الرئيسية / صفحات سورية / هل يُصلح العطّارُ ما أفسدَ الدهرُ؟

هل يُصلح العطّارُ ما أفسدَ الدهرُ؟

 


عماد يوسف

صعدَ درجات السلّم التي تصل به إلى القسم المخصص للآرشيف والمحفوظات في الطابق الثالث من فرع الهجرة والجوازات. لهاثه يسبقُ أنفاسه وضربات قلبه تزداد كلما اقترب درجة اضافية من القسم المختص. أسئلة كثيرة تروح، وأخرى تجيء مكانها. هواجس تذكّرٍ وارهاصات خوف وتوتر تزيد خفقان قلبه البائس الذ ي أمضى سنيناً وهو يترّقبُ لحظة كهذه. أن يكونَ حرّاً يسافر حيث يشاء، كما كان يفعل سابقاً، يذهب للعمل في بلد آخر فربما ينقذُ نفسه وعائلته من شظفَ العيش الذي نالَ منه في السنوات الأخيرة كما حال الملايين من أهل البلاد. ثمَّ إنَّ رفع هذا الإجراء هو خطوة جيدة باتجاه الإعتراف بإنسانية الآخر وحرّيته وكينونته التي لا يمكن لغير الطبيعة التي كونتها أن تأسرها، أو تحدُّ من حركتها أوانعتاقها. نعم إنها خطوة جيدة علّها تأتي بخطوات كثيرة أكبر. تُنقذ البلاد وتجعل عصافير الحبّ وشموس الحرّية تسطعُ قوية في دياره.

” لكن ماذا لو أوقفوني الآن، لأي سبب كان؟! تساءل في خلده. لا ..لا هذا غير معقول! أولاً؛ أنا لم أفعل شيئاً. ثانياً تمَّ رفع قانون الطوارىء وهذا يسحب منهم الحق في توقيف أي شخص كان في أية لحظة وأي مكان ؟! ولكن هذا حصل ومازال يحصل، يجيب في عقله الباطن. نعم ولكن هؤلاء من المحسوبين خونة لأنهم يتظاهرون؟؟! أنا لم أتظاهر، وليس هذا فقط بل لقد كتبتُ الكثير من المقالات التي تؤيد الاصلاح وتدعم مسيرته انطلاقاً من خوفي على البلاد والوطن. لدرجة ان الكثير من أصدقائي خوّنوني، واتهموني بمعاداة الثورة. وهذه التهمة من الكبائر ولو كنتُ معهم في ساحة الوغى لأطلقوا عليَّ رصاصة ميدانية ربّما، إذا لماذا يوقفوني؟!! فإذاً أنا لستُ خائن ولا مبرر لديهم لاعتقالي.” هذه الخواطر كانت تدور في خلده عندما وصل إلى قسم المحفوظات. رمى التحيّة بتهذيب مبالغ فيه على أول شخص صادفه في المكتب. مدَّ يده إلى جيب سرواله الخلفي حيث يضع محفظته وفيها بطاقة الهوية. سحبها وقدّمها للموظف الذي يقف أمامه، ولكن خلف حاجز مرتفع من الإسمنت الذي تمَّ تلبيسه بالرخام.

– إذا سمحت أريد أن أتأكد من وضع صاحب هذه البطاقة بخصوص السفر.

– يتناول الموظف المختص البطاقة ويتمعّن بالإسم جيداً، ثمَّ ينظر إليه. يعاود النظر في الهوية ويبدأ بإدخال بياناتها إلى جهاز الكمبيوتر. لحظات تمضي، دقيقة ، دقيتان ، ثلاث، ثمَ خمس دقائق تجعل قلب صاحب الهوية يوشك أن يقفز من صدره. ليس خوفاً ولكنه يقفز من القهر، إذ بأي حق يقف هو المتعّلم والمثقف الكاتب أمام شخص كهذا بهذا الذلّ والمهانة ليقول له إن كان يُسمح له بالسفر أم لا ؟؟

يتابع الموظف ادخال المزيد من البيانات إلى الكمبيوتر، يتمعن في الهوية للمزيد من التأكيد من الإسم وتفصيلاته، وبين فينة وأخرى يرمقهُ بنظرة شماتة واستعداء وكراهية، توحي له بخيانته للوطن، وبأنه شاذ عن الرعيل العام، حتى بدأ يشعر بأنه هو من باع فلسطين لليهود عام 1948 علماً أن هذا حصل قبل ولادته بستة عشر عاماً؟!

– أنتَ هو صاحب الهوية ؟ سال الموظف

– نعم أنا هو !!

– أنتَ عماد يوسف ؟؟

– نعم ياأخي أنا هو !!

يهزُّ الموظف رأسه ثم يتجه إلى الجانب الآخر من الغرفة حيث يوجد أبو حيدر مع بعض المراجعين. يناديه؛ أبو حيدر. يتجانبان في وقوفهما، ويتبادلان أطراف حديث ما وكلمات لم يصل صداها إلى مسامعه. يأتي ابو حيدر لينظر إلى الكمبيوتر، ثم ّ يرمقه بنظرة حادة موجهاً سؤاله له:

– أنت َ عماد يوسف ؟

– يا سيدي نعم، يا سيدي إي أنا عماد يوسف؟! خيراً إنشالله قل لي ما الأمر. كل ما في الموضوع بأنه لدي منع سفر وأنا الآن جئت أستعلم عن أمره بعد أن أصدر الرئيس مرسوماً بإلغاء هذا المنع للجميع. فقل لي رُفعَ المنع أم لم يُرفع؟ وباختصار إذا سمحت.!!

– لا.. لا المنع لم يُرفع ؟ يجيب أبو حيدر بأنفة وفوقية بعد أن قطّبَ حاجبيه .

– ماذا . هذا غير صحيح تأكد جيداً يا أخي هناك مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية برفع منع السفر عن الجميع ؟ تأكد جيداً.

– يا أخي المنع موجود ولم يُرفع. هل هذه مسألة فيها تأكيد. اذهب وإبحث عن الأمر في مكان المنع .

– لا .. لا لا يا صاحبي لن أذهب، لن أذهب ولن أجيء، تكفيني رؤية وجوهكم الكريمة أنتم. لا داعي لرؤية المزيد من الوجوه اللطيفة والدمثة في العاصمة أيضاً. ثمَّ أنا لا أريد أن أشغلهم بتفاهة قضيتي أمام القضيّة الكبرى التي يعملون عليها والتي بحجم الوطن بل وأكبر من الوطن بكثير. إنها بحجم العالم. ومن أنا حتى أشغل أمثالك بتفاهاتي الصغيرة. لا … لا، لن أذهب سأترككم فربَّ لحظة من هنا ودقيقة من هناك من وقتكم الثمين تنقذ الوطن من هول ما يتعرَّض له من تآمر كبير . ولكن أريد أن أسألك سؤالاً؟

– شو سؤالك؟!

– هل تعرف العطّار يا صاحبي ؟

– ومن هو هذا العطّار هل هو ممنوع من السفر أيضاً؟؟ سأل باندهاش

لا.. يا صاحبي العطّار هو شخص أراد أن يُصلح ما أفسدَ الدهرُ لكنه لم يستطيع . ولذلك قالت العربُ ” لا يُصلحُ العطّار ما أفسدّ الدهرُ “.

سلام يا صاحبي . وأهديك هذا المقطع من قصيدة كتبتها منذ أربعة أشهر تقريباً:

“ممنوع من السفر

من الحبِِّ ..

من الَنَظر .

ممنوع أن تسال الأطفال،

أو النساء الحوامل

عن حلم ٍ منتظر …؟!”

 

20/6/2011

• القصة  حصلت معي يوم 19/6/2011

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

83 − 74 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...