الرئيسية / صفحات الرأي / هل انتهت البنلادنية؟

هل انتهت البنلادنية؟

 


ميشيل كيلو

سيكون من الوهم الاعتقاد أن التطرف سينتهي من العالم، وأنه يموت ويختفي بموت أو اختفاء حزب أو تيار أو شخص . وسيكون من الخطأ الاعتقاد أن التطرف يكون مذهبياً أو لا يكون . التطرف المذهبي هو ضرب من تطرف إيديولوجي، لكن إيديولوجيته ليست دنيوية أو وضعية، وهو أحد تجليات النسق الأخير من موجات تطرف عرفها عالمنا الحديث، وتركز قسم منها في أوروبا، حيث صارت خلال القرون القليلة الماضية إتنية أو قومية أو طبقية، بعد أن عبرت طوراً أخذت فيه شكل مذاهب مسيحية اتسمت بقدر من العنف والجموح ليس عنف وجموح التطرف الحالي أشد منه أو أكثر فتكاً بالبشر .

لن يكون ابن لادن آخر المتطرفين، ولن يموت التطرف بغيابه، مع أن الشكل الذي حمل بصمته قد يتراجع، مفسحاً المجال لأشكال أخرى ستحمل قطعاً بصمات متطرفين جدد، سواء خرجوا من صفوف تنظيم القاعدة، أو أسسوا لأنفسهم نهجاً جديداً وتنظيماً مغايراً، آية ذلك أن التطرف يرتبط دائماً بصراعات لا حل بالوسائل الشرعية السائدة، أو بأفكار وممارسات الأمر القائم، لذلك يبادر المتطرفون إلى ابتداع وسائل خاصة بهم، يعبرون عن تطلعاتهم من خلالها، ويجسدونها بواسطة ممارسات تتفق وأهدافهم، تتجه غالباً ضد عالم مرفوض، سياسياً كان أم مذهبياً، وتستخدم وسائل وأدوات تقوض “العدو” بأقصى عنف ممكن، ما دام المتطرف يعمل لولادة جديد من قديم، عالم مثالي من عالم ملعون، الحق والخير والجمال من الظلم والفساد والقبح .

كانت البنلادنية رداً غير عقلاني وعنيف على عالم ظالم وفاسد وعنيف ولا عقلاني هو عالم الغرب الذي يستبيح كل شيء، والشرق الذي يبدو عاجزاً عن الرد عليه بأي قدر من الجدوى والنجاح . إنها رد من أراد العمل خارج هذين العالمين وضدهما: باسم المظلومين من قبل الأول واليائسين من الثاني . لذا، كان من المنطقي أن تضع نفسها خارج منظومة الأول الفكرية والحياتية، وضد قراءة الثاني الدينية والسياسية، وأن تدفع برفضها لهما إلى أقصى الحدود، بما أن الانتقام من الأول وإحراج الثاني كانا سبيلها إلى كسب قلوب وعقول المظلومين والراغبين في استرداد حقوقهم وكرامتهم، بأي ثمن كان . بذلك، توقف رهان القاعدة على نجاحها في تقديم نموذج من العنف هو رد لا يملكه حكام الشرق، يعرف في الوقت نفسه نقاط ضعف الغرب ويركز عليها، انطلاقاً من مقولة ترى أن الأمة الإسلامية قوية لكن حكوماتها ضعيفة، وأنها تتحمل المسؤولية عن ما تعانيه الأمة من ذل وضعف، ويتعرض له المسلمون من ظلم يبلغ حد الاستباحة . في هذا الفهم، كان ضرب الغرب السبيل إلى إضعاف الحكومات وفضحها، وإقناع المسلمين بلا شرعيتها، وإلى تعبئة قدرات المسلمين على صعيد “قاعدتهم” البشرية، التي ستقلب قمتهم السياسية الفاسدة، بل الكافرة .

في البداية، دعمت أمريكا ابن لادن وتياره ضد السوفييت، ومولته وزودته بالسلاح . وحين خرجت موسكو مهزومة من أفغانستان تخلت عنه، فأكمل مشروعه، الذي استبق من خلاله ما كتبه في ما بعد صامويل هانتنغتون حول حرب الحضارات، وقال بوجود معركة كونية لا بد من حسمها، سيهلك الإسلام إن لم يخرج منتصراً منها، فلا مفر من خوضها بكل جهد وقوة، داخل العالم الإسلامي وخارجه، مهما كان الثمن وتنوعت الوسائل . هل كان الرجل عميلاً أمريكياً، كما تؤكد جهات عديدة؟ هذا السؤال ليس مهماً، وتعاون ابن لادن مع أمريكا لا يعني أنه لم يكن صاحب المشروع الخاص، الذي بينت بعض ملامحه العامة في الأسطر السابقة . المهم أنه واجهها بتحد فائق الخطورة، وأنها واجهته بكل ما لديها من طاقات وقدرات، وأنه سدد إليها ضربات موجعة ردت عليه بضربات معاكسة انتهت بتصفيته في عملية قتل عمد سخرت لها كل ما تملك من تقنية ودهاء استخباري، بعد القضاء على قسم كبير من قيادات القاعدة وأعداد كبيرة من كوادرها ومقاتليها . ليس سراً أن العقل الأمريكي اعتبر لوهلة أن المعركة ضد ابن لادن هي في الجوهر معركة ضد الإسلام، وأنه أولاها اهتماماً كبيراً باعتبارها “الحرب العالمية الرابعة” التي تخوضها أمريكا، وتتميز عن غيرها بكونها حرباً غير منظورة وغير متناسقة ولا تدور على جبهة محددة، وتستند أساساً إلى عمل المخابرات، المرفود بعمل عسكري وليس العكس، كما كان الحال في الحروب السابقة .

خرج العالم الإسلامي أشد تمزقاً وضياعاً من التجربة الابن لادنية، ودفع ثمناً فادحاً بسببها، حين بدا وكأنه يضع نفسه في مواجهة العالم، بعد أن دعا المسلمين إلى الخروج منه والانكفاء على ذاتهم، في زمن كوني رهانه التقدم في المجالات كافة، خاصة السياسي منها . كان رد ابن لادن رداً مأزوماً ومشوها على عالم ظالم، رداً أربك هذا العالم، لكنه لم ينجح في التخلص من سطوته، إن لم يكن قد أفضى إلى تعزيزها في نهاية الأمر، لأنه مكنها من التركيز على تناقضاته المذهبية ونقاط ضعفه الهيكلية الكثيرة، وأتاح لها وضع بعضه في مواجهة بعضه الآخر، في ما يشبه حرباً أهلية صامتة مزقته وأرهقته . واليوم، وقد التحق الرجل بخالقه، لا بد من رأب التصدعات التي أحدثتها حركته بين المسلمين، والتخلي عن الجوهري في نظرته: القول بحتمية حرب الأديان والمذاهب، ولا محيد عن استعادة رهان التقدم في العالم والتفاعل التنافسي مع دوله وبلدانه وأنماط عيشه، وإلا عجز عالمنا الإسلامي عن ردم الهوة التي تفصل الآخرين عنه، وبقي أسير أشكال جديدة من التطرف الجامح، لا فائدة له فيها . هذا الخيار الحتمي صار ممكناً اليوم، بعد أن انعطفت الحركة السياسية الإسلامية نحو مفاهيم كالمواطنة والدولة المدنية والحرية وحكم القانون . . . إلخ، وتقدم الشعب إلى ساحة النضال كي ينتزع حقه في المشاركة ويؤكد قدرته على حمل مشاريع التقدم والحداثة، مقدماً مساراً استراتيجياً جديداً للأمة، فيه مصلحتها ولحاقها بالعصر وإبراز أفضل ما في هويتها من ثراء روحي وإنساني، أسهمت في تغيير العالم من خلاله في الماضي، وهو فرصتها اليوم وفي المستقبل أيضاً .

غاب ابن لادن في لحظة بدا معها أن مشروعه وصل إلى حافة الفشل النهائي، وأن الأمة خذلته بذهابها إلى خيار ديموقراطي تواصلي، هو نقيض مشروعه العنيف والإقصائي، لكن غيابه لن يمحو اسمه من ذاكرة كثيرين رأوا فيه ومضة حق سرعان ما تبين ضلالها .

الخليج

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صناعة الدين سلطويا/ محمد ديبو

      تدفع ظاهرة عمرو خالد وغيره من الدعاة الذين يضعون “علمهم ودينهم” في ...