الرئيسية / صفحات سورية / هل خسر العرب تركيا لصالح إيران؟/ مهند الكاطع

هل خسر العرب تركيا لصالح إيران؟/ مهند الكاطع

 

 

 

تشهد منطقة الشرق الأوسط عموماً، ودول المجال العربي على وجه الخصوص، تحديّات جديّة وغير مسبوقة بخطورتها، لا يماثلها ربما سوى ما شهدته المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى من تحديات انتهت بتقسم الإمبراطورية العثمانية، وبداية عهد الانتدابات والاحتلالات، وإنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين،  مروراً بعهد الدكتاتوريات العربية، ومن ثم إعادة احتلال العراق، وصولاً للربيع العربي الذي اجتازته تونس، قبل أن تتكالب عليه دول العالم لإعادة إنتاج الاستبداد في الدول التي ثارت شعوبها للتخلص من الاستبداد وحكم الفرد الواحد وبناء مستقبلها ودول يحكم فيها القانون بدل الركون للتبعية الغربية المستمرة منذ نحو قرن من الزمان.

عودة الاحتلال المباشر

لا شك بأنَّ  ثورات الشعوب العربية “الغير متوقعة”، سببت اختلالاً كبيراً في موازين القوى وحسابات الدول الكبرى، لدرجة أربكتها وأبقتها لأكثر من سنة عاجزةً عن اتخاذ خطوات وتحديد إجراءات عملية من المخاض الذي شهدته الدول العربية، ومع تهاوي الحكام العرب الواحد تلو الآخر، كان على الدول الغربية التدخل المباشر بعد شعورها بأن مصالحها المرتبطة بالحكومات المستبدة التابعة يمكن أن يتهدد بوصول نخب عربية شعبية إلى الحكم.

في ليبيا تدخلت عدة أطراف دولية وعلى رأسها إيطاليا تحت ذريعة محاربة الإرهاب، وباتت جميع أطراف المعارضة الليبية منقسمة لمجموعات متصارعة تتبع كل منها لدولة داعمة. في مصر تم دعم انقلاب عسكري أطاح بحكومة شرعية منتخبة ليعاد إنتاج نظام استبدادي مجدداً ساهم بالقضاء على أول تجربة ديمقراطية في مصر وزج بأعضاء السلطة المنتخبة في السجون مع أحكام جائرة بما فيها الإعدام،  تدخلت القوات الروسية بشكل مباشر في سورية بإرسال قوات بحرية وبرية وجوية، وبدأت ببناء قواعد لها، لإنقاذ نظام الأسد الذي كان على وشك الانهيار، أمريكا أيضاً ترأست حلفاً دولياً للتدخل في سورية والعراق مجدداً تحت ذريعة محاربة الإرهاب (داعش)، ثم بدأت ببناء القواعد في منطقة شرق الفرات بالتعاون مع الميليشيات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني والتي كانت قبل ذلك متحالفة مع نظام الأسد والقوات الروسية. الوجود الإيراني والميليشيات الطائفية التابعة لها بما فيها “حزب الله” لم تكن بعيدة عن المشهد السوري والاحتلال للمناطق المختلفة في سورية.

تركيا بالمقابل التي تعرضت لعدة هجمات شنها مقاتلو حزب العمال الكردستاني، وأمام وجود لقوات دولية على حدودها الجنوبية، ولمصالح جزء منها يتعلق بأمنها القومي وربما أيضاً غير بعيد عن تطلعات لها في المناطق الواقعة على حدودها، دخلت بقواتها إلى الشمال السوري في إطار عملية عرفت بدرع الفرات وسيطرت على الباب، ثم سيطرت على عفرين في إطار عملية عرفت بغصن الزيتون. الفرنسيون الذين كان لهم تجربة استعمارية طويلة في سورية، بدوا في عهد ماكرون متحمسين لخوض تجربة جديدة في الشرق الأوسط تضمن مصالحهم، فكانت أن عززت وجودها العسكري أيضاً في المناطق التي تسيطر عليها قوات العمال الكردستاني.

خروج العرب من المولد ” بدون حمص”

الدول العربية وبشكل خاص الدول الخليجية، و على الرغم من علاقتها المباشرة بالملف السوري وبالعديد من القوى العسكري التي كانت فاعلة على الأرض منذ بداية الثورة، فضلاً عن علاقتها المباشرة مع كتل وأطراف المعارضة السورية الأساسية ودعمها والمساهمة في تشكيلها، يبدو أنها خرجت من المولد السوري بلا حمص، فقد اقتصرت المشاركة العربية بشكل محدود في إطار الضربات التي وجهها التحالف الدولي لاستهداف داعش، ولم توفق الدول العربية لاتخاذ قرار بإرسال قوات عربية تفرض نفسها على الأرض في إطار الوجود الكثيف لجميع القوى الأجنبية الأخرى على الساحة السورية.

الولايات المتحدة الأمريكية التي قامت مؤخراً بالتلميح لضرورة إرسال قوات عربية تحل محل القوات الأمريكية، يبدو أنها لا تعني ما تقوله، وربما يندرج ذلك في إطار الابتزاز الذي تمارسه إدارة ترامب اتجاه دول العالم المختلفة في سبيل الحصول على أموال لتغطية نفقات القواعد العسكرية خارج الولايات المتحدة، بذريعة أنه لا مصلحة مباشرة للولايات المتحدة الأمريكية بهذا الوجود، والدول الحليفة التي لها مصلحة بالوجود الأمريكي عليها المساهمة مادياً في تغطية النفقات. وهذا على أي حال غير صحيح، فالولايات المتحدة هي صاحبة المصلحة الأساسية في إطالة أمد الحروب حول العالم، وأيضاً ببقاء قواتها منتشرة على أكبر رقعة جغرافية ممكنة.

العرب وخسارة تركيا

المتابع لتطورات الوضع في المنطقة، يستطيع أن يستجلي بأن هناك العديد من المصالح المشتركة التي بدأت تنشأ في العلاقة العربية التركية وبشكل خاص بعد وصول حزب العدالة والتنمية (الخلفية الإسلامية) للسلطة، و من أهمها:

  1. سعي الحكومة التركية لتعزيز دورها الإقليمي من خلال الانفتاح الكبير على الدول العربية.
  2. ظهور بوادر فتور في العلاقات مع إسرائيل و وصول العلاقات لأسوء مستوى منذ نشوء الدولة الإسرائيلية، الأمر الذي كان لا بد من استثماره بشكل كامل.
  3. الموقف التركي من النظام السوري وحلفائه ( بمن فيهم إيران) والذي كان يصب بصالح الدول العربية التي تسعى للحد من النفوذ الإيراني.
  4. التوتر الذي نشأ بين تركيا وروسيا والذي كان من المفترض أن يسهم في التقارب مع الدول العربية وبشكل خاص الخليجية، على اعتبار أن روسيا إحدى أبرز الداعمين لإيران والنظام السوري.

بالمقابل ظهرت عدة تطورات، ساهمت في توسيع الهوّة بين الدول العربية والأتراك يمكن تلخيصها بالتالي:

  1. الموقف التركي من مصر بعد الانقلاب العسكري، جعل العلاقات المصرية – التركية تتراجع إلى أدنى مستوياتها.
  2. موقف تركيا من الأزمة الخليجية، ودعمها لقطر وإرسالها لقوات عسكرية، ساهم في توحيد جهود الدول المقاطعة لقطر ( مصر، السعودية، البحرين، الإمارات) اتجاه السياسة التركية.
  3. زادت الحساسية والمخاوف اتجاه الأتراك بعد إعلان السودان عن منحها جزيرة في البحر الأحمر لتركيا تحت عنوان “استثمارها وتطويرها” . الأمر الذي أثار حفيظة كل من مصر والسعودية.
  4. مسألة التدخل والضغط الغربي على الدول العربية لتحديد شكل علاقتها مع تركيا هو أمر أيضاً وارد في ظل الأوضاع المتردية التي تعاني منها الدول العربية في الفترة الراهنة.

كل هذا إضافة إلى الضغوط الغربية ضدّ تركيا، وبشكل خاص بعد فشل الانقلاب العسكري فيها، ساهم في اتجاه تركيا لاستعادة علاقتها مع روسيا وإيران ، والبحث عن أرضية مشتركة لهذا التحالف مع تزايد التهديدات الأمريكية في المنطقة، وبالتالي كان الانتقال التركي من الجبهة الغربية إلى الجبهة الشرقية هذه المرة متجاوزاً للدول العربية تماماً، ويتجه للتحالف مع قوى تتعارض مصالحها مع مصلحة الدول العربية.

من هنا يمكننا أن نقول بأن العرب خسروا إحدى أهم القوى الإقليمية في المنطقة، دولة بحجم تركيا هي لاعب لا يمكن الاستهانة بإمكانياته، صحيح أن تركيا ليست بحجم أمريكا من حيث القوة والإمكانيات، لكن أهمية  تركيا تبرز من خلال وجودها على الأرض كدولة إقليمية كبرى لا يمكن تجاوزها، وتستطيع من خلال هذه الميزة الجيوسياسية لعب أدوار لا يمكن حتى للولايات المتحدة الأمريكية لعبها، وكان من الممكن للدول العربية الحفاظ على العلاقة مع تركيا وأيضاً مع الغرب في إطار متوازن، وبشكل يضمن تحييد تركيا عن أي تحالف أو توافق مع الإيرانيين، الأمر الذي كان سيصب بمصلحة العرب بكل المقاييس.

تلفزيون سوريا

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...