صفحات الثقافة

كيف تأتي القصيدة


أحمد العمـراوي

كيف تأتي القصيدة ؟ هل يستطيع أحدنا أن يحدد بالضبط من أين تأتي القصيدة ؟

إرهاصات. حالات مخاض. اكتئاب شعري بسيط أو عميق أحيانا. حالة غير عادية. هل الشاعر شخص غير عادي الآن لِنَصُبَّ عليه كل هذه الأسئلة؟ ثم كيف سيجيب شاعر كيفما كان حجمه عن أسئلة من هذا النوع ؟ كيف سيفكك طريقة وضعه الأول وهو لا يعلم على وجه الدقة متى ولا أين سيبتدئ وضعه هذا ؟ ورغم ذلك لنخض في هذا الأمر، ففيه بعض التفريج عن الغمة بالبوح.

الظلمة والنص، أعني الظلمة والبوح، هكذا يمكننا تسمية هذه اللحظة . ظلمة ظلمانية تَضُمُّ، تَجْمَعُ، وتَقْبضُُ على الكلام، على القصيدة، وتشدها إليها شدًّا ويحاول الشاعر جاهدا الانفلات منها بالإفراج عن بعض من كلامه الذي سيسمى فيما بعد : قصيدة آو شعرا.

لحظة الوضع الأولى – والوضع هنا يشبه بكل التفاصيل حالة وضع المراة لجنينها- هي لحظة اشتهاء. اشتهاء المرأة لمحظورات، اشتهاؤها لما لا يُستطاع الوصول إليه أثناء الوحم. الشاعر كذلك سيكون مبعثرا غاضبا أو صافيا الذهن، أو غاضبا و ثائرا ثم صافي الذهن.لا بد من صفاء الذهن وخلو الخاطر لتنشأ القصيدة. أي لا بد من فراغ، ليس خواء، فبينهما مسافة وهوة عميقة. الفراغ بناء وتفرغ وتأمل، والخواء عدم لا قيمة له شعريا.

من الفراغ يبدأ الخيط الأول، خيط سيجر وراءه خيوطا أخرى . تنساب بعدها الخيوط بلا توقف بما أن القصيدة هي موجودة دائما في جهة ما من الشاعر والأشياء حتى قبل أن يولد كما يقول اليابانيون والصينيون حكماء الزن ، وهي موجودة تنتظر عبقر أو تنتظر الجني أو الجنية التي ستلوح بها إلى الخارج .

الخروج الأول للقصيدة قد يكون ومضة، كلمة، حالة، حرفا . قد تأتي القصيدة كاملة انطلاقا من تأمل الشاعر لحركات أرجل فتاة جميلة، أو لملاحظة انعكاس ظل فراشة على ماء مهروق خارج الذات انطلاقا منها.

يسجل الشاعر قصيدته في ذهنه، في داخله، والظلمة تجر، أي تمنع البوح، وهو يحاول إخراج المكتوب إلى الوجود إلى الوضع.

– اخْرُجْ

– لا أَخْرُج

– اخرجô.

وتأتي البدايةô..

كثيرا ما يسجل الشاعر بداية قصيدته على أي شيء يجده أمامه : علبة أعواد ثقاب، أوراق كلنكسô قد يسجلها على ركبته، أو على ثيابه حتى لا تضيع . الويل له إن ضاعت البدايات. قد تسبب له أرقا وهما واكتئابا، سيحتاج معه إلى زمن طويل طويل لتضميد جراحه.

– اكتب

– أنا كاتب

يقول الشاعر أو تقول اليد وتسجل. هل يستطيع شاعر ما أن يكتب قصيدة دفعة واحدة وهو يتأمل حاسوبه أو أوراقه؟ لا اعتقد ذلك. يمكنه فعل ذلك إدا كانت بدايات القصيدة حاضرة لديه. و هذه البداية هي أهم ما في القصيدة. و إذا كان بعض الشعراء يتعذبون كعذاب قلع ضرس فيغرسون أظافرهم في أعناقهم وهم يبحثون عن كلمة ضائعة تكمل المعنى، فإن وضع آخرين سيكون سهلا. ولكن لا بد من عناء ومعاناة قبل إصدار الشرارة الأولى. عذاب يضاهي تلذذ المرأة بعذابات إخراج الجنين.

يبتعد الشاعر في كثير من الأحيان عن بدايات قصائده. قد تصير هذه البداية في وسط القصيدة، قد تتأخر، وقد تحذف، قد تعوض ببدايات أخرى، والمهم أن لا بد من بدايات و شرارات هي الحافظة من الضياع .

تأتي القصيدة إدن حرفا أولا، فعلا أو اسما، ثم تركيبا. غالبا ما تكون الصورة غير عادية. تبتدئ بالأنا أو بالآخر، بالذات أو بخارجها، ولكنها حتما ستكون بتأشيرة من الداخل العميق الموجود في ظلمة طلمانية تشبه الظلمة التي عاشتها الجدة وهي في بطن الذئب في قصة حكاية ذات القبعة الحمراء. أوالظلمة المؤقتة التي عاش فيها يونس وهو في بطن الحوت، أو أية ظلمة أخرى. لكل شاعر ظلمته الخاصة، منها يأتي النور. قبر الشاعر هو ديوانه، وهو جامع ظلمته، ولكنه سيتكون قبل ذلك حجرا حجرا، وهو أمر قد يحتاج منه إلى حياة بكاملها قبل أن يتم بناء القبر .

وتخرج القصيدة، ويشع الانفراج لا يستطيع الشاعر مهما بلغ من قوة أن يقرأ قصيدته لأول مرة. يتركها جانبا، يدعها، يلقيها- هذا تصوري الخاص – لقد عذبته. سيسلمها لآخرين، لممرضات اللغة لتلفيفها بملابس جديدة.

هل يمكن أن يتحدث شاعر ما عن نفسه، وحالة وضعه الأول، وخروج قصيدته الأولى؟ لنجرب رغم ما في الأمر من مغامرة .

يغويني المكان، وأرى ما لا يراه الناس، وأكون في حالة قلق شعري فيأتي بيت أو سطر انطلاقا من الظلال التي سيخلفها قصب متراص فوق رأسي، وأنا أمر أمام مدينة فاس. تنشأ الشرارة الأولى في دهني، أدندن معها، ولا أهمية للإيقاع. الإيقاع الداخلي منه والخارجي مسألة تربط بالمكتوب الأول الموجود في الأصل لدى الشاعر . لم يكن العمود يشكل عائقا أمام تدفق القصيدة وبيتها الأول لدى القدامى لأنه كان ملتصقا بهذا العمود. كان العمود هو الشعر نفسه، ولنا في تعريف الشعر بكونه هو الكلام الموزون المقفى خير دليل. ولكن البداية ستبقى صعبة رغم ذلك، قد لا يستطيع الشاعر في الكثير من الحالات أن يضبط بداياتها رغم تحكمه التام في هدا العمود . مع ظهور النثرية في الشعر دون إلغاء القصيدة، وفي قصيدة النثر مثلا يسيطر الأمر أكثر صعوبة. أنت ستخرج شعرا وستحتاج إلى هذه الشرارة الأولى.

وخرجتْ. خرجت الومضة الأولى. الشاعر الآن مُحَرر. أُعتقت رقبته وارتاح. هل ارتاح فعلا؟ يكتب الشاعر أول الأمر لنفسه، لهدا فهو يحرر نفسه أولا و يعتق رقبته من الهلاك.

هل أعتق رقبته؟ ربما مؤقتا، ولكنه معرض للمخاطر دائما، ولدا فهو يَعتِق دائما، أو يُعتَق بالخروج الأول الذي سيدونه على أي شيء يجده أمامه، و سيظل بعد ذلك ينتظر مؤثرا لخروج آخر .

يختلف الوضع العادي، أي ولادة الجنين، عن ولادة القصيدة في المدة الزمنية التي هي تسعة اشهر أو سبعة أو اقل قليلا حسب حالة الواضعة التي هي أنثى بالضرورة. بينما في القصيدة تقلب الأدوار أو يختلف الواضع ربما. قد يكون رجلا أو امرأة أو طفلا أو شيخا، والمدة قد تطول أو تقصر. قد تكون لحظة خاطفة، وهنا كان الشاعر القديم يرتجل قصيدة عمودية دفعة واحدة في بعض الحالات، ولبعض الناس، بما أنه كان يضبط قوانين الوضع. قد تأتى الشرارة الأولى للقصيدة في الشعر الجديد بسبب مؤتر خارجي يثير انتباه الظلمة ويخلخلها فيدفع بالنص للخارج. ظلمة وبوح، أو ظلمة و نص.

خرج النص. وتحرر المكبَّل وهو ينتظر أن يحرر آخرين. ويمتد النص إلى آخر، أى إلى مُتلقٍّ قد يدفع بالنصوص الأخرى إلى التعديل، جيلا بعد جيل. وقصيدة بعد أخرى.

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى