الرئيسية / صفحات سورية / هل يلجأ النظام السوري الى المراوغة اليمنية بعد فشل الحل الأمني الليبي؟

هل يلجأ النظام السوري الى المراوغة اليمنية بعد فشل الحل الأمني الليبي؟


محمود الزيبق

لا أود أن يفهم من العنوان أن الأسد ونظامه يبحثون في الأمثلة العربية لتقليدها وإن كنت لا أشك أنهم يدرسونها لقراءتها بشكل جيد والإفادة من معطياتها.. بل ومحاولة استدراك بعض تفاصيلها من خلال مساهمة الأسد في القمع بكلا الدولتين بتصدير بعض الشبيحة الذين لا يجدون أي مشكلات في قصف الشعبين اليمني والليبي إن وجد اليمنيون والليبيون في ذلك حرجا.. ولكن هذا لا يغير حقيقة أن الأسد ونظامه نموذج مختلف بحد ذاته قد لا نجد له شبيها في القمع كما لا نجد له شبيها في المراوغة أو تقديم التنازلات ..

خلال الفترة الماضية كان النهج الواضح لنظام الأسد شبيها بهمجية القذافي في التعامل مع ثورة شعبه في ليبيا.. مع التاكيد على ان بعض ما جرى في سورية من تعذيب للمعتقلين وتهديدهم باختطاف ذويهم او التمثيل بجثث الاطفال هو مما لم يسمع به القذافي وربما لم يخطر له يوما على بال ويكفي للتأكيد على ان هذا النظام له قدم السبق في الهمجية أن نذكر بأن أكبر مجزرة وإبادة همجية ارتكبت في الشرق الاوسط في تاريخه الحديث كانت تلك التي ارتكبتها قوات حافظ الأسد في حماة والتي أبيدت فيها احياء كاملة من المدينة وسويت بالأرض وقتل فيها عشرات الآلاف على اختلاف التقديرات لأعدادهم .. وهذا أيضا لا يغير تاريخ النظام الأسدي الطويل في تقديم التنازلات والبراغماتية عندما يضيق الخناق على عنقه للمحافظة على وجوده .. دعونا نذكر هنا انسحاب حافظ الأسد من الجولان عام 67 قبل دخول القوات الاسرائيلية وكذلك طلبه من وزير خارجية الاتحاد السوفييتي العمل على هدنة ووقف إطلاق النار بعد 6 ساعات فقط من بدء حرب تشرين أكتوبر عام 73 مرورا بالتنازل عن لواء اسكندرون وتسليم عبد الله اوجلان لتركيا عام 98 بعد ان حشدت تركيا جيوشها شمال سورية وهددت بالحرب .. وعلى نفس الخطى سار الابن بشار حيث نذكر جيدا هنا انسحابه من لبنان عام 2005 بالـــــتزامن مع تهديدات بــوش الجدية بتكرار نموذج غزو العراق في سورية وكذلك إغلاقه مكاتب فصائل المقاومة الفلسطينية عام 2005 أيضـــــا ثم لجوئه إلى التعامل الاستخباراتي الكامل مع الولايات المتحدة وتسليمها قوائم كاملة بأسماء المقاومين السوريين والعرب الذين دخلوا العراق من الحدود السورية لمناهضة الاحتلال الأمريكي فيه ..

هذه الحالة المعقدة للنظام الأسدي والتي تعتمد الهمجية بأقسى وأبشع صورها ثم التنازل لأبعد الحدود عندما يتعلق الامر بالبقاء والوجود تطرح علينا سؤالا مهما اليوم عن الطريق الذي سيختاره الأسد مع استحكام الازمة واشتداد الخناق عليه بينما تلوح نهايته في مبادرة عربية تبدو شبيهة بتلك التي قدمت للقذافي وربما تحذو حذوها وإن بدت في صورتها مختلفة بعض الشيء ..

ذلك أن التنازلات التي قدمها الأسد وأبوه سابقا كانت تتعلق بالكرسي والحكم في الدرجة الأولى واضطرتهما إلى التخلي عن الجولان ولواء اسكندرون (على اهميتهما الكبيرة) للاحتفاظ بالسلطة .. ولكن عندما تكون المساومة هذه المرة على الكرسي نفسه يزداد السؤال غموضا ترى أي السبيلين سيسلك الأسد؟

لا يبدو أن الأسد وبقية العائلة يملكون من الثبات أو على الأصح العنجهية ما يؤهلهم للمواجهة أو حتى التفكير في أن يكونوا في مكان القذافي .. فبشار وماهر ورامي وحافظ وبقية المسيطرين على النظام من الشباب في معظمهم وليسوا في أرذل العمر كما انهم ليسوا طلاب مجد مشبوه كذلك الذي سيطر على عقل القذافي وإنما هم طلاب المتعة والترف والرفاهية يكفي لهذا أن ننظر في عبث القذافي في افريقيا او ايرلندا أو حادثة لوكربي في مقابل آل الأسد الذين اقتصرت اهتماماتهم في الخارج على الاستثمارات والأرصدة في بنوك أوروبا .. ولذلك لا عجب ان تقدم لهم اسبانيا دعوة للجوء السياسي ليس من باب الحرص عليهم وإنما على اموالهم التي تعـــــرف اسبانيا نكهتها تماما في أموال تنتشر فنادق وبارات ويخوت في طول اسبانيا وعرضها ..

من هنا يبدو أن الأسد قد يختار في اللحظات الأخيرة خيارات صعبة ربما يعلن فيها انتخابات شاملة جديدة تحت سلطته برقابة دولية أو حتى نقلا تدريجيا للسلطة على مراحل وفق خارطة زمنية مؤقتة يجد في ثناياها الوقت الكافي للمراوغة والبقاء لأطول وقت ممكن ..

وهذا لا يعني أن الأسد سيوقف جرائمه ضد شعبه بل إن عامل الانتقام من أولئك الذين أقضوا مضجعه وغيروا خارطة الملكية الجمهورية التي صنعها والده سيبقى مسيطرا على سلوكه ولكن بطريقة المراوغة أيضا بحيث تصبح دماء السوريين نوعا من البورصة التي تزداد او تنقص بالتزامن مع لعبة المراوغة بالمبادرات السياسية التي سيلعبها الأسد ..

وعندما تستحضر المعارضة السورية أن الأسد وريث مدرسة عريقة في لعبة التنازلات والمراوغة ومثال ذلك إفلاته من السقوط عام 2005 رغم كل المؤشرات على ذلك .. يطرح السؤال عريضا عن دور المعارضة السياسية ووحدة صفها وقدرتها على مواجهة الأسد في لعبة السياسة لتجنيب شعبها ويلات القادم .. واختصار الوقت الذي تقطر الدماء مع كل حركة لمؤشر الساعات فيه.

‘ كاتب صحافي من سورية

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...