الرئيسية / كتاب الانتفاضة / جورج كتن / هل تتضرر إسرائيل من الربيع العربي ؟

هل تتضرر إسرائيل من الربيع العربي ؟


جورج كتن*

أظن أنه لا يمكننا التعميم حول إنعكاسات الثورات التي حصلت في عدة بلدان عربية على إسرائيل، فهي في تونس وليبيا واليمن غيرها في مصر وسوريا، فالأولى لم تكن دول مواجهة ولا يتوقع أن تصبح كذلك في المستقبل، وفي هذه الحالة فإن إسرائيل لا تتضرر من تحول هذه البلدان الثلاثة للطريق الديمقراطي، بالعكس فإنها ترى أن التعامل مع نظام ديمقراطي أسهل من النظام الإستبدادي. ولا أظن أن الناس بعد تجربة طويلة مع المسألة الفلسطينية في هذه البلدان وغيرها سيستغلوا الديمقراطية المتاحة للتحول لموقف يحبذ العودة لطريق العنف في التعامل مع الوجود الإسرائيلي، فحتى الفلسطينيون أنفسهم أصحاب القضية، إقتنعوا بأن الحروب مع إسرائيل لم تجر للعرب سوى كوارث متتالية وأن الوجود الإسرائيلي أصبح أمراً واقعاً لا يمكن تغييره، ما هو ممكن حل المسألة بالطرق السياسية لصالح قيام دولتين في حدود فلسطين التاريخية، إحداهما دولة فلسطين في الضفة وغزة والقدس الشرقية. وبالتالي لا خوف في إسرائيل من إنعكاسات ثورات الربيع العربي في هذه البلدان على وجودها  فلماذا لا ترحب بها وتؤيد التحول الديمقراطي فيها الذي ولكنه لا يضرها وقد ينفعها؟

أما الثورة في مصر فقد سببت بعض الإرتباك في إسرائيل نتيجة الخوف من أن مجيء الإسلام السياسي للسلطة سيشكل خطراً على الإستقرار على الحدود المصرية الإسرائيلية، فقد يسعى عندما يتمكن من السلطة لإلغاء إتفاقيات السلام مع إسرائيل التي عقدها السادات وما زالت سارية المفعول حتى الآن. لكنه يمكن إستبعاد هذا الإحتمال فالإسلام السياسي لن يخاطر بتوريط مصر في حرب جديدة، وهو براغماتي لن يعرض هيمنته على السلطة في مصر للخطر مقابل حرب غير مضمونة النتائج، فالسلطة عنده أهم من المبادئ عندما يضطر للإختيار. فحماس مثلاً كإسلام سياسي في غزة، طبقت منذ إستيلائها على السلطة بإنقلاب، هدنة شاملة مع إسرائيل منذ ما لا يقل عن 4 سنوات وتعتقل وتلاحق من يعكرها من المتطرفين على يمينها، رغم إستمرار برنامجها بتبني التحرير من البحر للنهر! ولكنها في سياستها الواقعية على الارض أقرب للقبول بعملية التفاوض مع إسرائيل، ولكن على أن يُعترف بها كجهة أساسية مفاوضة وليس منافستها فتح.

الإخوان الحاكمون في مصر بتقديري سيحافظون على السلام مع إسرائيل لأن ذلك لمصلحتهم وهم يعرفون أن العودة للصراع مع إسرائيل تعني هزيمة جديدة اكيدة وبالتالي خسارة كبيرة لشعبيتهم وسلطتهم. أكثر ما سيفعلونه ربما محاولة إجراء تعديلات على إتفاقية كامب ديفيد تظهرهم بمظهر “المتصدي!” لإسرائيل لتثبيت شعبيتهم في المجال الوطني. وبذلك فلا خطر تستشعره إسرائيل من وجودهم في السلطة، وربما حساباتها الإستراتيجية تشير أن خطر العودة للصراع مع إسرائيل في العهد السابق كانت إحتمالاتها أكبر، رغم ضآلتها، مما في العهد المصري الحالي. ولا أظن أن الكثير سيتغير فيما لو جاء للسلطة مستقبلاً قوى غير إسلامية، فالوقائع العنيدة – الحرب كارثة، إسرائيل باقية، المفاوضات هي الحل – ستفرض نفسها على الجميع وستجد إسرائيل طريقة للتعامل مع الحكومات الديمقراطية المتعاقبة بأسهل مما كان الأمر عليه في ظل أنظمة إستبدادية.

أما فيما يتعلق بالثورة السورية التي لم تنتصر بعد فالرأي السائد لدى أطراف سورية وعربية ودولية أن إسرائيل تفضل بقاء النظام الحالي الذي لم يطلق رصاصة واحدة على حدود الجولان منذ 40 عاماً، على مجيء وطنيين أو إسلاميين في حالة سقوط النظام، وأنها منعت الغرب من التدخل لصالح الثورة السورية وإسقاط النظام بالقوة كما حدث في ليبيا. وهو تفسير وحجج لا تصمد أمام الحقائق، فالنظام رغم تهدئته على حدود الجولان فهو داعم أساسي لحزب الله في لبنان، كما أنه الحلبف العربي الوحيد في المنطقة منذ 32 عاماً للنظام الإيراني، الذي تخشى إسرائيل ويخشى الغرب من إمكانية إمتلاكه للسلاح النووي، وخاصة أن تصريحات القادة الإيرانيين لم تتوقف عن إزالة إسرائيل، مكررة نفس ما كان يردده القوميون العرب في عز سطوتهم.

التحالف السوري- الإيراني- الحزب إلهي هو ما تخشاه إسرائيل وأي كسر لهذا التحالف في حلقته الوسطى بسقوط النظام السوري ينفع إسرائيل التي تعرف مصلحتها جيداً. ولا اظن أن أحداً يتوقع أن يلجأ نظام سوري جديد لإعادة التحالف من جديد مع الطرفين الآخرين، بل على الأغلب ستنشأ حالة عداء معهما لكونهما تدخلا إلى جانب النظام السوري بالدعم المادي واللوجستي وربما البشري ايضاً. ولا يستبعد أن يكون إنهيار النظام السوري بداية لإنهيارات متتالية في صفوف طرفي التحالف اللذان يعاناين أصلا من أزماتهما الداخلية، ليس اقلها إنتفاضة الشعب الإيراني منذ 3 اعوام التي قمعت بوحشية، لكن السخط الشعبي لن يتوقف وسينفجر في اي وقت، وافضل وقت لذلك ما بعد إنهيار مدوي للنظلم السوري الحليف.

الصراع الدائر في سوريا هو إنهاك لمواردها وقواها العسكرية والإقتصادية والبشرية بحيث ان نظام جديد سيجد سوريا وجيشها حطاماً وسيبقي جهود سوريا الأساسية لعقود ربما، موجهة لإعادة بناء ما تهدم عاجزة عن فتح جبهات خارجية، فضلاً عن أن نظام ديمقراطي بديل لن يستطيع منع الأصوات الواقعية التي ستطالب بإنهاء الصراع مع إسرائيل وإستعادة الجولان بالمفاوضات، ومجيء إسلاميين للسلطة لن يغير في الامر شيئاً كما أسلفنا، فالأيديولوجيا تنفع في التحشيد خارج السلطة أما في السلطة فاالسياسات البراغماتية هي التي تسود، وهذا تعرفه إسرائيل ولا نتوقع أنه في سوريا سيكون مختلفاً. أما ما يقال عن منع إسرائيل للغرب من التدخل فهو أمر مناقض للوقائع، فالنظام والثوار يتبادلان نفس الإتهامات بأن الآخر تدعمه إسرائيل. لو سقط النظام فذلك من مصلحة إسرائيل كما أسلفنا، وإن استمر الصراع دون حسم من جهة خارجية فذلك لمصلحتها ايضا لإنهاكه البلد، فهي اقرب لعدم التدخل لا سلباً ولا إيجاباً وإنتظار النتائج التي هي في أغلب الحالات لصالحها. إذن ما الذي يمنع الغرب من التدخل العسكري رغم تدخله السياسي لصالح الثورة؟ بالتأكيد للغرب أسبابه الخاصة المتعلقة بمصالحه في العالم والمنطقة وعدم تدخله ليس بسبب ضغوط إسرائيلية وهو موضوع آخر لن نفصل فيه هنا.

بالطبع مصالح إسرائيل لا تقتصر على الحفاظ على وجودها وعدم دخول حروب جديدة. يهمها أيضاً التطبيع مع الدول العربية والإسلامية التي لا تزال ترفض الإعتراف بوجودها والتعامل معها. وهو أمر لم يكن أفضل قبل الربيع العربي في ظل الأنظمة المنهارة في تونس وليبيا واليمن وسوريا، وحتى في مصر ورغم إستمرار معاهدة السلام، فإن التطبيع بين البلدين فشل ولم يتجاوز كثيراً تبادل السفراء. ولن يتغير هذا الوضع في ظل الأنظمة الجديدة إلا في حالة إنجاز حل عادل للمسألة الفلسطينية بإقامة الدولة وعودة اللاجئين.. وهو أمر تتجاهله إسرائيل حتى الآن معتقدة أنها يمكن أن تستمر في توسيع المستوطنات في الضفة، والإصرار على إعتبار القدس الشرقية جزء من عاصمتها الموحدة، وإستمرار إحتلالها للجولان.

إجمالاً يمكن أن نقول أن إسرائيل لم تتضرر من التغييرات العربية التي حصلت، وقد فضلت ان لا تعلن عن مواقف صريحة في تأييد الثورات التي إندلعت مما سيفيد الأنظمة التي إدعت أن الثورات مؤيدة من إسرائيل أو الغرب أو كليهما، وحتى لو كانت إسرائيل مع الأنظمة وأعلنت تأييدها لها، فذلك سيفيد الثورات التي تتهم الأنظمة بأنها مدعومة من إسرائيل أو الغرب أو كليهما، وذلك في ظل إستمرار رفض قبول شعوب البلدان العربية للوجود الإسرائيلي. لذلك إختارت إسرائيل سياسة دراسة ومراقبة ما  يحصل في الجوار في إنتظار ما ستتمخض عنه الثورات من سياسات جديدة تجاه العلاقة مع إسرائيل، رغم عدم توقع حدوث تغييرات أساسية على هذه السياسات.

 *كاتب من سوريا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...