الرئيسية / صفحات سورية / هل ستكون سورية المستقبل متطرفة؟/ علي عيسو

هل ستكون سورية المستقبل متطرفة؟/ علي عيسو

 

 

كثيرون من السوريين يراقبون بخوف وصمت، مع خيبة أمل، الأوضاع التي آلت إليها الحال السورية، من تفشي وباءي التشدد والتطرف في الأوساط السياسية والاجتماعية وحتى العسكرية لتشكيلات المعارضة السورية، فأسماء الكتائب ذات الطابع الديني مروراً بتصريحات بعض السياسيين ذات النفس الطائفي وليس انتهاء بأعمال «داعش» و»النصرة» ومثيلاتهما من الكتائب المتطرفة التي باتت تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي المحررة، تجعل السوريين في حيرة من أمرهم حول مستقبل بلادهم، في ظل تنامي الفكر المتطرف، ما يهدد بواقع مأسوي ستواجهه سورية بعد سقوط نظام الأسد.

إلا أنه لكل داء دواء، والفكر المتطرف لن يُعالج الا بالفكر المعتدل في أجواء هادئة خالية من الدماء والأشلاء، فمن دون توافر هذه الأجواء ستكون المحــــاولـــة كـــالرسم على المياه، فالتربة الخصبة السلتية تفــــوق فــي انتاجها النباتي عن التربة الرمليـــة التــي يصعب فيها الزراعة، والتربة هنا تعني البيئة التــــي يجب توافرها لدى السعي إلى علاج التطرف الذي يطرق أبواب العديد من السوريين.

السوري الذي يعاني اليوم من مرض التشدد في بعض الحالات والتطرف في حالات أخرى، لا يمكن علاج مرضه بالتزامن مع قتل أفراد عائلته بصواريخ الطائرات ومدافع الدبابات، كما لا تمكن معاينته تحت ركام منزله وهو يلفط أنفاسه الأخيرة، أو اعطاؤه أية وصفات طبية ومعدته فارغة نتيجة الحصار الخانق المفروض على مدينته، وبالتالي لا يمكن علاجه، ولو حتى نفسياً، بعد حالات الاغتصاب التي شهدها بأم عينه لإحدى فتيات أسرته أو أقربائه.

كل ما سبق ذكره عن حال السوري «المتشدد» أو «المتطرف»، في شكله المختصر، يلخص ما تعرض له طيلــــة الأعوام الستة الأخيرة، فإن لم يكن شاهداً علـــى مقتل أفــــراد عائلته تحت القصف، سيكون له معتقـــل داخل سجون النظام أو جريح أصبح يعاني مــن اعاقة جســــدية دائمة، وفي أفضل الحالات ما لم يكــــن بيــــن هذا وذاك سيكون بكل تأكيد لاجئاً في دول الجوار، داخل المخيمات وخارجها، أو نازحاً إلــى مناطق النظام الآمنة، وفي كلتا الحالتين يعاني من مرارة حر الصيف وقساوة الشتاء البارد، ليفقد بهذه الأحداث كل ما كان يملكه من صواب وحكمة.

هنا سيرى هذا السوري في التطرف والتشدد نوراً قد يوصله إلى بر الانتقام وردّ الظلم الذي يمارسه بحقه نظام أشد تطرفاً وتشدداً منه ومن «داعش» و«النصرة»، لكن بشرعية منحها له الصمت الدولي والإقليمي. فيرى السوري المتشدد نفسه بين جحيم ارادة دولية تريد للجلاد البقاء في السلطة والانغماس في الدماء من جهة، وبين نيران التطرف والتشدد التي تلتهم أفكاره وتحقق له رغباته في الدفاع عن نفسه من جهة أخرى، ما يدفعه القدر المشؤوم إلى اختيار الثاني إلى حين الخلاص من الجلاد ليثور لاحقاً ضد التطرف. والمثال رأيناه في العديد من المدن المحررة عبر تظاهرات خرجت ضد الكتائب المتشددة المحسوبة على المعارضة السورية.

الخلاصة هي ان المجتمع السوري لم ينتج يوماً متطرفين ومتشددين بقدر ما أنتجه النظام من شبيحة ومناصرين يدافعون عن فكره بمختلف الوسائل.

ان أي محاولة سريعة لإنهاء جذور الاستبداد تعني القضاء على نمو التطرف وبالتالي الشروع في تشخيص المرض وعلاجه وصولاً إلى استئصاله والعودة بسورية إلى أيام الثورة الأولى وما حملته من فكر ووعي ورؤية وطنية تنمو وتكتمل بالتزامن مع الجهد التي يجب على المؤسسات التعليمية الحرة أن تبذله بعد سقوط الأسد، من نشر للوعي وإعادة طرح المفاهيم الوطنية والإنسانية والحقوقية للارتقاء بالمجتمع من جديد. وأيضاً سيكون لمنظمات المجتمع المدني الدور الكبير في نشر ثقافة حقوق الإنسان والمواطنة والحريات ليعود المجتمع السوري كما كان عليه ثائراً بوجه المستبدين والطغاة والمتطرفين، فنبدأ من جديد ثورة في وجه التنظيمات المتطرفة حيث لن يطول الأمر أكثر من المدة التي استمرت مع الأسد حتى يتم القضاء عليها وطردها الى خارج سورية.

الحياة

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

5 + 1 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...