الرئيسية / صفحات سورية / هل صار الأسد مثل النبي شعيب؟…

هل صار الأسد مثل النبي شعيب؟…

 


فاضل الخطيب

“أخوث يحكي، وعاقل يفهم!”، حكمة ترمز إلى أهمية تفعيل العقل، وعندما يكون العقل هو الإله نفسه، يصبح تفعيله هو العبادة نفسها. وإذا كان المتكلمون “ممثلي العقل” يصبح الفهم سهلاً، أو هكذا يُفترَض.

تصلني رسائل عديدة يحمل بعضها انتقادات ونصائح، وأكثر تلك يحوي تخوفات من البدائل لسقوط النظام.

قناعتي أن النظام قد سقط نهائياً وبقي فقط تاريخ الإعلان الرسمي عن ذلك، وعدد الضحايا. وهو غير قابل للإصلاح، ولا يمكن لأي قوة أن تحميه وتبقيه في السلطة، ورغم محاولات إسرائيل الضغط على حلفائها بهدف العمل على إنقاذ النظام، لكنها لن تفلح، والزمن القادم هو الحكم..

ويقدم البعض “حججاً” محاولاً إثبات مبررات وقوفه خلف النظام، وعدم التحاق جبل حوران بالانتفاضة، وجوهرها هو أن السلفيين سيركبون ابن تيمية ويركّبون الأقليات “المرتدة، الزنادقة…إلخ.” على خوازيق!. وأن الاتهامات التي نطرحها ضد عائلة الأسد لا تستند إلى وثائق.

كان قديماً إذا خسر قائداً عسكرياً المعركة ينتحر وهي علامة الشجاعة وعزة النفس، وفي الدول التي تحترم مواطنيها، عندما يفشل مسئولاً في عمله –بشكل مباشر أو أحد معاونيه- يُقدم استقالته أو تتم إقالته، وهذا موقف سياسي وأخلاقي لا علاقة له بالمحاسبة القانونية، وحتى الصبي الأزعر يقوم أهله بمعاقبته على فعلة شنيعة وليس مكافأته! بينما الأسد كان وزيراً للدفاع عند الجولان، ومعروف بيان وزير الدفاع الداعي لانسحاب الجيش قبل وصول أي جندي إسرائيلي بأكثر من 36ساعة، وبدل انتحاره أو استقالته قام باغتصاب السلطة، وكانت مساحة سورية أكبر مما هي الآن بأكثر من الرُبع. حدود إسرائيل منذ 4 عقود آمنة من أكثر نظام ممانع –ممانع ماذا؟ وهل هذه تحتاج وثائق أم التوريث وتفصيلة الدستور؟ وقد حاول أحد الأخوة الاستشهاد بعمليات توريث حصلت في العالم مثل الرئيس الأمريكي بوش! وقد لا يعرف البعض أنه في أمريكا بسبب التنصت على تليفونات الخصم السياسي سقط رئيس الدولة وخرج من البيت الأبيض. ومتى كان بوش أسوة حسنة ومثلاً يُقتدى به لقائد الأمة العربية؟.

ترسيخ الرشوة واعتبارها مقبولة في المجتمع وتشويه القيم الأخلاقية وقدسية العمل. أسماء الشوارع والساحات في السويداء والتي تحمل أسماء عائلة الأسد تزيد عشرات الأضعاف عن مثيلها لأبناء الجبل ومناضليه! عشرات الأسئلة الكبيرة التي لا يمكن الإجابة عليها بدون إشارات استفهام لما فعلته تلك العائلة بالوطن. وقد تحالف النظام مع الإرهابيين الانتحاريين في العراق وقدم لهم التدريب والدعم، والسلفيون عاشوا ويعيشون عصرهم الذهبي بعد قصف حماه، وشعارات الانتفاضة ليست بسبب مضايقات دينية ولا علاقة لها إلا بالحرية، انظر مئات مدارس تحفيظ القرآن والتي أسسها حافظ الأسد وتحمل اسمه، أم القبيسات، أو دفاع تنظيمات الأخوان المسلمين في المنطقة عنه. فزاعة الدين هي كذبة رخيصة تشبه شعارات الرد المناسب في الزمن المناسب، نسمعها منذ عقود، قبل وبعد كل قصفٍ لأرضنا أو اختراق لأجوائنا من قبل الطيران الإسرائيلي..

كنت أتمنى لو كان عند البعض بُعد نظر أطول في موقفهم من النظام، لقد فرّطوا بفرصة بقائهم المرجع الأخلاقي الاجتماعي الذي يمكن الركون إليه عند الأزمات بدل أن يحرقوا كل الأوراق على أعتاب القصر..

ازدهر لبنان في عصر فخر الدين المعني الثاني، وفرضت إمارته وجوداً على العالم وعلى العثمانيين، وحتى أن الباب العالي أعطاهم استقلالية تامة في لبنان وبعضاً من أراضي حلب وحتى صفد وعكا في فلسطين رغم أنهم كانوا أقلية مذهبية، ولم يكن ذلك العصر أكثر تسامحاً وحضارة في تعامله مع المذاهب والأقليات. وإذا أخذنا مثلاً قريباً وهو الثورة السورية الكبرى، حيث اعترفت وبايعت كل قادة الثورات سلطان الأطرش قائداً عاماً للثورة، رغم أن أهل الجبل كانوا ومازالوا قرابة 3 أو 4 % من السكان، حصل ذلك لأن الواقع فرض نفسه وهو النضال والقيم وليس الإقصاء واغتصاب الشرعية، ومازال سلطان الأطرش والجبل محط احترام من قبل الغالبية من أبناء وطننا. وقد يوجد في سوريا والعالم من له رأي آخر –وربما عدائياً عن الدروز ومذهبهم، وكان هذا قديماً، وأنا على قناعة أنه سيكون في المستقبل أيضاً، لأن الحياة دائماً تفرز متطرفين من كل الفئات! تاريخ سوريا ومنذ قرون لم يتحدث عن حروب مذهبية.

إذا فرضنا تخوفهم عن البديل الإقصائي مشروعاً –وأنا لا أرى ذلك- إلى متى يمكن لعائلة الأسد الاستمرار في الحكم؟ أربعين سنة أخرى؟! أنا لا أعتقد أن الأسد يستطيع إتمام هذه السنة في السلطة، وفي آخر الأمر سينتهي إما هروباً أو قتلاً، وكما يقال لو دامت لغيرك ما صارت إلك. وعندها من يستطيع الجواب على سؤال ما العمل؟ وأي خطاب سيمثله “وجهاء” الجبل؟ وهل نهرب نحن وجبلنا مع عائلة الأسد؟ رغم أننا لم نتحدث عن القمع والإذلال والتفريط بالوطن والفساد والاغتيالات وغيرها وغيرها والتي كل واحدة منها كافية كي نعمل من أجل التغيير.

العمل أعتقد أنه لا حلّ أمامنا إلاّ التعايش مع باقي مكونات المجتمع السوري، لا طريق آخر نهائياً، ومن يراهن على غير ذلك أو على أي نظامٍ كان إنما يُهدد مستقبل أطفاله. لا يستطيع الأسد حماية أحد، بل هو يستخدم الأقليات لتنفيذ سياساته وتدعيم سلطته وسطوته، الأقليات الدينية هي مطية أو حصان طروادة يستخدمها الأسد لمآربه العائلية.

علينا الاهتمام بالعلم وبالوحدة الوطنية، علينا المبادرة للتعايش السلمي مع مكونات شعبنا، علينا الإسراع بإصدار بيانات العزاء لأهالي الشهداء والتضامن مع المعتقلين وهذا أقلّ ما يجب وواجب القيام به.

كان الجبل مرجعية الوطنية في سوريا يوم كان مركز الوطنية، وحصل على تلك المرجعية من خلال الخطاب العقلاني والفعل الوطني للجبل بقيادة الباشا.

عندما يصبح رجل مخابرات “قرداحي” يُمشّي الناس بما فيهم بعض رجال الدين كما يفعل المعلم مع أطفال الطلائع، عندها يصبح الجبل مضرب مثل بالإذلال، وأسطورة العلف ستكون درساً جبلياً ولأجيال عديدة! عندما قاموا بتشويه تراث الجبل صارت الصغار تتحكم بمستقبل ومصير الجبل، صار علف الحيوانات قضية استراتيجية ومصيرية!.

عائلة الأسد هي التي أوصلتنا إلى هذا التخوف الذي يشعر فيه البعض. وهي التي خلقت التفرقة الطائفية، أو غذّتها. بعد استئثارهم بالسلطة قرابة نصف قرن ومازلنا نتحدث ويتخوّف البعض من الطائفية. هم الذين قتلوا جنبلاط وكلنا يعرف ذلك، وقتلوا حاطوم ونعرف ذلك، وهم الذين بعثوا رجال حسن نصر الله واختطفوا شبلي العيسمي ابن 87 سنة لإرسال إشارات “تهديدية” لجنبلاط في لبنان ولمن يُفكّر التمرد من الجبل. هم الذين فرطوا بالجولان وكلنا يعرف ذلك، هم الذين هتكوا –بحرفية الكلمة- في الجبل وكلنا يعرف ذلك، هم الذين سرقوا الآثار وتركوا الجبل بدون تطوير ومعامل ومؤسسات، حتى نجد أن الغالبية الساحقة من شباب الجبل في المهجر، هم الذين يريدوننا أن نتخندق مع الأكثرية السنيّة…إلخ. أي سبب مما ذكرت يكفي للجبل حتى ينتفض قبل غيره ضد عائلة الأسد!.

إذا نظرنا إلى الجرائم التي ترتكبها عصابات ماهر الأسد بحق المتظاهرين وبحق الأطفال يصبح ساقطاً أخلاقياً ودينياً أي دعم لهذا النظام. “لا يمكن الغفران لمن يؤذي طفلاً”!.

هل السكوت عن جرائم النظام هو التزام بأخلاق وقيم الجبل؟ إلى هذه الدرجة تمّ تشويه تراثنا ورجولتنا وتاريخنا؟. عشرات الأمثلة التي تدعونا لإتباع طريق آخر عن طريق القصر، ولا طريق إلا الالتحاق بأسرع ما يمكن بالشعب، بالانتفاضة.

أؤكد ثانية أن قدرنا هو العيش والتعايش المشترك مع مكونات شعبنا والعمل معهم من أجل إقامة البديل الديمقراطي الذي يتسع للجميع ويتم فيه تبادل السلطة سلمياً. والذي يستند على الشعار الذي خاض تحته أهلنا النضال وهو “الدين لله والوطن للجميع”، وشعارات الانتفاضة تعكس هذه الروح..

واعتقد أحدث سخرية تدخل في باب “الولدنة” هو “الحِرِم” الذي أصدره رجال دين في الجولان ضد الأصدقاء وهيب أيوب وسليمان عماشة بسبب مشاركتهما في لقاء نظمه معارضون سوريون للنظام في انطاليا بتركيا.

لو نسي العالم كلّه، على سكان الجولان عدم نسيان اسم الأسد. لو غفر العالم كلّه للجرائم والفساد والتفريط بالوطن، على أهل الجولان عدم الغفران لعائلة الأسد. موقف المدافعين عن نظام عائلة الأسد في الجولان أو جبل سلطان هو ردّ للجميل عن سقوط الجولان واغتيال حاطوم وجنبلاط وهتك مخابرات النظام في الجبل وسرقة آثاره؟ ردّ جميل أن عائلة الأسد حوّلت ثقافة الجبل وتراثه إلى ثقافة قطيع؟. أصدر رجال الدين حرماً ضد الباشا إبان ثورته ضد الاستعمار الفرنسي قبل 90 عاماً! هل تعيدون التاريخ بطريقة ساخرة؟ إله العقل يطلب منا أن نقوم بتفعيل العقل! والعقل أن نعترف بأن الأسد الصامد الممانع جعلكم “أهلنا الصامدون”، والجبهة محمية للطيور فقط..

أحيي العقلاء والشرفاء وفي مقدمتهم الذين لا يهابون الإعراب عن القول أن سوريا لا تختزلها عائلة الأسد، وأن مكاننا مع شعبنا المنتفض.

وأسأل نفسي ساخراً: هل صار الأسد مثل النبي شعيب؟

فاضل الخطيب، 1 / 6 / 2011.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...