كلّها دول مُختَرَعة.

إنّ القوميّة ظاهرة تاريخيّة حديثة العهد نسبيًّا. حين تقرّر جماعة ما أن تؤلّف دولة قوميّة، عليها اختراع ذاتها مجدّدًا، أي اختراع ماضٍ قوميّ خاصّ بها، وإعادة خلط الحقائق التّاريخيّة (والأكاذيب التّاريخيّة أيضًا) بهدف رسم صورة متكاملة عن دولة قوميّة وُجدت منذ الأزل. وبموجب ذلك، تحوّل أرمينيوس الجرمانيّ إلى بطل «قوميّ»، وشكّل اللاّجئون الدّينيّون الّذين رست سفنهم في أميركا وقتلوا السّكّان الأصليّين «قوميّة»، وأسّس اليهود المشتّتون حول العالم «دولة قوميّة يهوديّة». واتّبع كثيرون غيرهم الأسلوب ذاته تقريبًا.

ولا شكّ في أنّ غينغريتش سيستفيد من قراءة كتاب شلومو ساند، أستاذ في جامعة تل أبيب ويهوديّ متزمّت. ويُعرف هذا الكتاب من عنوانه: «When and How the Jewish People was Invented?» (متى وكيف اختُرع الشّعبُ اليهوديّ؟)

وفي موازاة ذلك، يُطرح السّؤال: من هم الفلسطينيّون؟ منذ نحو مئة عام، أجرى اثنان من الطّلبة الشّبان في اسطنبول، هما ديفيد بن غوريون (أصبح في ما بعد رئيس حكومة إسرائيل) وإسحق بن زفي (أصبح بدوره رئيس الدّولة)، بحثًا حول الفلسطينيّين صرّحا فيه أنّ سكّان فلسطين لم يتغيّروا قطّ، وأنّ بعض النّخبة تعرّض للإبعاد أحيانًا. واستنادًا إلى هذا البحث، لم تُحرَّك البلدات والقرى الفلسطينيّة من مكانها، وأسماؤها خير دليل على ذلك، كما أصبح الكنعانيّون إسرائيلييّن، ثم يهودًا وسامريّين، فمسيحيّين بيزنطيّين، واعتنقوا إبّان الغزو العربيّ الدّين الإسلاميّ والثّقافة العربيّة تدريجيًّا. وأشار بن غوريون وبن زفي إلى أنّ هؤلاء هم الفلسطينيّون اليوم. وأنا أؤيّد ما توصّلا إليه.

إذًا، يحاجج غينغريتش بأن الشّعب الفلسطينيّ غير موجود لأنّ الدّولة الفلسطينيّة لم تكن قائمة قطّ، قائلاً إنّ شعوب هذه الأرض كانوا «عربًا» فحسب تحت الحكم العثمانيّ، وفيًّا للدّعاية الصّهيونيّة الّتي يرفضها معظم الصّهاينة اليوم.

ما معنى ذلك؟ فلطالما ادّعى المستعمرون الفرنسيّون أنّ الشّعب الجزائريّ غير موجود، لأنّ الدّولة الجزائريّة لم تكن قائمة قطّ، أي لم يشهد التّاريخ ولادة دولة موحّدة تحت اسم الجزائر. فهل من أنصار لهذه النّظريّة اليوم؟

وفي السّياق نفسه، ورد اسم فلسطين على لسان أحد المؤرّخين اليونانيّين منذ حوالى 2500 عام. وحتّى التّلمود أتى على ذكر «دوق فلسطين». وما زال العرب يسمّون هذه البلاد فلسطين منذ الفتح العربيّ. ويُضاف إلى ذلك انتشار الحركة القوميّة العربيّة الّتي ناضلت من أجل الاستقلال عن السّلطان العثمانيّ، في كافّة انحاء العالم العربيّ، بما فيها فلسطين، وذلك بالتّزامن مع تأسيس الحركة الصّهيونيّة.

هذا وشكّلت فلسطين جزءًا من سوريا الكبرى على مدى قرونٍ خلت، وكان السّوريّون واللّبنانيّون والفلسطينيّون والأردنيّون شعبًا واحدّا. وعقب انهيار الإمبراطوريّة العثمانيّة وتقسيم الدّول الأوروبّيّة العالمَ العربيّ في ما بينها، وقعت «دولة» فلسطين تحت الانتداب البريطانيّ، فانفصل الشّعب الفلسطينيّ عن سوريا الكبرى وصمّم علمه الوطنيّ الخاصّ. ويجدر الذّكر أنّ في أوروبّا وآسيا وأفريقيا وأميركا اللاّتينيّة شعوباً كثيرة أسّست دولها بدون أن تطلب من غينغريتش تأكيد وجودها!

إذًا، لا بدّ من الإشارة هنا إلى السّخرية المتمثّلة في أن يطلب شعب دولة فلسطين «المُختَرَعة» نيل اعتراف يهود إسرائيل «المخْتَرَعة» بناءً على طلب أحد أفراد الولايات المتّحدة «المُخْتَرَعة»، لا سيّما أنّ هذا الفرد هو بالمناسبة مزيج من الأصول الألمانيّة والإنكليزيّة والاسكتلنديّة والإيرلنديّة!!

منذ عدّة سنوات، دار جدال لم يدُم طويلاً بشأن الكتب المدرسيّة في فلسطين، إذ اتُّهمت بأنّها تدعو إلى معاداة السّاميّة وتحرّض على القتل. ولكن، سرعان ما همد الجدال حين اتّضح أنّ هذه الكتب قد نالت موافقة سلطات الاحتلال الإسرائيليّة، وأنّ معظمها وُرث عن النّظام الأردنيّ السّابق. ولكنّ غينغريتش لا يتورّع عن إعادة إحياء هذا الجدال أيضًا!

فهو يشدّد على أنّ جميع الرّجال والنّساء والأطفال الفلسطينيّين إرهابيّون، وأنّ التّلامذة الفلسطينيّين يتعلّمون في المدارس كيفيّة قتلنا نحن الإسرائيليّين المساكين الّذين لا حول لنا ولا قوّة. تُرى ماذا كنّا سنفعل بدون غينغريتش وغيره من المدافعين الأشدّاء عن إسرائيل؟! لذا، أرى من المؤسف جدًّا أن تُنشر في هذا التّوقيت بالذّات صورة له مصافحًا ياسر عرفات!

ورجاءً، لا تطلعوه على الكتب المستخدمة في بعض مدارسنا، لا سيّما الدّينيّة منها!

والسّؤال، هل كتابة هذه السّخافات هي فعلاً مضيعة للوقت؟

قد يبدو الأمر كذلك للوهلة الأولى. ولكنْ، ينبغي علينا أن نضع نصب أعيننا أنّ المُتفوِّه بهذه التّرّهات قد يصبح في القريب العاجل رئيس الولايات المتّحدة الأميركيّة. ولا يبدو الأمر بعيد الاحتمال على ضوء الوضع الاقتصاديّ المتدهور (…)

ليس غينغريتش اليمينيّ المتطرّف الوحيد الرّاكب موجة التّقرّب من إسرائيل. فقد غدت هذه الأخيرة مؤخّرًا قِبْلة العنصريّين من حول العالم، مثل زوج مارين لوبان، زعيمة حزب الجبهة الوطنيّة الفرنسيّ، الّذي «شرّفنا» بزيارته الأسبوع الفائت، إذ بات «الحجّ» إلى الدّولة اليهوديّة من المسلّمات لكلّ فاشيّ طموح.

إذًا، صحّ المثل القائل «إنّ الطّيور على أشكالها تقع». أمّا في حالة غينغريتش، «فالعدوّ العاقل خيرٌ من الصّديق الجاهل…».

يوري آفنيري، عن موقع «كاونتربنش» Counterpunch الأميركيّ.

ترجمة: أسيل الحاج

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 3 = 2

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...