الرئيسية / صفحات سورية / هل حان وقت المجلس الإسلامي السوري؟/ عقيل حسين

هل حان وقت المجلس الإسلامي السوري؟/ عقيل حسين

 

 

كشفت الأيام والأحداث الأخيرة الماضية مدى حاجة قوى الثورة السورية إلى مرجعية موحدة تؤمن لها الغطاء الشرعي، في ظل غياب أي مظلة جامعة لهذه القوى. وأمام فوضى الفتاوى التي انفجرت خلال الشهرين الماضيين، في ما يتعلق بالمشاركة في عملية “درع الفرات” التي أطلقتها الحكومة التركية، بالتعاون مع “الجيش الحر” شمالي حلب، ومن ثم المواجهات التي اندلعت بين حركة “أحرار الشام الإسلامية” و”لواء جند الأقصى”، وجد الجميع أنفسهم يبحثون عن غطاء يمنح خياراتهم قوة أكبر. وأظهرت هذه الأحداث، خاصة فوضى الفتاوى بخصوص المشاركة في “درع الفرات” لا مدى الانقسام حسب، بل والتضارب الذي زاد طين التشتت بلة.

وإذا كانت قضية الاقتتال بين الفصائل ليست بالحدث الجديد، فإن قضية التعاون العسكري المباشر مع دولة أخرى على الأرض السورية كانت الحدث الذي هز الجميع بقوة، وجعلت كل الفصائل تبحث عن مستند قوي يبرر خياراتها بهذا الخصوص. ويستوي في ذلك من قرر المشاركة في “درع الفرات” من الفصائل ومن عارضها، حيث بدا الجميع بحاجة إلى مظلة أوسع، كان يمكن أن تحمل عنه عبء الموقف.

وباستثناء الفتوى التي أصدرتها جبهة “فتح الشام” بتحريم المشاركة في العملية، والتي يمكن القول إنها تعبر بشكل عام عن رؤية فصائل التيار السلفي الجهادي الناشطة في سوريا، فإن بقية الفصائل عانت ارتباكاً واضحاً، ما جعل أنظارها وأنظار الجميع تتوجه، وللمرة الأولى، نحو “المجلس الإسلامي السوري”، الذي أصدر فتوى بهذا الخصوص، جاءت متأخرة، لكنها كانت في غاية الأهمية بالنسبة للفصائل التي أيدت العملية.

وتجلى ذلك في الارتياح الكبير الذي عبّر عنه طيف واسع داخل “أحرار الشام” بعد فتوى المجلس، والتي أيدت موقف “مجلس الافتاء” في “الأحرار”، القائل بضرورة المشاركة في هذه العملية، ما تسبب بهجوم مركزّ من قبل التيار السلفي الجهادي.

ولعل الطعنة الأقوى التي تلقاها “مجلس افتاء” حركة “أحرار الشام” لم تكن من خلال فتوى جبهة “فتح الشام”، التي كانت قاسية جداً تجاه المشاركين في هذه العملية، بل تمثلت أكثر في فتوى تجمع “أهل العلم في الشام”، الذي اقترب كثيراً من فتوى الجبهة، لكنه لم يطابقها، ما استدعى استقالة الدكتور أحمد نجيب، رئيس “الهيئة القضائية” في الحركة، من “أهل العلم”.

في المقابل، رحبت قيادة “جيش الإسلام”، في بيان رسمي لها، بفتوى “المجلس الإسلامي السوري” واعتبرت أنها “تمثل رأي علماء الشام تجاه هذه القضية”، وهو موقف غير مسبوق من الجيش تجاه المجلس، منذ انسحاب ممثليه من مؤتمره التأسيسي الذي انعقد في نيسان/أبريل 2014، ومعهم ممثلو حركة “أحرار الشام الإسلامية” وكذلك “لواء التوحيد” ولواء “صقور الشام”، وعدد من الفصائل الإسلامية الأخرى، التي غادرت المؤسسة الوليدة منذ لحظة تشكلها الأولى، احتجاجاً على ما قالت إنه “عدم تمثيلها بشكل عادل فيها”.

لكن ذلك لم يكن، بحسب المتابعين وقتها، سوى غطاء من هذه الفصائل، وهي جميعها من التيار السلفي، بمختلف مدارسه، لموقفها الذي كان شبه معلن، في رفض التشارك مع بقية التيارات الأخرى، وسعيها للتمايز عنها. وقد سيطر على السلفيين السوريين بشكل عام، وإن بدرجات متفاوتة، الشعور بالتفوق والقدرة على التسيّد، قبل أن يقع الكثير من التطورات في السنتين اللاحقتين.

ومع ذلك فإن عضو “المجلس الإسلامي السوري” الشيخ محمد نجيب سالم، يؤكد أن المجلس يضم ممثلين عن جميع التيارات الإسلامية، بمختلف مدارسها ومشاربها، وفي مقدمتهم التيار السلفي.

وأشار سالم، لـ”المدن”، إلى أن الانطباع السائد عن “المجلس الاسلامي السوري”، أنه يمثل التيار الإسلامي التقليدي في الشام، أو المدرسة الأشعرية، هو انطباع خاطئ، أسهم في تعزيزه أن رئيس المجلس هو الشيخ سارية الرفاعي، لكن في الواقع، فإن أكثر من نصف أعضاء المجلس هم من التيار السلفي بمختلف مدارسه: العلمية والتقليدية والدعوية، وكذلك الجهادية، وهم متواجدون في جميع مؤسسات المجلس، وفي مقدمتها “مجلس الأمناء”، وهو أعلى سلطة في المؤسسة”.

لكن منذ تأسيس المجلس قبل عامين ونصف إلى اليوم، تغير الكثير من الأمور، إن كان على صعيد الفصائل، التي تغيرت بنية بعضها الفكرية والتنظيمية، مثل لواء “التوحيد”، أو تلك التي طرأ عليها تغيير مؤثر، مثل حركة “أحرار الشام” و”جيش الإسلام”، أو حتى كذلك جبهة “فتح الشام”، بعد انفصالها عن تنظيم “القاعدة”. كما تغير الكثير من المعطيات على الأرض، وحصلت تطورات كبيرة في اتجاهات مختلفة، بينما بقي “المجلس الإسلامي السوري”، كما يرى الكثيرون، متأخراً عن اللحاق بهذه المتغيرات، رغم بعض محاولاته، وخاصة في الفترة المتأخرة.

ولعل أبرز الملاحظات التي توجه إلى المجلس، هي عدم تمكنه حتى الآن، من الظهور كجسم متماسك وصلب، وكذلك ضعف مواكبته للأحداث الكبرى، ناهيك عن عجزه عن ابداء موقف حاسم في مواجهة الكثير من هذه الأحداث والوقائع. ويكتفي غالباً بإصدار بيانات تغلب عليها، كما يرى البعض، لغة الخطاب الإنشائية، على حساب المضمون والمقترحات والتصورات.

أما من الناحية العملية، فإن “المجلس الإسلامي السوري”، وبالإضافة إلى عدم وجوده في الداخل، ليس لديه أي سلطة أو نفوذ على الأرض، كما يفتقر للتأثير على الفصائل، وهاتان النقطتان، إذا ما أضيفتا إلى نقطة عدم امتلاكه القوة الإقتصادية التي يمكن أن يؤثر بها، حيث يعتمد هو ذاته على التبرعات، فإن ذلك يجعله غير قادر على القيام بأي ضغط من أي نوع، على الأطراف الفاعلة في الساحة.

هذه الملاحظات يقر بها الشيخ محمد نجيب سالم، لكنه يؤكد أنها، بالمجمل، ناجمة عن ضعف النشاط الإعلامي للمجلس، الأمر الذي حد من حضوره بين السوريين، وأعطى كذلك انطباعات غير دقيقة عنه، رغم الجهود المقبولة التي يبذلها بشكل مستمر.

وحول مسألة عدم تواجد المجلس في الداخل، يؤكد سالم أن للمجلس أربعة مكاتب في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، في حلب وإدلب وريف حماة والغوطة الشرقية، كما يتم الإعداد لافتتاح مكاتب في مناطق أخرى، إلى جانب أن العديد من أعضاء المجلس المتواجدين في الداخل، لا يصرحون بعضويتهم فيه، والكثير منهم له أسبابه المفهومة، وفي مقدمتها الخشية من استهدافهم بسبب ذلك، حيث اعتقل بعضهم سابقاً من قبل فصائل لا تتفق مع المجلس، مثلما حصل مع الشيخ عبدالله رحال مثلاً.

ويضيف سالم أن ربع أعضاء “الجمعية العمومية” لـ”المجلس الإسلامي السوري” متواجدون في دول بعيدة عن سوريا، بينما الثقل الرئيسي متواجد، إما في الداخل، حيث ربع الأعضاء على الأقل، أو في تركيا، حيث يتواجد النصف منهم تقريباً. وحتى هؤلاء المقيمين في تركيا كانوا في الداخل، وخرجوا على فترات متقاربة لأسباب مختلفة، وفيهم من يتردد على سوريا، لكن مع ذلك، فإن وجود مقر المجلس الرئيسي في تركيا، يبقى له الأثر الأكبر في الحد من فاعلية المجلس، في الفصل بالكثير من الخلافات بين الفصائل والقوى، ويزيد من ذلك، أن معظم هذه الخلافات، ليست نابعة بالأصل من اختلافات منهجية، وإن تم تصويرها بهذا الشكل.

وما بين الانتقادات التي توجه لـ”المجلس الإسلامي السوري” اليوم، وما بين الدفاع عنه، بدا لافتاً في الأيام الأخيرة الماضية اتفاق الكثيرين في المعارضة السورية، ومن مختلف التوجهات والتيارات، بما فيها تلك التي عرفت بعدم قبولها له، على ترشيح المجلس ليكون المرجعية الدينية للثورة السورية، باعتبار أن وجود هذه المرجعية أصبح ضرورة حتمية.

لكن إلى أي حد يمكن القول، إن هذه الفصائل، وجميع قوى المعارضة، خاصة العسكرية منها، بحاجة إلى “المجلس الإسلامي السوري” اليوم، ليكون مظلتها وغطاؤها، وإلى أي حد، بالمقابل، يمكن القول إن المجلس قادر على القيام بهذا الدور؟

سؤال يجيب عليه الشيخ محمد نجيب سالم بالقول إن المجلس قادر على القيام بهذه المهمة فعلاً، بما أنه يضم أربعين مؤسسة إسلامية سورية، بالإضافة إلى المستقلين، الذين بما أنهم توافقوا جميعها على أن يكونوا ضمن مؤسسة واحدة، تسعى لأن توحد الفتوى والموقف الشرعي، فإنه يجب ألا يبقى هناك أي عائق أمام هذه المؤسسة، لتكون بالفعل المؤسسة الإسلامية السورية، القادرة على تمثيل الثورة.

وعن مدى جاهزية الفصائل، بالمقابل، لتقبل مرجعية المجلس، يرى سالم أن هذا الأمر متفاوت، “فبينما تبدو فصائل الجيش الحر جاهزة تماماً لهذا الأمر، بل وهي بحاجة ماسة له، نتيجة المزايدات التي تواجهها، والتحامل الذي تتعرض له، انطلاقاً من منظور ديني يشوه خصومها به صورتها، فإنها بحاجة فعلاً لهذه المرجعية، التي تحميها وتقوي من موقفها وخياراتها”.

لكن المشكلة تبقى، حسب رأي سالم، ورأي الكثيرين معه، في عدم تقبل أبرز فصائل السلفية الجهادية لهذه المرجعية، على الرغم من وجود ممثلين عن هذا التيار فيه، الأمر الذي يتطلب مبادرة من قبل بقية الفصائل، تشجع المجلس على زيادة حضوره في الداخل وتفعيل مؤسساته من دون تحفظات.

ويبقى موقف الفصائل المترددة، التي لم تحسم موقفها بعد من المجلس، وفي مقدمتها حركة “أحرار الشام” و”جيش الاسلام” و”صقور الشام”، هو الموقف الحاسم الذي سيعطي الضوء الأخضر الحقيقي لـ”المجلس الإسلامي السوري” للقيام بهذا الدور، أما من دونها، فلن تكون فرصة المجلس كبيرة بحسب مراقبين.

وبحسب هؤلاء أيضاً، فإن هذه الفصائل، لا تبدو إلى اليوم أنها تبحث عن مظلة تجمعها، بقدر ما تبحث عن شريك يساهم معها في تحمل أعباء هذه المرحلة شديدة الحساسية، وهو موقف قد يساعد المجلس بالفعل، لكنه لا يمنحه شرعية حقيقية وكاملة، على اعتبار أنه سيكون موقفاً براغماتياً أكثر من كونه مبدئياً، إلا إذا قررت الفصائل المشار إليها وبشكل حاسم فعلاً، انجاح “المجلس الإسلامي السوري” في القيام بدور المرجعية.

يبدو الموقف بحاجة لخطوة شجاعة، تحسم التردد وتنهي الخجل الذي يطبع مواقف الجانبين معاً، الفصائل والمجلس، الذين لدى كل منهما رغبة جامحة، ومصلحة كبيرة، في أن يكون المجلس هو المرجعية الدينية الرسمية للثورة، لكن من الذي سيخطو هذه الخطوة أولاً؟

المدن

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...