الرئيسية / صفحات سورية / هل نحتاج لثورة على ((الثورة))؟

هل نحتاج لثورة على ((الثورة))؟


    أكرم شلغين

    نتجنى على الكثير لو خصصنا بالقول أن الانتفاضة في سورية صنعتها بالمطلق هذه الجهة او تلك، فالمظالم التي أوقعها التشكيل الحاكم في سورية طالت عموم الشعب السوري ولم ينج أحداً من بطش وقمع من حكم سورية ومنذ عقود بالحديد والنار، فالحراك ومطلب التغيير كان عاماً ويهم جميع أفراد الشعب السوري حيث هناك تاريخ من الآلام والمعاناة جمعتنا في بلد وضعه حكّامه خارج التاريخ. إرادة التغيير جمعتنا وحب الحرية كان أنشودتنا وعلى هذه الإرادة وهذا الحب دفعنا الكثير، منا من مات تحت التعذيب ومنا من سجن لعقود ومنا من تشرد وعاش آلام المنافي المضاعفة كنا. لقد نعمل وفقاّ لما هو بمقدورنا ونستعد لليوم الذي نستطيع به أن نترجم أقوالنا أفعالاً، ومن أجل هذا وغيره خسرنا الكثير وحوربنا حتى بلقمة العيش…ولكن حبنا للحرية كان أكبر وأقوى من أن تنكسر عزيمتنا حين تلم بها الشدائد…

    حين بدأ الحراك، هللنا فرحاً بأن اللحظة قد أتت ولم نكن بعيدين بل كنا من أول من شرع بالمشاركة وفقاً لما نستطيعه…ولكن، ومنذ الأسابيع الأولى للانتفاضة في سورية ظهرت بوادر تخفي وراءها أجندات تارة محلية ضيقة وطوراً إقليمية وعالمية خبيثة. وأصبح البعض عشيق تسليم أمره لهذه القوة الإقليمية أو الدولية أو تلك فكانت المؤتمرات واللقاءات السرية والعلانية تنادي بما لم يكن مطلبنا كسوريين: هناك من جعل سوريا مجتمع عشائر وأقليات وأثنيات وأديان ومذاهب….أي بعبارة وجيزة كان ما يجري يشير إلى أن هناك طبخات مشبوهة حين تفرض على السوريين ما لم يفكروا به من قبل. لا ننكر أن مجتمعنا السوري به هويات وانتماءات ضيقة، عشائرية كانت أم دينية، مذهبية،أم إثنية ..إلخ، ولكن الهوية الأولى الأوسع والأعمق لنا جميعاً هي الهوية السورية، من هنا جاء استهجان الديمقراطيين والعلمانيين (الذين لم يتبدلوا) لهذا الإصرار على إكسابنا انتماءات لم نفكر بها من قبل، هذا إن لم ننس محاولة جرنا بالقوة لنكون ضد هذا البلد و ذاك وليكون أعداء السعودية أعداءنا و لنكون جنود تنفيذ أجندة قطر و…و….

    إلى جانب ذلك، كان هناك تجاهل لحقيقة أن المطلب الأول والأخير لنا هو ـ ما صرخت به درعا أولاً ـ الحرية والتوزيع العادل للثروة (وإن كان الصوت قد صدح بصياغة أخرى حين هتف الناس ضد ماهر الأسد ـ رمز القمع الدموي والاستبداد ـ ورامي مخلوف ـ رمز سرقة المال العام)….لكن، ومنذ الأسابيع الأولى، وكما قلنا، ظهرت نشاذات في الحراك منها ما يتعلق بسلمية الحراك ـ إذ أن هناك من يريد تسليح الانتفاضة ـ ومنها ما يتعلق بتوجه الانتفاضة ـ وهناك من يريد أسلمتها، ومن الأخير ظهرت إلى العلن أصواتاً طائفية، مذهبية، وعنصرية… وفي نهاية الأمر، كلا التوجهين لايخدم أهدافنا كشعب يطمح إلى الحرية والعيش بشكل يليق بنا، بل يفيد بالمطلق النظام الذي نريد الخلاص منه بينما هو لايتوانى عن اتباع أي وسيلة ممكنة للبقاء في السلطة إلى ما لانهاية، وهكذا، بكلام آخر، لقد فرض على الحراك في سورية ما هو ضد مصالح السوريين عموماً وكان جنود هذا التنفيذ فئة من المعارضة رهنت نفسها بمقابل ـ وبدون مقابل أحيانا ـ لتحيد مسار الانتفاضة عن هدفها في الحرية والتغيير الاجتماعي الاقتصادي. وبدأت الرشاوي (المالية على وجه الخصوص) تغير من نهج الكثير من المثقفين فمن استهل تدخله، على سبيل المثال لا الحصر، وقال مرة على تليفزيون فرانس 24 نصيحتي للعسكري المنشق أن يترك سلاحه في قطعته العسكرية ويخلع الزي العسكري وينضم للمتظاهرين السلميين انتهى به الأمر لاحقاً لتمويل كتيبة عسكرية بمسميات دلالاتية بحتة (بالطبع التمويل ليس من جيبه بل هو جزء من الملايين التي انصبت عليه) وقبلها تكالب في طلب السلاح من العالم، ومن كانت افتتاحيته تتغنى بالحرية انتهى يتغنى بنموذج الحكم الإسلامي في تركيا. وما بين هذا الخبر وذاك بدأت تتشكل الكتائب العسكرية بتسميات دينية وبتوجه واضح المعالم. وعندما كنا نقول ليس هذا ما ننشده في البلد كان يطل علينا فلان من المعارضة ليبرر ويقول إن “هذا الفيديو مفبرك” ليتضح بعد فترة قصيرة أن الفبركة الوحيدة، كان تلك متعمدة أم لا!، هي محاولة تبريره وتغطيته على ما يجري من سرقة لما أردناها ثورة حرية وكرامة ضد طغاة السياسة ولصوص المال العام. وبعد العشرات من هذه التسجيلات “المفبركة” ساد الصمت حيالها ولم نعد نناقش فبركتها أو صحتها ودقتها أو نتظر تفنيد ذلك بل باتت تمر أمامنا بدون أي تعليق وأصبح موقفنا منها موقف المتفرج اللامبالي أو ـ في الحقيقة ـ الخائف إن تكلم عنها وعن خيانتها لأهداف الشعب السوري أن يظهر لنا المتثور متأخراً في سهرة الليلة الماضية ليتهمنا أو ليتهددنا بــ”الجيش الحر” إن تكلمنا ما بنفسنا وعبرنا عن رأينا. أدركنا مبكراً أن من يحرك هؤلاء هي قوى معادية لتطلعات الشعب السوري تحاول خنق الصوت الديمقراطي وتحارب من يعبر عن رأيه ويقول كلمة الحق فيما يخص سوريا. عندما قال أدونيس إنه يؤيد خروج المظاهرات من الجامعات لا من الجامع شنوا حملة شعواء ضده وكيلت له من الكثير من الاتهامات بل واستخدموا مهرجاً إعلامياً ليسميه “شويعر”، شعّور” أو “شوعور” محاولة للتجريح به ـ علماً أن أدونيس كان أول من طالب بشار الأسد بالاستقالة في مقال قرأناه مبكراً.. ولم يكن حظ أحد السجناء السياسيين السابقين الذي سجن لمدة تقارب العقدين بالأفضل حين تحدث عن رؤيته لمسلحين في سوريا فثارت ثائرتهم وقالوا إنه يتعاون مع الشبيحة. وعندما صمتنا جاء من بين هؤلاء من يشكك بنوايانا ويشكك بأهدافنا (علماً أنه هو موقع الشك في الأساس ولسنا نحن).

    كنا نحاول حيناً أن نروض فهمنا لنغالط في القول بأن هدف الخلاص من نظام الأسد قد يبرر التغاضي عن قول الحق والتعامي عن رؤية الحقيقة والتغابي في قراءة الواقع ولكن التاريخ يعلمنا أن الصمت حيال كذب هو الكذب بعينه والصمت عن الجريمة هي مشاركة في الجريمة أيضاً؛ يعلمنا يضاً أن الصمت عن خطأ الآخرين لأي سبب كان سيكون له ضريبة باهظة الثمن في المستقبل، قلناها على الدوام عندما يتعاون العلماني مع الديني هناك خلل، بل مرض مستعص، تشخيصه يبين كيف على العلماني أن يشعر بضرورة مراعاة مشاعر الديني بينما العكس غير وارد وغير مقبول، وهذا يعني هيمنة طرف على آخر تحت ذريعة ما وهذه الهيمنة ستتحول لاحقاً لديكتاتورية، فتجربة اليساريين الإيرانيين مع الإسلاميين الإيرانيين تبين ذلك، وتجربة حزب الله مع اليساريين في المقاومة في جوب لبنان تبين كيف انتهى أسير الحزب الشيوعي اللبناني يخرج من السجون الإسرائيلية ليقدم التحية لحزب الله. خلاصة القول أن شراكة الديمقراطي مع الديني تحمل خسارة للأول في مرحلة ما ثم لا تلبث أن تنتهي هذه الشراكة إلى هيمنة وتفرد طرف وحيد هو الديني يرافقه تلاش شبه تام للطرف الديمقراطي، كما تعلمنا تجارب التاريخ.

    لقد انحرفت انتفاضة السوريين كلياً عن أهدافها ومسيرتها ويتم ذلك أمام أعيننا ونخاف أن نقول كلة الحق لأن هناك من سيخوننا، لقد تبدل كل شيء فبعد أن قال السوريون كلمتهم لا للتسليح صار السلاح يوزع أكثر من الرز في سوريا، وبعد أن قال السوريون بداية لا للتدخل الخارجي أصبح التدخل الخارجي مطلباً جماهيراياً بفضل إعلام “المجلس الوطني” وبعد أن كان التمويل الخارجي من المحرمات اصبحت هناك حسابات بالملايين للبعض من السوريين مصادرها (….)، وبعد ن كنا نحرص على ما يريده الشعب السوري بات “المجلس الوطني” ـ ولن يتغير نهجه بتسميته الجديدة “الإئتلاف” ـ سؤاله الأول ماذا يرضي أمريكا وماذا يرضي تركيا وقطر والسعودية وباتت أحاديثهم لاتخلو من جمل إخبارية من شاكلة قال لي مسؤول تركي أن ذلك هو المطلوب أو لا نستطيع إغضاب قطر أو تركيا…(ويبدو أنهم لا يدركون أنهم ليسوا إلا بيادق شطرنج بأيدي جميع من يمولهم ويحجز لهم في الفنادق ويفتح لهم حسابات بل وحتى من يقتصر تمويله على شراء ألبسة لهم…). للاسف أصبح كل شيء يمر عاديا بما فيه تدمير البلد …( لن نتوقف عن استخدام علم الانتداب الفرنسي بدون معرفة من اقترح استخدام هذا العلم بالاساس).

    نعود لمسألة تبرير الخطأ لدى المعارضة المسلحة بدافع الكره لنظام الأسد ونقول لقد وقفنا ضد نظام طاغ لا لنحل محله ونتقمص مواصفاته، لقد دفع شعبنا عشرات الآلاف من أرواح أبنائه من أجل الحرية لا لياتي أحد ويقول لنا سلفاً هذا ما أريد وبيدي السلاح وهذه ميدانكم فبذلك نكون قد عدنا إلى المربع الأول ولنهج البعث “بعثية ونزلت عالشارع مين …البدو يمانع!؟” إن ما يجري يتطلب منا عدم الصمت عن الخطأ وإلا ستكون مسيرتنا أكثر دموية وسيحتاج الشعب السوري إلى “ثورة على الثورة” كما يجري في مصر الآن. لاشك أن ما يظهر الآن من بيانات تريد جعل سوريا وهابية وسلفية (تشكيل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و بيان بتحريم قيادة المرأة للسيارة) لايعبر إلا عن رأي شريحة من الشعب السوري ـ كما يقول البعض ـ ولكن هذه الشريحة تحمل السلاح ومن يحاور بالسلاح هو من يفرض ما يريد. لنستعرض كيف بدأنا وأين انتهينا فنرى أننا بدأنا بالحراك من أجل الحرية وبتنا نخاف ممن سرق الثورة وهو معاد للحرية؛ بدأنا مسلحين بالكلمة فجاء من يستلبنا حق الكلمة بالسلاح الذي يحمله؛ بدأنا بإرادة سورية صرفة بحب وإرادة التغيير لما فرضه علينا نظام الأسد الطاغي وحكمنا به طيلة عقود بالحديد والنار فأصبح بعض منا لعبة يتحكم به اللاعب الإقليمي والدولي ويفرض ما يشاء على مسيرة الحراك؛ بدأنا بهدف التغيير في سوريا والآن أصبح خوفنا بالمطلق هو من ضياع سوريا؛ بدأنا ننشد للحرية المسجونة من قبل نظام الأسد والآن أصبحنا في طريقنا إلى التغني بالحرية المخنوقة من قبل طالبان الإمارة والخلافة… في أحسن الأحوال نحن في طريقنا إلى الأفغنة أو الصوملة أو تقسيم البلد… الأمر ليس مسألة من يقول رأيه عبر قناة تليفزيونية مثل حزب التحرير عبر قناة الغد حيث يريد مجتمعاً إسلامياً يعيد تاريخ أبو عبيدة الجراح ويعطي الصلوات للسوريين وحسب بل إنه أيضاً نهج يسير به هذا الطرف أو ذاك بمساعدة وبتآمر من هنا وهناك وتقال بالفم العريض إنها ثورة إسلامية.

    قبل بضعة أشهر قال لي صديق أخشى أننا سنصل بعد فترة إلى مرحلة قد نكون بها إما مع بشار الأسد أو مع القاعدة! الآن أرى مخاوفه أكثر من قبل. وفي الكلام نخسر لأن كلامنا قد يصب في خدمة واحد من الطرفين المسلحين الفاعلين والمعادين للحرية وللحياة نفسها، وفي الصمت نخسر حين نترك الساحة لغيرنا..! ويبقى الأصعب هو محاولتنا الإجابة الإجابة عن سؤال ما العمل؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...