الرئيسية / صفحات سورية / هل نشهد تخلياً عن الأسد؟/ غازي دحمان

هل نشهد تخلياً عن الأسد؟/ غازي دحمان

(الصفقة ظروفها وممكناتها)

هل أينعت المساومات ونضجت، وما هو مسارها ومصيرها، وما مدى تأثيرها على السوريين، بمعنى هل ستكون في مصلحتهم أم أنها ستنبني بطريقة وصيغة تؤدي إلى الإضرار بهم وبقضيتهم؟، هل تسمح ظروف الشعب السوري وموازين القوى على الأرض بإنتاج صيغة سياسية وقانونية تنهي مأساتهم وتعيد لهم حقوقهم وتنصفهم من القوى والأطراف التي اشتركت بصناعة عذاباتهم، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تسوية أوضاع معينة في الأزمة واختراع حلول تلفيقيه تلبي حاجة البيئة الدولية لمثل هذا النمط من الاتفاقيات ولا تهتم بالمصير السوري وحيثياته واستحقاقاته؟.

المناخان، الدولي والإقليمي، يشيران إلى اكتمال عدة الصفقة الدولية وجهوزيتها، ثمة إجراءات وترتيبات كشفت بعض أسرار الصفقة، صفقات الكيماوي والنووي ليست سوى خواتيم لمقدمات جرى صنعها في اوقات سابقة، وبموازاتها كانت نيران الحدث تلتهم سوريا وتفيض بين الحين والاخر على الجوار.

ومن دون شك، فإن حالة الإستاتيكو الميداني وطاقة العنف الهائلة التي أظهرها الصراع، أقنعت أطراف اللعبة الدولية بتغيير قواعد الاشتباك على الأرض السورية، بعد ان تبين استحالة الحسم أو إمكانية تعويم طرف بمواجهة الاخر، وهو الامر الذي استدعى حتماً البحث عن مخارج جديدة للأزمة، في ظل حالة استنزاف القوة التي عاشتها بعض الاطراف نتيجة انخراطها المباشر في الازمة. إضافة لذلك أخذت بعض الأطراف تتحسس مدى الخطورة الكامنة في استمرار العبث بالأزمة السورية او استمرار التعامل معها بوصفها فرصة لتعظيم المكاسب والمزايا، كل طرف حسب رؤيته وتصوراته.

ومما لا شك أيضاً ان لكل الأطراف المنخرطة بالأزمة حساباتها الخاصة، ولا يعني التحليل السابق ان الاطراف كلها انهزمت او خسرت رهاناتها كلياً على أرض المعركة، بل العكس هو الصحيح، إذ تؤكد الخبرة التاريخية ان اللحظات التي تسبق إعلان الاتفاقيات هي اللحظات الأكثر شراسة في سياق الصراع وذلك في محاولة اخيرة لتثبيت مكاسبها وتدعيم اوراقها التساومية في حلبة التفاوض، وهو على العموم ما ينعكس في هذه المرحلة على أرض الميدان التي تشهد تصعيداً حاداً في العمليات القتالية ومعارك الكر والفر، وخاصة في جبهة النظام وحلفاءه الذين يتعاطون مع الحدث بإدراك سياسي أعلى وواقعية سياسية واضحة، مقابل جبهة الثوار التي يحركها إحساسها بصوابيه موقفها وحتمية انتصارها لما يمثله ذلك من انتصار إرادة الشعب الذي تمثله.

غير أن الأطراف الإقليمية والدولية السائرة في طريق بناء بيئة جديدة للصراع السورية تتضمن إعادة تموضعها في الحدث وطريقة مقاربتها له، تنطلق في ذلك بناءً على تقديراتها للمخاطر والفرص التي قد ينطوي عليها استمرار الصراع بنمطيته الحالية أو تحريك بعض عناصره بحيث يمكن توظيفها والاستفادة منها في عملية التفاوض، وكذا من حسابات أخرى تنطوي على مدى إدراكها لعنصر الزمن وما إذا كانت اللحظة مناسبة لإنجاز الصفقة والخروج بنتائج معقولة، إذ أنه في السياسة لا يوجد خيارات جيدة دائماً بقدر ما يتوفر خيارات أقل سوءاً من غيرها.

ولدى استعراض أوضاع مختلف الأطراف المعنية بالأزمة وظروفها، يتبين انها وبدون استثناء تصدر عن ضغوط أزموية معقدة، سواء نتيجة ظروفها الموضوعية، مثل إيران والعراق، أو جراء ما أضافته الأزمة السورية من تعقيدات في وضعها وموقفها، مثل روسيا وإيران، وبالتالي فهي لا تملك رفاهية الاختيار بين أكثر من متعدد، كما انها استنزفت كامل طاقتها في المناورة على طول الأزمة، وبالتالي فإن الإدراك السياسي لدى هذه الاطراف يتجه إلى البحث عن توافقات جديدة للخروج من الأزمة عبر بعض المكاسب التي يمكن جنيها من ملفات أخرى، على اعتبار أن سوريا لم تعد أرضاً للفرص، على العكس الجميع سوف يمارس عملية الهروب من أي محاولة لتلزيمه إصلاح ما تخرب في سوريا على مدار المرحلة السابقة.

لا بد أن روسيا تكون قد أدركت حقيقة أهداف السياسة الأميركية، وهي سياسة يمكن وصفها بالاحتواء لروسيا عبر إغراقها كلية في الملف السوري واستنزاف طاقتها السياسية وموقفها الأخلاقي، وهي سياسة عقلية الحرب الباردة، ذات أهداف بعيدة المدى، تعرضت لها روسيا وكانت استجابتها لها نزقة ومتوترة وذلك لأنها قللت أمامها مساحة الخيارات وحولت القضية من مسألة سياسية إلى قضية تتعلق بالكرامة القومية ودور روسيا، ِوقد كان لهذه المسألة اثر كبير على سياسات روسيا ومصالحها ونسق علاقاتها الدولية.

ولا شك أن احتمالات التقارب الأميركي- الإيراني، كان لها أثر على تحريك الموقف الروسي، إذ تبدو أميركا بصدد السيطرة على النفط والغاز الإيرانيين وإعادة صياغة علاقاتها مع إيران التي يتداخل فيها الاقتصاد والسياسة بدرجة كبيرة، كما تحتل المصالح مرتبة مهمة فيها، صحيح أن أميركا لا تحتاج النفط الإيراني لكنها تحتاج لتوظيفه في منظومة علاقاتها الأسيوية التي يبدو أنها توليها درجة كبيرة من الأهمية وهو ما يجعلها تعيد صياغة تحكمها بالسياسات العالمية بطريقة جديدة.

أما إيران فإن اتفاقها النووي سيلقي بظلاله على سياساتها تجاه الإقليم، وما من شك أن الاتفاق احتوى على بنود وتفاهمات، لن يصار إلى الإعلان عنها الآن، لكنها ستعلن عن نفسها في ميادين كثيرة، ومنها انكفاء إيران وأذرعها عن سوريا، ذلك أن إيران مثّلت في هذا الاتفاق الطرف المهزوم الذي لا يمكن له إلا الخضوع لاشتراطات الأخر، ولا شك أن طيف الهزيمة لابد أن يشمل كل عناصر القوة الإيرانية، تلك بديهية سياسية لايمكن إنكارها أو إخفاؤها.

إيران تنسحب من هلالها، قوتها العسكرية تهاوت، قوتها المعنوية انهارت هدرتها على جثث السوريين، والتقدير أن الانهيارات لن تتوقف عند هذا الحد، إذ ستكمل مسارها في الداخل الإيراني، كما أن اذرعها مهددة بالاضمحلال لن ينجو حزب الله من تبعات هذا الانهيار، ثمة قوى مدنية شيعية ستحاسبه على كل قتيل في الأرض السورية.

هل يعني ذلك أننا قد نشهد تخلياً عن الأسد في المرحلة المقبلة؟، ثمة مؤشرات بدأت تصب بهذا الاتجاه، لكن الواضح أن التخلي سيتم ضمن صفقة تضمن وجود بعض مؤيدي الأسد في السلطة وحماية جميع مؤيدي الأسد من أي محاسبة لاحقة، على ان تتكفل بعض الدول الحليفة للأسد بإيوائه وضمان عدم ملاحقته مستقبلاً، شرط أن يتم الاتفاق على تشكيل قوة سورية لمحاربة الأذرع المتطرفة والمستدخلة على الحدث السوري، وبهذه الطريقة تخرج جميع الأطراف غير منهزمة.

هو أوان الصفقات وزمنها، الأزمة السورية أنهت وظائفها الإقليمية والدولية، لم يبقى إلا انتظار الاحتفالية الكبرى في جينيف أو سواها لإعلان حالة الانفكاك عن الأزمة. غير أن ذلك لن يعني بالضرورة نهاية الأزمة السورية، فكثير من الأزمات التي بقيت تنز دماً بعيداً عن العين الدولية واهتماماتها، هل من ذكر أن الصومال والكونغو يعيشان بسلام؟.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...