الرئيسية / صفحات سورية / هذا الغياب الأميركي عن الحل في سورية/ حيّان جابر

هذا الغياب الأميركي عن الحل في سورية/ حيّان جابر

 

 

يفتح الغياب الأميركي عن أجواء التحركات السياسية المرتبطة بالمسألة السورية، سواء الجارية برعاية روسية أو برعاية سعودية أو غيرهما، الباب أمام تباينات في تحليل الموقف الأميركي، وبالتالي في مدى واقعية هذه الاجتماعات التي تشهد الغياب الأميركي ونجاعتها، انطلاقاً من قناعة غالبية المفكرين والمحللين العرب باستحالة تطبيق أي اتفاق دولي، أو إقليمي في سورية، من دون قبول ومباركة أميركيين. تحاول هذه المقالة المساهمة في تحديد أبعاد الموقف الأميركي، من دون المبالغة في ربطه بالوضع السوري، حيث يبقى لموقف الشعب السوري ورأيه الكلمة الفصل والحسم الحقيقية بشأن أي حل سياسي في بلده، كما تبقى استعادة نبض الشارع السوري وفعاليته الطريقة الوحيدة لتحقيق أهداف أهداف هذا الشعب وثورته.

ولتكن البداية بتفنيد المزاعم والآمال المغلوطة بعد الضربة الأميركية لمطار الشعيرات العسكري في سورية، رداً على هجوم النظام بالغاز السام على مدينة خان شيخون منتصف العام الجاري، وهي الضربة التي اعتبرها بعضهم تعبيراً عن تغيير جذري في موقف إدارة الرئيس دونالد ترامب مقارنة بموقف سابقه باراك أوباما، وهو ما عزّزته تصريحات ومواقف أميركية لاحقة للضربة، سواء المعبرة عن نجاح الضربة في إخراج المطار عن الخدمة أو المعبرة عن نفاد الصبر الأميركي من بشار الأسد وإجرامه. لتنكشف الحقائق سريعاً بداية من خلال عودة

المطار إلى الخدمة وللإجرام في غضون يومين فقط! الأمر الذي يعكس هامشية الضربة ومحدوديتها، خصوصاً إذا ما أخذ في الاعتبار بطء النظام السوري وبيروقراطيته في التعامل مع التبعات الميدانية لأي خلل، طبيعيا كان أو مفتعلا، حيث يحتاج تبديل مصباح ضوئي أكثر من أسبوعين في ظل نظام الأسد. كما طالعتنا التقارير والأخبار المسربة من الإدارتين، الأميركية والروسية، عن شكلية الضربة وهزالها بعد الكشف عن إلغاء طابعها المفاجئ، في إطلاع القيادة الروسية على جميع تفاصيلها قبل حدوثها بمدة كافية لإطلاع نظام الأسد عليها، ولترتيب الأوضاع داخل المطار، ما يحد من حجم الخسائر، ومن تأثيراتها المستقبلية. وبالتالي، باتت للضربة اعتبارات أميركية منفصلة عن الموقف الأميركي تجاه سورية، ما يعبر عن تماثل وتطابق في الأداء تجاه سورية بين الإدارتين الأميركيتين، السابقة والحالية. وفي هذا رد على بعض الأوهام المعبرة عن استقراء حدوث تدخلٍ أميركي واضح وحاسم في المسألة السورية، ما يتيح المجال إلى الالتفات نحو المبالغين في قراءة التفويض الأميركي للروس بحل المسألة السورية. وهو تفويضٌ قد يعتبره بعضهم بمثابة صك انتداب جديد، يعكس إعادة توزيع مناطق النفوذ والسيطرة بين الأقطاب الإمبريالية والاستعمارية، ما يقود إلى خلل في فهم التوافقات والصراعات الدولية إجمالاً.

لا بد من تحديد حجم التفويض الأميركي وطبيعته بدقة، لفهم أسبابه ومعانيه. فمن ناحيةٍ، تزامن التفويض السياسي والتراجع الأميركي سياسياً في سورية مع الوجود العسكري الأميركي المباشر والعلني داخل سورية، فضلاً عن دعم وسيطرة وتحكم أميركي بالقوات الكردية المعروفة باسم قوات سورية الديمقراطية (قسد)، ما يشير إلى حجم النفوذ والتحكم الأميركي المباشر في سورية، والمدعوم بنفوذ وتحكم أميركي غير مباشر، عبر ربط أميركي لأهم القوى والجهات الإقليمية الفاعلة في سورية، بداية بدول الخليج العربي، وليس انتهاء بتركيا، أو حتى إيران اللتين تعيشان علاقة مع أميركا مليئة بالتناقضات والتناحرات والتوافقات. وبالطبع من دون تناسي التحكّم الأميركي في ملفاتٍ عديدة مهمة للروس كذلك. كما لا بد من التمييز بين الاتفاقات الدولية العلنية أو السرية من أجل توزيع مواقع السيطرة والنفوذ وتقاسمها والتفويض الأميركي للروس في الشأن السوري، حيث يغرد التفويض خارج سرب الخلافات الأميركية الروسية العديدة في القضايا الدولية، ما يعبر عن استمرار الصراع والتناقض بينهما، كما يعبر عن عدم شمول التفويض عملية توزيع السيطرة وتقاسمها بين الإمبرياليتين، الأميركية والروسية.

وعليه، يمكن القول إن الأميركان لم ينطلقوا، في تفويضهم الروس لحل المسألة السورية، من هامشية هذه المسألة، ومن عدم مبالاة بمسار الوضع السوري، أو جزء من اتفاق روسي أميركي على مجمل القضايا الدولية، بل انطلاقاً من إدراك عجزهم الذاتي في التحكم بمجمل المسائل والقضايا الدولية، لا سيما بعد الأزمة المالية العالمية، والأميركية خصوصاً، ما دفع الولايات المتحدة إلى الحفاظ على أوراق قوة مباشرة وغير مباشرة في سورية، من أجل الحد من قوة روسيا ونفوذها داخل سورية التي قد تتحول إلى قدرة وقوة إقليمية، بأقل التكاليف الممكنة، فضلاً عن الرغبة الأميركية في استثمار الحاجة الروسية لاسترجاع نفوذها في سورية من أجل تحقيق مكاسب دولية في بعض المسائل الدولية، لا سيما في موضوع العلاقة مع الاتحاد الأوروبي والمسألة الأوكرانية.

إذا، ينطلق التراجع أو الابتعاد الأميركي عن المسار السياسي المعني بالمسألة السورية من رغبة أميركية في إدارة مصادر قوتها ونفوذها نحو المناطق الأكثر أهميةً وتأثيرا على مصالح الولايات المتحدة، على الرغم من التأثيرات السورية على بعض المصالح الأميركية الاستراتيجية، كأمن الابن الأميركي غير الشرعي واستقراره، أي الكيان الصهيوني، وتبعات المسألة السورية على مجمل منطقة الخليج العربي التي ما زالت الإدارات الأميركية المتعدّدة تعبر عن أهميتها وتأثيرها على مجمل المصالح الأميركية، كما ترتبط المسألة السورية بمصالح قوى إقليمية حليفة تاريخيا للولايات المتحدة مثل تركيا، على الرغم من حجم التباعد والتناحر الحالي بينهما. وأخيراً ترغب الولايات المتحدة في استخدام الورقة السورية، لابتزاز الروس وبعض القوى الإقليمية بشأن باقي المسائل الدولية الأكثر أهمية للسياسة الأميركية.

لذا لا بد من الانطلاق، في فهم مجمل العلاقات الدولية الراهنة، من إدراك حجم التناقضات والتصارعات والخلافات الدولية في الوقت الراهن، حيث تدور الخلافات الدولية على حجم مصالح كل منها وطبيعتها، من دون أي اعتبار لمصالح شعوب العالم إجمالاً، والشعب السوري خصوصاً، الأمر الذي يجب إدراكه جيداً للانطلاق من هذا الواقع العالمي، ومن واقع الثورة السورية محلياً، من أجل بلورة حركة وطنية سورية، تلبي مطامح السوريين، وتحقق أهداف ثورتهم، بعيداً عن التعلق بالأوهام الدولية، الأميركية وغيرها.

العربي الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سورية.. اختبار الحل/ بشير البكر

    جاء سقوط دوما ليشكل محطة مهمةً في المسألة السورية، كونها تعد آخر معقل ...