صفحات الثقافة

هل يجد جحا ضالته: المثقف اليمني والثورة


هدى جعفر

لم تغب عن بالي وأنا أكتب هذا المقال قصة ظريفة لأبي الظرفاء جحا، تقول إن جار جحا رآه يبحث بجد واهتمام عن شيء ما في باحة منزله، فسأله: هل أضعت شيئك في الباحة فعلا؟ أجاب: لا بل في حجرة نومي. سأله الرجل: لماذا أنت في الباحة إذاً؟ فأجاب: لأن حجرة نومي مظلمة لعدم وجود قنديل فيها أما الباحة فمضاءة كأفضل ما يكون.

تضحكني هذه القصة كلما خطرت ببالي. فهذا الرجل الظريف يضيع جهده ووقته في ما لا يفيد فقط، لأن البحث في مكان مضاء سهل ومناسب بغض النظر عن الجدوى. السؤال الذي يحضرني الآن: هل اختلف أداء المثقف اليمني في الثورة عن جحا كثيرا؟

كان المثقف اليمني قبل الثورة هو المقارع الأبرز للنظام الفاسد، وكانت مقالات لعدد كبير من الأدباء والنقاد والإعلاميين تتصدر الصفحات الأولى لأهم الصحف الحزبية والمعارضة والمستقلة داخل اليمن وخارجه، وهناك من كان يشارك بمقالاته النارية من منفاه في دول العالم الجديد والقديم على السواء، مع تأكيد ضرورة توعية الشعب اليمني بحقوقه وكيف أنه يجب ألاّ يرضى بالفتات التي تمنحه إياها الحكومة. لكن ما حدث أن انتفاضة الشعب وقيام الثورة وخلخلة نظام الحكم وسقوط الشهداء لم تغيّر من دور المثقف كثيراً. لا يزال المثقف اليمني يراقب ويكتب ويحلل الوضع ويقدم رؤاه الخاصة حول الشأن اليمني من خلف شاشة الكومبيوتر مستخدما وسائل الإعلام الاجتماعي، وربما انخرط في معارك حامية مع من اختلف معه من مثقفي الأحزاب الفكرية والسياسية الأخرى.

لم تخل كتابات أغلب المثقفين/ات من الترويج لأحزابهم السياسية والفكرية وربما أيضا محيطهم الجهوي والمناطقي مع زيارات مناسباتية إلى ساحة الاعتصام المفتوحة منذ عشرة أشهر، بينما كان المواطن العادي هو الذي كان يقتل في الميدان، وكانت المرأة اليمنية العادية هي التي يسيل دمها في شوارع المدن، أما المثقف/ة فقد اكتفى بالمراقبة والتحليل، وهو من يفوز أيضا بفرصة السفر لتمثيل الثورة اليمنية في المحافل الإقليمية والدولية، وهناك من ترك البلاد والعباد هرباً من قتامة المشهد اليمني السياسي، بل وهناك من قبض ثمن ثوريته جوائز عالمية تقدّر بملايين الريالات اليمنية.

إن الثورة اليمنية في الأساس هي ثورة المواطن اليمني العادي، أما المثقف فكان ثائرا من الدرجة الثانية، ملولا وقصير النفس، مما جعله شبه غائب عن الفعل الثوري الحقيقي في ساحات الاعتصام التي يرابط فيها الملايين من اليمنيين منذ عشرة أشهر، فالثورة اليمنية هي التي أثّرت في المشهد الثقافي اليمني وزادته توهجا وأظهرت الى الضوء مواهب وقدرات ثقافية وفنية مذهلة لدى الشباب اليمني، فقد حوّل شباب الثورة في جميع المحافظات خيم الاعتصام إلى أماكن لإقامة النشاطات الثقافية والفنية، ولاستضافة عدد من المثقفين/ات في مجال الأدب والشعر والنقد والسينما، وظهر في ساحات التغيير والحرية في صنعاء وتعز والحديدة وعدن عدد من الفرق المسرحية والغنائية وفرق الهيب هوب، مع إقامة المعارض للفن التشكيلي والصور الفوتوغرافية بموازنات تقريبا غير موجودة، كما أصدرت أغلب التكوينات الثورية الشبابية عدداً من الصحف التي تناقش مختلف القضايا الثورية والسياسية والثقافية.

آخر ما يؤكد لنا دور المثقف اليمني (الكومبارسي) في الثورة اليمنية هي مسيرة الحياة الراجلة التي انطلقت من مدينة تعز في 20 كانون الأول، وجابت عدداً من المحافظات والمدن وقطعت قرابة 300 كيلومتر مشيا على الأقدام، وقد انضم إليها مئات الآلاف من عدد من المحافظات مثل: إب والسدة ويريم والقاعدة وكتاب والبيضاء وذمار، ووصلت الى العاصمة صنعاء في 24 ديسمبر، هذه المسيرة التي خرجت تأكيدا لرفض منح الحصانة لعلي عبد الله صالح وكبار معاونيه، لم ينضم اليها من النخبة الثقافية والفنية سوى شخصين فقط، برغم أن المسيرة انطلقت من تعز وهي المدينة القلب للحركة الثقافية في اليمن.

لا شك أن المثقف اليمني ينتظر جني ثمار انتصار الثورة اليمنية على أحر من الجمر، ولا شك في أن إيمانه بعدالة الثورة اليمنية لم يخفت للحظة، لكنه لا يزال مرابطا في المنطقة الأسهل والأكثر أمانا بالنسبة اليه، مقدما النصائح لشباب الثورة بما يجب عمله، بينما الشباب يتقدم ثورياً، مخلّفا طابور المثقفين وراءه. فهل يكون للمثقف اليمني دور في مقبل الأيام؟ علينا هنا أن نسأل جحا إن كان وجده ضالته في باحة المنزل أم لا.

النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى