الرئيسية / صفحات سورية / هل ينجح الأسد حيثُ فشِل غورو..؟

هل ينجح الأسد حيثُ فشِل غورو..؟


وهيب أيوب

بات من المؤكّد لنظام الأسد أنّه من المستحيل العودة بسوريا إلى ما قبل الخامس عشر من آذار؛ يوم اقتلعت أظافر أطفال درعا ونُكِّل بهم، بل ربما بات مُدرِكاً أيضاً أنه من سابع المستحيلات أن يعود ليحكم سوريا وليحكم آباء وأمهات أولئك الأطفال.

لا يمكن لبشار الأسد مهما بلغ جنونه وهوسه في التمسّك بالسلطة، أن يستمر بهذا الدرب المتهالك وهذا الإيغال البشع في القتل والتنكيل والتدمير لو لم يكن يفكّر بملاذٍ أخير.

 من الواضح تماماً أن النظام لن يسلّم السلطة إلى غيره، لا طوعاً ولا إجبارا، وبعد مضي أكثر من عام على محاولة إخضاعه للثورة السورية باستخدام كل ما أمكنه من وسائل القمع والبطش والوحشية، فإن صمود الشعب السوري وتحدّيه له ولسلطته أصاباه بالخذلان.

فهل يفكّر بشار الأسد ونظامه بتقسيم سوريا والتوجه نحو الساحل السوري بعد أن يفقد السيطرة نهائياً على دمشق وبعض المحافظات السورية الثائرة؟

إن الأساليب الوحشية التي تستخدمها عصابات الأسد في ذبح العديد من العائلات بالسكاكين واغتصاب النساء وانتهاك الأعراض وتدمير أحياء بكاملها وفصل أحياء عن بعضها بواسطة خنادق أو جدران وكتابة شعارات طائفية تحريضية، هي دعوة واضحة للاقتتال الطائفي وجرّ للطرف الآخر كي يقوم بأعمال ثأرية انتقامية مماثلة، ما يفتح الصراع الطائفي المذهبي على مصراعيه، بحيث يُقنع المراقبين والمجتمع الدولي بأن التعايش بين الطائفتين السنية والعلوية بات مستحيلاً، وبهذا يُشرعِن الانفصال واقعياً على الأرض.

يبيّن سلوك الأسد الدموي في المرحلة الأخيرة، بشكل واضح، أن لا أمل له بالاستمرار بحكم سوريا بعد فشله فشلاً ذريعاً في إركاع الثورة بقوة السلاح.

لذا فإن سيناريو التقسيم هذا ليس خيالياً إذا ما استطاع الأسد جرّ الطرف الآخر لمستنقعه الخطير، وإذا ما نجح بتوريط الطائفة العلوية في هذا المخطط، ليس حرصاً عليها بقدر ما هو استخدام قذر لها، للنجاة بعائلته وعصابته الحاكمة.. أنه الملاذ الأخير لإنقاذ نظامه جزئيّاً على الأقل، وفي نفس الوقت لتفادى سقوطه كليّاً وخروجه من البلد أو للنجاة من نهاية شبيهة بخاتمة القذّافي.

فمَن غير الأسد، إقليمياً ودولياً، يستسيغ فكرة التقسيم وربما يدفع بها ..؟

في 14 نيسان المنصرم كتب مصطفى العاني مقالاً في “الحياة” بعنوان “إسرائيل والثورة السورية: عدوّ عدوي… عدوي” يقول فيه: “قررت الحكومة الإسرائيلية وضع «فيتو» واضح وقاطع على أي جهود خارجية، إقليمية أو دولية، لتوفير الدعم للثورة السورية، وتم إعلام جميع الأطراف الدولية بنيّة إسرائيل في العمل على إعاقة أي مشروع لتوفير الحماية الدولية للثورة السورية أو تقديم أي إسناد سياسي أو عسكري قد يساعدها في تحقيق الانتصار.

إفشال الثورة السورية أمسى اليوم أحد الأهداف الإستراتيجية للدولة الإسرائيلية”.

إذاً مصلحة إسرائيل تقتضي صمود النظام وبقائه إن أمكن، وإلا، فنشوب حرب أهلية طويلة الأمد يُدمَّر فيها الجيش السوري ويُفكّك إضافة لتدمير البنية التحتية للدولة والمجتمع السوري، وأخيراً تقسيم سوريا إلى دولتين أو أكثر بما يضمن لها إضعاف سوريا واستمرار احتلالها للجولان، مع التذكير بأن مخطط تقسيم سوريا سعت إليه إسرائيل وأمريكا سابقاً منذ العام 67 بعد احتلالها الجولان.

الطرف الثاني المستفيد من التقسيم هو روسيا؛ فالروس يُدركون تماماً أنه في حالة سقوط نظام الأسد فلا بقاء لقاعدتها وأسطولها على الشواطئ السورية، إضافة لتضرر جميع مشاريعها ومصالحها مع الشعب السوري، الذي اعتبرها، نتيجة مساندتها للأسد، عدوّاً لثورته.

من هنا يتضح أن مصالح روسيا ستصب في دعم قيام تلك الدويلة والاعتراف بها، إضافة، طبعاً، لدعم إيران والعراق و”حزب الله” في لبنان، فهؤلاء أصحاب مشروع واستراتيجية واحدة.

أوروبا والولايات المتحدة متساوقون تماماً مع فكرة التقسيم حتى لو لم يُظهروا أو يُعلنوا ذلك صراحةً، ولا ننسى أن المفكر الأمريكي صامويل هنتغتون في كتابه “صدام الحضارات” يعتمد بشكل أساسي على فكرة تقسيم العالم وتجزئة الدول الكبيرة إلى دويلات صغيرة على خلفية الصراعات الدينية والإثنية والثقافية، فمنذ صدور كتاب هنتغتون في العام 96 شهدنا نشوء دويلات عديدة على هذا الأساس ليس آخرها جنوب السودان، والحبل على الجرّار.

نجاح الأسد في هذا المخطط قد يفتح شهية طوائف وقوميات أُخرى في سوريا للجنوح بذات المنحى، وهذا الأخطر.

لكن هناك أطراف إقليمية ودولية ترفض فكرة التقسيم من منطلق مصالحها الأمنية والإستراتيجية، خاصة تركيا التي يقطنها أكثر من 15 مليون من الطائفة العلوية إضافة للأكراد. ودول الخليج العربي أيضاً التي تُصارع إيران لقطع امتدادها الشيعي في المنطقة لا مصلحة لهم في التقسيم، لكن الوقائع على الأرض ومواقف الدول الداعمة للتقسيم قد تكون أوفر حظاً في الحسم، لكن الأمر الحاسم الآخر هو مدى استجابة الطائفة العلوية للأسد بالسير خلفه في هذا المنحى الخطير والخطأ التاريخي الجسيم، وفي حال رفضهم لمخطط الأسد سيشكل حجر عثرة له في إنجاز المشروع.

بالمقابل، فإن مدى وعي الثوار وإدراكهم لسعي الأسد هذا والتصرّف بغاية الانضباط والحكمة بعدم مساعدته بدفع الأمور في هذا الاتجاه الخطير والانزلاق إلى منطق الانتقام والثأر من الطائفة العلوية مهما تكن الأسباب، لأن تلك الانزلاقات ستشكل الذريعة المبرّرة للأسد لتنفيذ مآربه.

من هنا نناشد جميع الفرقاء في الثورة والمعارضة التصدّي لكل الأفواه الباعثة على التحريض الطائفي والثأر والانتقام، لأنها تساهم بإشعال ما لا يمكن إطفاءه أو استدراك نتائجه.

في العام 1920 سعى الجنرال غورو، انتقاماً من السوريين في معركة ميسلون، إلى تقسيم سوريا لعدة دويلات طائفية منها دولة دمشق ودولة حلب ودولة جبل الدروز ودولة العلويين.

لكن زعماء الثورة السورية من سلطان الأطرش وصالح العلي وإبراهيم هنانو والقاوقجي وغيرهم رفضوا التقسيم ونجحوا بإعادة توحيد سوريا تحت علمٍ واحد.

فهل ينتقم الأسد من السوريين جرّاء مقاومتهم لسلطته وتمريغ هيبته في التراب، وينجح حيثُ فشل غورو..؟

الجولان المحتل – مجدل شمس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...